دعونا نفكر بغرابة وطيش. كأن نفترض، على سبيل التسلية، بأن نظام علي عبد الله صالح يقوم، حالياً، على دعامتان أساسيتان: الجيش، والمشترك، وأنه يراهن في الجيش على شيئين: القوة والمهابة، بينما يراهن في المشترك(وهذا من سخرية القدر) على 3 أشياء: خصم سياسي ناعم الملمس، طويل اللسان، توفير الحس بالدهاء والقدرة على المراوغة، الحصول على شكل يوحي بجوهر ديمقراطي قابل للتسويق والإغواء.
سنغض الطرف عن الدعامة الأولى(الجيش)، والدعامات الفرعية الأخرى. ذلك أنها واضحة وتؤدي وظيفتها بقصدية كاملة. سيقتصر حديثنا على الدعامة الثانية.
المشترك، فوق هذا وذاك، يتباهى بكونه يمتلك حس وطني مرهف(وحسبما اعتقد فهو أكثر استشعارا لفكرة الوطن وماهيتها). وهذا مما يثلج قلب الرئيس، فيجد الوقت الكافي ليفعل ما يحلو له فعله، مطمئنا إلى أن ما من قوة بوسعها أن توصل الأمور إلى الحافة، التي تعني سقوطه قبل كل شيء.
علاوة على أن اللقاء المشترك، لاسيما الإصلاح، يستمتع بدور صمام أمان البلد. حتى الرئيس نفسه يروق له أن يرى المشترك يلعب هذا الدور، خلف الستار، بتفان وإصرار عنيد. والسبب بسيط. فمن شأن هذا الدور أن يجعل تحرك المشترك السياسي أكثر حذرا ومحدودية في مقابل "نظام حكم متهور"، مثلما قد تعتقد قيادة اللقاء.
إذاً، الفكرة ليست طائشة، بقدر ما هي غريبة. فمنذ نشوئه، لطالما ظن اللقاء المشترك أنه يسهم في تقويض مداميك الحكم القائم. وهو يفعل هذا بالتأكيد وبنوايا حسنة. ولقد أبلي بلاء جيداً في هذا المضمار الشاق.
غير أن النتائج تجيء عكسية في كل مرة. وهذه النقطة بالذات تستدعي تسليط بعض الضوء عليها.
لكن كيف يمكن ألا يصبح المشترك دعامة مساندة للرئيس؟
في الواقع، هناك أكثر من وسيلة، ومنها: الكف عن مشاطرته اللعبة. بهذه الخطوة سيصبح الرئيس ونظامه أشبه ما يكون بالذئب الكسيح، أو "البطة العرجاء"*، يمشيان على رجل مفردة. ومهما بلغت ضخامة وقوة هذه الرجل، فان السير سيكون مترنحا، متمايلا يمنة ويسرة، ولا بد أنهما سيتعثران، كأي معاق، ويسقطان عند أول مطب يمران عليه.
تلك الخطوة الأولى، وهي سلمية وحضارية بامتياز. لكنها، على أية حال، من الصعوبة بمكان، بحيث يستلزم الإقدام عليها قيادة شابة متوقدة، غير مثقلة بالحسابات الكبيرة، تتحلى بروح المغامرة وملاحقة القدر حتى نهايته، وليس لديها ما تخسره، على المستوى الشخصي طبعاً.
بعبارة آخر: قيادة غير تاريخية بالمعنى الحرفي والمجازي معاً.
وفكرة المقاطعة قديمة، وقد تبدو لدى البعض سخيفة، وتنم عن نزوع للتبسيط والخفة. وبدعوى التعقل والحس الوطني العالي، يتم استبعاد خيار المقاطعة. الأمر الذي عزز من ثقة المؤتمر بنفسه.
انظروا، إن شئتم، إلى هذا الاستنفار الرمضاني العظيم للرئيس وحزبه. إنهم يجوبون في أصقاع البلد ليظهروا فقط كم إن المشترك سيء ومعادٍ للوطن. استمعوا إلى يحيى الراعي في البيضاء وذمار، مجور في شبوة ولحج، الاكوع في العاصمة، نائب الرئيس في ريمة، عبدالعزيز عبد الغني في عدن، وبن دغر يهذي في كل مكان، والرئيس يصرخ من منصته العزيزة على قلبه: الحديدة.
إن المشترك يوفر موضوعاً ملائماً لهؤلاء. وهنا قد تهمس قياداته هكذا: هؤلاء عصبة فاسدة لا يهمها الوطن ولا وحدته، وبالتالي لا يجب أن نجاريها فيما تصنع؟
هذا جيد ومنعش للغاية. لكن كل المخاطر التي تنتظر البلد لستم طرفا فيها. فمثلا لو تمت المقاطعة ما الذي ستخسرونه على ابعد تقدير؟
ستقولون: أولا، سيمزق البلد قطعة قطعة. فنقول، ربما، لكنه لن يكون أكثر مما هو الآن ممزق وجدانيا وعاطفيا، وجغرافيا أحيانا. ثانيا، سيحملنا مسؤولية تأجيل الانتخابات لو تأجلت. فنقول، وما هو الشيء الذي لم يحمّلكم إياه حتى الآن، ولن تنجيكم مشاركتكم من كونكم المسئول رقم 1 عما يحصل، في نظره. ثالثا، لن يتسنى لنا دخول الانتخابات الرئاسية في 2013. فنقول، هذا حساب بعيد النظر، لكن ما الذي ربحتموه في رئاسية 2006 كي تربحوا 2013؟ ثم ما الذي يضمن إحرازكم على ما يكفي من المقاعد، في ظل نظام انتخابي لا ينفك يُراكم من عوائد المؤتمر الانتخابية، ويناقص من عوائدكم الضئيلة أساساً.
رابعا، ستزداد الاضطرابات وتتفاقم. فنقول، وهذا صحيح أيضاً، وستصل إلى ذروتها. لكن نظام علي صالح هو الذي سينهار ويتصدع بفعلها، وليس تكتل اللقاء المشترك، حينها تكونون على أهبة الاستعداد للإمساك بزمام الأمور في اللحظات الحرجة.
إنها وسائل سهلة. نوع من القوة السلبية التي تحدث عنها غاندي في كفاحه. فلسفة اللافعل في حال تعذر الفعل.
عليكم أن تنهمكوا في برنامج التشاور الوطني. خذوا حذركم من الدخول في سباق لا طائل منه. دعوا الأمور تصل إلى ذروتها.
نقترح عقد مؤتمرات حزبية استثنائية لإعلان المقاطعة، وتحميل الرئيس ما سيترتب على تعطيل العملية الانتخابية. ابقوا بعيدين وأنتم قريبين. تغلبوا على مخاوفكم فالرابح الوحيد من مشاركتكم هو الرئيس، والخاسر الأكبر من المقاطعة الرئيس ونظامه وليس الوطن.
لا تتركوا الرئيس يؤمن إنكم ستشاركون، لان هذا الإيمان يبعث الشعور بالاطمئنان. إنه يبدو لا مباليا لكن الخشية تملأ قلبه. إنه يخفي اكتراثه هذا كل ما في الأمر. ولو افترضنا انه مطمئن بالمقاطعة مثلما بالمشاركة، فإن قراءة اسشرافية بسيطة للسيناريوهات المحتملة، كفيلة بوضع حد للشكوك، التي تومئ إلى أن الرئيس سيصبح أكثر قوة، عندما يخرج المشترك من اللعبة.
جربوا هذه الفكرة ولو مرة واحدة. انتم الآن، من غير قصد، بمثابة الدعامة الثانية التي تسند نظام آيل للاندثار.
* البطة العرجاء: إصطلاح سياسي أميركي يطلق على الرئيس في السنة الأخيرة من عهده (و التي تسمى أحيانا عام البطة العرجاء). و أطلقت هذه التسمية لأنه في أخر عهد الرؤساء الأميركيون عادة يفتقرون إلى الدعم السياسي المطلوب لتمرير السياسات و تقدم مشاريع هامة جديدة. و أخذ هذا المصطلح من البورصة البريطانية الذي يشير إلى الإفلاس. موسوعة ويبيكيديا الحرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق