الجمعة، 12 نوفمبر 2010

القرن الأول بعد صلح "دعان" (1)


النظير التاريخي الحديث للنزاع المحتدم في صعدة:
 حاولت السلطات العثمانية نزع فتيل
 13/05/2008
لم نعد نستطيع الكف عن التشاؤم. ولطالما حاولنا التفكير في كوننا أنجزنا دولة، غير أنه سرعان ما يتبدد كرغوة بيبسي خُضت جيداً قبل الاستعمال.
حقا، لم نعد نستطيع أن نحلم بدولة وفق أفكار ماكس فيبر العظيمة، بل كم سنكون محظوظين لو حصلنا فقط على دولة بمواصفات الصديق محمد ناجي أحمد في تعز، مثلا.
كنت أفكر أحياناً أنه حتى لو لم ننجز الدولة المنشودة، فإن اليمن -على أية حال- شهد تحولات جوهرية. بيد أن هذا الافتراض هو الآخر يمكن إسقاطه بمجرد مشاهدة عسكري شاحب، يتربع على كتلة اسمنتية، بجوار وزارة الداخلية، في ليلة ظلماء وماطرة، ويستمع بإمعان إلى أغنية خافتة لـ"علي حنش".
ولقائل أن يقول: وماذا بشأن الانتقالات السياسية المفصلية، التي دمغت معظم عقود القرن العشرين، على الأقل؟ وكيف أن هاتيك الانتقالات كسرت شوكة جيوش "الباب العالي"، وتالياً طوحت بنظام حكم ثيوقراطي عتيد، ثم أسقطت 4 جمهوريات الواحدة تلو الأخرى، في شمال اليمن بالطبع.
والحق أنها تبدو للوهلة الأولى، إشارة ذكية. إلا أنها، بقليل من التدقيق، ما تلبث أن تغدو مقولة سخيفة للغاية.
أما حينما نمركز النقاش على هضبة المرتفع الشمالي، وجزء من المنخفض الشرقي، باعتبار تينك الرقعتين من أقل مناطق اليمن استقراراً، على المستويين السياسي والاجتماعي، فإن الإشارة، مارة الذكر، تمسي من السخف بحيث أنه لا يمكن حتى التعويل عليها كفرضية عابرة، لإثبات إلى أي درجة باتت حياتنا فاقدة لجدواها.
باختصار أكثر: ما تزال هذه الهضبة محتجزة لدى القرن التاسع عشر، أو ما قبله. ولن يكون مكلفاً إثبات هذه العبارة. وأن يصحو الواحد على فوج عسكري عملاق، مصحوب بترسانة سلاح رهيبة وراجمات صواريخ، يسير بكل رباطة جأش لسحق جماعة متمردة صغيرة، فإن المعنى شديد الوضوح: لا توجد سياسة في هذا البلد البتة. كل ما هنالك قبائل تتناحر داخل لبوس تنكرية، قد تكون حداثية أحيانا.
على الدوام، تتخذ الصراعات في اليمن طابعا متقاربا. وفي داخل هذه المقاربة التاريخية، لن أتجشم عناء إبداء حسن الطوية، فيما لو جرؤت على إبداء رأيي الشخصي حيال طرفي النزاع المحتدم الآن في صعدة. ومن المؤكد أنني سأتخذ مسافة واحدة من كلا الطرفين.
<<
لم نكد نسدل الستار بعد على القرن الأول بعد صلح "دعان"، إلا وقد خرج من صلب ذاك الزمن الغابر نفسه صراع حامل لجينات وراثية متطابقة على نحو سافر. لقد فقدت الصراعات في اليمن عنصري المفاجأة والجدة. بكلمات أخرى: فقدت بكارتها تماماً.
هل علي أن أجازف وأوضح أكثر؟ طبعاً، رغم أني لا أتمتع بالقدرة الكافية على المغامرة: ما يدور في صعدة، على التباسه وغموضه الأخلاقي المطبق، يشبه أو يكاد يتماثل، إلى حدٍ ما، مع تمرد الإمام يحيى على "الحكومة العلية" في الأستانة، مطلع القرن العشرين.
وإذا ما اخترنا تبسيط الأمر، فإنه يمكن وضع التقابلات الشكلية بين صراعين يفصلهما زهاء قرن من الزمن. لكن يتوجب، قبل أي شيء أخذ اختلاف المعطيات والسياقات الزمنية بعين الاعتبار.
من الجيد أن نوجز التقابلات الشكلية بين الحدثين على النحو الآتي: عبد الملك الحوثي يناظر الإمام يحيى، والسلطة التنفيذية اليمنية في صنعاء، تناظر حكومة الإمبراطورية العثمانية في اسطنبول.
ولئن كان من السهولة بمكان وضع الحوثي في مقابل الإمام يحيى، فإنه ليس من اليسير أبداً وضع علي عبدالله صالح أو علي محسن الأحمر في مقابل السلطان عبد الحميد أو أحمد فيضي باشا.
لكن بمقارنة أسلوب حكم السلطان عبد الحميد والرئيس صالح يمكن العثور على نقاط الالتقاء.
<<
كان السلطان عبد الحميد يقف على رأس إمبراطورية شائخة. ولسوف يأكل الفساد جسدها العجوز شيئاً فشيئاً حتى تنكمش على نفسها نهائياً، بعيد الحرب العالمية الأولى 1917.
ولقد وصفه الدكتور سيد مصطفى سالم في كتاب "تكوين اليمن الحديث" بكونه اعتمد في حكمه على الجاسوسية والإرهاب، نتيجة لعدم إيمان عبد الحميد بالحياة الدستورية، فركز السلطة كلها في يده.
ليس هذا كل شيء. فقد اتسمت فترة حكم عبد الحميد بالتنافر الداخلي، وتدهور الإدارة والاقتصاد. وأدت سياساته هذه إلى ضياع الممتلكات، وقيام الثورات، وسيادة الحكم الفردي.
ومثلما يقاتل الجيش اليمني الآن في صعدة لبسط سيادة الدولة وإشاعة الأمن، وإخماد الفتنة، وما إلى ذلك من الأسباب التي تضخها السلطة، فإن الجيوش السلطانية كانت تمتلك الأسباب ذاتها.
كان الإمام يحيى، الذي ولد في صنعاء عام 1869، يسير على منوال أبيه في مناوأته للأتراك. وبالفعل أخذ يناصبهم العداء، ويكبدهم خسائر لا نظير لها.
افتتح الإمام يحيى حكمه بإحراز نصر جبار. فبعد أن حشد نحو 20 ألف جندي من القبائل اليمنية (شوافع وزيود)، أخذت المدن والحصون تتهاوى في يده إحداها بعد الأخرى. حيث سقطت في البدء عمران وحجة وثلا، ثم انتقل إلى قفلة عذر، وحوث، وخمر، وكوكبان، إلى أن أحكم الخناق على صنعاء بشكل كامل.
وينقل سيد مصطفى سالم عن كتاب "تاريخ اليمن" للواسعي النتائج السياسية التي أثمرها حصار صنعاء.
"نعم لقد اشتد الحصار على صنعاء، وساءت الأحوال عموماً إلى درجة كبيرة، وهنا طرح بعض كبار الأتراك وبعض كبار الأهالي مقابلة الإمام في كوكبان، لتسليم المدينة له. فأرسل إليهم لإتمام التسليم سيف الإسلام أحمد بن قاسم الدين.. وقد اشترط الإمام لإتمام الصلح خروج الأتراك من صنعاء إلى حراز على أن يتركوا ما للحكومة من مال وسلاح.
وإنها لمقايضة سياسية محسومة سلفا لصالح يحيى حميد الدين. "وقد استطاع الإمام أن يدخل المدينة رسمياً في 21/ إبريل/ 1905. وعندئذٍ أعلنت أكثر البلاد الطاعة للإمام، ولم يبق بأيدي الأتراك سوى مدينتي تعز، وإب، وبلاد حراز والتهايم وقفلة شمر، طبقاً لشروط الهدنة"، يقول الواسعي.
وعلى أية حال، لم يكن هذا النصر حاسماً ونهائياً. ذاك أن الباب العالي لم يترك وسيلة إلا واستخدمها لإعادة الهضبة الشمالية من اليمن إلى حظيرة الإمبراطورية "المتهالكة".
من الواضح أن رقعة الاضطراب آنذاك لا تختلف عما هي عليه الآن. وبالنظر إلى التغييرات التي أجراها عبد الملك الحوثي قبل أسبوع في القيادات الميدانية لـ حجة وعمران وصنعاء والجوف، سنجد إلى أي مدى يمكن أن تصبح هذه الرقعة الملتهبة كـ"بند" للمساومة والتداول السياسي، بعد الحربي طبعاً.
<<
والراجح أن الإمام يحيى لم يكن يقاتل في سبيل مفاهيم وأفكار ومقولات مجردة، بقدر ما كان يخوض صراع نفوذ في الأساس.
لكن، على العكس من ذلك، فعبد الملك الحوثي يتظاهر أنه إنما يحارب لرد العدوان، الذي جاء ليسلب أتباعه الحق في ترديد تعويذة الخلاص" الموت لأمريكا الموت لإسرائيل". كنا لنصدق ذلك تماما. لكن الأمور لا تبدو كذلك عندما يتاح للمرء تصفح موقع الـyoutub. إنه سيرى حتماً كم أن الأمور مخيفة في صعدة، وكم أن جماعة الحوثي تضارع أية حركة مليشاوية جهادية ممعنة في التشدد والعنف.
ستستمع مثلاً إلى طفل يردد أهزوجة جنائزية تثير الفزع. فوق ذلك، هناك زوامل تحض على الموت والاستشهاد، أناشيد وشعارات حماسية تتوسل الوقائع التاريخية الملهمة والمحفزة للهمم، مثل مأساة كربلاء وواقعة استشهاد الحسين، كما وآيات قرآنية تحريضية. هذا علاوة على عروض درامية لمواقف من النصر (الإلهي) الذي يحرزه الحوثيون.
كنت ألزم الحياد بشأن الحوثي، غير أني هذه المرة كدت أفقد القدرة على ذلك إطلاقاً.
إنك حين تصغي إلى غلام حرون يردد مثلاً زاملاً يحتفي بالفداء والموت، من قبيل: "يا صقر يا للي في الجبل فارد الأجناح سلم على سيدي حسين، وقله إن احنا معاه نفداه بالأرواح"، فإنك لا بد ستصاب بقشعريرة باردة تدب في أنحاء جسمك.
إنهم، لمَ الكذب، قد يتحولون إلى نظير شيعي للقاعدة، لاسيما لو سلط عليهم المزيد من العنف. وإلا أين سيصرف عبد الملك الحوثي تلك الشحنة العقائدية المجردة التي يستبسل أتباعه ذوداً عنها، فيما لو حصل صلح. هل سيجد السيد عبدالملك الحوثي الطريقة المثلى لاستعادة التوازن النفسي والعاطفي لأنصاره. إذا لم يكن ذلك ممكنا فإنني سأجزم أن السيد قد سمح لنفسه بالتورط أكثر من اللازم.
هل نسينا أن نقول إن وضع عبد الملك الحوثي في مقابل الإمام يحيى لم يكن إلا أسلوباً إجرائياً، وبما يخدم فكرة المقالة. ذلك أن الأخير يختلف عن الأول في كون "زيديته" أكثر نقاوة، وإن كان الأول يتخذها دثاراً له، لتنمية الشعور بالاستهداف في نفوس الزيود، وبالتالي جرجرتهم إلى صفوفه فرادى وجماعات.
بالطبع ثمة تماثل –إلى حد التطابق أحياناً- في مفردات التعبير عن القضية، وبإمكاننا الاطلاع على بضعة رسائل بعثها الإمام يحيى إلى أكثر من جهة في خضم صراعه مع الأتراك.
يقول الإمام يحيى في خاتمة شروطه التي وضعها على طاولة "مأمور سلطان الإسلام": "ولا يخفى أن البعض يستفيدون من كثرة سوق العساكر إلى البلاد اليمنية، إذ لا يخلو ذلك من الفائدة المادية لهم، ولعلهم لا يرضون بهذه الشروط لأن باتباعها يستتب الأمن وينقطع ورود العساكر إلى هذا القطر، فيخسرون بذلك ما كانوا يؤملون".
والأسبوع الفائت قال عبد الملك الحوثي لـ"المصدر" في سياق نفيه ضلوع أنصاره في تفجير جامع بن سلمان إن هناك جهات مستفيدة من الحرب "وإن الحرب تدر أموالاً ونياشين".
بالتأكيد هناك سدنة حروب، وفي صعدة بالذات. وقد أوردت كلام الحوثي للتدليل على التماثل العفوي في خطابه مع خطاب الإمام يحيى.
لنطلع على رسالة أخرى بعثها الإمام إلى أحد علماء الإستانة: "أما مسلكنا فهو السعي إلى إعلان كلمة الله والعمل بما في كتاب الله وسنة رسوله، ونصرة الضعيف وإغاثة اللهيف والأخذ على يد الظالم. وقد علم هذا إخوان الدين وجماعة الموحدين، كما علموا بالتتبع كذب ما ينسب إلينا من الرفض والخروج، وأنه اعتدي علينا وبغى علينا، فخربت ديارنا، وقتلت ظلماً وعدواناً رجالنا".
ويسترسل الإمام في خطاب آخر إلى علماء مكة ليقول: "وهم على اللذات (أي الأتراك) والشهوات عاكفون، وعلى التفنن في الفجور يتنافس فيهم المتنافسون، فتنكرهم المساجد والجوامع ويجحدهم شهر الصوم، وتعرفهم الكؤوس والأقداح وتصافيهم ربات الخدود الملاح.
<<
لم يكن للإمام من مأرب يرنو إليه سوى الاعتراف بخصوصيته على سائر ولايات الإمبراطورية. أي أنه لم يرفض أن تكون للإستانه سيادة رمزية على بلده. بيد أنه وهو في أوج انتصاراته كان يروق له أن يبدو في دور الضحية والمظلوم، كما هو حاصل مع الحوثي الآن.
بموازاة الفقرات التي اقتبسناها أعلاه، بوسعنا اقتباس نماذج من مقولات مماثلة للحوثي وأتباعه.
وإذ كان الإمام يحيى يكرر في مفاوضاته مع الأتراك والوسطاء، أنه لا يفعل أكثر من كونه يدافع عن النفس، فإن الحوثي هو الآخر لا يكف عن قول ذلك.
يقول عبد الملك في مقابلة مع صحيفة "الناس": "استخدامنا للقوة المتمثلة في البندقية وقذائف الآر بي جي هو للاضطرار في مواجهة اعتداء السلطة علينا بالطيران وراجمات الصواريخ والدبابات".
وفي مقابلة مع "الصحوة" الأسبوع الماضي أوضح القائد الميداني لتنظيم الحوثي في ضحيان، ويكنى بـ"حاكم ضحيان"، أن قضيتهم المحورية هي الدفاع عن "كتاب الله". ما هو ملفت حقا، أن الأخير لم يقل و"سنة رسوله". وهذه النقطة بالذات هي أحد أبرز الفوارق بين المفاهيم الزيدية القديمة، التي كان يتمثلها الإمام يحيى، والذهنية الزيدية التي يتذرع بها أتباع الحوثي.
طبقاً لأقوالهم فهم زيود. ففي مقابلة أجرتها صحيفة الوسط عام 2005، مع بدر الدين الحوثي، نفى هذا الأخير الجعفرية عن نجله حسين، حيث قال: "غير صحيح، هذه دعاية كاذبة مثلها مثل ما قالوا أنه أدعى النبوة والإمامة، كله كذب".
ولست في وارد التمحيص في ما إذا كان الحوثيون زيوداً أم جعفريين. فأياً ما كانوا فهذا شأنهم وحدهم، فلكل شخص، في تقديري، الحق المطلق في اعتناق أي مذهب أو ملة أو فكرة، مهما كانت هذه الملة، أو هذا المذهب، أو هذه الفكرة، لا تروقني.
لكن هناك ما يمكن قوله في هذه المسألة تحديداً. فحينما اشتد الصراع بين الإمام يحيى والأتراك، ألصقوا به الكثير من التهم، في محاولة يائسة لتنفير القبائل الذين لم ينخرطوا للقتال في صفوف الإمام في سبيل فكرة مجردة، لاسيما الشوافع منهم. فبالنسبة لرجل سني في تعز أو مأرب، تصبح منازلة الأتراك السنة هي التعبير المناسب عن رفضهم للتصرفات الإدارية الخاطئة والمستفزة التي كانت تبدر من المتصرفين والحكام العثمانيين. بمعنى آخر: لم تنشأ المقاومة استناداً إلى دوافع دينية مذهبية.
ولقد دافع الإمام بضراوة عن كونه بريئاً مما يكال له من التهم.
وفي رسالته إلى علماء مكة يقول: "ويستنجدون منه (السلطان) الأجناد المترادفة والأموال المتكاثرة، ويتبرون باستئصال أهل البيت النبوي والدين المصطفوي، وينسبوننا عندهم إلى الخوارج والرافضة، وبما يخرجوننا عن دائرة الملة المحمدية".
ويستطرد بنبرة فيها من الاستعطاف مثلما من الصدق: "لا والله ما لنا مذهب غير ما كان عليه خير القرون، والسلف الصالحون، وإنا لنبرأ إلى الله من الخوارج والروافض وأهل البدع المحدثة".
كانت لغة الإمام ممتلئة بالاعتداد بالنفس. وإنها لتكاد تخلو من صيغ التحدي والمناكفة.
غير أن عبد الملك الحوثي يجهد كثيراً كي يحتفظ بأنفته وكبريائه. ربما للأمر علاقة بأتباعه، الذين يضمرون له من الولاء والتبجيل ما يجعل ظهوره بمظهر الواهن الضعيف يبدو بنظرهم خذلاناً وانكساراً لا يحتمل.
وبالنسبة لقائد روحي، عبأ أنصاره بما يكفي من القناعات والعواطف المحمومة، التي كان من شأنها جعل الموت أكثر سهولة من أي شيء آخر، فإن كلا الحرب والسلم باهظين.
إنه يعمل في حقل مؤهل تماماً للعنف. فالقبيلة حاضن دافئ للمشاعر القتالية، فكيف ستصير الأمور عندما تغذى تلك المشاعر بتعاليم "ميتافيزيقية" صرفة؟
ومن المرجح أن الصلح، أياً كانت بنوده، سيخلف لدى أنصاره إحساساً بالتذمر والضيق.
فوفقاً لبعض السرديات التاريخية، فإن الشيخ ناصر مبخوت الأحمر أعلن انشقاقه عن الإمام عقب التوقيع على صلح "دعان" مباشرة. ومعلوم أن الأحمر كان بمنزلة الذراع العسكري للإمام. وعلى الرغم من أن الصلح (سنتحدث عنه لاحقاً)، كان نصراً سياسياً مؤزراً، بالنسبة للإمام، الا أن الأحمر، وهو الذي لطالما سمع الإمام يقول "من قتل تركياً دخل الجنة"، لم يجد الطريقة المناسبة للتعايش مع خيبة أمله. لقد التحق بالإدريسي في عسير بعد ذلك، لإفراغ ما تبقى في كنانته من كره للأتراك.
ومرة أخرى نؤكد أن الإمام لم يعتمد بصورة كلية على المفاهيم والمقولات المجردة وحدها لحشد المقاتلين، بل إنه عمد إلى أساليب الإغراء (كان يعدهم بالغنائم) فضلاً عن التذكير الدائم بمفاسد الترك.
لا نغفل الإشارة هنا إلى أن في صفوف الحوثي ثمة نظير "قبلي" للشيخ ناصر مبخوت الأحمر: "إنه عبدالله عيضة الرزامي. وهذا الأخير، بحسب المعلومات، هو الأكثر تبرماً من اتفاقية الدوحة.
<<
بينما شرعت في كتابة هذه الحلقة، سمعت عن الحشود العسكرية الضخمة التي جردتها السلطة على صعدة، وحرف سفيان. ولوددت أن أتحفظ عن الآراء التي جهرت بها ضمن المقالة بخصوص الحوثي، إلى وقت آخر، غير أنني، وإن انتقدت المضمون النظري العنيف للفكرة الحوثية، لا أؤمن مطلقاً بنجاعة أي حل عسكري مهما كانت وجاهته.
إن الحلول الأمنية المحضة دائما هي كارثية في الجملة. والأسبوع المقبل سنرى كيف أن الحملات العسكرية العثمانية عادت محملة بالخيبة والانكسار. وكيف أن الحسم الحقيقي لن يكون إلا وفق صيغة سياسية توافقية، في نهاية الأمر.

ليست هناك تعليقات:

الأكثر مشاهدة