محمد العلائي - 13/11/2007
قضت المحكمة الجزائية المتخصصة، الأربعاء الفائت، ببراءة حسين الذرحاني "لعدم كفاية الأدلة".
والذرحاني هو المتهم ضمن خلية "إرهابية" قوامها 38 شخصاً، يعتقد أنها تقف وراء التفجيرات، التي استهدفت منشآت نفطية في مأرب وحضرموت، قبيل الانتخابات الرئاسية ببضعة أيام.
خلافاً لبقية عناصر الخلية، أخذت قضية الذرحاني مذاقاً سياسياً فريداً. فإلى شخصية الرجل غريبة الأطوار، والملفوفة بكثير من الغموض والتناقض، كان ثمة أمر آخر: ارتباط اسمه بمرشح اللقاء المشترك فيصل بن شملان، حيث ظهر الذرحاني كأحد مرافقي بن شملان في المهرجانات الانتخابية.
ولكانت المحكمة أسدلت الستار نهائياً على واقعة لا يبدو أنها عادية، لو لم تستخدم النيابة حقها في النقض.
ولئن كان من شأن الحكم، أن يثير سجالاً سياسياً صاخباً، فإنه لم يمثل صدمة من أي نوع.. لقد عبرت الفضاء السياسي بأقل ما يمكن من الأصوات.
رغم أن صيغة إشهار تهمة الذرحاني كانت من الفرادة، بحيث لا يسهل محوها من الذاكرة، إلا أن ذاكرة البلد على الأرجح، لم تعد تتسع للمزيد من الملفات. 14 شهراً فحسب، هو الزمن الذي مر منذ اعتلاء الرئيس شخصياً، منبره في دار الرئاسة لإشهار التهمة "الماحقة"، على الملأ.
إنها مدة وجيزة جداً، بيد أنها كانت مناسبة بما يكفي ليفقد ملف الذرحاني أهميته في الوعي الشعبي.
بالنسبة للرئيس، كانت اللحظة استثنائية، فالأمور بدأت تنحو على غير ما يجب، والمنافس لاح أكثر قوة مما يتصور.
كان بن شملان يخوض المعركة بشكيمة عالية. علاوة على ذلك، لم يخرق الرجل القواعد الذهبية للعبة قط. في حين كان يتمتع بلياقة فائقة أثناء خطاباته.
بالمقابل، كان الرئيس يمارس اللعب بالمزاج الذي اعتاد عليه: المزاج الحاد، في مواجهة الخصم المتقيد بتقاليد اللعبة.
في 16 سبتمبر 2006 انفجرت سيارتان مفخختان على مقربة من المنشآت النفطية في صافر، والضبة، على فترات زمنية متقاربة.
في مساء اليوم نفسه، أعلنت الأجهزة الأمنية عن ضبطها خلية "إرهابية" مكونة من 4 أفراد، قالت إنهم مرتبطين بتنظيم القاعدة، وإنهم على علاقة بمنفذي محاولتي تفجير منشآت النفط.
يومذاك، صيغ الخبر بشكل يوحي أن أجهزة الأمن احرزت نجاحاً باهراً. بعدما فرغ المذيع -في نشرة أخبار الساعة التاسعة- من قراءة نص الخبر، ظهر رجل حليق يتباهى بكونه دل رجال الأمن على وكر الإرهابيين.
حسين الذرحاني كان دوره محدوداً، لكنه خطير (لا أحد يعرف مدى إدراك الذرحاني لمعنى أن يظهر في سياق أمني محفوف بالمخاطر).
الأيام (17، 18، 19) من سبتمبر 2006، كانت الأثقل وطأة على مرشح المؤتمر الشعبي العام. رغم ذلك، لم يكن في حسبان أحد أن يعمد الأخير إلى توظيف حادثتا التفجير كورقة "فتاكة"، ذات مفعول آني ومضمون.
لا ريب، كان أداء بن شملان جيداً، الأمر الذي أفقد الماكينة الانتخابية لمرشح المؤتمر صوابها. وبدا ضغط المنافسة، في نظر الرئيس فوق القدرة على التحمل.
قبيل موعد الاقتراع بـ 12 ساعة قرر الرئيس إخراج آخر سهم في جعبته، وأول سهم: الورقة الأمنية.
لطالما لوح بها في خطاباته، لكن بصورة فضفاضة وعائمة، من قبيل:"من أجل الأمن والاستقرار، من أجل الأمن والأمان، نعم لمرشح المؤتمر".
مساء 19 سبتمبر، نقل التلفزيون اليمني مباشرة، وقائع مؤتمر صحفي، بعيد انتهاء الفترة القانونية للدعاية الانتخابية.
وإذ كان الناخب –ساعتئذٍ- يترقب بقلق شديد، تفاصيل المعركة الانتخابية أولاً بأول، فلم يكن مفاجئاً أن يحصد المؤتمر الصحفي الذي قرر الرئيس عقده، على حين غرة، نسبة عارمة من المشاهدين.
وقف يلوح بصورة فوتوغرافية يظهر فيها بن شملان وخلفه الرجل الحليق الذي قدمه المصدر الأمني قبل 3 أيام باعتباره رجل وطني، دل على الخلية الإرهابية، التي نفذت هجوم صافر والضبة.
قال الرئيس وهو يشير إلى الصورة:"يتضح من خلال الصورة أن الشخص الإرهابي كان يقف وراء مرشح اللقاء المشترك في إحدى مهرجاناته الانتخابية".
لم يكتف بهذا التوضيح المقتضب. لقد كان يتحدث كما يليق برجل يؤمن بنجاعة السلاح الذي يصوبه إلى خصمه:"إن وقوفه خلف مرشح اللقاء المشترك يثير الأسئلة، وكيف نكون يقظين وحريصين أن نتابع مثل هذه الخيوط".
كان السلاح حاسماً، غير أنه لم يكن دستورياً، ولا قانونياً، ولا أخلاقياً، ولا ديمقراطياً. كان حاسماً فحسب، هذا كل ما في الأمر.
أن يتولى الرئيس مهمة إشهار تهمة متصلة بالأمن العام، أمر يبعث على الخوف. إنها مهمة منوطة بالقضاء حصرياً. "لا جريمة إلا بأدلة، وهذا من شأن القضاء"، يقول المريسي.
فور سماع بن شملان بالطريقة التي لجأ إليها خصمه للنيل منه، استشاط غضباً، لكنه لم يجد الوصف المناسب، حسب قوله في مؤتمر صحفي عقده في تلك الليلة للرد على منافسه:"استعمال منصب رئيس الجمهورية للنيل من المنافس بتلك الطريقة، لا أجد له وصفاً مناسباً". وأضاف "ما تم هو محاولة للتحريض على شخصي بهدف ترسيخ فهم خاطئ في أذهان الناس، أما المرافق الذي كان بصحبتي فهو صنيعة السلطات الأمنية، وعليكم أن تسألوا الذين أتوا به".
بدا بن شملان في غاية الهدوء، عندما كان يدافع عن نفسه. لم تند عنه أية كلمة غير مهذبة إطلاقاً.
"حسين الذرحاني ضحية النظام"، قال محامي الذرحاني حزام المريسي بحدة. وتابع في حديثه لـ"المصدر":"وبحكم أنه كان يحضر مهرجانات بن شملان، فقد تم الاستفادة من هذا الموضوع في تجيير الاتهام ضده رغم أنه ساعد جهات الأمن في حينها، واستضافهم في بيته".
أمضى حسين محمد صالح الذرحاني عديد سنوات في أمريكا، وحصل على الجنسية الأمريكية، ثم مارس التجارة في السعودية قبل أن يعود إلى اليمن.
وطبقاً لمحاميه، فإن الذرحاني (40 عاماً) متزوج بـ 4 نساء وله أولاد في سن الزواج.
المريسي لم ينف ارتباط موكله بالأجهزة الأمنية، وفي نفس الوقت لم يشأ تأكيد ذلك، مكتفياً بالقول:"إن مسألة علاقته بالأمن لا تضيف إلى القضية ولا تنقص".
وإن أبدى امتعاضه الشديد من لجوء النيابة إلى استخدام حقها في استئناف الحكم، فقد استبعد أن يكون نقض الحكم بإيعاز سياسي.
وعما إذا كان موكله سيقبل فيما لو أفرج عنه بقرار سياسي، قال:"أتمنى أن لا يكون له أي تأثير ضد موكلي، رغم أن الواقع يخوف، كونه لا يزال يقبع في سجن الأمن السياسي".
الأسوأ، هو أن اللقاء المشترك ما يزال يتعاطى مع القضية وفق اعتقاد حتمي بفكرة أن الذرحاني أدى دوراً في مسرحية أمنية. لكن من يدري، لعل الذرحاني رجل أخرق، استدرج على حين غفلة.
تقول حيثيات الحكم إن الرجل لم يكن يعرف أفراد الخلية الذين استأجروا الدكان من أبناء زوجته (أنجبتهم من زوجها الأول.
وأياً ما كان الأمر، ففصول القصة لما تكتمل بعد، وسيزاح الستار يوماً عن كل ما هو طي الكتمان.
الأكيد هو أن الرئيس خرج عن طوره تماماً عشية الانتخابات، والهفوة إياها ليست طي الكتمان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق