الجمعة، 12 نوفمبر 2010

القرن الأول بعد صلح "دعان" (2)


النظير التاريخي الحديث للنزاع المحتدم في صعدة: امبراطورية عجوز، توشك البقع السوداء والتجاعيد أن تكسو أنحاء جسدها المترهل، بمقابل مجموعة ثائرة فتية يسوسها رجل ذكي ومتوثب
النوم مع العفونة في سرير واحد!
 20/05/2008

تشيخ الدول مثل الأفراد تماماً، وتموت في آخر المطاف. ولقد أخذت الشيخوخة تنخر بشراهة مفاصل الإمبراطورية العثمانية رويداً رويداً، في وقت متأخر من القرن التاسع عشر. إنه الخريف. أو قل إن شئت: النهاية الحتمية للأشياء.

والمعلوم أن الدولة تخرج من مشيمة التاريخ، حين تخرج، في كامل قوتها وعنفوانها ومنعتها، بيد أنها حين تغادر لا تعود قوتها قوة، ولا عنفوانها عنفوان، ولا منعتها منعة، وإن بدت كذلك لبعض الوقت. ذلك أن العظام الهشة لن تقوى على جر مدفع عثماني صلب من نوع "آرمسترونغ".
والمعنى، أن الحملات العسكرية العثمانية المتتالية، والرامية إلى إخماد تمرد الإمام يحيى، لم تكن سوى الزفرة الأخيرة لسلطان "لم يحسن الذود عن ملكه كما يفعل الرجال". والجملة الأخيرة للروائي اللبناني أمين معلوف، أطلقتها بصوت ملؤه الحسرة والحزن سارة المبرقشة، في رواية "ليون الأفريقي" ساعة كان السلطان عبد الله يسلم مفاتيح غرناطة للقشتاليين "الغزاة".

 2

على أية حال، بزغ نجم يحيى حميد الدين إثر وفاة والده الإمام المنصور. إذاك كان عمره 45 عاماً. ولئن كانت نظرية الحكم في المذهب الزيدي "لا تحتم أن يرث الأبناء الإمامة"، فقد شاب البيعة، التي أعطيت إياه في "قفلة غدر" من بلاد حاشد عام 1904، بضعة صعوبات.
كان ثمة منافسين بالتأكيد. غير أنه كان الأكثر قوة وحذقاً وكياسة من بين من تنطبق عليهم الشروط الـ14 للإمامة، المحتكرة أصلاً في سلالة البطنين.
تلكأ الرجل في قبول الإمامة أول الأمر.
في الواقع، كان الإمام يحيى يدرك بعمق تعقيدات المذهب الزيدي فيما خص الحكم بالذات. وإذ تظاهر بعدم رغبته في الإمامة، فقد استطاع أن يحوز على شرعية أكثر متانة وشمولاً.
يقول سيد مصطفى سالم في كتابه "تكوين اليمن الحديث": "كان يدرك (الإمام) أهمية جماعية البيعة في هذا الوقت الحرج بالذات، حتى لا يظهر من يناوئه فيما بعد، أو حتى في نفس الوقت، في جهة أخرى من اليمن. ويدرك بالتفصيل التاريخ الإمامي الطويل المليء بالتنافس والنزاع بين الأمة".
بعدما آلت مقاليد الأمور إليه، ظهر أول المنافسين في صعدة ويدعى أحمد بن قاسم حميد الدين الضحياني، وهو من أبناء عمومته. ولقد توالت المؤامرات والخيانات-من آل البيت بالطبع- لكن يحيى حميد الدين كان يعرف جيداً ماذا عليه أن يفعل.
<< 
إذاً، نحن بإزاء خصمين يتربص أحدهما بالآخر: امبراطورية عجوز، تكاد البقع السوداء والتجاعيد تكسو أنحاء جسدها الضخم والمترهل، بمقابل مجموعة ثائرة فتية يسوسها رجل ذكي ومتوثب.
والخصمان، بطبيعة الحال، غير متكافئين في القوة والعتاد. لكن بالنظر إلى الوضع السياسي الداخلي لكليهما، سنجد أن الأخير يفوق الباب العالي تماسكاً والتفافاً وإيماناً بما يريد أن تقوم به.
الآن، بإمكانكم إجراء مطابقة ذهنية سريعة لهذه الصورة، مع شكل الصراع الدائر على أشده في صعدة. من شبه المؤكد أننا سنكتشف إلى أي درجة يمكن أن يتماثل الوضع السياسي للدولة اليمنية الراهنة مع إمبراطورية بني عثمان التي تشرذمت وصارت بددا.
شاخت الدولة اليمنية باكراً. هذا إن لم نقل إنها لم توجد أصلاً إلا بمعناها المجازي ليس إلا. لقد وئدت في مهدها مضموناً، بينما ظلت تنمو شكلاً مهترئاً متداعياً كبيت أثري عتيق.
بالموازاة، يمكن إجراء المطابقة ذاتها في الضفة الأخرى. ففي حين كان الإمام يحيى يتكأ في تمرده ضد الأتراك إلى جحافل قبلية ودينية متناغمة في كونها تكن مستوى معيناً من العداء للخصم الخارجي، فإن جماعة عبد الملك الحوثي تتمتع بالتناغم العضوي نفسه، لكنها تختلف في كونها تستحضر خصماً خارجياً وهمياً وهي تشق طريقها لضرب الخصم الحقيقي الداخلي. فوقتما يوجه المليشاوي الحوثي فوهة قناصته إلى صدغ جندي حكومي، ينتابه شعور أنه إنما يطهر أرض الله من دنس وأرجاس الأمريكيين واليهود. لهذا لا يجد الضمير سبباً وجيهاً لتأنيب صاحبه.
بالطريقة عينها يحارب أفراد الجيش. فالحديث عن فكرة سيادة الدولة وبسط نفوذها، والخروج على الدستور، لا يبدو كافياً، في نظر قادة الجيش، لإقناع عسكري واحد كي يصمد في مران ولو لبرهة من الزمن. الأمر الذي يعني ضرورة توفير غطاء عقائدي تجريدي. وقمة المخيف، أن هذا الغطاء يحمل ماركة طائفية منافسة، كأن يقال لهم: هؤلاء يعتنقون مذهباً جعفرياً اثني عشرياً مارقاً، إنهم يشقون عصا الطاعة ويخرجون على ولي أمر المسلمين. وإذا لزم الأمر: هؤلاء إماميون، أعداء الوطن يريدون إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء.
في كل مرة تتمظهر الصراعات السياسية اليمنية في ملاءة دينية قاتلة. وهنا تكمن الخطورة على الدوام.
فالقردعي لم يقدم على اغتيال الإمام يحيى في 1948 إلا بمباركة فتوى شرعية، أصدرها علامتين من آل الوزير وآل الكبسي، وقيل أيضا من عراب حركة الانقلاب تلك، وهو الجزائري الفضيل الورتلاني.
<< 
في 1904 أعطيت البيعة للإمام يحيى. بعد 7 سنوات من المقاومة والانتصارات العسكرية والانتكاسات، أحرز الرجل مكسباً سياسياً لا يضاهيه مكسب. ففي 1911 أبرم اتفاقية "دعان" مع الأتراك.
والحقيقة أنه لم يكن يحارب بدافع الاستقلال الوطني عن الأتراك. فإذاك كان الحس القومي ما يزال في طور التبلور في الوعي العربي بالذات. وفي اليمن خصوصاً كان عنصر الدين هو الرقم الأول في الهوية الجمعية.
وقبل الإشارة إلى الدلالة الرمزية لـ"صلح دعان"، علينا معرفة كيف تصرف الأتراك مع الإمام طيلة 7 سنوات من المنازلة على الأرض، ومقارنتها بالطريقة التي تتعاطى بها السلطة الآن مع مليشيا الحوثي.
طبعا بعيد سقوط صنعاء في يد الإمام يحيى في 1904، بدأ الباب العالي عملياً، يجنح إلى مفاوضة زعيم التمرد. لكن في الوقت الذي وافق الطرفان على الصلح، أصدر السلطان فرمان بتعيين أحمد فيض باشا والياً على اليمن. وهذا الأخير كان "معروفاً بشدته وقسوته ومهارته الحربية وخبرته بالبلاد، بالرغم من أنه كان يبلغ 75 عاماً من العمر"، حسبما يذكر سيد مصطفى سالم.
ويتابع: "نزل فيضي باشا في الحديدة حيث لحقته الإمدادات الكبيرة وخرج منها إلى مناخة حيث انضمت إليه باقي القوات العثمانية".
وإذ أدرك الإمام حجم الزحف العثماني، فقد استخدم تكتيكاً حربياً له فاعليته في التضاريس الوعرة. لقد انسحب إلى بلاد حاشد، فلحق به القائد العثماني في لحظة زهو خرقاء.
تمكن الجيش العثماني من استعادة صنعاء. وراح يطارد الإمام الذي تظاهر بالانكسار. في تلك اللحظة كانت القبائل تعلن تمردها على الأتراك في طول الهضبة الشمالية وعرضها. فألفى فيضي باشا نفسه في ورطة حقيقية. إنه يغرق الآن في بحر من الخصوم الأشداء.
صحيح، استولى باشا على بضعة مدن في الهضبة، وأحكم سيطرته على الساحل، إلا أنه مني بخسائر فادحة "بعد أن فقد أكثر من نصف جيشه، لكنه قام بمجهودات مضاعفة حتى استطاع أن يرجع إلى صنعاء، وكانت القبائل قد التفت حولها مجدداً، وحاصرت الحامية التي تركها فيها". هكذا ينقل سيد مصطفى عن الجرافي.
إذاً، في غضون سنة انتصر الإمام مرتين، وخسر الأتراك مرتين أيضاً. وقد كان من شأن هذه النتائج الحربية إعادة النظر في الأساليب المستخدمة "لإطفاء نار الحرب الموقدة"، حسب تعبير الإمام يحيى في ديباجة الرسالة التي بعثها إلى الاستانه تجاوباً مع فريق المصالحة الذي أوفدته الحكومة "العلية".
كانت الفرصة سانحة للإمام ليضع شروط الصلح، بعد أن عزز موقعه التفاوضي حرباً.
ففي الرسالة المذكورة وضع الرجل 14 بنداً، وهي بمثابة البذرة الأولى لـ"صلح دعان"، الذي أبرم لاحقاً.

اعتبرت السلطنة تلك الشروط "انتقاصاً لسيادتها، وخاصة أن عبد الحميد كان هو الذي يتولى السلطة حينئذٍ، وهو الذي عرف بمحاولاته الصريحة والعميقة لتركيز السلطة في يده". ولقد أخفقت مساعي الصلح واندلعت المواجهات من جديد.
وفي 1907 بعث السلطان وفداً يتشكل من كبار علماء مكة إلى صنعاء، حيث كانت في يد العثمانيين ما تزال. ومن هناك أرسلوا له خطاباً يحثه على وقف القتال. وبالطبع فشل هذا المسعى هو الآخر.
<< 
هذه نماذج مقتضبة من صراع آفل. يتعين علينا وضعها بموازاة صراع في بواكير عمره. كم تبدو الأمور متشابهة حقاً؟
فمثلاً، لو وضعنا هذه الأرقام: 1904-1905-1907-1908، في يد، و2004-2005-2007-2008، في اليد الأخرى، ما هو مستوى التطابق بين وقائع هذه التواريخ؟.
وكي لا تصبح هذه المقارنات اعتباطية وعبثية، وخالية من المعنى، أجد نفسي مضطراً للتذكير بالعلاقة الوثيقة بين فشل مشروع الدولة الوطنية القائمة على أساس المواطنة المتساوية والحريات العامة، وبين الاضطرابات التي لا تنفك تتناسخ كلما اختلت معادلة القوى الأزلية.
<< 
والحق أن الفيالق العسكرية الفتاكة لم تفلح في دحر التمرد. ولا بد أن الإمام كان يمتلك كامل الأسباب لمقاومة الأتراك. فإلى رغبة الرجل الجامحة في أن يحظى بنفوذ خاص على الهضبة، مع الاعتراف بسيادة للعثمانيين لا ترتب عليه التزامات ثقيلة، كان يعمل على إذكاء شعور الناس بالنفور النفسي والعاطفي من الموظفين الأتراك. هذا علاوة على استكانة الباب العالي إلى القوة وحدها لمعالجة المشكلة، على الرغم من إخفاقها مراراً.
حينما فشلت الوساطات المتتالية في رأب الصدع، بدأت الأحداث تأخذ منحى تصعيدياً، لاسيما بعد انقلاب جمعية الاتحاد والترقي على السلطان عبد الحميد في اسطانبول عام 1908،(وهذه الجمعية تعتنق نزعة قومية عدائية تجاه الآخر).

عامئذٍ كانت الهضبة اليمنية مشطورة نصفين. وقد كتب أحد أشراف اليمن في جريدة الأهرام آنذاك توصيفاً جيداً للوضع: "أهاليها ضياع بين هيئاتين لا يعرفون إلى أية حكومة يرتكنون، حكومة الإمام، والدولة العلية، وكلا الحكومتين تقبض العوايد الشرعية والعرفية، وفي كل قضاء مدير أو حاكم من لدن الإمام وآخر من لدن الدولة".
وإليكم ما كتبته صحيفة "سنجاق" التركية، وهي قومية متطرفة: "إن باليمن 4 ملايين مسلم، ومع ذلك خسرت الدولة عليهم مئات الألوف من الرجال وملايين من النقود دون أن تستفيد منهم شيئاً".
المفارقة أن الأتراك فرضوا تعتيماً إعلامياً مطبقاً على معارك اليمن، كما هو الحال في صعدة حالياً.
كانت الصحافة بدائية في تلك الحقبة، غير أن مضامينها تتشابه إلى حد بعيد مع صحافة الحكومة في تغطية أحداث صعدة.
هكذا كتبت صحيفة "سنجاق": "يعتبر اليمانيون وغيرهم أن الرحمة بهم ضعف". وهذا مقطع من افتتاحية 26 سبتمبر قبل أسبوعين: "حرص الدولة على وقف نزيف الدم المسفوك ظلماً وعدواناً من شراذم العصابة الإرهابية فُهم خطأ من الإرهابي عبد الملك الحوثي ومن معه".
على أن صحيفة "الزمان" التركية أيضاً نشرت مقالاً يشبه ما نقرأه اليوم في الصحافة القريبة من السلطة: "أن الزعيم السيد يحيى قد عرف كيف يستفيد من الأغلاط العديدة التي ارتكبتها الحكومة السابقة، وهكذا توصل إلى جرأة كبيرة حتى أنه ليس من الحكمة أن تتفق الحاضرة معه على الشروط التي كانت وقد وضعت منذ مدة".
وعلى كلٍ، كانت فكرة الحسم العسكري مهيمنة على الوعي التركي. ففي صحيفة الزمان أيضاً تحريض محموم على إرسال فريق من الجنود النظاميين لإخماد الثورة.

بل إنها تعبر عن رفضها لأي صلح إلا وفق شروط أهمها: "أن يسلم الإمام يحيى كل السلاح والذخيرة، وأن يحل اللجنة التي يرأسها (المليشيا)، وهي أشبه بالعصابات المقدونية، وأن يسلم المقلقين الذين يبثون روح الثورة في البلاد. وإلا فما دام الإمام يحيى زعيم عصابات تامة العدد فإن تلك البلاد تبقى مهددة للأمن والنظام العام".(يمكن مطابقة هذه الشروط مع اتفاقية الدوحة التي أبرمت قبل بضعة أشهر بين الحكومة اليمنية والحوثيين)
<< 
قبيل صلح دعان حدثت الوقائع الآتية:
1) الإمام يحيى يطبق الحصار على صنعاء للمرة الثالثة.
2) الباب العالي يجرد حملة بقيادة عزت باشا تنجح في فك الحصار.
3) يبدأ الأخير المفاوضات التي هيأت للصلح.
وقد فاز الإمام بموجب "دعان" بالكثير من الحقوق والمكاسب، لم يكن ليحصل عليها لولا هزائم العثمانيين المتلاحقة في طرابلس الغرب والجزيرة العربية، وهي الهزائم التي قوضت أركان دولة "الخلافة" بعدئذٍ.
<< 
وعلى الجملة، فما يحصل في صعدة، لا يعدو أن يكون أبرز أعراض ترهل الدولة التي لم تبن على أسس صحيحة. ثم إنه لدليل لا شك فيه على أن اليمن لم تشهد تحولات جوهرية تمس الموروث السياسي والاجتماعي والثقافي في العمق.
ما من سبب يدعونا للتفاؤل. فالراجح أننا ما فتئنا نُشيد مشاريع التغيير خاصتنا من طينة الماضي القديم.
يشبه الأمر النوم على أثاث قديم ومتعفن. وتزداد المسألة سوءاً عندما يعتقد النائم أن حماية رثاثة الفرش، وإبقاء انتظامها على سليقته المعهودة، هو الطريق الأمثل إلى المجد والمنعة والسؤدد.
فمن أجل سلامة روح الزعيم ومنصبه عليه أن يتصالح مع العفونة، ولأجل تغلغل الحركة الإسلامية في مفاصل البلد لا بد من أن تتعاقد مع اللاطبيعي واللامعقول.
وكي تظل الإمامة في البطنين، يتوجب على "آل البيت" النوم مع الرثاثة في سرير واحد.
هل من غمامة تلوح في الأفق تغسلنا من هذه الجنابة الأبدية?

ليست هناك تعليقات:

الأكثر مشاهدة