الجمعة، 12 نوفمبر 2010

المسألة برمتها تشبه سحب خيط السيفون


نهاية هذا الشهر، سيكون اليمنيون على موعد، في لندن وصنعاء، مع مؤتمرين واسعين، أحدهما يكتنفه الكثير من الغموض والارتياب، والآخر ميؤوس منه بصورة لا رجوع عنها. المجتمع الدولي يخشى انهياراً وشيكاً للدولة في اليمن، لاسيما بعد أن شاهدوا تنظيم القاعدة وقد انفلت من عقاله على حين غرة وبشكل مريع. على أن جميع السيناريوهات الأكثر حتمية في حال حدوث فراغ مفاجئ في السلطة، لا تنفك تؤرق الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا على وجه الخصوص.

كان الدرس العراقي والأفغاني قاس وبليغ. والمؤكد أنه يساهم الآن على نحو حاسم في تحديد الطريقة التي بات الغرب ينظر بها إلى الأشياء والعالم. الأسبوع الفائت، كتب آيفن لويس وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط مقالاً في جريدة القدس العربي يدحض فيها هواجس التدخل العسكري في اليمن والتي أثارتها الجريدة في مقالها الافتتاحي. يقول لويس: "اسمحوا لي أن أوضح تماماً بأننا جميعاً قد تعلمنا الكثير من واقع تجاربنا في الماضي. من الواضح أن مساعدة بلد للابتعاد عن حافة الكارثة أكثر تحبيذا وسهولة من محاولة إعادة بناء ما تبقى من دولة ما بعد انهيارها، وتكون آثاره أخف وطأة على المواطنين العاديين".

اليمن أقرب إلى الدولة الفاشلة منها إلى أي شيء آخر. فعدا الأجساد التي تعود من هذا البلد التعيس محشوة بأسباب الموت والدمار، لا شيء فيها يستحق المجازفة. بدلاً من ذلك، ينهمك المراقبون والخبراء ومصممو السياسات ليل نهار، بالتفكير في الكيفية التي بمقدورها أن تمنع انزلاق اليمن إلى قعر الهوة بشكل نهائي.
...
كتبت، قبل 3 أشهر، في "المصدر" عبارة ميلودرامية بدت وكأنها طافحة بالتطير والجزع لرجل سمح لجوارحه، شأنه شأن الكثيرين، بالنظر إلى الهوة عن كثب، فعصف به الدوار إلى درجة عجز معها عن تمالك نفسه. فلقد أشرت، يومئذٍ، إلى أننا في مأزق تاريخي حرج على نحو لا شفاء منه. وشرحت كيف أن هذا المأزق الذي ألفينا أنفسنا عالقين بين فكيه، يتساوى فيه ثمن فاتورة بقاء الرئيس مع ثمن إزاحته. وأن الاختيار لن يتم على أساس أيهما أقل سوءاً من الآخر، بقدر ما سيعتمد على الحؤول دون أن تغدو الكلفة هي اليمن بالذات، بمعنى ألا يأتي يوم تقدم فيه اليمن نفسها قرباناً لإنقاذ اليمن.

ولسوف يأخذها البعض على محمل سوء النية. فإذ كان يتراءى لهم كما لو كنت تفوهت بما يشي بالتسليم وتثبيط العزيمة، والدعوة الغبية إلى الوقوف عاقدي الأذرع كمحكومين بالإعدام، فقد استشفوا، ربما على طريقة السيناتور الأمريكي من الحزب الجمهوري جوزف مكارثي في خمسينات القرن المنصرم، شيء ما يشبه التودد المبطن والجدير بالشفقة لنظام حكم يجب أن يكنس هكذا، وتأجيل حساب التكاليف.

المنطق التبسيطي والرديء الإحكام هو السلعة الأكثر ازدهاراً ورواجاً هذه الأيام. ولوددت لو كان من المناسب أن يشاطرني القارئ الإطلاع على مقالة الكاتب السوري العميق ياسين الحاج صالح التي نشرتها جريدة الحياة قبل شهر تقريباً. لقد كانت النتيجة التي خلص إليها ياسين تؤيد (مصادفة) فكرتي عن المأزق غير المسبوق الذي نرزح تحت وطأته. وأحسبني بحاجة لاقتباس بضع فقرات من المقال الذي عنوانه "الدولة الاستبدادية المحدثة وسيف الحروب الأهلية".

أوضح ياسين كيف أن أحدا لم يهجس، في سبعينات القرن العشرين وثمانيناته "بأن تغير نظام حكم هنا أو هناك قد يفتح باباً لتفكك المجتمع وربما انقسام البلاد"، وكيف أخذ ينمو هذا الهاجس "شيئاً فشيئاً منذ تلك الأيام مع ترسخ ظاهرة الحكم الاستبدادي المؤبد، الذي ينشط العلاقات الأهلية القائمة على الثقة والمحسوبية ضماناً لدوامه، والذي يرهن بقاء المجتمع المحكوم بتسيده عليه، ووحدة البلاد بسيطرة النظام".

كتب ياسين: "تأخرت رؤية الديموقراطيين لهذه الظاهرة، ربما من باب رفض ما كان سماه برهان غليون "الابتزاز بالحرب الأهلية". لكن خطر الحرب الأهلية حقيقي. تفجر في الجزائر في مطلع تسعينات القرن السابق، وتفجر في العراق بعيد احتلاله وتغيير نظامه. ويحتمل أن يتفجر في غير بلد إن تعرض النظــام الحاكم للتغيير".

ويضيف بلهجة حاسمة: "رفض الابتزاز صعب حين يكون المبتز بلطجياً قوي القلب". فالأمر هنا لا يتعلق، يقول ياسين، "بدكتاتورية عسكرية أو بقوة منفصلة عن المجتمع تتحكم به من خارجه وتكفي إزالتها لتحرره، بل بقوة متغلغلة فيه ومخترقة له، وولاؤها الأول لحكمها لا لمحكوميها. نتكلم هنا عن مجتمع مفخخ، يحتمل أن يجري تمزيقه إرباً إذا قرر مفخخوه أنهم مهددون بخطر جدي".

ويقترح بأن الصواب هو أن يتم التخلص من ورم الاستبداد بالتوازي مع ترقية مستوى من التماسك الوطني في آن. ثم يخلص إلى نتيجة مفادها على هذا النحو: "نحاول تجنب القول إن الموقف الأقل تناقضاً هو سقوط الاستبداد ولو بثمن نزاع أهلي باهظ الكلفة. نتجنبه ليس لقسوته فقط، وإنما لأننا لا نتحكم بشيء من شروطه. لكننا لا نتحكم بشيء من شروط البناء الوطني أيضاً".
"هذه الوضعية القدرية، ألم يسبق لنا رؤيتها؟"، هكذا كانت الجملة الأخيرة من مقالة ياسين.

...
تدرك الولايات المتحدة الأمريكية حقيقة أن هذا المأزق غير قابل للتبسيط، لهذا فهي تتعاطى معه برهافة وحذر. فعلى الرغم من امتعاضهم الكامل من سياسات الرئيس صالح إلا أنهم لا يمتلكون خيارات كثيرة. "ليس هناك أي شخص آخر تستطيع الولايات المتحدة الاعتماد عليه في اليمن، لهذا بعث أوباما في سبتمبر برسالة إلى صالح يتعهد فيها بتقديم الدعم الأمريكي الكامل"، هكذا كتبت مجلة "نيوزويك" الأسبوع الماضي ضمن مقالة قاسية أعدها كيفن بيرانيو ومايكل هيرش. وبحسب المجلة، فآخر ما تريده إدارة أوباما هو باكستان أو أفغانستان أخرى. فالخيار الوحيد، في السياسات، كما تقول المجلة، هو تقديم مزيد من المساعدات لصالح، والأمل في أن يتمكن الرئيس اليمني، على غرار الرئيس الأفغاني حامد كرزاي ــ الذي يُلقَّب أحيانا بـ"عمدة كابول" ــ من أن ينتزع السيطرة تدريجياً على جزء أكبر من بلاده بدلاً من أن تبقى سلطته محصورة بالعاصمة صنعاء.

وتنتهي مقالة "نيوزويك" بهذه العبارة اللاذعة إنما الرشيقة أيضا: "جل ما تستطيع واشنطن أن تتمناه هو أن يكون ما يريده صالح مشابهاً لما تريده أمريكا في اليمن: عدد أقل من الثعابين الخطرة المثيرة للقلق".

يجب أن نجترح حلولاً ذكية وغير عادية تحاشياً لخيارات شمشون الانتحارية. وهذه القوى: السلطة والحوثيون ، وبعض فصائل الحراك، والقاعدة، هي التجسيد الكامل لشمشون الشرير، الذي يتمكن من دفن نفسه مع أعدائه تحت أنقاض المعبد إياه. والمسألة برمتها تشبه في سهولتها السحب على خيط السيفون.

هل فكرنا يوماً في ما إذا كنا بحاجة ضرورية إلى إعادة تشكيل "رغباتنا السياسية"، وصوغ مقارباتنا النظرية بما يتلاءم مع هذا الواقع "العنيد والصلب"، بتعبير ياسين الحاج صالح، الواقع الذي يقاوم مخططاتنا ويجعلها عرضة للسخرية.

ليست هناك تعليقات:

الأكثر مشاهدة