لماذا لا يمكن للمساهمة القطرية في صعدة أن تعبر أجواء المملكة بسلام؟
محمد العلائي - 05/02/2008
محمد العلائي - 05/02/2008
لم يكتب للدور القطري في صعدة النجاح، على الأقل حتى هذه اللحظة.
ففي حين كانت صحيفة الراية القطرية تتغنى، السبت الفائت، بدبلوماسية قطر المثابرة، "والتي تتحرك على أكثر من واجهة عربية لحل الخلافات الطارئة في إطار البيت العربي"، كان طرفا النزاع في صعدة يستأنفا القتال بتعطش تلا بضعة شهور من الاسترخاء.
إخفاق المساهمة القطرية، والتي بالتأكيد لا تخلو من نوايا حسنة مضمرة لكلا الطرفين، يجيء في الوقت الذي تنحسر فيه العلاقات اليمنية السعودية على نحو شديد الخطورة.
لم تجهر الرياض قط –كما هو دأبها- بالاعتراض على بلوغ الدبلوماسية القطرية المغضوب عليها، مضارب النفوذ السعودي. لكن الصمت المطبق إزاء حروب صعدة المتتاليات ليس مريباً فحسب، بل هو يحمل في ذاته الكثير من آيات الاعتراض.
إنه صمت الأقوياء. الصمت الذي بلسان متهدل ويقول كل شيء..
في الواقع السعودية أكثر من مجرد جارة. فهي حيال اليمن لا يمكن أن تظل دائما في مربع المراقب مكتوف اليدين. وحين ينفلت عقال الأمور من قبضتها ما تلبث أن تشحذ همتها لاستعادة السيطرة (المحتومة).
لا بد أن آل سعود برعوا في الرسم منذ عشرينات القرن الماضي. لكن ليس الرسم على الجدران، أو على الورق المقوى أو ما شابه. لقد كان الأميران خالد بن عبدالعزيز وشقيقه فيصل يجريان بروفات لشكل اليمن الحديث جغرافياً. كان ذلك في عسير ونجران وعلى أطراف صعدة..
وحينما وصلت جحافل الجيش السعودي إلى ميناء الحديدة في مايو 1934، وجد الأميران أنهما أخطآ في الرسم.
كان عليهما- وهما الأكثر عتادا وقوة- ان يكتفيا بنجران وعسير وجيزان، والعودة أدراجهما.
وبعدما انكسرت شوكة جيوش الإمام يحيى، التي لا تقوى على عواصف الصحراء وقيظها، جنح للسلم. لكن وفق شروط بالغة القسوة.
في 19 مايو 1934 وقع الجانبان، المهزوم والمنتصر، على وثيقة الطائف الكارثية، التي جاءت بعد حرب خاسرة، بالنسبة للمملكة المتوكلية، دامت 7 أسابيع.
ولقد نصت وثيقة الطائف على ضم إقليمي عسير ونجران (الثريين) إلى حيز المملكة العربية السعودية.
وهذا بعض ما قالته في مادتها الثانية: "إن جلالة الإمام الملك يحيى يتنازل بهذه المعاهدة عن أي حق يدعيه باسم الوحدة اليمانية أو غيرها في البلاد التي كانت بيد الأدارسة أو آل عايض، أو في نجران وبلاد يام".
مذاك ونحن لا نكف عن التنازل، اعتبارا من ذلك "الطائف" المشئوم.
على مدى التاريخ السياسي الحديث لليمن لا نكاد نعثر على مساهمة سعودية لحسم صراع يمني داخلي.
فالعادة درجت على أن النظام السعودي في مقدوره تأجيج الافتراقات والشروخ في هذا البلد أو المشاركة في توجيه دفتها، بيد إن خلافا لم يحسمه على الإطلاق.
والحق انه ما من معطى تاريخي واحد يشير إلى أن السعودية تدخلت يوما لرأب الصدوع الداخلية، وبحيث تظل على مسافة متساوية من جميع الأطراف. لكأنني أسمع الآن من يتمتم في سره: على رسلك يا صديقي... وماذا بشأن المصالحة الوطنية عام 1970، وقبلها مؤتمري الطائف وحرض؟
هذه تمتمة وجيهة لا شك. لكن علينا أن نتذكر، قبل كل شيء، أن السعودية التي كانت تناصب الأئمة العداء، هرعت في 1962 إلى إنقاذهم من بين فكي عبدالناصر والثوار في صنعاء. بعبارة أخرى: لم تهرع للمصالحة وحسم الموقف بل للتموقع بين صفوف الملكيين ومحاربة الناصرية عبرهم.
وعليه فمؤتمر المصالحة الوطنية، الذي التأم في جده 27/7/1970، كان يضم ثلاثة وفود كلها معنية بالأمر، ولا من وسيط يذكر. فإلى الفريقين، الملكي والجمهوري، كان يقف بالمقابل الفريق السعودي، الذي سلمته القاهرة زمام الأمور في اليمن.
كان منطق الوفد السعودي هو القول الفصل. (بموجب مؤتمر جدة للمصالحة اعترف النظام السعودي أخيراً بالجمهورية الوليدة).
وكيفما كان الأمر، ففيما يتعلق بلقاء جدة للمصالحة لم يلعب الفريق السعودي دور الوساطة المحضة. لقد كان خصم الجميع وحكمهما في الآن نفسه.
أما ذينك المؤتمران (حرض والطائف) اللذان عقدا في 1965، فلم يفضيا إلى شيء عملي.واشتركت السعودية في كلا المؤتمرين بذات الصفة التي اشتركت بها لاحقاً في 1970: أي خصم ثالث وحكم.
وعلى كلٍ، لا يمكن العثور في المرويات التاريخية على صلح يحمل ماركة سعودية. ومعلوم أن الرياض لم تعترف بجمهورية صنعاء إلا بعد أن رتبت لها موطئ قدم جيد في الصف الجمهوري. والمؤكد ان هذا الموطئ هو بالذات الذي أطاح بالرئيس عبدالرحمن الإرياني من منصبه عام 1974، على حين غرة، وأودى بحياة الرئيس الحمدي في 1978، وأتى بالرئيس علي عبدالله صالح إلى سدة الحكم في العام نفسه.
وعندما حاولت أن توجد لها موطئ قدم في المقلب الآخر من اليمن تطايرت رؤوس. لعل أبرزهم وزير الخارجية في جمهورية اليمن الديمقراطية محمد صالح مطيع، الذي أعدم بسبب تخلفه عن وفد علي ناصر محمد في السعودية لبعض الوقت.
كان مطيع من مؤيدي الانفتاح على دول الجوار بما فيها الرياض، الا ان رومانسية الحزب طوحت برأسه.
وفي الشمال أزيح عبدالله الأصنج وزير الخارجية ومحمد سالم باسندوه وزير الثقافة بتهمة التخابر مع السعودية أيضاً، على الرغم أن رأس النظام ومراكز التأثير في البلد كانت أبعد من مجرد حليف آنذاك.
في 1991 حين حاول الرئيس علي عبدالله صالح أن يصعر خده للمملكة أثناء أزمة الخليج، كانت السعودية تمتلك احتياطيا ضخما من أوراق الابتزاز( العقابية)، ابتداء بطرد العمالة اليمنية وانتهاء بمساندة الحزب الاشتراكي في حرب صيف 1994 (يقال أنها كانت مساندة صورية ليس الا، وأن الملك فهد هاتف صالح حاثا اياه على سرعة حسم المعركة وتخليصهم من الحرج).
في 2002 وقعت اليمن والسعودية اتفاقية ترسيم الحدود في جدة. هذه الاتفاقية لا تتجاوز كونها مباركة لوثيقة الطائف لا أكثر ولا أقل.
وفي مطلق الأحوال، فالسعودية والغة في تفاصيل السياسة اليمنية بطريقة أو بأخرى. وإن لم يتوافر ما يدل على أنها وراء فشل الوساطة القطرية، فإن التزامها الصمت هو "الفيتو" في أبلغ صورة.
المساعي التي تعبر أجواء السعودية لا بد أنها ستمنى بالفشل في نهاية الأمر. فاليمن بلد يراد له أن يظل بين أصبعين من أصابع الرياض تقلبه كيفما تريد، انطلاقاً من حسابات لها علاقة بالأمن القومي السعودي، وفكرة الثقل الإقليمي للبلد فاحش الثراء والقوة.
إنها للعبة شريرة بقدر ما أنها مثيرة... وملتبسة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق