عن مفهوم إعادة الإعمار وارتباك أداء الإعلام الحكومي، وتحالف تجارة المخدرات والسلاح
محمد العلائي - 05/08/2008
الحرب صعبة دائماً. وأكثر صعوبة منها هو معالجة آثارها (الإنسانية والسياسية والاجتماعية، وحتى الثقافية والنفسية). هذا فضلاً عن إعادة إعمار الدمار المادي.
لكن صعدة ما تزال تختنق تحت الأنقاض. فبالنسبة إلى محافظة كانت مسرحاً لحرب ضروس عمرها 4 سنوات، لا يكفي مجرد إعلان وقف إطلاق النار وتركها تلعق جراحها منفردة.
هذا ليس عادلاً، مثلما أن الحرب لم تكن، هي الأخرى، لا عادلة ولا منطقية. لقد مضى 18 يوماً على إعلان الرئيس انتهاء العمليات العسكرية. وبدلاً من الانهماك في وضع البرامج والخطط والسياسات اللازمة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، راح الجميع يتبارون في صوغ الكلمات الرنانة التي تمجد حكمة الرئيس ووطنيته وتفوقه الأخلاقي. والواقع أن صعدة لم تتخط بعد منطقة الخطر.
الأسبوع الماضي، نقل أشخاص من صعدة جانباً مما يجري بعيد انتهاء الحرب. كانت الصورة على هذا النحو: انفلات أمني مستمر، تسوية حسابات ما بعد الحرب، تحرك نشط لأنصار الحوثي لالتقاط ما يكفي من الأنفاس تحسباً لأي مواجهة قادمة، حملات تأديب لكل من آزر القوات الحكومية.
مطلع هذا الأسبوع، عادت لجنة الإعمار أدراجها في صنعاء. الملفت في الأمر أن عودة اللجنة، التي تشكلت نهاية يوليو الفائت، ويرأسها عبد القادر هلال وزير الإدارة المحلية، لم تكن طبيعية. ذلك أنها جاءت بعد محاولة اغتيال تعرض لها موكب اللجنة أثناء وصولها إلى منطقة نشور، حيث اعترضت سيارة "جيش" مسيرة الموكب، وفقاً لموقع "نيوز يمن".
وعلى مدى بضعة أيام واجهت اللجنة المصغرة، التي ينحصر دورها في تقدير الأضرار التي لحقت بالممتلكات العامة والخاصة، أوقاتاً عصيبة.
منتصف الأسبوع الفائت، مُنعت اللجنة من بلوغ منطقتي آل الصيفي وآل حميدان. وبحسب صحيفة الخليج الإماراتية، فإن اللجنة تعرضت لإطلاق نار في المنطقتين المذكورتين للحيلولة دون بلوغهما "بحجة أنها (اللجنة) لا تملك إذناً بالدخول إلى المناطق من قيادات الحوثي".
والراجح، أن عودة لجنة هلال إلى صنعاء ستكون نهائية. فالرجل المعروف بدأبه قرر في حديث لـ"نيوز يمن" أنه لن يعود إلى صعدة، شارحاً أن "المحافظة بحاجة لتعاون مسؤول وجاد لبناء السلام بعدما أحدثته الحروب في الميدان من تعقيدات".
جيد أن يعترف مسؤول حكومي رفيع بالتعقيدات الناتجة عن الحرب. وهذا بالطبع لأنه اطلع عن كثب على هول الدمار الذي خلفته الحرب على الأرض وفي النفوس والطبائع البشرية.
والحال أن مفهومنا حول إعادة الإعمار ما يزال قاصراً للغاية. ومنذ تشكيل لجنة الإعمار بقرار من مجلس الوزراء، والتصور الذي طرأ على الأذهان بشأن طبيعة المهمة التي تضطلع بها اللجنة لا يتعدى بناء وترميم المنشآت التي تعرضت للهدم والدمار. وعلى الرغم أن هذا مهم ويندرج ضمن المعالجة الشاملة لآثار الصراع، إلا أن ثمة معالجات أخرى تقتضيها عملية المصالحة وتثبيت الاستقرار وديمومته (لها علاقة برأب الصدوع الاجتماعية والتأهيل النفسي لمن مستهم الحرب مباشرة).
وعبر التاريخ اشتهرت خطط ذكية لإعادة إعمار ما دمرته الحروب. وفي منتصف القرن العشرين ذاعت خطة مارشال لإعادة بناء أوروبا التي صدعت أركانها الحرب العالمية الثانية. ولمن لا يعرف فصاحب هذه الخطة هو جورج مارشال وزير الخارجية الأمريكية حينئذٍ. ولقد أعلن عن خطته الذكية خلال خطاب ألقاه في جامعة هارفارد عام 1947، استغرق 12 دقيقة. وكانت تهدف الخطة، التي هي عبارة عن مساعدات مالية كبيرة، إلى مكافحة الجوع والفقر واليأس والفوضى.
وبالفعل نجح مارشال في إخراج أوروبا من المأزق. فمبادرته هيأت الظروف السياسية والاجتماعية "التي يمكن للمؤسسات الحرة الوجود والبقاء فيها"، طبقاً لما جاء في كلمته.
وفي صعدة الناس تنتظر، إلى جانب المعالجات الاقتصادية، وضع برنامج عمل كفء ومثابر لتوفير مناخات اجتماعية وسياسية نقية وصالحة للحياة.
عودة هلال تنذر بالخطر. وفي حال كان قرار وقف الحرب يستند إلى أسس صحيحة واستراتيجية، فإن اللازم تفرغ الحكومة بالكامل لإعادة إعمار صعدة وإغلاق الملف نهائياً، عوضاً عن ترحيله.
على المستوى الآخر، انقشع غبار المعارك في صعدة، عن نشاطين قلما يفترقان: تجارة السلاح وتجارة المخدرات. والتحالف بين هذين الأمرين مديد. وفي حين راجت أخبار شاحنة السلاح التي تم ضبطها على مداخل صعدة بعد يومين من وقف الحرب، فقد نشر موقع "سبتمبر نت" أمس خبر عن إحباط أجهزة الأمن في الملاحيظ محاولة تهريب 18 كيلو جرام من الحشيش.
المعلومات الواردة من صعدة تؤكد ازدهار تجارة المخدرات والسلاح، لاسيما تحت عباءة الحرب.
وبات امتهان ذينك النشاطين كفيل ببناء إمبراطوريات مالية في وقت قياسي جداً.
على صعيد متصل، يواصل الإعلام الحكومي ارتباكه. فالواضح أنه لم يستطع حتى اللحظة ضبط إيقاع خطابه تجاه الحوثي. وفيما كانت "26 سبتمبر" تنعت الحوثي بالإرهابي، كفت عن ذلك فور إعلان الرئيس وقف الحرب.
غير أن الإذاعة اعتمدت لهجة أكثر حدة تجاه الحوثي.
وفي الوقت الذي تقضي بنود اتفاقية الدوحة بالإفراج عن كل المعتقلين على ذمة الحرب، بدأت النيابة الجزائية المتخصصة أمس التحقيق مع 3 حوثيين متهمين بامتلاك مطبعة في عدن تستخدم لنشر كتب خاصة "بالفكر الإمامي المختلف"، حسبما قال موقع "المؤتمر نت". ليست القصة هنا. القصة في الطريقة التي تعامل بها موقع الحزب الحكم مع الخبر. فقد نعت تلك العناصر بأنها خلية إرهابية تابعة للمتمرد عبد الملك الحوثي. ونقل الموقع عن مصدر أمني أن أفراد الخلية كانوا ضمن "لائحة مطلوبين أمنياً على ذمة التعاون مع عناصر الفتنة والإرهاب التابعة للإرهابي الحوثي". هكذا كتب الموقع. فهل هذا مؤشر تصعيد إعلامي يسبق استئناف حرب سادسة؟ أم أنه عدم وضوح في الرؤية بسبب سوء الأحوال الجوية؟!
منطق الأشياء يقول إن المصالحة والسلام تقتضيان لين القول الواحد تجاه الآخر. هذا بالنسبة للكلام. فكيف سيكون الحال عندما يعمل فريق الوساطة في صعدة لإنفاذ الصلح، في الوقت الذي يخضع عناصر من أتباع أحد أطراف النزاع للمحاكمة والسجن والمطاردة. إنها لمفارقة يصعب القول معها إن السلام هش، لأن ثمة من يقتنص القائل ويضعه في خانة "تجار الحروب" القاتلة.
الحرب تعبير مجازي عن الفقدان والضياع والتيه. وفي دوامة حرب صعدة، أحد أشد الصراعات تعقيداً وغموضاً ومأساوية، فقدنا أشياء كثيرة وجسيمة: الأرواح، والأموال، والمساكن، والزروع، والأمن، والتآلف، والثقة، والتعايش الخلاق. ثم إننا خسرنا أيضاً بقايا الدولة "الخداج"، أو "شبه الدولة"، على حد تعبير الكاتب الأردني خيري منصور.
وفوق هذا وذاك فقدنا شيئاً آخر، أكثر أهمية وفداحة مما نتصور: لقد فقدنا اليقين وغرقنا -أفراداً وجماعات- في بحر من الأوهام.
يفترض البشر، عادة، أن لدى الأشياء قابلية للتفسير والشرح على الدوام. وفي المسائل (الماورائية) المبهمة، والمتعالية عن الفهم، لا يقف الإنسان عاجزاً أمامها، بل يستنجد بالأسطورة والخرافة، لتنزيل المبهم من عليائه وقهره وتحويله إلى محكي بسيط وواضح، إلى درجة السذاجة أحياناً. إنه تأكيد عميق لحاجة إنسانية متأصلة، قبل أن تكون حاجة سياسية أو ثقافية آنية.
في خضم حرب صعدة فقدنا اليقين والمعرفة معاً. سنكف، لبعض الوقت، عن الحديث بشأن ما إذا كان من حق الأمة، وفق التقليد الديمقراطي، الاطلاع على بواطن الأمور التي تمس ذاتها وسكينتها الداخلية، ومعرفة تفاصيل تافهة من نوع: من أطلق النار، ولماذا، وكيف انتهى؟ باعتبار أسئلة من هذا القبيل: "تجارة حروب وتحريض، وتطرف".
سنتحدث هنا عن الرغبة في المعرفة بوصفها حاجة فردية أكثر منها جماعية. وبالتالي فالسؤال عن "كيف انتهت الحرب"؟ يوازي السؤال عن "كيف بدأت"؟ والسعي خلف الإجابات لا يعد، بأي معنى كان، استبشاراً باندلاعها، ولا امتعاضاً لانطفاء جذوتها. والسبب بسيط: أنت إنسان أكثر عندما تسأل وتلح لكشف سر الأشياء. لن نقول: أنت سياسي أكثر حينما تعرف أكثر، لأن التفوه بمثل هذه المقولات حالياً معناه أن تسمح لنفسك بالتورط في الحرب!.
ولئن بدا هيناً مصادرة حق المعرفة باعتباره مطلباً سياسياً للشعب، فإن أحداً لن يستطيع مصادرته كمطلب إنساني غريزي كامن في النفس.
الذي يرغب في دوام الحرب مأزوم أخلاقياً. وبالمقابل، فالذي يحاول منع الآخرين من التساؤل والتمحيص والتفسير مأزوم بنفس القدر وأزيد.
على أن قرار وقف الحرب ليس سهلاً دائماً. في 1988، حين وقف آية الخميني ليوجه الجيوش الإيرانية بوقف إطلاق النار، بدا حزيناً وبائساً. وقد عبر عن تلك اللحظة بهذه الجملة المكثفة، التي تصف لحظة إنسانية قبل أن تكون سياسية: "إنني آمر الجيش الإيراني بقبول وقف إطلاق النار شاعراً أنني أتجرع كأساً من السم".
بالنسبة للخميني، كانت الحرب التي دارت رحاها مع العراق وطنية وواضحة. وحين قرر وقف إطلاق النار، كانت الأراضي الإيرانية مكتظة بأشلاء "الاستشهاديين". عسكرياً كان الخميني مهزوماً، لكننا سنكتشف أخيراً أن صدام حسين هو الذي سيجرع مرارة الهزيمة لاحقاً. ولقد تحول ذاك النصر إلى أنشوطة حمراء على عنقه في 2006.
ومنطقياً لا يوجد شعب يعفي رئيسه من المساءلة والتحقيق، سواء في بدء الحرب أو عند انتهائها، دون أن يقول أحد أبداً أن المساءلة هي المعنى الضمني للرغبة في دوام الحرب.
لقد فقدنا اليقين وفقدنا المعرفة وفقدنا القدرة على الإنصاف أيضاً. وعلى مدى الـ18 يوماً المنقضية منذ إعلان الرئيس، انخرط بعض الصحفيين باندفاع وعاطفية مجنونة لتحميل أطراف، لم تطأ يوماً أقدامهم حلبة الصراع الملتبس هذا، تبعات حرب "شخصية بأكثر من اللازم، وعاطفية بأكثر من اللازم وعسكرية بأكثر من اللازم"، بحسب وصف زينغو بريجنسكي -مستشار الأمن القومي الأمريكي في ولاية جيمي كارتر- لحرب الخليج الثانية 1991.
لم تتضح بعد ملامح الصراع، وإن بدأت تلوح بعض علاماته. على المستوى الداخلي، مثلاً هناك مثلث مشؤوم يعبث بأمن البلد: الحوثي، الرئيس، علي محسن.
لكن تميل معظم الصحف في مقارباتها للصراع إلى النأي بأحد هؤلاء أو جميعهم. فإما أن يكون علي محسن هو الطرف الشرير والحوثي والرئيس حمامتا سلام، أو أن يكون الرئيس وحده هو الشرير وعلي محسن يلعب دور المغدور به، بينما الحوثي هو الضحية دوماً. والأكثر مجافاة للحقيقة، والتي هي أقرب للكيد السياسي منها للتحليل المنطقي، هي تلك التي تلقي باللائمة على كيان سياسي لطالما نأى بنفسه عن هذه الحرب وفي مطلق الأحوال، كلها مقاربات غير منصفة. والمنصف حقاً هو أن يتحمل ثلاثتهم مسؤولية هدر الدم على الأقل حتى تتضح أبعاد الصراع وتفاصيله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق