الخميس، 25 نوفمبر 2010

القرصنة رقم 3

محمد العلائي 
الخميس 30 أغسطس-آب 2007 06:08 م

في كل مرة يعود عبدالكريم الخيواني من معاركه مكللاً بالنصر.. إنها من نوع المعارك التي يجد المرء نفسه مقحماً في خضمها دون أن يختار. سيتعين على المرء، والحال هكذا، أن يقاوم هوانه الشخصي، دون هوادة. فالمؤكد، هو أن انتصار الضعيف يكمن في تفوقه الأخلاقي، وفي كونه يحتفظ برباطة جأشه الى آخر رمق.

نهار الاثنين الفائت، كان الموت المحقق، قاب قوسين أو أدنى من الزميل الخيواني، بيد أنه كالمعتاد رجع ظافراً، على الرغم من كل الأذى الذي لحق به.

كانت الساعة ،1:50 حين غادر مقر صحيفة «النداء». وقتذاك كان في صحبته الزميلان سامي غالب ونبيل سبيع. هبطوا معاً سلالم العمارة. وتجاوزوا معاً مدخلها. وبمحاذاة الشارع توقف ثلاثتهم هنيهة، ثم ما لبث سامي ونبيل أن ودعا الخيواني، وبد يسيران ببطء. في حين توقف الأخير على الناصية كي يوقف «تاكسي» يقله إلى منزله، حيث تنتظره زوجته وأطفاله على الغداء.

في تلك اللحظة، وإذ كان الخيواني يتأهب للإنطلاق، لمح فجأة السجين الشهير الذي نفضت عنه «النداء» وعثاء 17 عاماً من السجن: عبده شوعي. وكلا الاثنين - الخيواني وشوعي، لمن لا يعلم- رفيقا السجن المركزي، ويعرفان بعضهما جيداً. الأول هو ذاك الصحفي العنيد الذي لا يكاد يخرج من السجن إلا ليعود إليه. والثاني تهامي مغمور، من صنف الاشخاص الذين لا يأبه لهم، عدا الخيواني وأمثاله، أحد.

اذاً، وبسجيته المعهودة، صرخ محتفياً: عبده شوعي.. كانت الساعة 1:53 عندما تقدم لمصافحة شوعي: ذراعاه كانا مفرودين، ووجهه بشوشاً. ساعتها همهم رجل على مقربة منهما بما يمكن عدَّها إشارة الهجوم: «انزلوا سلموا عليه»، طبقاً لرواية عبده شوعي.

بدا الخيواني كما لو كان يبذل جل الجهد كي يصل الى التهامي، الذي لا يأبه له أحد، بأقل قدر من الخطوات. ذلك أنه أخذ يقدم بخطوات واسعة وذراعاه مفرودان، بتلقائية غير مُدَّعاة،الا أن خطوات «القراصنة» كانت أكثر اتساعاً وأذرعهم مشدودة كالأوتاد.

على أي حال، لم يتسن للخيواني احتضان شوعي. ففي طرفة عين، وعلى مرأي الناس، ترجل أشخاص مقنعون من سيارة لاندكروزر، تحمل لوحة خصوصي، وأرقامها مطموسة بسواد، كانوا يرتدون الزي الشعبي، لكن المسدسات تظهر للعيان وهي معلقة على أحزمتهم.

وحسب رواية شوعي، فإن المسلحين انتزعوا الخيواني بفظاظة وبعد لحظة ذهول وجيزة انتابت الرجل، لاحت العصابة وهي تقذف به الى مؤخرة السيارة، بطريقة «مافوية» متقنة.

لم يكن سامي غالب ونبيل سبيع، قد ابتعدا سوى 20 متراً تقريباً عن المكان. فحينما نادى باسم عبده شوعي، سمعا صوته. وحين هجمت المجموعة على الخيواني سمعا جلبة وما يشبه الاستغاثة. التقط سامي صوت الخيواني يناديه. وتلفتا فرأياه يُلقى برعونة إلى «الصالون».

منذ الصباح الباكر، كان الرجل قد أمضى يوماً حافلاً. فبعدما أنهى لقاء جمعه ببعثة من الاتحاد الأوروبي، توجه للتوه، لزيارة الأستاذ احمد جابر عفيف في بيته، ثم عرج على «النداء» بعدئذ.

لدى وصوله مقر الصحيفة، ظل مبتهجاً أكثر من أي وقت آخر. لأنه التقى برفيق سجن آخر أفرج عنه قبل 24 ساعة: سام أبو أصبع.

يقول شهود العيان إن قرابة 6 أشخاص على متن السيارة التي تربصت بالخيواني، كانوا ينتظرونه منذ دخل إلى مكتب «النداء».

ووفق روايته، فإنهم فور أن تحركت السيارة، طرحوه تحت أقدامهم معصوب العينين، وبدأوا، بوقاحة، في تسديد الرفسات واللكمات والشتائم. قالوا له: نريد أن نذيقك أخلاق ما قبل الدولة.

الأسبوع قبل الفائت نشرت «النداء» للخيواني مقالاً مطولاً، هو عبارة عن نقل لبضع مشاهدات من داخل السجن المركزي، (الذي قضى فيه نحو شهر في يوليو الفائت) بعنوان: «ما قبل الدولة، وطن خلف القضبان».

يعرف الخيواني، بالتأكيد، كيف يسيطر على نفسه، في الأوقات الحرجة. فعلاوة على صنوف التنكيل التي وجد نفسه يرزح تحت وطأتها، كان يجهل أين سينتهي به المطاف، ومع ذلك لم يتضعضع.

