الأربعاء، 17 نوفمبر 2010

في منزل الحاخام الأخير (تحقيق)


الإمام يحيى منح اليهود حق ركوب الحمير والدراجات الهوائية، ونجله سهل انتقالهم إلى "أرض الميعاد"، ومجاهد أبو شوارب أعفى بقيتهم من الجزية، والرئيس صالح ينوي بناء "غيتو" لهم في صنعاء..
محمد العلائي:
لم أجلس، قط، إلى يهودي وجها لوجه. وكثيراً ما كانت تعيدني كلمة "يهودي" إلى شواغلي الميتافيزيقية رأسا. كنت صغيرا عندما سمعت لأول مرة عن يهود ريدة، وعن زنانيرهم المتدلية كفتيلتي فانوس تحولتا إلى السواد الداكن مع مرور الوقت. وعن يهودي عمران الخارق الذي يمارس الطب ويستطيع معالجة الأمراض المستعصية، وذلك التغاضي المصمت الذي دأب رجال القرية على تبادله، بعضهم تجاه الآخر، فيما يتعلق بمحظورات الذهاب إلى ساحر، ناهيك عن كونه يهودياً.
في الواقع كنت حينها، كأي طفل، أصغر من أن اعرف كيف أنهم أصبحوا يهودا ذات يوم، ولا حتى ماذا يعني كونهم يهودا أصلا.
الخميس الفائت، كانت الساعة الـ3 عصرا، عندما وصلنا إلى مدينة ريدة، رداد السلامي ومحمود طه وأنا. كان الطقس بارداً بضراوة، والحقول جرداء مترامية كئيبة بتربتها التي تشبه الحساء المتيبس في إناء مهجور. وكان السكون المضجر يكتم أنفاس المكان. وكان وادي البون الزراعي الشاسع والخصب ذو النهايات المدببة، يضيق شيئاً فشيئاً كلما اتجهنا شرقاً.
كان الجو صافياً، وأشعة الشمس تتكسر كأعواد المعكرونة في عراك لا نهائي مع موجات الصقيع التي تخرج منتصرة في نهاية المطاف. وبين فينة وأخرى، كانت تلوح بقع شعير خضراء عارية بشكل يبعث على الضيق والضياع في محيط مقفر ومغبر، ونسوة ضامرات هزيلات يتشحن بعباءات سوداء وقد أصبحت باهتة بفعل الزمن، واللائي اعتدن على الوقوف بمحاذاة الطريق لعرض سلال البطاطا، التي حصلن عليها لقاء مشاركتهن ملاك المزارع في جمع الدرنات المدفونة، للمسافرين.
مدينة ريدة من الداخل أكبر مما تبدو عليه عند أول وهلة. لكنها كانت خاملة، كسلى، تشيع إحساساً يذكرك ببدايات الخليقة الأولى. عندها تتساءل، في سريرتك طبعاً، عما إذا كان اليهود قد قطنوا هذا المكان لأنهم وجدوا فيه نسخة من الأزمنة البعيدة حيث ظهرت أولى الديانات في العالم، ديانتهم.
قصدنا في البدء منزل الحاخام الأكبر للطائفة اليهودية في اليمن، يحيى يعيش بن يحيى (ورث مركزه الديني هذا من والده "يعيش"، الذي وافته المنية أوائل العام 2007، في لندن بعد صراع مع سرطان الرئة). المنزل يبعد نحو 2 كيلو متر من ريدة، في مكان يدعى السوق الجديد التابع لقبيلة خارف وشيخها جبران مجاهد أبو شوارب.
يقوم بيت الحاخام على ربوة منخفضة، ويحيط به سور مبني بصورة غير منتظمة من الحجارة السوداء فوضوية الشكل. وإذ لعب محمود طه دور الدليل الذي يعتمد عليه، فقد تولى قرع البوابة الحديدية الصدئة ومناداة الحاخام. كان محمود يعرف أن الحاخام في صنعاء يومذاك، لمتابعة قضية مقتل ماشا يعيش أحد أبناء طائفته، لكنه حاول الالتزام بالتقليد الراسخ الذي يقضي بضرورة مناداة رجل البيت فقط، ولو لم يكن موجوداً فعليك أن تفترض وجوده دائماً. وبينما كان محمود يمازح نفسه بالادعاء بأن اليهود أخواله، فقد تناهى إلى سمعه، من خلف البوابة، صوت امرأة، وهتف محمود:" أين خالي أنا محمود طه".
فتحت لنا امرأة ملثمة وصبية صغيرة تدعى طابا. ومن المرجح ربما أنها سميت بهذا الاسم تيمنا بقرية طابا المصرية الواقعة في سيناء، والتي ظلت حتى 1989 محط نزاع مع إسرائيل، وتعتبر آخر بقعة تسلمها المصريون بعد اتفاقية كامب ديفد الشهيرة.
كان المنزل خاويا وبسيطا، لكنه منظف بعناية. وهو ينم عن أسرة فقيرة اكتسبت نفوذها من تدينها ونبوغها في التلمود، في فنائه دراجة نارية مركونة (دراجة الحاخام على ما يبدو)، وكوخ يشبه قن الدجاج لم ندرك مغزى وجوده، ولم نجد الجرأة الكافية لنسأل عن ذلك. كنا نحذو حذو محمود باعتباره العليم بما يليق وما لا يليق، ما يجب قوله وما لا يجب، ونظرا لعلاقته الوطيدة برموز الطائفة اليهودية. وأكثر من ذلك، فقد كنا بعد أن نقدم على فعل معين أو نتلفظ بسؤال ما، نختلس النظر إلى وجهه لنرى ماهية التعابير التي سوف يرسمها على ملامحه. ومحمود هذا، لمن لا يعرف، صحفي شاب ظريف جدا وخفيف دم، حتى إن المرء لا يجد صعوبة في اعتباره صديقاً من أول لقاء.
نحن الآن في مجلس آخر حاخامات اليهود في اليمن. روائح المجلدات العتيقة تملأ الغرفة المؤثثة بتقشف واضح. مصطبة خشبية تتوسط المكان، يعلوها شمعدان نحاسي. ولقد أذهلنا حقا ذلك النقش الموجود على إحدى واجهاتها: كان النقش يتكون من عبارتين، الأولى "بسم الله الرحمن الرحيم"، والثانية الآية القرآنية "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". رف محشو بالكتب العبرية ومجلدة بأغلفة سوداء قديمة. نقوش عبرية لم نعرف معناها تتوزع على واجهات الغرفة، وساعة حائط معطلة لكنها تحمل كتابة عبرية أيضاً، وصورة مبروزة تجمع الشيخ مجاهد أبو شوارب وماشا حرير أثناء وجود الأول في أمريكا للعلاج بحسب إفادة يوسف يعيش. وماشا حرير هو أحد أبناء الطائفة اليهودية هاجر إلى أمريكا عندما كان عمره 4 سنوات تقريباً. وفي جدار آخر بوسع المرء مشاهدة ساعة حائط أخرى شاشتها مشطورة إلى نصفين عموديين، الأول لصورة الرئيس بالزي العسكري وأسفل الصورة مكتوب "البطل" باللون الأحمر، والنصف الثاني للساعة وأسفلها منقوش " الله" و "محمد".
حتى هذه اللحظة ما زلنا في انتظار شقيق الحاخام. إن دهشة التجارب الجديدة تفقد الواحد منا الحس بالزمن. إذ إننا انتظرنا دون نفاد صبر. ساعتها كنت أقول لنفسي: هذه أول مرة في حياتي سألتقي بيهودي مباشرة، ليس هذا فحسب، ولكنني الآن في بيت الحاخام بالذات، وفي متناول يدي مخطوطة من التوراة يقال بأن عمرها 500 عام. وسيكون علي أن أتخلص من كافة الأفكار النمطية بشأن اليهود، التي تزخر بها ذاكرتي.
بعد 10 دقائق وصل يوسف يعيش بن يحيى بن يهودا، وهو الأخ الثاني للحاخام ويبلغ من العمر 45 عاما. كان يرتدي ثوباً رمادياً مهترئاً، ويضع حزاماً على وسطه (يحظر على اليهود حمل السلاح بأنواعه)، وكنزة صوف زرقاء غامقة، وكوت أخضر باهت، وزناران حلزونيان. صافحنا يوسف بفتور من سئم الأضواء وتصدر عناوين الصحافة، غير أن وصوله كان كفيلاً، لسبب ما، بتعديل مزاجي المكدر، وبدأ يخالجني نوع من الشعور بالرضا عن النفس.
 قدمنا أنفسنا للرجل الواحد تلو الآخر. ودخلنا في صلب الموضوع الذي جئنا من أجله: مقتل ماشا يعيش يوم 10 ديسمبر، والبحث عن التفسير المناسب لتزايد الهجمات المعادية لليهود في اليمن خلال السنوات الأخيرة.
