محمد العلائي
alalaiy@yahoo.com
قررت أنني متضرر من الانترنت بأكثر مما أستطيع احتماله.
كل يوم يواجه المرء على الانترنت جيش لا متناه من الأقنعة في أعظم فضاء تنكر عبر كل العصور. "على الانترنت، لا يعرف أحد أنك كلب"، هكذا يتحدث كلبان، كل منهما للآخر، في صور متحركة نيويوركية لمؤلفها بيتر شتاينر عام 1993.
خطرت لي عبارة شتاينر في ساعة متأخرة من إحدى الليالي القليلة الماضية، عندما قمت عبثا بتحديث أخير لصفحة إيميلي قبل أن أخلد إلى النوم. لقد استرعت انتباهي رسالة جديدة تتضمن بيان من رجل يقول إنه المهدي المنتظر مذيلة بهذا الاسم: الإمام المهدي ناصر محمد اليماني.
كانت الرسالة تتحدث عن أشياء غير مفهومة من قبيل انتفاخ الأهلة وأن الشمس أدركت القمر واقتراب الحكم وعلامات الساعة الكبرى، وشهر شوال.
لحظتها لم أفكر في كيف أن الساعات الأخيرة من الليل تجعل من أحدنا غرضا مستباحا سهل المنال. شعرت برعدة في داخلي فحسب، وعدت الطفل الخائف الذي كنت، ثم فيما بعد الصبي المتدين لكن المصاب بفوبيا نهاية العالم وأشراط الساعة.
أتذكر أنني كنت صبيا وجد نفسه على حين غرة مريضا بعقدة القيامة. مع مرور الوقت، اتخذت الحالة طابعا هستيريا. حتى أنني كرهت يوم الجمعة لأنني لطالما سمعت أن المسلمين يبجلون هذا اليوم لأنه سيكون يوم المحشر ولطالما استيقظت مفعما بالقلق لمراقبة الجهة التي ستشرق منها الشمس.
أوه كم تألمت دون أن املك الشجاعة الكافية لمشاطرة أحدهم ذلك الفزع المؤلم. لقد كنت معني بانضباط الكون على نحو شخصي غير قابل للتفسير. كنت أجند كل دروعي السيكولوجية لمقاومة تصديق الأصوات التي تبشر بدنو النهاية.
ذات ليلة كنت نائما بجوار جدي، حينما سمعت أحد ضيوفه الغرباء الذين يأتون إلى مسجد القرية لبيع الخرافات، يهمس بصوت أجش متموج لعين: القيامة قربت يافقيه. وراح يسترسل في شرح حيثياته بأناة أقضت مضجعي. حاولت ألا أكترث في البداية، تناومت وتناومت، لكن صوته كان يتدفق على جوارحي كوابل من الرماح.
إنني أفقد رباطة جأشي، دائما ما افقد رباطة جأشي بإزاء أحاديث النهاية.
توقفت عن التناوم، نهضت من فراشي مثل جرو يترنح، وتظاهرت أنني سأخرج للتبول خلف البيت. تعمدت أن أتأخر ريثما ينهي هذا الغريب نبوءته. عدت إلى فراشي، غير أن نبي القيامة لا يزال يتلو نبوءته، وجدي يصغي إليه ويحدق فيه بجسارة. لن تصدقوا كم كانت صدمتي رهيبة، أتذكر تلك اللحظة الآن بعد عقدين ربما فيقشعر بدني.
لقد نال مني الوغد.
حتى أنني أنظر الآن إلى المشهد برمته وكأنه التجسيد التام لمقطع فوضوي أنيق من قصيدة لقاسم حداد لفت نظري إليها صديقي محمود ياسين: "أنتفض وأتقاطع وأعترض وأتحاجز وأنهار وأجرؤ وأخاف وأعوي وأستذئب وألف وأنفر وأستفرد وأستجير وأبوح وأنوح وأنتحب وأصيح وأصرخ وأبكي وأهذي وأهذي وأضرب وأحترب وينال مني فأهتف وأنخطف وينال مني فأهذي وأهذي وينال مني أهذي وينال مني أهذي وينال مني وينال مني وينال ينال ينال".
كنت فتى القيامة المذعور بامتياز. ذات مرة غادرت أحد المساجد هربا من موعظة كانت تحصي علامات الساعة ما تحقق منها وما لم يتحقق. واهتديت إلى طريقة لمداواة رهابي المستفحل. رحت أنهمك في قراءة كتب متعلقة بعلامات القيامة، واستمعت كاسيتات طارق السويدان بحثا عن بارقة أمل من شأنها تأجيل موعد الساعة إلى اليوم التالي لوفاتي.
عندما يتعلق الأمر بالقيامة، تصبح عبارة مثل "أن المؤمن يتوق للقاء ربه" غير ذات معنى. ولم أكن أجد في ذلك تناقضا مع الفتى المؤمن الذي يفترض بي أن أكون.
كانت حالتي تتفاقم. أعددت خطبة تضمنت أكثر السيناريوهات رعبا لعلامات القيامة، يأجوج ومأجوج والدابة، وطلوع الشمس من المغرب والمسيح الدجال. لم يكن عمري يتجاوز الـ17 عاما، واستندت بالكامل إلى مجلة السلفيين "المنتدى"، لكن هذه الخطبة تحولت إلى كوابيس لا يزال تأثيرها حتى لحظة كتابة هذه السطور.
قبل فترة وجيزة شاهدت فيلم "هرمجدون". وهو فيلم عظيم يروي حدث افتراضي عن جسم فضائي يقترب من الأرض مساحته تساوي مساحة تكساس ومدى تأثير ارتطامه بالأرض يساوي تأثير 10 ألاف قنبلة نووية. كنت خائفا في بداية الفيلم، ظننت أنه سيصور أحداث القيامة، لكن المنحى الذي اتخذته الأحداث رسم نهاية سعيدة.
كنت في قرارة نفسي ممتن للمخرج الذي قام بتطعيم الفيلم بمشاهد كوميدية وحتى عاطفية. يا له من إنسان رائع، ربما خطر له أثناء تجهيز الفيلم الرجال الخائفون أمثالي. إذ على هامش الأحداث كانت قصة حب تنمو بين ابنة رئيس شركة نفطية بارع في الحفر والتنقيب، وبين أحد موظفيه، قبل أن يتم اختيار طاقم الشركة للصعود إلى النيزك وتفخيخه بقنابل نووية.
لدي مشكلة مزمنة مع الخرافة التي وجدت من الانترنت وسيلة لمطاردة الخائفين من القيامة. فبفضل الانترنت ها إنني أنام مع المهدي المنتظر في سرير واحد. أشاهد مع ابني هشام مقاطع كوميدية للأطفال في "يوتيوب" فتظهر أسفل نافذة الفيديو عبارة هي عنوان لفيلم قصير "نبوءة نهاية العالم، وحكاية البابا الأخير"!
وهكذا، تركتني رسالة "المهدي" فريسة اضطراب لا حدود له. في وقت آخر كنت سأتجاهل رسالة "المهدي" ببساطة، لكنني الآن على بعد ساعة من الفجر، وحيد وأعزل، مكشوف دون أية دفاعات. استحضرت كل كوابيس الماضي، وعندما استيقظت في الصباح تفقدت الشمس.
كنت بصدد القول أن في الانترنت يوجد على الدوام من بوسعه النيل منك. ذات يوم باغتني شخص يطلب المحادثة. كان صباحا مشرقا من صباحات رمضان الفائت. كنت على وشك إغلاق الماسينجر حينما ظهرت نافذة مكتوب عليها ببنط سميك وملون بالأحمر: السلام عليكم ورحمة الله.
- قلت من أنت؟
- رد: معك السيد نجاح الموسوي!
- من أين أنت؟ سألت.
- من النجف الأشرف، رد. وأضاف بمباهاة لا تخطئها العين: من جوار مرقد الحسن والحسين عليهما السلام.
ليس جيدا أن يحدثك شخص من جوار مرقد ما، الساعة الـ8 صباحا. لقد جفلت وأظنني تخيلت كرشا بارزا وعمامة سوداء لرجل خرج لتوه من حمامات الوضوء تقطر الماء من أطرافه. فكرت أنه من غير اللائق إقفال الماسينجر في وجهه. فأخذت أتبادل معه الترهات المضحكة، أسئلة بلهاء من مثل كيف تبدو الروحانية في النجف خلال رمضان. وربما تملقت مزاج الشيعي في الرجل.
لم أفقد رباطة جأشي حينها لكني فقدت سكينتي الداخلية وأتذكر أنني بدأت النظر إلى الانترنت باعتباره رسول التعاسة البغيض. فيما مضى كنت اعتقد أني أحد أكثر المتحمسين للانترنت، إنه عالم مشوق وكثيرا ما استسلمت لإغواء الفيس بوك وأمضيت أياما بطولها.
لم أكن أنوي هنا هجاء الانترنت ولا الخوض في علاقة تقنية المعلومات بازدهار الخرافة والتطرف، لكنني امرؤ سريع التأذي، إنني متضرر فحسب، رجل أفقده "المهدي المنتظر" رباطة جأشه في ساعة متأخرة من الليل.
*بالتزامن مع مجلة صيف
هناك تعليق واحد:
لحظتها لم أفكر في كيف أن الساعات الأخيرة من الليل تجعل من أحدنا غرضا مستباحا سهل المنال.
أوه كم تألمت دون أن املك الشجاعة الكافية لمشاطرة أحدهم ذلك الفزع المؤلم. لقد كنت معني بانضباط الكون على نحو شخصي غير قابل للتفسير.
كم أنت عضيم يا علائي
إرسال تعليق