أمروه بلهجة متعالية أن يتعلم كيف يحب «الثورة». ينبغي لأي أحد أن يكون بربرياً كفاية، كي يحب الثورة جيداً، أن يكون فظ القلب، يستطيع أن يقصقص أعضاء البشر بشكيمة عالية.

على الدوام، لا يكف الحكم عن الاعتقاد بأن مقابلة الأجانب ليست أكثر من دسائس ومؤامرات، ودولارات أيضاً، لذا فقد راح الخاطفون يتحسسون جيوب الخيواني لعلهم يظفرون برزمة من «اليورو» الأوروبي.

كان في حوزته ساعتذاك 1500 ريال يمني. الأمر الذي أصابهم بخيبة أمل. تلفظ أحدهم بسؤال لا ينقصه الغباء: أي حين صرفت؟. قهقه الخيواني بصوت عالٍ، ومتهكم، ساعة كان يروي لنا هذا المشهد.

لم يكن يعرف إلى أين ستنتهي به الطريق. وظل يتلقى الضربه تلو الأخرى. لقد كانوا يجرعونه «أخلاق ما قبل الدولة».

ولئن أصابوا أضلاعه بكدمات بالغة، فقد عمدوا أيضاً الى تهشيم نظارته على جفنيه حتى أدميا.

نصف ساعة، هي المسافة الزمنية التي تفصل أمانة العاصمة عن منطقة خولان، لكن «القراصنة» استغرقوا 3 أضعاف المدة. إنه زمن بالغ الصعوبة.

قبيل وصولهم مكان اسمه «محالين»، كانوا قد استوفوا فقرات المهمة بأكثر مما يجب من النذالة، عدا فقرة واحدة ظلت موضع خلاف: «بتر إصبع من يده اليسرى»، كمرحلة أولى، على أن يستكملوا تقطيع بقية الأعضاء متى ما عاود الكتابة مجدداً عن «أخلاق ما قبل الدولة».

لا بد أن أحدهم كان أكثر تلهفاً لفصل أصبع الخيواني عن جسده، إذ إنه شرع في القطع بـــــ«كلبتين» حادة، غير أن رفقائه نهروه، وأخذوا على يده. «ليست الأوامر هكذا» قالوا له. كان متشوقاً ولا يلوي على شيئ. ولما طفح كيلهم أومأوا له: «انتظر حتى نتصل».

أجروا مكالمة مقتضبة مع آمرهم، فجاء قراره قاطعاً - وليس باتراً- : قال(...) لا تقطعوش أصبعه، ما نشتيش حاجة ظاهرة.

نزل القرار كالصاعقة على «المتشوق للبتر». فتذمر وثار غيظة. قبل أن يشفي غليله كاسراً الأصبع الناجية من البتر.

إلى هنا، باتت المهمة شبه منتهية، ولم يتبق إلا البحث عن أنسب الأماكن ملائمة لإلقائه فيه.

بدوا خبثاء في اختيار مكان الإنزال: بقعة قافرة، مأهولة بالسكون.

المشهد الأخير: «جثم أحدهم بخشونة على صدر الخيواني وأخذ يقول له: اقسم لنا أنك ما عد تكتب على أسيادك»، لكن الخيواني لزم الصمت. في تلك الأثناء، أطلق واحد منهم جملة متوعدة، لكأنها عصارة «القرضة رقم (3)» : «هذا آخر إنذار لك، قسماً بالله لو زد تكتب مرة ثانية لا نقتلك أنت وأطفالك وزوجتك».

قبل أن ينصرفوا، أنزلوه إلى الأرض، وهو ما يزال معصوب العينين بشماغ بنَّي اللون، تجشموا عناء شرائه خصيصاً لغرض دنيئ (الشماغ موجود الآن، وهو الشاهد الوحيد على تلك البشاعة).

بالطبع، كان لا يدرك في أي أرض هو الآن، حين فك الرباط عن عينيه. لا ريب، إنها لعبة «غميضة» باهظة الكلفة.

عندما كنا، نحن في «النداء»، نتشاطر الحيرة والتكهنات، عصر ذلك اليوم، كان قد انقضى على اختفاء الخيواني، من الوقت 3 ساعات، شديدة الوطأة.

في الساعة الــــ5:30 قبيل الغروب، رن هاتف الزميل سامي غالب. تناهى إلى سمعه صوت متهدج. أصغينا بشدة، إلا أن سامي نهض من مجلسه، واستكمل الرد على المكالمة في الرواق، ونحن لا نكف عن التلصص. وحين تيقنا أنه الخيواني انفرجت أساريرنا.

كادت الفرحة تكتمل، لولا أن سامي قال هامساً إن الزميل تلقى ضرباً مُبرحاً.

استقلينا، بشير السيد وعلي الضبيبي وأنا، سيارة، وانطلقنا صوب «دار سلم»، حيث كان الخيواني يتلقى علاجاً إسعافياً في مستوصف طبي هناك.

الساعة الــــ6:00 كنا، ثلاثتنا، في حضرة الرجل. كان يتأوه تارة، ويئن تارة أخرى، لدى معانقتنا له، لكنه على الرغم من كل ذلك، كان لا يسعه إلا أن يتبسم. بدأ يروي لنا التفاصيل. وضحك من أعماق قلبه عندما تذكر أنهم كانوا يتوقعون العثور على «دولارات» في جيوبه.إنها القرصنة رقم (3)، قرصنة ما قبل التصفية ربما. ففي 2004 اقتحموا مقر «الشورى»، واعتقلوه بطريقة لا تنم عن أخلاق «دولة القانون». وقبل شهرين هجموا عليه في غرفة نومه بطريقة لا تقل بشاعة. وهذه المرة كان الشارع مسرحاً مفتوحاً لباتري أصابع الصحفيين.

ليست هناك تعليقات:

الأكثر مشاهدة