في الليلة التي سبقت سفري كنت مستلقياً على فراشي، وقرأت كتاب كارل ماركس حول المسألة اليهودية، التي أرقت أوروبا طيلة القرون الوسطى إلى منتصف القرن العشرين. كانت مقترحات ماركس، وهو يهودي ألماني، لتحرير اليهود إنسانياً وسياسياً من وطأة الدولة المسيحية تتسم باللاواقعية، كأن يطرح، على سبيل المثال، بأنه يجب على اليهودي أن يكف عن أن يكون يهودياً، والمسيحي أيضا كخطوة أولى لحل التناقض الديني بينهما. لكنه كان محقاً في نواح أخرى، مثل قوله إن المسألة اليهودية "تكتسب مفهوماً متغيراً حسب الدولة التي يوجد اليهودي فيها".
المسألة اليهودية أزلية، بمعنى أنها ليست وليدة اللحظة. ومنذ بضع سنوات راحت أخبار الطائفة اليهودية في اليمن تتصدر عناوين الإعلام. وكانت كلها توحي بأن اليهود أصبحوا أناساً منبوذين، مع أن تعدادهم لم يتجاوز الـ 300 شخص، مسالمين ووديعين ومعدمين ولا يشكلون أدنى خطورة تجاه أحد.
وفي كل مرة كان هذان السؤالان يغدوان أكثر إلحاحاً: هل ما يتعرض له يهود اليمن عفوي أم أن وراءه دوافع دينية وسياسية مبهمة، وهل من الممكن عزل المسألة اليهودية اليمنية عن سياق المسألة اليهودية في العالم، لاسيما وأن دنيس ماكشين كتب مقالا في مجلة النيوزويك الأمريكية، الأسبوع قبل الماضي، حول عودة معاداة السامية في أوروبا "كإيديولوجية لتنظيم الجماهير".
واليكم ما كتبه ماكشين، وهو عضو في البرلمان البريطاني ووزير الشؤون الأوروبية السابق في الحكومة البريطانية، استنادا إلى نتائج استطلاع جديد لمؤسسة بيو الأمريكية لاستطلاعات الرأي، أظهرت الأرقام الآتية:"نسبة الألمان الذين يحملون آراء غير إيجابية تجاه اليهود قفزت من 20 بالمائة عام 2004 إلى 25 بالمائة حاليا. وفي فرنسا التي يقيم فيها أكبر عدد من اليهود مقارنة بأي دولة أوروبية أخرى، فإن 20 بالمائة من المواطنين فيها ينظرون بصورة غير إيجابية إلى اليهود، مقارنة بنحو 11 بالمائة قبل أربع سنوات. وفي إسبانيا نجد الأرقام أكثر لفتاً للأنظار: فالآراء السلبية عن اليهود قفزت من 21 بالمائة عام 2005 إلى نحو واحد من كل اثنين تقريبا هذا العام. وفي بريطانيا، حيث ظلت هذه النسبة عند 9 بالمائة لبعض الوقت، فإن الأدلة العرضية على تزايد العداء لليهود متوفرة بكثرة: فالأطفال اليهود العائدون من المدارس اليهودية المجانية في منطقة شمال لندن التي تقطنها الطبقة المتوسطة يخافون اليوم العودة إلى منازلهم في الحافلات العامة بسبب تزايد الهجمات المعادية لليهود. وقام آباؤهم باستئجار حافلات خاصة، في الوقت الذي لا يبدو فيه أن شرطة لندن قادرة على وقف الهجمات على أبنائهم. وفي مانشيستر، كان يجب تنظيف رسوم الصليب المعقوف النازية عن جدران مقبرة يهودية على عجل قبل وصول وفد من الشخصيات المهمة إلى المقبرة"، انتهى الاقتباس من مقالة ماكشين.
في ريدة لمسنا كم أن مخاوف اليهود باتت اليوم حقيقية كما لم تكن من قبل. "ماذلحين ما عادهناش آمنين. كنا آمنين لا يوم الخميس، ماذلحين بندخل وإحنا خايفين ونخرج واحنا خايفين، أين عاد الأمن والرماية لا ضلعك؟". والذي يتحدث هكذا ليس سوى الرجل العجوز يعيش يوسف والد القتيل ماشا.
.....................................
صرخ في وجهه "اسلم يا يهودي"، فرد "أصبح اليوم" لكنه تلقى 5 رصاصات قاتلة
وقائع اغتيال مكشوف

هذه الحادثة قلما نجد ما يشبهها خلال القرن العشرين. ففي يوم الخميس 11-12-2008، كانت الساعة الـ8 صباحا، حين خرج الشاب اليهودي ماشا يعيش إلى السوق، كعادته. "أسكبت له مرته قهوة يفرق وخرج للشارع" قال يوسف شقيق الحاخام. وفيما كان ماشا يبتاع الخضار، باغته شخص مسلح غريب. ودون أية مقدمات دعاه بنبرة قاسية، وعيناه تبرقان بالشر، إلى اعتناق الإسلام:"باتسلم يا يهودي أو ماشي؟". لبرهة وجيزة من الزمن، لم يدرك ماشا بأن هذا المتطفل غليظ الطباع كان يتربص به، واعتبر الأمر مجرد مزاح عابر، فهو لطالما تلقى دعوات من هذا النوع، لكنها كلها تأتي على سبيل الدعابة.
رد ماشا حازما:"أصبح اليوم". في الحال ذخر، الرجل مجهول الملامح، بندقيته وأطلق 5 رصاصات اخترقت جسد ماشا فخر صريعاً من فوره. وبحسب مصادر من الطائفة اليهودية، فإن شخصاً يهودياً يدعى يوسف سعيد العمار، تلقى رسالة تهديد شديدة اللهجة، قبل حوالي شهرين، بيد أنه لم يأخذها على محمل الجد. وإذا كان مصدر الرسالة غير معروف، فقد وضع صاحبها فيها 3 خيارات أمام اليهود: إما تعتنقوا الإسلام، أو ترحلوا من البلاد، أو السيف بيننا.
يقول والد ماشا بصوت فيه بحة:" ما معه مشكلة مع احد من حين خلق، إلا هذا مدري منين جاء لنا(يقصد القاتل)". وتطوع أحدهم، وكان جالساً بجواري في منزل القتيل، ليهمس في أذني قائلا، بصوت حرص أن يسمعه أقرباء ماشا: "كان ماشا متصدق". كنا في غرفة العزاء، وكان هذا الرجل الذي مال على كتفي، وشهد للتو بأن ماشا "متصدق"، هو المسلم الوحيد في العزاء، وتوصلت إلى الاعتقاد بأنه مسلم من خلال عدم امتلاكه خصلتي شعر طويلتين، وأيضا من خلال الجنبية التي يحملها.
تم إلقاء القبض على القاتل في اليوم نفسه. وسنعرف نحن، وسيعرف ذوو القتيل لاحقاً، أن المتهم يدعى عبدالعزيز يحيى حمود العبدي، ضابط طيار متقاعد، حاصل على ماجستير في الكهرباء الإلكترونية والميكانيك والطيران. تقول بعض المعلومات إنه فصل من عمله قبل 5 سنوات لأنه اخترق الأجواء السعودية، وتسبب بأزمة بين البلدين. وبينما تفيد المصادر بأن عبدالعزيز قتل زوجته قبل 4 سنوات، فإن السلطات الأمنية والقضائية لم تصدر حتى هذه اللحظة تقاريرها بشأن صحته العقلية.
صباح السبت انعقدت أولى جلسات محاكمة العبدي. وإذ قرأت المحكمة قرار الاتهام وأدلة الإثبات، فقد اعترف المتهم بقتله ماشا يعيش النهاري، معللا فعلته بأنها تقربٌ إلى الله. واعتبر نفسه مجاهداً في سبيل الله. وقال إنه سبق وأن أنذرهم برسالة قبل أشهر، كما أنه قد أبلغ مديرية أمن ريدة قبل ستة أشهر على إقدامه على جريمته، وطالب إدارة أمن المديرية بترحيلهم من المديرية كونهم يثيرون القلق في البلاد وأن لهم علاقة بإسرائيل وتل أبيب. لكن أولياء دم القتيل تغيبوا عن الجلسة بسبب يوم العبادة الأسبوعية الخاصة بأبناء الطائفة اليهودية.(أصدر الإمام يحيى حميد الدين قرارات تمنع القضاة والحكام من استدعاء أي يهودي يوم السبت تكريساً لقدسية اليوم لدى اليهود).
أما الضحية ماشا فهو شاب في الـ35 من عمره. أنهى دراساته العليا في التلمود بأمريكا منذ نحو 6 سنوات. (والتلمود كلمة عبرية هي المقابل الحرفي لكلمة "التلمذة" العربية. يحوي التلمود الشريعة الشفوية. وبكلمات أخرى: التلمود سجل يضم المناقشات التي دارت بين الحاخامات في الحلقات التلمودية عن القضايا الفقهية (هالاخاه)، والوعظية (آجاداه)، بمعنى أنه كتب على مدى قرون. ويحوي التلمود موضوعات تاريخية، وتشريعية، وزراعية، وأدبية، وعلمية).
يعول ماشا 9 أطفال. وقد عُهد بهم إلى جدهم. "وعدنا الرئيس يدي معاش للجهال، وينفذ حكم الله في القاتل". هكذا قال الجد المعاق(أصيب العام الماضي بجلطة في ذراعه اليسرى) الذي يكسو اللون الرمادي لحيته الكثيفة وزناريه المظفورين كيفما اتفق. ماشا يمارس تدريس التلمود في مدرسة الشبزي الخاصة بالطائفة اليهودية في السوق الجديد، تأسست قبل 7 سنوات تقريبا، وحظيت بدعم من الرئيس شخصياً الذي منحها حافلة لنقل الطلبة. ولماشا 4 أخوات متزوجات في إسرائيل، وبعيد سماعهن بنبأ مقتله الفاجع وصلن إلى ريدة في غضون يومين. وفي اليوم التالي، وفيما كن متجهات إلى عمران، تعرضن لحادث مروري، وأصبن بجروح طفيفة متفاوتة. وفي الوقت كان مقرراً فيه تشييع ماشا فور وصول شقيقاته من إسرائيل، فقد كان لهن رأي مختلف مفاده تأجيل الدفن حتى تنفيذ الإعدام في الجاني. أو بحسب تعبير الحاخام يحيى يعيش تنفيذ "حكم محمد بن عبدالله".
"يدفنوهم الاثنين وإلا يشلوهم لهم"، يقول يعيش بن يوسف النهاري بصوت منكسر والدموع تنهمر بغزارة.
...
والد ماشا، الرجل الستيني المغموم، فقد صلابته أمام هذا الموت البغيض، الذي لم يعرف كيف يتجنبه، ولا كيف يتوقعه حتى. وبدا أنه لا حدود لحزن هذا العجوز المنهار، حتى إننا عندما دخلنا مجلس العزاء، كنا نجهل تماما ما هو التصرف الملائم. وبالفعل دلفنا صامتين دون أن ننتظر من يستقبلنا. أردت أن أقول "السلام عليكم"، لكنني تراجعت، حالما تذكرت أنهم يهود كيلا أجرح مشاعرهم، مغالاة خرقاء في التأدب. لم أنبس ببنت شفه، إلا أن محمود طه تلفظ بهذه الكلمة العبرية "شايلوم"، لا أدري من أين حفظها، فردوا عليه بتمتمة غير مفهومة.
كان في المجلس 7 رجال بينهم فتيان يهوديان، عرفنا أنهم من تلامذة ماشا. وكان لابد من قول شيئا من عبارات المواساة قبلما أخوض في أي حديث. هل أقول لهم: عظم الله أجركم؟ ربما كان علي ذلك، لكنني لم أفعل، ولم أجد سبباً لهذه البلادة الوقحة التي داهمتني الآن. وبعد هنيهة صمت فكرت أن أعرب لهم عن أسفي بسبب الحادث الأليم، وأسجل تعاطفي الصادق معهم. وقد فعلت أخيراً.
كان "يعيش بن يوسف" ينتحب بصوت عال، وكانت عيناه الزرقاوان جاحظتين من فرط البكاء. (كان الوحيد الذي يضع الكوفية السوداء المرتبطة بالشخصية اليهودية، والوحيد الذي كان يرتدي سروالاً وقميصاً وكنزة). ولا بد أنه كان محطم القلب "كملك مخلوع"، وكان يردد هذه العبارة:" من لنا ما معنا إلا هو". وطيلة المقابلة لم يكف عن الابتهال بدعاء مخيف اقشعر له بدني، كان يقول ويرفع نظره إلى السماء: "الله يهدمه، الله يفجع قلبه، الله يعبّر به، الله يفقره فقر الذيب إذا عوى". كدرني هذا المشهد، وأدركت كم أن هؤلاء اليهود مظلومون ومعذبون وخائفون.
قبل أن ننصرف تذكرت أنني أريد الحصول على صورة للقتيل. وماعدا ذلك العجوز المنهوك يعيش، فإن أحدا لم يتحمس لطلبي، فقد أخذ ينادي بهذا الاسم:" يالوزه، يالوزه". لكن ما من أحد يرد. ثم خيم الصمت، فساورني الشك في أنه ربما نسي طلبي. فألححت عليه، وبدوره كرر المناداة "يالوزه، يالوزه". قال أحد الفتيان اليهود، واسمه يحيى-وقد تبرم حينما رآني أدون اسمه- أنهم يتحاشون إظهار صور الفقيد من قبيل تخفيف آلام زوجته ووالديه.
كدت أن أتفهم. غير أن غريزتي الصحفية لم تطاوعني فعاودت الإلحاح. ورحت أقترح حلولا لتفادي اطلاع أحد من محبيه على الصورة. كان التوجس واضحاً في عيونهم. نهض العجوز بصعوبة وساعده الفتى يحيى، وذهب بنفسه لإحضار الصورة شريطة أن نقوم بتصويرها. ولسوف نشعر بتأنيب ضمير عميق، حينما نشاهد والد ماشا ينحني على الصورة وينتحب بصوت مرتفع، وكاد النحيب أن يتحول إلى عويل. وفاجئني اكتشاف إلى أي حد يمكن الحزن من أجل يهودي معذب بسهولة أكثر مما توقعت، بالنسبة إلى شاب ورث تلك النظر الشائنة لليهود عموما، المتجذرة لكن المفتقرة للمنطق السليم أيضاً.
.....................
 رسائل إنذار قبل أي هجوم تقدم مقترحان: مغادرة البلاد، أو المبارزة

خلال العام 2007 ارتفعت حصيلة الاعتداءات التي طالت يهود اليمن إلى مستويات قياسية. ففي مطلع العام تلقى يهود آل سالم بمديرية كتاف محافظة صعدة، رسالة إنذار شبيهة بالتي بعث بها المتهم بقتل ماشا يعيش. المختلف في قصة آل سالم هو أن هوية مصدر الرسالة معلومة، الأمر الذي جعل اليهود يأخذون المسألة بشكل جدي.
كانت الرسالة تنطوي على إنذار صريح، وأمر بمغادرة البلاد. وفيما كانت موقعة باسم يحيى سعد الخضير قائد أنصار الحوثي، فقد نصت على الآتي: "إنه، وبعد المتابعة والمراقبة الدقيقة لليهود الساكنين بمنطقة الحيد، ظهر جلياً وفي الأيام الأخيرة أنهم يقومون بأعمال وحركات تخدم بالدرجة الأولى الصهيونية العالمية، التي تسعى جادة لإفساد الناس وتجريدهم عن مبادئهم وقيمهم وأخلاقهم ودينهم، وبث كل أنواع الرذيلة داخل المجتمع، وديننا الإسلامي يأمرنا بمحاربة المفسدين ونفيهم عاماً. أنتم معشر اليهود فالإفساد هو ديدنكم وليس غريباً في حقكم فتاريخكم يشهد بهذا وحاضركم يشهد. فنحن نوجه إليكم هذا الإنذار بمغادرة البلاد فوراً، واعلموا أنه ليس بمقدور أحد في هذه الدنيا أن ينفعكم، فلا تمنيكم أنفسكم أو يخدعكم أحد من الناس، فتتجاهلوا رسالتي هذه. ونحن نعطيكم مهلةً لمدة 10 أيام إن وجدناكم بعدها ستندموا".
ولإثبات جدية التهديد فقد باشر أنصار الحوثي تنفيذ الاعتداءات والخطف والترويع. وبالفعل تسببت المضايقات في تهجير 7 أسر يهودية من آل سالم قوامها 45 نسمة، وما زالوا حتى هذا اللحظة يقطنون في صنعاء بعد أن وفرت لهم الحكومة مساكن في المدينة السكنية.
وتعرض اليهود للإيذاء العاطفي أيضا. كان ذلك عندما أعطى الشيخ عثمان مجلي الملاذ الآمن ليهودي يدعى يوسف سليمان حبيب من يهود صعدة، متهم بقتل فنحاس يوسف العمار أحد أبناء طائفته، بدعوى أنه اعتنق الإسلام ولا يجوز له تسليمه للقضاء. وما يزال حتى هذه اللحظة بمنأى عن العقاب، ولم يثبت حتى الزعم بأنه اسلم.
وفي أكتوبر، 2007 أيضاً، أثارت قضية فتاة تدعى نينوى حفيظة اليهود. كانت تبلغ من العمر 18 عاماً حين وقعت في غرام شاب مسلم. وإذ رفض والدها السماح لها بالزواج من هذا الشاب، اختارت اللجوء إلى مشايخ المنطقة واعتناق الإسلام. لكن والدها وطائفتها قرروا أن ابنتهم تعرضت للخطف، مطالبين بالتحقيق في الواقعة. وبعدما حققت السلطات في الأمر، تبين أن نينوى اختارت الزواج والإسلام بملء إرادتها. وهو ما حدا بطائفتها أن تنظم مراسم عزاء كما لو أنها في عداد الموتى.
ولم يمض سوى 4 أيام على مقتل ماشا، عندما فجر مجهول قنبلة بجوار منزل سعيد إسرائيل يعقوب بالسوق الجديد. وكان الانفجار الذي وقع منتصف ليل الاثنين الماضي، قد تسبب في إحداث أضرار مادية بالغة، منها ما لحق بـباص يملكه سعيد، والتهشم الذي أصاب زجاجات نوافذ المنزل.

.....................

أبو شوارب أعفاهم من الجزية في مقايضة غير عادلة
أثناء بحثي في تاريخ الطائفة اليهودية عثرت على واقعتي قتل فقط تعرضت لها خلال القرن العشرين. وكلتاهما لم تنتهيا بإعدام الجاني. الأولى حدثت إبان حكم الإمام يحيى، وانتهت بتسوية قبلية. وينقل الدكتور كاميليا أبو جبل، مؤلف كتاب "يهود اليمن، دراسة سياسية واجتماعية واقتصادية"، تفاصيل الواقعة عن أحد الرواة التاريخيين قائلا:"ويذكر حبشوش أن عربياً مختل العقل، ضرب يهودياً من يهود ملح، يدعى يوسف شكر، فقتله، وعلى الفور هب رجال قبيلة أبو لحوم الحامية للمقتول رغبة بالثأر لجارهم اليهودي، الشيء الذي فرض على أهل القاتل التوسط لدى القضاة العشائريين لفض النزاع الذي كاد أن يتحول إلى فتنة خطيرة. وكان الحكم بان يدفع أهل القاتل 4 ديات مضافاً إليها جميع خسائر الصلح".
وقبل نحو 18 عاما، لقي يهوديان مصرعهما على يد شخص من قبائل خارف. لكنه هذه المرة ليس مختلا. لهذا صدر الحكم بالإعدام. ومع ذلك لم ينفذ الحكم، لان الشيخ مجاهد أبو شوارب تدخل لتسوية القضية بالاكتفاء بدفع الدية. ولكي يرضي خاطر اليهود، قال لهم أبو شوارب أنه من الآن فصاعدا انتم في حل من دفع الجزية، فهي تدفع مقابل تأمينكم، إلا أن حياتكم لا تزال في خطر. مقايضة غير عادلة، أليس كذلك؟
وفي ضوء تينك الواقعتين نستطيع ببساطة تخمين النهاية الحتمية لقضية ماشا يعيش قبل كتابتها. فهو إن كان القاتل مختل عقليا، فالدية عقوبته. وإن كان عاقلا فالإعدام اسميا والدية كأمر واقع. مع أن يوسف يعيش، شقيق الحاخام، مصر على الاعتقاد بأن " شريعة موسى وشريعة محمد بن عبدالله سوى، من حيث أن العين بالعين، والسن بالسن، والجراح قصاص". ونقل عن الرئيس قوله:" القاتل مجنون حتى لو هو عاقل، الذي يقتل دائما مجنون".
............................
                                          الرئيس يقترح بناء "جيتو" لليهود في صنعاء

الثلاثاء الفائت التقى الرئيس صالح بوفد ممثل للطائفة اليهودية. كان اللقاء يهدف، طبقا للحاخام، الى مناقشة الاعتداءات والانتهاكات، التي تتعرض لها الطائفة اليهودية، في منطقة السوق الجديد بخارف ومدينة ريدة.
"قلنا ما معنا إلا الله وهم، ازغفنا حتى البحر"، هكذا يتحدث شقيق الحاخام في معرض سرده لوقائع اجتماعهم بالرئيس. ويضيف:"قلنا للرئيس بيوتنا مهددة، خلاص احنا في خطر. قال الرئيس: من هم؟ قلنا قدوه داري بهم يحيى أبو شوارب". وقد أصدر الرئيس توجهاته بمنح كل أسرة يهودية 5 لبن في صنعاء على أن يتم بيع منازلهم وممتلكاتهم في عمران. ووفقاً للحاخام يحيي في تصريح لـ"نيوز يمن"، فإن الرئيس كلف الشيخ يحيي مجاهد أبو شوارب وكيل جهاز الأمن القومي بمتابعة تنفيذ تلك التوجيهات.
على أن توجيهات الرئيس بمثابة إقرار بالعجز عن حماية حفنة لا تتعدى بضع مئات. وسيكون الحي الجديد "جيتو" يعزز من عزلة اليهود على غرار الأحياء المغلقة التي انتشرت في أوروبا على مدى القرون الوسطى.(جيتو أو غيتو مفردة يرجح أنها إيطالية كانت تطلق على حارات اليهود). وبالنظر إلى مناطق تجمعات اليهود في اليمن عبر الحقب التاريخية المختلفة، فإننا سنلاحظ أنهم يميلون غالباً إلى الانكفاء. ففي صنعاء كانت لهم أحياء خاصة تشبه إلى حد كبير أحياء اليهود في ألمانيا وايطاليا وغيرها. طرحنا على يوسف سؤالاً حول الكيفية التي تلقوا بها قرار الرئيس، وعما إذا كان سيضع حداً لمشكلتهم، فقال:"والله فيه ناس أرضاهم الحل، وفيه ناس ما يشتوش يخرجوا من بيوتهم، وطنهم". وتابع: "كان زمان القبيلي بعد عمله، واليهودي بعد عمله، والسيد بعد عمله، حقك لك".


من المناسب أن تركب الحمير وإذا رغبت في دراجة فلا مانع

بالنسبة للطائفة اليهودية في اليمن، كانت فترة حكم الإمام يحيى حميد الدين زاهية مقارنة بما سبقها. فبعد أن تسلم زمام الأمور تلا بياناً خص به اليهود، حدد فيه واجباتهم وحقوقهم، وتعهد بالدفاع عنهم والانتقام ممن ينال منهم. وتتمثل الامتيازات التي منحها لهم في تقليص عدد الممنوعات المفروضة عليهم كذميين، وإنصافهم ممن يتعرض لهم بالإيذاء.
عام 1930 وحده كانت معابدهم من الكثرة إلى درجة بلغ فيها تعداد كنائسهم، في صنعاء فقط، حوالي 39 معبداً يهودياً مقابل 48 مسجداً. وسمح لهم الإمام يحيى بركوب الحمير. وعندما ظهرت الدراجات الهوائية لأول مرة في اليمن، بعث حاخام اليهود آنذاك سالم جميل برسالة يتودد فيها الإمام ليسمح له باقتناء دراجة، وقد رد عليه الإمام في الرسالة نفسها بهذه العبارة:" ليهديك الله، من المناسب أن تركب حماراً وإذا كنت راغباً في دراجة فليس هناك من مانع". لقد أسدى لهم صنيعا كبيرا.
وبالطبع كان اغتيال الإمام يحيى هي اللحظة المواتية بالنسبة للوكالة اليهودية، لتبدأ في تنفيذ أكبر عملية تهجير لليهود أطلق عليها "بساط الريح" أو "البساط السحري". فما بين عام 1948 و1952 تم تهجير زهاء 47170 شخصاً وبتكلفة بلغت 4 ملايين دولار، عبر 430 رحلة جوية.
الآن يكافح يهود ريدة المتبقين للبقاء بسلام ضمن أقل الشروط. لا توجد لديهم تطلعات سياسية من أي ثم إن عددهم لا يسعفهم ليشكلوا خطرا على أحد. إنهم ببساطة يريدون العيش متقيدين بالقوانين غير المكتوبة التي تبقيهم مواطنين من دون درجة تذكر.
هناك أسباب عديدة تعمل على تقويض التعايش المديد بين اليهود والمسلمين في ريدة، بعضها تافه. فمثلاً يتعرض الحاخام للإيذاء لأنه يمارس الطب الشعبي، من قبل منافسين مسلمين يمارسون المهنة نفسها، فيلجأ المشعوذون المسلمون إلى الاستقواء بأكثريتهم، فيمنعون المرضى من التوافد على اليهودي بالقوة ويرشقون منزله بالحجارة. وهذا سبب سخيف للغاية ولا يصعب معالجته بتسوية يقودها وجاهات المنطقة. ثمة سبب آخر يرفع من وتيرة العداء لليهود: أخبار الفضائيات عن فلسطين وممارسات الاحتلال الإسرائيلي المستفزة، وهنا يمكن إقناع الناس بفكرة أن هؤلاء أبرياء، بل إن الحاخام لطالما أعلن معارضته لقيام دولة إسرائيل من الأساس.
........................


ليست هناك تعليقات:

الأكثر مشاهدة