كان الدكتور عبد الكريم الإرياني يمتلك ثروة سياسية منقطعة النظير. لكن الرجل (الداهية) الذي يكاد يسدل الستار على الـ74 من عمره، لم يتقشف كثيراً. فلطالما أغدق على الرئيس علي عبدالله صالح طيلة 30 عاماً، ما لذ وطاب. على أن هذا الأخير لم يتجشأ بعد. ففي قاع جعبة الدكتور ثمة ما يمكن أن يشد من أزر الرئيس، على الأقل في أزمنة القحط السياسي المحدقة. في 1983 ضرب زلزال طبيعي مدمر مناطق الجبال الوسطى (خصوصاً ذمار). وفي حين كان الإرياني قد ترك رئاسة الوزراء لتوه، فقد أخذ على كاهله إدارة كارثة لا تمت للسياسة بصلة: رئيس المجلس الأعلى لإعادة إعمار مناطق الزلازل. ولسوف يتوجب على هذا التكنوقراط حاد الذكاء، مذاك، أن يتجشم المشاق في سبيل تسوية آثار زلا ولئن بدا الدكتور، الذي درس الكيمياء الحيوية وعلم الوراثة في الولايات المتحدة الأمريكية طيّعاً، وسهل المراس، بالنسبة إلى الرئيس، فإنه لا يبدو كذلك أبداً في نظر الخليجيين بالذات (لاسيما السعودية). إنه لمحاور لبق في نظرهم. يتمتع بمزاج حاد وحس سياسي متيقظ على الدوام. (وإزاء هذا الأمر هناك من يؤوَّل تحجيم أدوار الإرياني بكونه إذعاناً لإملاءات سعودية). لا ريب، الإرياني شخصية متقدة الذهن وواسعة الشهرة. بيد أنه مكتنف بالغموض، علاوة على أن حضوره غالباً لا يحمل سحراً خاصاً (كاريزما). والقول إنه لم يفقد كاريزميته إلا منذ منتصف تسعينيات القرن الفائت، أي بعد أن عهد إليه بأمر إعادة إعمار ما رتبته حرب 94 من دمارين اقتصادي وسياسي فادحين، لا يخلو من صواب. ولا بد أن البعض يتذكر إلى أي مدى كانت كياسة الإرياني تثير الشعور بالفخر لدى غالبية الناس العاديين أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات. ما يشبه المؤكد هو أن المستشار السياسي حمال أوجه تبعاً لزوايا النظر المتفاوتة. فهو يرتبط في أذهان الاشتراكيين بأدواره الدبلوماسية الخارقة، التي حولت مجرى أحداث حرب 94 خارجياً. وفي ذهنية الإصلاحيين هو ذلك الرجل العلماني قصير القامة، الذي لا ينفك يتناسل جرع سعرية كارثية كلما آلت إليه الأمور. أما في ذهن الرئيس فهو المخلَّص العظيم شخصياً. أو بالأحرى هو الدهاء السياسي (العلمي المكتسب) الذي يفتقر إليه الرئيس. والحق أنها أفكار نمطية مجحفة تماماً. فضلاً عن كونها تميل إلى تجريد الرجل من إنسانيته، وبالتالي واحتجازه في بضع تصورات ذهنية غير دقيقة. قلما يتذكر الرئيس مقولات معاونيه المعبرة في خطاباته. لكنه قبل بضع سنوات، اقتبس عبارة موحية تحض كبار السن على التورع في طلب المناصب: "رحم الله امرأً عرف قدر عمره". الملفت في الأمر أن الرئيس لم يكتف باقتباسها، كما هو المعتاد، دون ذكر مصدرها، بل أكد انتسابها إلى الدكتور عبد الكريم الإرياني، الذي كان حاضراً لحظتها على الأرجح. في تلك الفترة كان قد أشيع اعتكاف الإرياني في بيته، بعد وعكه مرضية شديدة، إلا أنه كان ما يزال أميناً للمؤتمر الشعبي العام. وهو المنصب الذي شغله منذ العام 1995. ليس في أمثولة الإرياني تلك (لو صح انتسابها إليه) الكثير من العزاء. على العكس من ذلك، فهي تستبطن تعريضاً بالرئيس الذي لا يكبره الدكتور إلا بـ9 سنوات لا أكثر ولا أقل. الآن الإرياني هو النائب الثاني لرئيس المؤتمر الشعبي العام. المنصب شرفي بالطبع، مثلما هو الحال مع المستشار السياسي لرئيس الجمهورية. غير أن الأمور لن تسير إلا على هذا النحو بالنسبة لأصدقاء الرئيس ومعاونيه الدهاة. مطلع الشهر الفائت، طفا الإرياني على السطح السياسي مجدداً، عبر قضية ملتبسة بقدر ما وخطيرة: حرب صعدة. لقد سافر رفقة علي محسن الأحمر إلى الدوحة لتنشيط الوساطة القطرية، وفقاً للإعلام الحكومي. وهنا يمكن للمرء أن يتساءل: أيشعر الرئيس أن في رأسمال الرجل الذي تولى رئاسة الوزراء أكثر من مرة في عهده، ثمة ما يستحق التعويل عليه. لا أحد يدري. إلا أن أمراً آخر ينبغي وضعه في الحسبان: الإرياني بات مقرباً من علي محسن صالح، فالشخصان (الأكاديمي البارع، والعسكري الأكثر قوة) أصبحا يتشاركان مركز منارات المستقبل للدراسات. فهل أثمرت هذه التقاربات بنود قطر؟ إذا كان كذلك، فالأمر يعني أن الرئيس لا ناقة له في اتفاق قطر (الأخير بالذات) ولا جمل. ويمكنكم الاستماع إلى اعتراضات نواب –شديدي الإخلاص للرئيس- على الكتمان الذي أحيطت به بنود الاتفاقية. على أي حال، الإرياني اضطلع بأدوار غير عادية، كان من شأنها سد فراغات كثيرة في شخصية الرئيس. والراجح أن الأخير لا يعرف كيف يظهر العرفان لموثوقيه. إنه يكتفي فقط بامتصاص رحيقهم حتى الثمالة، ثم يتوجب عليهم "تقدير أعمارهم" قبل أن يقدرها هو. * صحيفة المصدر |
الجمعة، 12 نوفمبر 2010
المخلَّص العظيم!
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
الأكثر مشاهدة
-
صحيفة المصدر- اغسطس 2009 قبل شهر ذهبت لزيارة الدكتور عبدالكريم الإرياني في بيته. أتذكر أنه استقبلنا بوجه بشوش وحفاوة في غرفة خارجية، بينما...
-
نشر منذ: سنتين و شهرين و 12 يوماً السبت 30 أغسطس-آب 2008 04:45 م انتهى مسار المفاوضات، الطويل وغير الممهد، على نحو درامي مؤثر. فعلى حين غ...
-
ظهيرة الأحد، كنت في طريقي إلى مكتب الصحيفة، عندما سمعت سائق الباص يتحدث بسخرية مريرة عن عبثية حرب صعدة. في الواقع كان الرجل المكدود يثرثر م...
-
لا أستطيع الادعاء بأنني متفائل. على أن ذلك لا يعود إلى كون التجارب الست الماضية قد جردتنا تماماً وجذرياً من إمكانية التمتع بالمشاعر الإيجابي...
-
لا يكف الحوثيون عن محاولة جذب الانتباه، مثلما لا تكف الولايات المتحدة الأمريكية عن غض الطرف عنهم، والمضي قدما في مطاردة عدوها الماكر والعنيد...
-
الانفصال أصعب مما يظنه أحدنا، لكن حسن باعوم لا ينوي المهادنة. ومن شبه المؤكد أن السبعيني الرازح تحت وطأة أمراض الشيخوخة، يشعر بالحاجة لنهاي...
-
لماذا يبدو الحراك الجنوبي واهناً، وما التفسير المناسب لمرور 7/7 بأقل قدر من الضجيج؟ محمد العلائي - 08/07/2008 استطاع الحكم أن يعرف سر النار...
-
الغليان السياسي المحتدم في قلب مملكة سبأ الأربعاء 05 مارس - آذار 2008 الساعة 09 مساءً / مأرب برس - محمد العلائي، المصدر عندما يكون لدى أح...
-
في المؤتمر الصحفي الذي عقدته قيادة اللقاء المشترك مطلع هذا الشهر، وردت كلمة "حوار" ضمن ردود رئيس المجلس الأعلى للقاء المشترك الد...
-
سيتعين على محمود زوبر، الذي يزحف نحو الـ18 من عمره بخطى وئيدة، أن يمضي بقية حياته بنصف وجه. ولو شئنا الدقة أكثر، فإن هذا الشاب الناحل كتب...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق