عن الصراع برموز من طينة الأزمنة الغابرة..
محمد العلائي - 20/11/2007
في المفاصل الزمنية الحرجة، حين يصير المآل الشخصي غير معلوم، على المرء أن يحزم أمتعته إلى البدايات "المجيدة". على هذا المنوال، بدأ أرباب الفعل السياسي في البلد، قبل بعض سنوات، يغذون الخطى إلى مواضيهم "المشرقة".
يتجلى ذلك في حالة الاجترار المحموم للرمزيات التاريخية، وتحويلها إلى معتقدات إجماعية لتوثيق عرى الكيانات ذات العمق الواحد (جغرافي، سياسي، ديني، مذهبي... الخ).
في سرديات أي كيان بشري، هناك ما يمكن التفاخر به. على أن عناصر الماضي -كوعاء زمني- تستحيل إلى رمزيات تنوب عن الحدث وتكثفه.
فأمجاد الجماعات، وانتصاراتها، وهزائمها، وخساراتها، وعنفوانها، تنتظمها سياقات قصيرة تدل عليها آناً وتترجمها آناً آخر. وفي لحظة من الزمن، يجرفها الحنين إليها، لمقاومة الإحساس بالتضعضع والوهن.
في 2004 اندلعت الحرب في صعدة. عامذاك، استنشق الناس رائحة عتيقة، لا تمت للحاضر بصلة. إنها خليط من السياسي والمذهبي.
طبق المرويات الزيدية، فإن يحيى بن الحسين قدم إلى صعدة في 284هـ-897م، تلبية لمكاتبات القبائل، بعد أن استفحل النزاع فيما بينها.
كانت صعدة مكاناً ملائماً لإقامة دولته الزيدية "بعد أن تعذر عليه أن يمكن لنفسه في طبرستان"، لسيطرة محمد بن زيد عليها وكثرة أنصاره.
مذاك، كفت صعدة عن كونها حيزاً جغرافياً وعر التضاريس، لتحتل في الوعي الزيدي، على مدى زهاء 1200 عام، مكانة مرموقة ومضيئة، يجب ألا تخبو بأي حال.
وفي كل مرة، حين تحدق الأخطار بالمذهب الزيدي، تظل صعدة المطرح الأخير والدافئ (لم يتمكن الأتراك من إخضاع صعدة رغم الغارات التي ما لبثوا يشنونها بين حين وآخر).
رمزية المكان، وشعور جماعة الحوثي بالاضطهاد، ساعدا بشكل أو بآخر في تجييش العواطف، وإبداء قدر من الصمود في الحروب الأخيرة. في حين يقاتل الجيش بأذهان تفتقر إلى الرمزيات، عدا مفاهيم أفقدها أداء سياسي معين، الكثير من بريقها: (الوطن، الثورة).
وفي كل الأحوال، فحروب صعدة لا تعدو كونها استنساخاً فجاً لشروط الماضي "التي أنتجت الرموز تلك"، وتوظيفها في صراع باهظ الثمن، ليس فيه من أدوات العصر سوى الأسلحة الفتاكة، التي يصوبها الواحد ناحية الآخر.
في الجنوب أيضاً حرص المتقاعدون على تأثيث حركتهم الاحتجاجية بالرمزيات "زمانية، مكانية".
فمنذ الوهلة الأولى بدأوا في توطيد علاقتهم بالماضي المعتم والمشرق معاً.
ولئن اختار المتقاعدون يوم 7/7/2007، موعداً لتنفيذ عرضهم العسكري الشهير، فإنهم إنما يستحضرون لحظة انكسار فادحة في حياتهم.
تالياً، سيتوجب عليهم اختيار لحظة أخرى (رمزاً آخر): هذه المرة لا بد أن تكون مصدر فخر.
في 13 أكتوبر، أقاموا مهرجاناً في ردفان (المكان الذي انطلقت منه ثورة أكتوبر ضد البريطانيين)، لكن الأجهزة الأمنية فرقتهم بالرصاص الحي فأودت بحياة 4 أشخاص وأصابت نحو 9 آخرين.
لقد وجد المتقاعدون في الزمان (أكتوبر)، والمكان (ردفان)، ضالتهم. إنهما سياقان يكثفان حدثاً فارقاً في تاريخ الجنوب: ثورة أكتوبر.
المفارقة أن فعالية ردفان تلك لم تنته بسلام. فالدم الذي منح ردفان رمزيته التاريخية، رفدته السلطات الأمنية بدم آخر أكثر طراوة، وبالتالي باتت ردفان تشير في الوعي الجنوبي إلى ثورتين: أكتوبر 62، وأكتوبر 2007.
علاوة على ذلك، استعار المتقاعدون رمزاً لا يخصهم، لكنهم تعرفوا فيه على ما يمكن الاستفادة منه في حركتهم: 2 أغسطس، اليوم الذي اجتاح فيه صدام الكويت. لكأنهم يقيمون شراكة حزن مع الكويتيين.
في 2 أغسطس 2007، نفذ المتقاعدون اعتصاماً في عدن. كانت الرسالة مفهومة كفاية: كما احتل صدام الكويت في 2 أغسطس، احتل علي عبد الله صالح الجنوب في 7/7/1994، حسب اعتقادهم
على المنوال ذاته، وجد حسين الأحمر نفسه بشد الرحال إلى الماضي. فبعدما منع، الأسبوع الفائت، من دخول صنعاء بالسلاح، عاد أدراجه. بيد أنه استحضر، وهو في طريق عودته، الأمكنة التي أدى فيها والده الأدوار السياسية الحاسمة.
دائماً خمر تطفو على السطح، كلما استعيد تاريخ الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر بعد ثورة 62.
لم تكن خمر تعني شيئاً بالنسبة لحاشد سوى أنها إحدى مرابعها.
لكنها بعد 1962 لم تعد كذلك فحسب، بل أخذت تدل على أحداث مفصلية في الصراع السياسي الحديث.
لطالما لجأ إليها الشيخ، عندما كان يجد نفسه مضطراً لاتخاذ موقع المناوئ لأنظمة حكم ما بعد الثورة.
اليوم، هل سيفلح الشيخ الحالم، في استنساخ الظروف والأدوار؟
السبت الفائت، بدأ حسين الأحمر فعلياً أولى المحاولات. فقد عقد اجتماعاً موسعاً لقبائل حاشد. وراح في خطابه يذكي الإحساس بالاستهداف والاضطهاد في نفوس القبائل، كخطوة أولى –كما يبدو- في طريق استدراجهم إلى مربع التمرد على النظام.
حيث قال: "إن القبيلة في اليمن تواجه اليوم حملة شرسة كما يواجهها الدين الإسلامي من قبل الغرب".
هذه التعبئة والاستنفار لا يخلوان من خطورة. ففي الوقت الذي يعرب فيه البعض عن رفضهم لهيمنة القبيلة على نظام الحكم، يأتي نجل شيخ أعتى قبيلة في اليمن ليقول إنها "تواجه حملة شرسة".
في مطلق الأحوال، فالهروب إلى الرموز، واستحضارها في العمل السياسي، علامة تحول وانعطاف، لكنهما تحول وانعطاف لا يبعثان على الاطمئنان. إنهما انحسار مدوٍ إلى الماضي السحيق. الأجدر أن تنهمك هذه الكيانات في تشكيل رمزيات من طينة القرن الحادي والعشرين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق