محمد العلائي
alalaiy@yahoo.com
في ربيع 2001، فجّرت حكومة طالبان الأفغانية تمثالي بوذا، اللذين كانا يمثلان قيمة روحية عالية الشأن لجزء عريض من البشر، ناهيك عن كونهما قيمة حضارية إنسانية مشتركة.
حينئذٍ وقف العالم ساخطا معترضا، إلا أن زعامات الإمارة الإسلامية شديدة التزمت، مضت غير آبهة بشيء.
لقد فعلت ما فعلت معتقدة أنها حطمت الصنم "هبل"، وأنها طهرت العالم من "دنس الشرك" وشروره.
لم يمض الكثير من الزمن بين واقعة "التطهير" تلك، وبين واقعة تطهير أفغانستان من حكم طالبان بجريرة فعل أخرق اقترفه احد الذين وجدوا في طريقة فهم أفراد طالبان للإسلام ما يصبون إليه، علاوة على أنهم وجدوا في جبال أفغانستان ملاذاً وعاصماً: بن لادن وتلامذته. وكان ما كان.
كان ذلك في أفغانستان. وكان الفاعل طالبان، التي أصبحت النموذج المثال لكل جماعات التطرف الإسلامي في العقدين الأخيرين، على وجه التقريب.
الآن، وبشكل مفاجئ، يحدث في اليمن ما هو أفظع. فبعد أسبوع واحد فقط، من تداول الصحف خبر قيام مجموعة متطرفة بهدم ضريح "ولي صالح" في مديرية مبين بمحافظة حجة، نشرت صحيفة "الأيام"، السبت الفائت، حادثة مشابهة، لكن هذه المرة من محافظة لحج. ففي ساعة متأخرة من ليلة الجمعة أقدم مجهولون على إضرام النيران داخل ضريح "الولي الصالح" حسن البحر، بمديرية تبن. وإن لم تفلح ألسنة اللهب في تحويل الضريح إلى أنقاض، فقد أصابته بتشوهات وأضرار بالغة.
على المنوال نفسه، كان ضريح العلامة الهدار في مديرية القطن بمحافظة حضرموت، قد تعرض، العام الفائت، لمحاولة هدم من قبل أشخاص غير معروفين. ومطلع هذا الشهر أطلق تنظيم القاعدة تصريحات تضمنت التهديد بنسف قبر النبي هود في مديرية ثمود، والذي استقطب، في غضون بضعة أيام، حوالي 60 ألف زائراً من مختلف أنحاء العالم، وفقا لبعض التقديرات. ومنذ بضعة أسابيع تقريباً، كشف نائب الرئيس في اجتماعه باللجنة الأمنية، في حضرموت، عن مخطط أعده تنظيم القاعدة لاستهداف مرقد النبي هود، طبقاً لما نقلته الصحف الحكومية.
الأسبوع الفائت، تناقلت وسائل الإعلام خبراً مفاده أن مجهولاً وضع مادة غريبة على قبر الشيخ محمد الحكيمي بعدن. والأخير ليس مجرد رمز ديني، بل هو رمز سياسي أيضاً، بيد أنه نال حظه من الأذى هو الآخر.
ليس هذا كل شيء بالطبع. فهناك وقائع مماثلة تشهد أن أبطالها شربوا من نبع واحد.
...
الراجح أن لدى طالبان من الأسباب(وإن بدت سقيمة وساذجة أحيانا) أكثر مما للفرق -الجهولة والمجهولة في آن- التي أخذت على عاتقها تقويض شواهد تاريخية عتيقة، تحت مظنة إبعاد "الشرك" ومكافحة "البدع" و"المنكرات".
تمثالا بوذا، في جبل باميان، إرث غير إسلامي. وربما استخدمت طالبان هذه المقولة (القاصرة)، كي تفعل ما فعلت دون تأنيب ضمير.
لكن مراقد "الأولياء الصالحين" إرث إسلامي خالص. وهم "أولياء صالحون" حسبما يعتقد الناس-بعضهم إن لم يكن أغلبهم- في المناطق المحيطة بالضريح.
ومادام أن فلاناً كان رجلاً "صالحاً وولي لله" أثناء حياته، فإن الناس يسمحون لأنفسهم بالتوهم، عن جهل حين وعن علم أحيان أخرى، أن لروحه قدرة (غير عادية، خارقة) على التدخل في توجيه مسار الأشياء، عندما يتم التوسل إليها والتمسح برفات صاحبها. ( الخرافة تغطي المساحة التي لم يصل إليها العلم، فكلما كان المستوى المعرفي للمجتمع ضحلا، تشيع الخرافة والعكس صحيح).
إذاً، والحال هكذا، فإن الاعتداء على مزار بهذه المكانة، يغدو اعتداءاً على مشاعر كل مرتادٍ له، وحطاً من شأن مُعتقَد لطالما تمسكوا به الجيل تلو آخر، مهما بدا غريباً وخرافياً... و"شركياً".
ولا بد أن تصرفا بكل هذا الرعونة و الحمق، وسوء التقدير، كفيل بأن يجعل الناس أكثر تشبثاً بموروثهم العقدي- أياً كان- من حيث يحسب أصحابه أنهم يحاربون الخرافة المنافية للاعتقاد السليم. فوق ذلك، يحمل هذا السلوك إساءة للأموات مشينةً ومستفزة.
على أن مليشيا حرب القبور هذه، تستطيع -إن أرادت- نزع "دنس الشرك" من "النفوس الضالة" باللجوء إلى وسائل تعتمد، أولاً وأساساً، على مهارة النقاش والإقناع اللذان ربما يفضيان، في النهاية، إلى بلورة رؤى متقاربة بشأن المسائل محط الخلاف. هذا ما يجب، قبلما تبدأ في اجتثاث الوثن- وهو جسم محايد أصلاً ولا يمارس أي تبشير بطهوريته- من الأرض، وفي وقت ما يزال يحظى فيه بقدر من التوقير والإجلال في نفوس مرتاديه.
هذا ما يجب قبل أي شيء آخر، وبعده. وإذا ما اتفق الطرفان على أن فكرة إسباغ نوع مفرط من القداسة والتبجيل على ضريح شخص ما، ضرب من الجهالة والشرك، فإن الأضرحة والتماثيل والمزارات حينها، لن تعود، في نظر حجيجها، أكثر من أبنية وكتل جوفاء، لا تحمل أية دلالة روحية أو معنى "ألوهي" من أي نوع. حينها يصبح الاحتفاظ بها نظرا لقيمتها التاريخية والإنسانية العميقة، لا أكثر ولا اقل.
فأغلب التماثيل والعتبات والمراقد تعتبر لدى البعض معالم تاريخية قيمة وفائقة الدلالة، أكثر مما هي رموز دينية مقدسة.
قد تنتهي المشكلة أو قد لا تنتهي، المهم أن الجميع بات يملك خياراته. فالكل عليه أن يقرر، وبصورة فردية، ما يجوز وما لا يجوز، دونما إكراه أو قهر أو وصاية. وإنني لأظن أن هذه طريقة، بقدر ما هي ناجعة، ليست مكلفة بالمرة.
إنه، ولا ريب، ميدان آمن ومثالي إلى حد ما، لكنه سهل أيضاً ومفيد. فالأكيد هو أن من يؤمن بفكرة معينة لا يفتقر إلى المنطق اللازم (وليس السلاح) لنشرها، والدفاع عن معقوليتها، وقابليتها لإقناع شخص آخر على الأقل، وإلا فإنها لا تستحق أن تعيش ولو للحظة.
...
عادة، تبدأ الحروب باردة، ثم يؤول بها المطاف إلى حرائق تأكل الأخضر واليابس. وبالنسبة إلى بعض الفرق الإسلامية، الأكثر غلواً وراديكالية، يبدأ الأمر بما يسمى فترة "تغيير المنكر باللسان".
وبعد وقت وجيز فقط ( قد لا يمتد كثيرا في العادة، لأن أفرادها نافدو الصبر تلهفا على الجنة)، تصير "اليد" على أهبة الاستعداد لمزاولة "واجباتها" المنوط بها "شرعا"، تحاشيا لإدراجهم داخل خانة "أضعف الإيمان"، والعياذ بالله(!)
ثم إن "اليد"، من وجهة نظرهم، هي أداة الفعل المثلى للتغيير. الأمر الذي يعني، من بين ما يعني، تعطيل الأدوات الأقل عنفا والأكثر جدوى.
إن الحوار هو الميدان المستحيل بالنسبة لهؤلاء. والظاهر أنهم يميلون إلى خوض مثل هذه الحروب لصرف أنظار الناس عن ما هو جوهري في حياتهم وجرهم إلى معارك هامشية.
بالتأكيد، هناك ما هو أهم من بعثرة شواهد القبور وأحجار العتبات المقدسة. هناك عتبات وتماثيل بغيضة أثقلت كاهل البلد، وقطعت أنفاسه. ألا يبدو أنها أولى بالحرب والهدم أكثر من، وقبل أي شيء آخر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق