الثلاثاء، 23 نوفمبر 2010

في مراوحة الحكم "الإلهي" بين مساحة أبعد من البطنين وأقرب بقليل من النهدين


محمد العلائي - 27/05/2008
يفضل الحوثي أن يبدأ من ذات النقطة التي انتهى فيها أسلافه.
لم يقل هذا أحد. فالحرب الضروس التي تزمجر في بني حشيش، منذ 20 يوماً، لا تنفك تعلن عن ذلك بأكثر اللغات وضوحاً وبدائية في آن: إنها لغة السلاح، الملعونة.
قبل أقل من شهر توعد عبد الملك الحوثي بتوسيع جغرافية الحرب. وقد فعل. لا بد أن الرجل كان يعني ما يقول تماماً، وهاهو الآن يفعل ما قاله حرفياً، لكن ليس في الأمكنة الخطأ كما يبدو.
لم يقل الحوثي يوماً أنه يكافح للحصول على موطئ قدم. لقد ترك للحرب وحدها كي تكشف عن مكنون نفسه الفعلي.
في مطلع سبعينيات القرن الفائت، استسلمت شمس الأئمة للغروب، بعد نهار طويل امتد لزهاء 10 قرون تعج بالصراعات البينية الأكثر ضراوة مما يتصور المرء. وبكلمات أخرى: سلالات (كلها مبجلة) يأكل بعضها بعضا.
بعيد اتفاقية جدة للمصالحة 1970 تهاوت أشد معاقل الملكيين تحصيناً وصموداً. (بموجبها حصل الملكيون على حقائب وزارية مقابل خفض السلاح). يومئذٍ أفلحت قوات الجمهورية في نقل الحكم "الإلهي"، عملياً، إلى مساحة أبعد من "البطنين" وأقرب بقليل من "النهدين"، (الجبلين اللذين تتوسطهما دار الرئاسة حالياً، حيث يقيم الرئيس صالح).
لم تكن قوى الملكيين قد خارت بعد، عندما جنحت للسلم على مضض. وبينما كانت جحافل الجمهورية عاكفة على كتابة نهاية درامية للحكم "الإلهي"، اختارت بني حشيش أن تكون الحرف الأخير في قصة الإمامة الأزلية.
ولئن كانت بني حشيش الحرف الأخير، فإن صعدة كانت بمنزلة النقطة الأخيرة، مثلما كانت مفتتح عهود الأئمة في فجر التاريخ.
وبإضافة مناطق في حجة والجوف وعمران إلى تينك البقعتين، وهي المعاقل التي استعصت على الجمهوريين، يمكن أن نقرأ بوضوح السطر الأخير من تاريخ الأئمة الضاج والصاخب. بالنسبة للحوثيين فقد تحولت هذه المعاقل إلى تكثيف رمزي ملهم، يستبطن كافة معاني الشرف والكبرياء والصمود.
لم يمر الكثير من الوقت على تلك النهاية. والأمكنة التي احتضنت الصراع ذاك لم يطويها النسيان.
وبالطبع ليس الحوثي إماماً. غير أن مسار تمرده يبدو كما لو أنه مستوحى من تاريخ الأئمة بالذات، بل ويحاول إعادة تمثيله. والراجح أن الرجل يفضل الاعتقاد أن قوات الجمهورية لم تكتب السطر الأخير، ولا الحرف الأخير، ولا النقطة الأخيرة. وهو لا يعتقد إلا أن الشمس، التي غربت ذات يوم من بني حشيش، ما تلبث أن تلون السماء بشفق جديد، وصبح آخر.
والسؤال الذي يطارد الأذهان هذه الأيام هو: هل الحوثي بالفعل بدأ يخط السطر الأول في نهاية الجمهورية، لتصبح بني حشيش حرفه الأول؟ لكن مع ما تمثله مليشياته من خطورة إلا أن الأمور لا تسير بهذه البساطة عادة.
والحقيقة أن الجمهورية كتبت نهاية معقولة للحكم "المقدس" في سبعينيات القرن الفائت. لكن لسوء الحظ، لم تقفل المجلد. وعلى حين غرة، عثر الحوثي بمساعدة الجمهورية –للمفارقة- على صفحة نظيفة ليستأنف سرد الحكاية على منوال الأسلاف، لكن بمضمون وجوهر مختلف بعض الشيء.
إن انبثاق الحوثية الآن من ذات البؤر التي سقطت فيها راية الملكيين لهو أمر يسترعي الانتباه حقاً.
وفي مطلق الأحوال، فالتناص التاريخي ليس حتمياً دائماً. والقول إن الجبهات، التي استطاع الحوثي فتحها خارج صعدة، ما تزال مثقلة بدلالات تاريخية عميقة، لا يعني أن الأمور ستكون محسومة مسبقاً لصالح مليشياته. بعبارة ثانية: قد يقاتل التاريخ (الماضي) في صفوف مجموعة ما –والأصح: قد تقاتل بالتاريخ مجموعة ما- لكنه عامل هشاشة بقدر ما هو عامل خسران أيضاً.
البلد تحترق من كل حدب وصوب. ليس ثمة الكثير من الاحتمالات. إننا بإزاء نموذجين يتماثلان في كونهما أدوات تدمير مريعة؛ مليشيا الحوثي لا تبعث على الاطمئنان حتى في الظروف العادية.
وهي واحدة من الثمار المريرة لنظام حكم عسكري عصبوي فاشل. هل كتب علينا الاختيار من بين هذين الأسوأين؟ لاسيما وأن الساحة ما تزال خلواً من أية قوة تغيير يمكن التعويل عليها في انتشال الأمة من الساحة المهلكة الواقعة بين "البطنين" و"النهدين".
كم هو سيء أن تتحول صعدة إلى رقعة نزال لتسوية حسابات إقليمية تحمل مذاقاً طائفياً: إيران والسعودية.
أمس وصل رئيس هيئة الأركان السعودي إلى صنعاء. في الوقت الذي انضم الوهابيون إلى قائمة المهتوف ضدهم في الشعار الحوثي الشهير. والسعودية كما هو معلوم اصطفت في ستينيات القرن الفائت مع الملكيين نكاية بالزعيم المصري عبد الناصر. وهو الأمر الذي يعني أن 2 من خصوم الحوثيين الألداء اليوم هم حلفاء أسلافهم بالأمس القريب: السعودية وإسرائيل. والأخيرة كشفت الأسبوع قبل الماضي عن الدعم العسكري الذي قدمته للإمام البدر في قتاله ضد الجمهورية إبان الثورة، في حين كانت السعودية تسعى لتقويض النظام الجديد في صنعاء آنذاك.
يمارس الحوثيون لعبة مغشوشة بامتياز. ذلك أن ادعاءهم أنهم يقاتلون دفاعاً عن الله لا يغري أحداً في بلد كله مسلم.
باختصار، ما يجري في صعدة حالياً وفي بني حشيش، إنما هو أحد تجليات الحرب الباردة التي تدور رحاها منذ سنوات بين قوتين إقليميتين ضاربتين: السعودية وإيران.
هل جئت بجديد؟ لا أعتقد.

ليست هناك تعليقات:

الأكثر مشاهدة