الثلاثاء، 30 نوفمبر 2010

موت الأب

محمد العلائي
alalaiy@yahoo.com

قبل أن تفيض روحه، كان بدر الدين الحوثي قد نال من الغياب ما يحتاجه رجل ثمانيني ليموت. وفي وسائل الإعلام كان قد مات أكثر من مرة عبر موجات من الشائعات التي كانت تصاحب جولات الحرب وتتخللها.

لكنه مات هذه المرة بالتأكيد. ولقد أم المصلين في جنازته نجله ووريث تركته الروحية، التركة البسيطة التي ساهمت الحرب في تحويلها إلى عملة سياسية ومليشاوية، والتي يجري الآن تعويمها عن كثب في سوق العملات المحلي والدولي.

كان بدر الدين الحوثي مرجعية دينية أصولية أكثر منه سياسيا أو محاربا. وكان هذا الرجل الذي ولد في عشرينات القرن المنصرم، يتحلى بروح قتالية ومزاج عنيد ربما كان يستمدهما من الإرث التاريخي لأسلافه، الإرث المليء بالتناحر السياسي والثورات، قبل أن يستمد تلك الروح وذلك المزاج من تعاليم الشيعة الزيدية التي تحرض على الخروج والانشقاق المستمر، أو من منهاج الخميني.

كان قديما عتيق الطراز يتحرك في وسط اجتماعي قديم وعتيق الطراز هو الآخر. وبالنسبة لغالبية النخبة الزيدية، كان بدر الدين بمنزلة المنشق الأكبر والمتمرد والطموح، وبفضله أصبح الانشقاق والتمرد والطموح تقليد عائلي راسخ. كان المجدد في نظر البعض والتخريبي في نظر آخرين.

لست واثقا من أن الحوثيين قد شعروا بشيء من الفقدان أو اليتم بعد رحيل الأب. فاسم بدر الدين لا يرتبط مباشرة ببدايات الحركة الحوثية. ذلك أن نجله حسين هو الذي خطف الأضواء وتولى قيادة أول خروج مسلح انتهى بمقتله عام 2004. لكن للحوثي الأب محاولات في هذا المضمار وإن لم يمتلك الحس الحركي والتنظيمي لنجله. قصفت القوات الحكومية منزله في مران أواسط التسعينيات فانتقل إلى السعودية ومنها إلى إيران.

ولمن لا يعرف فبدر الدين كان أحد أهم مؤسسي حزب الحق مطلع التسعينيات، لكنه خلص مبكرا إلى عدم جدوى العمل السياسي وفقا للأدوات الحديثة.

كان هو الرجل الثاني في الحزب بعد المرجعية الذي توفي قبل بضع سنوات مجد الدين المؤيدي. خلافات الأخير مع بدر الدين شرخت الحركة الزيدية الإحيائية إلى معسكرين: حمائم وصقور -إن جاز التعبير- وكان بدر الدين يقف على رأس معسكر الصقور.

معلوم أن ثورة 1962 وضعت المذهب الزيدي أمام خطر وجودي ماحق. ويشرح الزميل محمد عايش كيف أن المذهب الزيدي في صميمه فكرة سياسية أكثر من أي شيء آخر، ركيزته الأساسية هي: الإمامة، إضافة إلى مبدأي الخروج على الحاكم الظالم. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هذا يعني أن فرص حياة المذهب لفترة طويلة خارج السلطة السياسية كانت معدومة، خلافا لبقية المذاهب الإسلامية. لهذا كانت ثورة 62 حدثا فاصلا: لقد استطاعت تقويض الحامل السياسي للمذهب الزيدي، وفتحت منطقة النفوذ التقليدي للمذهب على مصراعيها أمام جملة التأثيرات والأفكار الدينية منها والعلمانية، الأمر الذي أعاد صياغة المنطقة نسبيا على نحو مختلف. ولسوف تغدو هذه الرقعة الجغرافية، رقعة صلح دعان، مصبا للمد الديني الوهابي الذي أخذ يعبر الحدود من خلال المغتربين والطلاب، مثلما صارت فيما بعد مصبا للمد الشيعي الإيراني وأفكار ثورة الخميني، ولاحقا حزب الله.

توليفة لا متناهية من التأثيرات. ابتداء بعبد الناصر وحسن البناء، وانتهاء بحسن نصر الله وخالد مشعل وبن لادن. والحصيلة شخصية مركبة مزدوجة لا تعرف حقيقة مشاعرها، واختياراتها غير مدروسة، لا تنتمي إلى الحاضر ولا إلى الماضي.

المعطيات المتوفرة بشأن سيرة حياة بدر الدين الحوثي شحيحة للغاية. ومن خلال البحث على شبكة الانترنت تستطيع العثور على شجرة النسب للراحل، الشجرة التي تنتهي بـ علي بن أبي طالب. ثم إن الحوادث التي رافقت وفاة بدر الدين طغت على كل شيء تقريبا. فقبيل الإعلان عن وفاة بدر الدين، وفيما كان عبدالملك الحوثي يحض أنصاره على إحياء يوم الغدير باستخدام الألعاب النارية حفاظا على الذخائر، كان ثمة من يعد العدة للاحتفال بالسيارات الملغومة.

ففي صبيحة الأربعاء الماضي، حينما بدأت المواكب تحركها من المناطق التي يتمتع فيها الحوثي بنفوذ جيد، ومنها محافظة الجوف، كانت سيارة تشق طريقها وسط سيل من السيارات المتجهة إلى صعدة للاحتفال، وفي نقطة ما من الطريق انفجرت وأودت بحياة قرابة 18 شخصا.

بعد يوم من هجوم الجوف، أعلن مكتب عبدالملك الحوثي وفاة بدر الدين. كان ذلك يوم الخميس. اليوم التالي، وفيما كانت المجاميع تتوافد للمشاركة في تشييع الحوثي الأب، اعترضت سيارة ملغومة موكبا يضم قبائل من مأرب وقتلت شخصين.

الهجومان جريمة نكراء بلا شك من شأنها نقل الصراع إلى مستوى مرعب. من حسن الحظ أن الهجومين لاقيا استهجاناً وإدانة واسعتي النطاق. اللجنة الأمنية العليا أدانتهما وكذلك فعل التجمع اليمني للإصلاح وحزب الحق. وفي حين راح المكتب الإعلامي للحوثي يشير بأصابع الاتهام إلى ما أسماه بالنشاط الاستخباراتي للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فقد أدانت سفارة واشنطن في صنعاء الهجومين ووصفت اتهامات الحوثيين بالسخيفة.

كانت أغلب التحليلات تشير إلى إمكانية تورط تنظيم القاعدة في العمليتين. وأمس سارع التنظيم إلى إعلان مسؤوليته عن الهجومين وتوعد بالمزيد. غير أن الحوثيين يتجنبون الإشارة إلى تنظيم القاعدة لسببين: من جهة لأن لدى الحوثيين اعتقاداً راسخاً بأن القاعدة أداة أمريكية صرفة، وبالتالي فهو لا يستحق اعتباره الحامل الحصري لراية العداء "للشيطان الأكبر"، ومن جهة أخرى لا يريد الحوثيون تصديق أنهم عرضة لهجمات تنظيم غير مرئي يصعب النيل منه، لأن ما من دولة تمثله ولا قبيلة ولا مذهب ولا جغرافيا ولا حزب.

لهذا يفضلون أن يكون عدوهم كبيرا يستطيعون الفخر بعدائهم له. وهم منذ البداية نهضوا على عاتق هذا العداء. كتبت ذات مرة عن قابلية حسين الحوثي، أكثر من أي شخص آخر، للاعتقاد بأن الظهور في دور العدو اللامع لأمريكا واليهود، يجلب الحظ السياسي، كل الحظ. وكيف أنه كان ينظر إلى أن المجابهة المفتوحة التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية مع تنظيمات إسلامية تشكل أفضلية سياسية وأخلاقية لا تقاوم، وامتيازاً اجتماعياً لا ينبغي لتنظيم القاعدة احتكاره لنفسه.

لكن واشنطن تجاهلت الشعار والمواقف، لأنه مجرد شعار ولأنها مجرد مواقف. وكشفت "واشنطن بوست" أن الحكومة الأمريكية رفضت تقديم الدعم للسعودية في حربها الأخيرة مع الحوثيين وأن فرنسا هي التي وافقت على تزويد المملكة بتقنيات اتصال ذكية.

على أية حال، أريد تذكير عبدالملك الحوثي هنا بأن موت الأب (عليه رحمة الله)، والهجومين الأخيرين، يمكن أن يمثلا فرصة ممتازة لإعادة تقييم نفسه وما يريد. يجب أن يصبح خيار العنف من الماضي، ويبدأ عملية تحول حرجة إلى العمل السياسي المدني، بخطاب وبرنامج سياسي واقعي يلامس تطلعات الناس العاديين على مستوى اليمن وليس في نطاق الجغرافيا الزيدية المتخيلة أصلا.

فالمنطقة الزيدية لم تعد منطقة زيدية. حتى الزيدية نفسها بمعزل عن جغرافيتها التقليدية، لم تعد هي الزيدية التي حارب في ظلها أسلاف بدر الدين الحوثي. والقبيلة لم تعد قبيلة، والتراتب الاجتماعي لم يعد هو نفسه، والقيم والمعايير وأساليب التدين تغيرت هي الأخرى: المؤذن يقول "حي على خير العمل" والخطيب يقرأ من كتاب عايض القرني في المسجد نفسه.

معظمنا يستسلم لإغراء المنطق التاريخي في تفسير الصراع ومآلاته. غير أن 50 عاما منذ ثورة 62 ليست بالمدة البسيطة. صحيح لم تنجز جمهوريات ما بعد الثورة التحول الاجتماعي والثقافي المتوخى، لكن هذا لا يعني أن شيئا لم يتحول وأن شيئا لم يتبدل. يوجد تراكم يمكن البناء عليه، على صعيد التعليم والعلاقات والوعي الاجتماعي وأنماط العيش وعادات التفكير.

لقد طال التغير أشياء كثيرة، ليس جذريا بالطبع، لكنه دمغ حياة اليمنيين، في شمال الشمال والوسط والجنوب أيضا، بما لا نستطيع معه إعادة الأمور إلى خانات الصراعات والتخندقات التي شهدتها الأزمنة القديمة.

تأسست تقاليد بيروقراطية ونظم وحالة حزبية كانت جيدة في البداية، ونموذج تجريبي بسيط لدولة وطنية. قبل 62، كان الاقتصاد في شمال اليمن وفي جنوبه زراعياً، وكانت ملكية الأرض تتوزع بين الملكية الفردية والإقطاع والقنانة، بيد أن الاقتصاد مع اكتشاف النفط أصبح ريعي بالكامل، وتبعا لذلك تبلورت طبقات ونخب جديدة وعلاقات تجارية واستهلاكية جديدة.

العمل بوعي ما قبل 62 أو خارطة صلح دعان، ليس ذكيا بأي حال. ولئن أجدى ذلك نفعا في صعدة وأجزاء من عمران والجوف، فإنه في أمكنة أخرى لن يؤدي المفعول بنفس الكفاءة وبنفس مستوى المخاطر وردات الفعل. إن ذلك من شأنه فقط الزج بالمنطقة كلها في أتون من التذابح الطائفي والإبادات.

عسكريا -وأشدد على كلمة عسكريا- وفي حال انكسار الجيش فقط، يمكن أن يغزو الحوثي ويتوسع ويبسط نفوذه داخل خط التقسيم الجغرافي للمذهب الزيدي، لكن عليه أن يدرك أنه يتحرك في حقل مفخخ. وبغض النظر عمن ستكون له الغلبة في نهاية المطاف، إلا أن جهة ما ستتورط في جرائم إبادة وقتل على خلفية الطائفة والجماعة الدينية.

باختصار، لم تعد الرقعة الجغرافية التي يقال إن الحوثي ينوي إخضاعها، نقية مذهبيا. حتى المناطق التي حافظت على مظاهر معينة من التدين الزيدي في الطقوس والشعائر العبادية، لا تجد في الخطاب السياسي (إن كان هناك خطاب سياسي) الذي يقدمه الحوثي ما يلبي أحلامها الصغيرة أو ما يغويها للانخراط الطوعي في صفوفه. "الموت لأمريكا" ليس في سلم أولويات هؤلاء الناس المعذبين.

"فما يقرر نمو حزب أو حركة إنما هو قبول المجتمع بالأفكار، أو البرامج، والسياسات، أي الرضا لا القسر"، هكذا كتب فالح عبدالجبار قبل شهر، في معرض إشادته بانتقال الصدريين في العراق إلى مربع السياسة من خلال تحالفهم مع المالكي، "رغم أن ميول القسر المجتمعي ما تزال قوية، راسخة".

سأفترض، على سبيل التجريب، أن لعمليات التحول، الممنهجة أو التلقائية، التي طالت المنطقة الزيدية في أعقاب ثورة 62، دوراً بارزاً في تزويد حركة الحوثي بأسباب الوجود على هذه الشاكلة. وبالمناسبة لا يقول الحوثيون في صعدة هذا الكلام، إذ إن معظم الفرضيات والخلاصات تصدر من هنا من صنعاء ضمن مساعي فهم وتحليل الصراع، المساعي البريئة وغير البريئة.

ومع ذلك فإن أي إجراء عكسي من قبل الحوثيين يهدف لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 62، أو أثناء صلح دعان، أي البحث عن منطقة نفوذ منسجمة مذهبيا متناغمة نقية، سيجلب الكثير من السيارات الملغومة والنعوش وردات الفعل.

بكلمات أخرى: أي محاولة لاستعادة خطوط التقسيم الطائفي القديمة، حماقة لن يكون بمقدور الحوثي ولا غيره تسديد فاتورتها أو السيطرة على نتائجها.

الاثنين، 29 نوفمبر 2010

القاعدة المغدورة!

1979. لقد كان هذا العام الطويل جدا عاما تأسيسيا بامتياز. بالنسبة للغرب مثلما بالنسبة للشرق.

شهد هذا العام اندلاع سخط شعبي عارم ضد الولايات المتحدة الأمريكية، في أكثر من عاصمة على مستوى العالم الإسلامي، سخط كان لزعيم الثورة الإيرانية دور أساسي في إذكائه. ففي طهران اقتحم الطلاب سفارة واشنطن واحتجزوا موظفيها رهائن في أعقد مأزق واجهته إدارة جيمي كارتر. وفي باكستان أطبق متظاهرون حصارا محكما على مبنى السفارة الأمريكية، وأطلقوا النيران وأصابوا دبلوماسيين بجراح، وفي تركيا حصل الأمر نفسه تقريبا.

ليس هذا فحسب. ففي العام نفسه، طبقا لـ كرستيان كاريل، تصدرت، مرغريت ثاتشر، انبعاث تيار محافظ في بريطانيا أدى إلى تجديد الدينامية السياسية في البلدان الغربية، وافتتح عصر العولمة من بعد. وفيه اختار البابا يوحنا بولس الثاني موعداً لزيارته الأولى إلى وطنه بولندا، "فشحذ عزيمة شعوب شرق أوروبا ووسطها التواقة إلى الحرية، ومهد الطريق إلى ثورات 1989 المخملية والهادئة"، بحسب كاريل. وفي بكين، شق دينغ شياوبينغ، طريق الصين إلى "عصر الأسواق الحرة والمعولمة".

في البداية، كانت واشنطن وحدها في عين العاصفة الإسلامية. لقد كان غضبا متأججا ضد ما أطلق عليه الخميني اسم "الشيطان الأكبر". وكان الصراع بين القوتين الأعظم في ذروته. ففي أفغانستان دفعت "الكي جي بي" بزعيم شيوعي إلى السلطة، خلفا لزعيم شيوعي لم ينجح في تلبية طموحات موسكو. لكن الزعيم الجديد، ويدعى حفظ الله أمين، أخذ يلتقي بمسؤولين في السفارة الأمريكية في كابول فتوجست موسكو منه وراحت تفترض أن هذا الرجل، وهو الذي كان طالبا فاشلا في إحدى الجامعات الأمريكية، والمدرج في جداول مرتبات "الكي جي بي"، قد يكون اختراق أمريكي من شأنه تسليم أفغانستان للقوى الرأسمالية واستخدامها منصة لإيذاء الاتحاد السوفيتي.


في موسكو، اجتمع المكتب السياسي واتخذ أعظم حماقة في تاريخ الاتحاد السوفيتي، الحماقة ذاتها التي كانت بمثابة المسمار الأخير في نعش القوة العظمى. لقد قرر غزو أفغانستان عسكريا بناء على تقديرات غبية أطلقها رئيس الـ"كي جي بي" يوري أندروبوف. وفي الأيام الأخيرة من العام 1979 اجتاحت القوات السوفيتية أفغانستان. وإذ توهمت أنها تنال من حفظ الله أمين ومن "السي آي إيه"، فإنها لم تكن تعرف أنها تنال من نفسها قبل أي شيء آخر. لكن ولا حتى واشنطن كانت تدرك الكيفية التي تتعامل بها مع الموقف.


وإذا افترضنا أن ستيف كول، مؤلف كتاب "حروب الأشباح" دقيقا في معلوماته، فإن خطوة الاتحاد السوفيتي كانت ناجمة عن سوء فهم محض. فحفظ الله أمين وإن كان يلتقي بمسؤلين أمريكيين، لم يثبت حتى الآن أنه كان مدرجا ضمن جداول عملاء "السي آي إيه". يؤكد كول أنه لم يعثر في وثائق وكالة المخابرات السرية على أية وثائق تشير إلى أن الزعيم الشيوعي الأفغاني كان عميلا لحساب واشنطن.

كانت دوائر القرار في واشنطن غارقة في الحيرة. ولم تكن قد تبينت بعد حجم الهدية التي تسديها لها موسكو. صحيح اختاروا دعم الثوار الأفغان ذوي الميول الإسلامية، لكنهم لم يكونوا على يقين بأن في مقدور هؤلاء تقويض إمبراطورية بحجم الاتحاد السوفيتي. فكر بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي حينها، في أن الغاية من مؤازرة الثوار الأفغان ضد السوفييت هي جعل الثمن الذي ستدفعه موسكو باهظا قدر الإمكان.

بيد أن الحظ أسعف واشنطن، التي كانت خلال 1979 تجابه أعتى موجة عداء إسلامي، بالقناة المثالية جدا التي تستطيع من خلالها تصريف شحنة الغضب تلك. وكان الاتحاد السوفيتي المصب الأكثر ملائمة، ولقد تصرف الأخير بطريقة ساعدت على تصويره رمزا للإلحاد والشر.

حينها كان المعسكر الشرقي صلبا وجامحا، إلى درجة أن أحدا لم يكن ليجرؤ على التكهن بأفوله وإلا "حُمل على الجنون"، على حد تعبير كاريل. ويضيف: "والحق أن كاتباً روسياً، هو اندريه أمالريك، تساءل في كتيب صدر في السبعينات وسمه بعنوان: «هل يبقى الاتحاد السوفياتي في 1984»، فاتهمه محللون اختصاصيون بالخَبَل والهذيان".

على الفور انخرطت "السي آي إيه"، مع المخابرات السعودية والباكستانية، في أنشطة سرية مشتركة. تدفقت الأسلحة والأموال والجواسيس والمعلومات ومعها الآف المجاهدين العرب وأسامة بن لادن. لقد كان هذا الأخير شابا متحمسا من عائلة فاحشة الثراء، تخرج حديثا من جامعة الملك عبدالعزيز، وتتلمذ على يد رجال دين كبار منهم محمد قطب وعبدالله عزام، في الوقت الذي كان إخوته غير الأشقاء يتنزهون في شوارع فينا بسراويل قصيرة وشعور مرسلة على الأكتاف. 

والده أنجب 100 ابن. لكن أسامة كان منبوذ العائلة، إن صح التعبير. وهذا ليس المعطى الأساسي في سيرة حياته لكنه يفسر الكثير. التحق بصفوف المجاهدين، ورغم أن ما من وثائق تبرهن على وجود علاقة مؤسسية مع المخابرات السعودية، إلا أن معلومات تنظر إلى النشاط الذي كان يقوم به أسامة في سياق الجهد المشترك المبذول بالتوازي من قبل وكالات استخبارات الدول الثلاث: أمريكا وباكستان والسعودية. ربطته علاقات شخصية جيدة مع أمراء سعوديين وكان يترك انطباعا ايجابيا لديهم، وكان يتردد على السفارة السعودية في اسلام اباد.

في كتاب "حروب الأشباح"، الحاصل على جائزة بوليتزر مرتين، وهو أحد أهم الكتب التي تكشف خفايا تلك الحقبة، نستطيع الإطلاع على السجل الكامل للأنشطة التأسيسية لما يسمى بـ"الإرهاب الإسلامي" كما هو عليه الآن. اندفع المجاهدون بكل عنفوان وأحيانا بكل صدق لدحر السوفييت.

لم يكن كل أولئك مجرد مرتزقة وجواسيس، لكن العديد منهم كان كذلك. واخذوا يكبدون الجيش السوفيتي هزائم قاسية، الهزيمة تلو الأخرى. وأسقطت صواريخ "ستينجر" الأمريكية الصنع مئات الطائرات. وبكلمة فقد وجد المعسكر الغربي وفي مقدمة حلفائه الرياض وإسلام اباد، في الجهاد الإسلامي ضالتهم المنشودة. قادت السعودية تحركات سياسية محورية لمصلحة الثوار الأفغان، حتى أنها لم تكتف باختيار الزعماء فحسب بل كانت تقترح حتى الأسماء التي ينبغي لهم أن يحملوها. (عبدالرسول سياف مثلا، لقد رأى السعوديون في اسمه علامات شرك بالله فغيروا اسمه الى عبدالرب رسول).

في إحدى قمم مؤتمر العالم الإسلامي، اختلف الزعماء الأفغان حول من سيلقي خطابا أمام قادة الدول الإسلامية، فزجت بهم الرياض في السجن إلى أن اتفقوا على عبدالرسول متحدثا باسم المقاومة الأفغانية. كانت السعودية الممول الأكبر للعملية التأسيسية برمتها. يشرح ستيف كول أن الجاسوس السعودي كان يتعلم مع مرور الوقت كيف يتحول إلى أمين صندوق. ونقل أن الأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السعودي آنذاك، قال لزميل في مديرية العمليات في "السي آي إيه": " "لا نقوم بأي عمليات"، "لا نعرف كيف. كل ما نجيده هو كتابة الشيكات".

كتب السعوديون الشيكات بسخاء، في حين كان على "السي آي إيه" تصميم الأفكار والحيل بحيث يمكن لواشنطن إلحاق الهزيمة بخصمها الجبار دون أن تنزلق إلى حرب مباشرة لا سبيل إلى التكهن بنتائجها.

الكنيسة الكاثوليكية ممثلة بالبابا يوحنا بوليس الثاني، ساهمت بقوة في الصراع. ونشأت روابط لا معقولة بين مصالح ومعتقدات وأهواء متضاربة.

تهاوت الإمبراطورية السوفيتية تحت الضربات الحثيثة للمجاهدين، فألفى هؤلاء المفعمون بروح الاستشهاد والحماسة أنفسهم وجها لوجه مع الفراغ، وفي المقابل ألفت واشنطن نفسها هي الأخرى وجها لوجه مع الفراغ. وكلا الطرفين، أمريكا وأدواتها في دحر معسكر الشر، كانا يمتلكان فائض حماسة وفائض عنف. كانت نواة المجاهدين العرب قد تبلورت، عادوا إدراجهم إنما ليكملوا المشوار.

في جنوب اليمن، كان نظاما ماركسيا يلفظ أنفاسه الأخيرة. وبدأ بعض العائدين يمارسون نشاطهم الجهادي هناك منهم طارق الفضلي وشبان آخرين، ممن نزحوا على خلفية تولي الماركسيين الحكم في عدن. 

في الوقت الحاضر، إن أردنا فهم أسباب تنامي الخلايا الإرهابية هناك، فربما علينا أن ننسى تلك الفرضية العزيزة على قلب الحراك الجنوبي، والقائلة بأن النظام الحاكم يقوم بزرع مليشيا القاعدة في مناطق الجنوب لتوفير ذرائع جيدة لقمع الحراك، وحتى استدراج الولايات المتحدة الأمريكية إلى المعركة الخطأ. وعلينا أن ننسى، مؤقتا على الأقل، وجهات النظر التي يحلو لها أن تعزو كل شيء إلى مقولات من قبيل فشل الدولة وتآكل الشرعية وما شابه. 

وصول "الجبهة القومية" إلى الحكم في جنوب اليمن أواخر الستينات، واعتناقها المبادئ الماركسية لاحقا، يفسر الكثير مما يحدث الآن، لاسيما في شبوة التي تعرضت لموجات تهجير متلاحقة، وأجزاء من أبين ووادي حضرموت، وهي من أكثر المناطق تضررا إبان حكم اليسار في الجنوب.

جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي اندمجت في كيان دولة الوحدة عام 1990، بالإضافة إلى أفغانستان، هما البلدان الإسلاميان الوحيدان اللذان حكمتهما حركة ماركسية لينينية صريحة. وفي هاتين البقعتين بالذات، حينما وضعت الحرب الباردة أوزارها، راحت الجماعات الإسلامية المتطرفة تحفر لنفسها جذورا عميقة، حتى إن حركة طالبان أنشأت إمارة إسلامية متوحشة في أفغانستان عام 1996. 

كان جنوب اليمن منطلقا للثورة الاشتراكية في المنطقة. وتشكلت كيانات ومليشيات ترمي إلى إخضاع الجزيرة العربية قاطبة. كيانات مثل "الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي المحتل"، و"حركة التحرر الوطنية في الجزيرة العربية". وها هو جنوب اليمن يلوح الآن وكأنه منطلق لثورة ذات طابع إسلامي، ولسوف تتشكل كيانات ومليشيات مثل "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، و"جيش عدن أبين". ولفظ ثورة لم يعد يتناقض مع مضمون مليشيات وكيانات اليوم الإسلامية. فثورة الخميني ألغت التناقض الذي كان يكتنف عبارة "ثورة إسلامية"، بحسب كاريل.

لكأن وضع جنوب اليمن حاليا هو مقلوب ما كان عليه خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.

مع تحقيق الوحدة اليمنية تلاشى العدو الشيوعي الذي كان يزمع المجاهدون النيل منه. وليس من السذاجة القول أن واشنطن كانت بحاجة لعدو يليق بقوتها وجبروتها. راح المجاهدون يوجهون سهامهم إلى نحر حليف الأمس. في البداية لم تجد الولايات المتحدة في تنظيم القاعدة، الذي تأسس نهاية الثمانينات من مجاميع المجاهدين في أفغانستان، بديلا مناسبا للاتحاد السوفيتي، غير أنها كانت متعطشة لعدو من نوع ما. ولم يكن عيب تنظيم القاعدة أنه حصيلة نشاطها السري ضد موسكو، إن عيبه الوحيد عدم وجود دولة تمثله، أكانت صغيرة أو كبيرة.

ومع ذلك فقد راح هؤلاء المجاهدون يكثفون من نشاطهم الذي يستهدف المصالح الأمريكية ويضربها في الصميم. وبالفعل كللت محاولتهم بالنجاح، حينما جروا القوى العظمى المتبقية في العالم إلى حرب "غير متكافئة"، وبعيد هجمات 11 سبتمبر أضفى الطرفان على الصراع طابعا حضاريا يشمل الغرب في مواجهة الإسلام.

والتشديد على الدور الذي لعبته المخابرات الغربية في خلق "القاعدة" لا علاقة له بروحية المؤامرة البلهاء، ففي الأخير نحن نستقي معلوماتنا من كتاب أمريكيين بالدرجة الأولى، ثم أن إثبات هذه الحقيقة لا يعفي الحكومات في العالم العربي والعالم الإسلامي من مهمة قتال هذا العدو "الزئبقي" وتفكيك خلاياه ومصادر إنتاجه.

أظن أن ما كتبته صار في حكم المسلمات. إلا أنني فكرت أن من الجيد التذكير به في خضم الأحداث الأخيرة: التنسيق السعودي الأمريكي الذي يتم بمعزل عن اليمن. لا أريد القول إن تنظيم القاعدة هو عبارة عن خلية خرجت من مشيمة التنسيق السعودي الأمريكي الذي ابتدأ 1979 وانتهى بالإطاحة بالاتحاد السوفيتي وأفغانستان معا.

كل ما نريد قوله هو أن اليمن لا يصلح مسرحا لإعادة تمثيل ذلك التنسيق، لأن عملاً كهذا قد يدحر القاعدة، وهذا غير مضمون، لكن ليس بعد أن تسقط السعودية واليمن في آن. أفكر أن هذه هي القاعدة الأساسية إنما المغدورة في الصراع الكبير والمفتوح على نهايات يصعب تخمينها.

الجمعة، 26 نوفمبر 2010

حديث مع عبدالملك الحوثي

أكد إجراء تغييرات في القيادات الميدانية، وأيد إصلاح مسار الوحدة 
عبد الملك الحوثي لـ"المصدر": جغرافية الحرب ستتسع خارج صعدة 

محمد العلائي - 06/05/2008 

من شبه المؤكد أن حرباً جديدة بدأت أعمالها هذا الأسبوع في صعدة بنشاط فائق. لن تكون حاسمة على ما يبدو، لكنها ستكون أكثر عنفواناً من سابقاتها. 

بعد تفجير المصلين في جامع بن سلمان يوم الجمعة الماضي، وجد عبد الملك الحوثي نفسه وجماعته في حالة استنفار عسكري وإعلامي. 

بالطبع الحوثي زعيم روحي في المقام الأول، وجماعته هي كناية عن مليشيا دينية مسلحة، تعتقد تماماً بصوابية ما تقوم به. وعليه، فإلصاق تهمة تفجير مصلين أبرياء بالرجل وجماعته من شأنه ضرب سمعته في العمق. ولا بد أنه أدرك الأمر. 

وسواء كان هو الفاعل أو لم يكن، فإن أحداً لن يكون فخوراً بالوقوف خلف عملية كهذه، كونها تنم عن دناءة منفرة في أخلاقية الحرب. 

إذاً، كان على الحوثي أن يستنفر كل ما لديه من متاح لرد التهمة القاتلة، التي عمل الإعلام الحكومي على بثها بشكل غير عادي. 

ومساء السبت تحدث الرجل من مقره في صعدة لـ"المصدر" عبر الهاتف حول حادثة الجمعة، وقضايا أخرى لها علاقة بمستقبل الصراع وجغرافيته. 


> السلطة اتهمت أتباعك بالضلوع في تفجير جامع بن سلمان، وأنت نفيت، من الفاعل إذن؟ 

{ الفاعل الحقيقي هي الجهة التي يمكن أن تستفيد من ذلك في إثارة الحرب من جديد، وإفشال مساعي السلام. وهي الجهة التي لها موقف سلبي من اتفاقية الدوحة، وتكسب من الحرب مالاً ونياشين. 

> هل أنتم بصدد الدخول في أتون صراع يحمل مذاقاً طائفياً هذه المرة، على غرار ما يحصل في العراق مثلاً؟ 

{ [نحن] لم نستخدم السلاح ضد أي شخص على أساس مذهبي. 

> لكن خطيب المسجد يقال إنه قيادي عسكري ينتمي إلى تيار سلفي، وهذا سبب كافٍ للاعتقاد أن الحرب أصبحت ذات طابع مذهبي؟ 

{ لا يمكن لأحد أن يستدرجنا إلى صراع طائفي مذهبي بالمرة. 

> قلت في تصريحات سابقة أن المستفيد من الحادث هم تجار الحروب، لماذا لا تشير إلى أطراف وشخصيات بعينها لتزيل حالة الحيرة والالتباس التي تكتنف حروب صعدة؟ 

{ الجهات التي تحرص على الحرب دائماً، هي بعض القادة العسكريين، وفريق داخل السلطة، وبعض السياسيين، إضافة إلى بعض البرلمانيين، هذا الفريق له إعلامه الذي يحرض على الحرب، ويعارض السلام، وله موقف سلبي من اتفاق الدوحة. 

> لماذا لا تشير إلى أسماء بعينها؟ 

{ (صمت)، لا هذا يكفي. 

> إذن، من سيخرج الناس من دوامة الحيرة؟ ومن المستفيد من إبقاء الملابسات طي الكتمان؟ 

{ من جانبنا قضيتنا واضحة. موقفنا هو موقف الدفاع عن النفس. المشكلة هي عند السلطة، التي تفرض تعتيماً إعلامياً على صعدة. ولا تسمح لوسائل الإعلام بالنزول الميداني إلى المحافظة للإطلاع على الأوضاع عن قرب. 

> يعني أنت لا تمانع من دخول وسائل الإعلام لنقل الوقائع؟ 

{ بالتأكيد (لا أمانع). 

> هل يعد حادث الجمعة بمثابة الطلقة الأولى في حرب جديدة قد تكون حاسمة؟ 

{ هذا ما يسعى إليه البعض داخل السلطة. ويبدو أنهم كانوا جاهزين لتوظيف الحادث مسبقاً من أجل إثارة حرب جديدة. 

> لكن محافظ صعدة المصري قال إنكم أنتم تخططون للحادثة منذ أيام؟ 

{ ما يقوله مجرد أكاذيب. ومن الطبيعي أن يختلقوا ذلك. الشعب يعرف أنهم كذابين. لا يوجد دليل على ما يدعيه. 

> هل فشل اتفاق الدوحة نهائياً؟ 

{ حتى الآن لم نفقد الأمل. 

> فيما لو تعثر (الصلح) تماماً، من يتحمل وزر ذلك؟ 

{ أحمل السلطة التي ماطلت وتنصلت عن تنفيذ بنود الاتفاقية. 

> متى ستوضع النقاط على الحروف، ويعرف الشعب حقيقة ما يدور في صعدة؟ 

{ الغموض ليس من جانبنا. نحن تحدثنا عن مظلوميتنا. الغموض تفرضه السلطة، التي عمدت إلى التعتيم وتضليل الرأي العام عبر نشر دعايات وأكاذيب لتبرير الحرب. 

> تجري الآن الترتيبات الفنية لانتخابات المحافظين، ما موقفك من هذه الانتخابات؟ 

{ موقفنا من الموضوع أنه ليس هناك أمل إذا لم تكن هذه الخطوة في إطار إصلاح عام. 

> هل يهمكم أمر انتخاب محافظ جديد لصعدة؟ هل تفضلونه من أبناء المحافظة؟ 

{ نعم نحن نفضل أن يكون المحافظ من أبناء المحافظة. لكن لا نعلق أي أمل على هذا. 

> كيف ستكون جغرافية الحرب القادمة فيما لو اندلعت مجدداً؟ 

{ نحن نؤكد أنه فيما لو أقدمت السلطة على حرب جديدة أن جغرافية الحرب ستتسع. ولن تتمكن السلطة من حصرها في محافظة صعدة. ولذلك ليس من مصلحة البلد شن أي حرب جديدة. 

> هل أنتم مستعدون بما يكفي لحرب طويلة الأمد؟ 

{ نحن عملنا كل ما من شأنه الدفاع عن أنفسنا. 

> سمعنا عن تغييرات في القيادات الميدانية لتنظيمكم في حجة والجوف وصنعاء وعمران، ما صحة ذلك؟ 

{ هذا ليس تغييراً وإنما ترتيبات عامة. 

> لو استدرجتم إلى قتال مذهبي طائفي هل ستنجرون؟ 

{ نحن دائماً نحارب على أساس الدفاع عن النفس. والحرب من جانبنا لا تحمل أي شعار مذهبي. 

> هل أنت مع استئناف العمل على تنفيذ اتفاقية الدوحة؟ 

{ نعم بالتأكيد. 

> ممكن تقدم للقارئ لمحة عن الوضع الأمني في مناطق التوتر؟ 

{ حتى الآن (ليلة السبت) هدوء. إلا أن هناك توتر نسبي في منبه، ومنطقة حيدان. 

> ما موقفك من القضية الجنوبية؟ 

{ نحن مع دعوات إصلاح الوضع بشكل عام. فالسياسة الخاطئة تمثل خطورة كبيرة على وحدة الشعب، وقد تتسبب في تفكيك النسيج الاجتماعي بشكل عام. 

> هل تؤيد دعوات الانفصال؟ 

{ أنا مع إصلاح مسار الوحدة. 

> يقال إنك تتطلع لإخضاع صعدة وبعض المناطق لنفوذك؟ 

{ هذا غير صحيح وهو من ضمن الإدعاءات التي تدعى علينا زوراً. 

> يعتقد البعض أن الحوثي اصطف في الانتخابات الرئاسية الأخيرة مع الرئيس، استناداً إلى حسابات مذهبية ومناطقية؟ 

{ الانتخابات في صعدة شهدت ركوداً كبيراً. وكانت نسبة الإقبال بسيطة ومحدودة. 

> ما مدى صحة انتخابك للرئيس؟ 

{ كنا بعيدين عن الانتخابات. لكن البعض شارك دون فرض رأي معين عليهم. 

> سيد عبد الملك، هل لهذه الحرب نهاية ما؟ 

{ نؤكد على أن اعتماد السلطة على الحرب لمعالجة قضية صعدة أسلوب خاطئ، ولن يحقق لها أي هدف تسعى إليه. إذا استمرت السلطة في سياساتها الخاطئة في صعدة أو في غيرها فإن الوضع في عموم اليمن سيكون خطراً للغاية.

خاشقجي في دور الشرير مع رئيس يتوق لإغاظة قناة الجزيرة

االحدود اليمنية السعودية.. رشاش g3 بدلا عن الـ"اتوستراد" والسياج العازل 
لإغاظة قناة الجزيرة، اهتدى الرئيس لفكرة التحدث لقناة العربية وكبريات الصحف السعودية في وقت واحد. لست واثقا ما إذا كان الرئيس نفسه هو الذي اهتدى لهذه الفكرة أم إن شخصا آخر هو الذي اهتدى. لكن الراجح أن أحدهم فعل ذلك استنادا إلى التنافس ذو الأبعاد السياسية القائم بين الفضائيتين، ولأن امتعاض السلطات اليمنية من الجزيرة كان قد بلغ من الحدة لدرجة أن تقوم بسحب جهاز البث الخاص بمكتب الجزيرة في صنعاء.

تحولت الفكرة إلى واقع. ونهاية الأسبوع الماضي، استقبل القصر الرئاسي فريقا صحفيا سعوديا مؤلف من داوود الشريان مقدم برنامج "واجه الصحافة" على قناة "العربية"، وجمال خاشقجي رئيس تحرير جريدة "الوطن" السعودية، وخالد المالك رئيس تحرير جريدة "الجزيرة" السعودية أيضا. حظي الفريق باستقبال مميز، وتجولوا بصحبة الرئيس في فناء القصر، وبدوا كأنهم يتبادلون الدعابات الخفيفة عندما اقتادهم الرئيس صالح إلى كوخ خشبي حيث جرت المقابلة المشتركة.

في الجزء الذي بثته قناة العربية مساء الجمعة، كان واضحا إلى أي مدى كان جمال خاشقجي يؤدي دور الشرير. كان غضوبا ومشاكسا. ولاح كمن يتوق لأن يظهر في صورة الصحفي المولع بالتفاصيل، الرجل اللماح الذي يلتقط الانفعالات عن كثب، بدقة عالية وتركيز. وفي مقدمة المقابلة التي نشرتها صحيفته، سره جدا فكرة أنه خلص إلى أن اليمن لا يزال سعيدا، "أو بعضه على الأقل" على حد تعبيره. وهي الطريقة ذاتها التي افتتح بها توماس فريدمان مقالته عن اليمن قبل شهر، عندما بدأ هكذا: "اليمن ليست افغانستان، وصنعاء ليست كابول، على الأقل حتى هذه اللحظة".

رئيس تحرير الوطن، البالغ من العمر 52 عاما، والمتحدر من أصول تركية، تأسف لكون السياسة هي الشاغل الرئيسي للمثقف اليمني، وليس الاقتصاد. وانتهى إلى أن شعار "الوحدة أو الموت" الذي قال إنه شاهده على لوحة هائلة تضم صورة الرئيس، يجسد حدة الاشتغال السياسي في اليمن.

غير أن الرئيس قدم له تفسيرا بسيطا، لكن غني بالمغزى، لانصراف السعوديين عن السياسة خلافا لليمنيين: المال. "لو كان هناك مال في اليمن لاشتغل الناس وراء مصالحهم واحد يعمل شركة أو يعمل تجارة ما كان يتكلم في السياسة، لكن ما دام لا يوجد مال يتكلم في السياسة" قال الرئيس.

"وماذا عن اليمنيين في الخارج؟"، رد خاشقجي. فقال الرئيس: "اليمنيون في الخارج كم عددهم، إنهم عشرات أو مئات، الآن يصل تعداد اليمن لأكثر من 25 مليون يمني يأكلون ويشربون، مشكلتنا هذا سعودي وهذا يمني يرى السعودي عنده سيارة لاند كروزر وملبس وعنده استثمار وعنده تجارة، ويرى نفسه لا يوجد عنده شيء، فيبدأ يتكلم في السياسة يتكلم عن الفساد يتكلم عن كل شيء، أما في السعودية كل الناس منصرفون وراء مصالحهم وأحسن شيء أنهم يتابعون الرياضة والأسهم، أما اليمني يحكي، لو عنده مال تجده في باريس في مصر في المغرب في تونس، لو وجد المال ما وجد الكلام في السياسة".

"وكيف يأتي المال؟"، سأل خاشقجي. فرد الرئيس: "الله سبحانه وتعالى، شوف قطر وما لديها الآن، قبل عشرين سنة أنا أجرت لهم طائرتين من الأسطول اليمني، الآن الله فتح على قطر، كم تعدادها 300 ألف، كم تنتج من الغاز وكم دخل الفرد أما أنا فكم عندي دخل الفرد أنا ما عندي شيء وإنتاج النفط عندي 280 ألف برميل وأبيع حتى الآن في المرحلة الأولى للغاز 200 مليون دولار في السنة، ما يسوي شيء، موازنة للدفاع وموازنة للأمن وللصحة وموازنة للتربية، إذاً لازم يتكلم الناس عن الفساد وعن الرشاوى ويتكلمون في كل شيء لأنه لو وجد المال ما في مشكلة، عندك الآن أكثر من مليون عامل في السعودية، في السابق وتحديداً في الثمانينات كانت تحويلاتنا من العاملين بالسعودية ملياراً و800 مليون دولار، أما اليوم فتحويلاتنا من 300 مليون إلى 400 مليون مقارنة بمليار و800 مليون في الثمانينات، الآن الموضوع الاقتصادي صعب، إنتاج النفط 280 ألف برميل، أي للاستهلاك المحلي وأي للشركات الشريكة وأي للتصدير".

لكن خاشقجي أوقع الرئيس في فخ "الوحدة أو الموت" بلا رحمة. بدا لحظتها كما لو أنه جلاد غليظ يمارس إغراق قاس لا يرفع يده من الماء إلا وقد تيقن من انقطاع أنفاس الضحية تماما. لم يكترث لاحمرار أذني الرجل ولا ضحكته الخجولة التي يلجأ إليها المرء عادة لإخفاء مشاعره الحقيقية في اللحظات الحرجة. تذكرت القصة التي رواها ابراهام لينكولن عن صبي عاري القدمين اصطدم بإصبع قدمه "كانت الصدمة تؤلمه بشدة، إلى درجة لا يمكنه معها الضحك، وفي نفس الوقت كان كبيرا على الصراخ".

على أن الانطباعات المرحة التي سطرها خاشقجي في "الوطن"، لا تشبه صورة المتجهم والعدواني التي بدا عليها في العربية. كتب أن الرئيس كان مطمئنا، وكيف أنه عمد إلى اختبار هذا الاطمئنان بسؤال صالح عن شعوره إزاء اليمن بعد خروجه من الحرب السادسة مع الحوثيين، ثم راح يصور الطريقة التي رد بها الأخير أثناء اجتيازهم للحديقة في طريقهم لقاعة من قاعات القصر "في يوم ربيعي وقد انجلى شتاء صنعاء". كتب أن الرئيس قال له: ""وما الجديد ؟ اليمن يعيش حروباً وصراعات منذ بضع وخمسين سنة". خاشقجي علق على إجابة الرئيس: حقاً ما الجديد هنا؟ ولكن-أضاف خاشقجي وصورة الحاذق لم تفارق وعيه للحظة- بقدر ما كانت إجابته حاسمة وواثقة فإنها مثيرة للقلق أن يتعايش شعب وقيادة على هذه الفتن وكأنها قدر محتوم.

قال خاشقجي أن صالح يريد أكثر من المملكة، لاسيما بعد إبرام اتفاقية الحدود. وأضاف أن ما لم يقوله صالح ولن يقوله هو "إن السعودية هي الأخرى مشغولة بواقعها وتنميتها وتوفير آلاف الفرص لأبنائها ما يبرر لي كسعودي ألا تنشغل بتفاصيل اليمن الكثيرة والمزدحمة المتجددة". وامتدح ضمنيا الأخلاق الرأسمالية لدى المواطن السعودي "فالسعودي أصبح بارداً براجماتياً يقود أعماله بروح الربح والخسارة، وليس في ذلك ما يعيب، ولكنهم في اليمن يعيشون السياسة ويجعلونها السبب لكل شيء أكثر من الاقتصاد والأرقام". وشدد على أن التعليم والتنمية هما السبيل الوحيد لليمن كي تضخ يد عاملة مرغوب فيها.

فيما يتعلق بالشريط الحدودي، كان الرئيس صالح حادا وقاطعا في اجاباته. فخاشقجي هو الذي طرح هذا السؤال: لوضع حد للتهريب، ماذا لو بنت السعودية سياجا على الحدود مع اليمن ؟ فجاء رد الرئيس على هذا النحو المستنكر: "لماذا ؟ هذا لا يجوز، نحن لسنا يهودا وعربا، لو فعلنا ذلك نحقق أهداف الاستعمار القديمة بتقطيع أوصالنا، وتجزئتنا، لا يجوز أن نرى سياجا بين بلدين عربيين خاصة اليمن والسعودية، الشعب واحد، واتفاقية الحدود تسمح بحرية التنقل للرعاة، لدينا مشروع أفضل اتفقنا عليه مع إخواننا في المملكة يقضي ببناء اتوستراد مكشوف ومضاء ومراقب إليكترونيا، ونقاط تفتيش ويسمح بتنقل الرعاة عبر منافذ شرعية".

خذوا أيضا هذين السؤالين. "من الواضح أننا في السعودية ننوي ترك مسافة عشرة كيلو ما بين الحدود وهذه إجراءات جديدة؟" الجواب: "بالنسبة لنا صعب أن نترك عشرة كيلو من الجانب اليمني لأن بها سكانا ومساكن ومزارع، ولا نستطيع أن نرحل مواطنين عاشوا منذ مئات آلاف السنين في هذه الوديان والمرتفعات، وهي مناطق جبلية ومزارع ووديان، صعب أن نرحلهم إلى مكان بعيد لأن وراءهم مرتفعات جبلية، وليس أراضي صحراوية تجعلنا نستطيع أن نوزع عليهم أراضي، صعب جداً أن نزحزح مواطنا، لكن مسؤوليتنا هي اختيار الشرطة وأجهزة السلطة المحلية وكذلك الجيش الذي هو حرس الحدود لتأمين سلامة الشريط الحدودي بين المملكة العربية السعودية واليمن".

سؤال: "لكن ما تفعله السعودية في أرضها هي حرة فيه". جواب: "نحن غير معترضين، وهناك معاهدة بيننا وبين السعودية أن هناك مسافة 20 كيلو من الطرفين للسماح بالرعي ولا أعتقد أن إخلاء السكان يشكل خطورة أو اختلالا بمعاهدة الحدود بيننا وبينهم. لأنها تكفل حق الرعي والانتقال إلى المناطق المجاورة..

في الواقع ما من "اتوستراد" في الشريط الحدودي ولن يكون. ثمة بندقية g3 تأخذ على عاتقها تطهير الأراضي السعودية من المتسللين المتهافتين على الريالات الخضراء. وهذه حصيلة المهمة التي يقوم بها رشاش g3: خلال الأيام القليلة الماضية نشرت وسائل الإعلام ان السلطات السعودية تضيق الخناق على المغتربين اليمنيين حتى المقيمين منهم بصورة شرعية. ونقل موقع "الصحوة نت" أن حرس الحدود السعودي يطلق الرصاص الحي على المتسللين. وأورد أن مصادر أكدت مصرع 3 أشخاص من مديرية الحسينية بمحافظة الحديدة الأسبوع الماضي على يد شرطة الحدود السعودية، طبقا لمتسلل يدعى صغير بخيت من محافظة ريمة.

إلى ذلك، طبقا للصحوة نت، توفي متسللين يمنيين الأسبوع الماضي على يد شرطة حرس حدود المملكة في منطقة صبيا السعودية. حيث لا تزال جثتي الشابين شكري طه محمد حسان المقطري في إحدى ثلاجات مستشفى بجيزان وأن أهله يبذلون جهودا في محاولة لاستلام جثة ابنهم الذي قتل أثناء محاولة التسلل بعد مضي 4 أشهر من زواجه.

وناشدت أسرة المقطري السلطات اليمنية التدخل لدى السلطات السعودية في تسليم جثة ابنهم حيث وأن والديه في حالة نفسية صعبة على مصرع ابنهم الذي قضى داخل الحدود السعودية قتلا بالرصاص بينما كان قد وعد أهله وأسرته بحياة كريمة إن وجد عملا من خلاله يحسن دخله ويقي أسرته الفقر والبهذله. وقالت مصادر في الداخلية اليمنية إن 4 من مهربي القات أصيبوا يوم الجمعة بجروح مختلفة أثناء مطاردة الشرطة السعودية لهم وبحوزتهم كمية من القات كانوا بصدد تهريبها إلى داخل المملكة.

الخميس، 25 نوفمبر 2010

نذر حرب قبور تلوح في الأفق

محمد العلائي 
alalaiy@yahoo.com 

في ربيع 2001، فجّرت حكومة طالبان الأفغانية تمثالي بوذا، اللذين كانا يمثلان قيمة روحية عالية الشأن لجزء عريض من البشر، ناهيك عن كونهما قيمة حضارية إنسانية مشتركة. 

حينئذٍ وقف العالم ساخطا معترضا، إلا أن زعامات الإمارة الإسلامية شديدة التزمت، مضت غير آبهة بشيء. 

لقد فعلت ما فعلت معتقدة أنها حطمت الصنم "هبل"، وأنها طهرت العالم من "دنس الشرك" وشروره. 

لم يمض الكثير من الزمن بين واقعة "التطهير" تلك، وبين واقعة تطهير أفغانستان من حكم طالبان بجريرة فعل أخرق اقترفه احد الذين وجدوا في طريقة فهم أفراد طالبان للإسلام ما يصبون إليه، علاوة على أنهم وجدوا في جبال أفغانستان ملاذاً وعاصماً: بن لادن وتلامذته. وكان ما كان. 

كان ذلك في أفغانستان. وكان الفاعل طالبان، التي أصبحت النموذج المثال لكل جماعات التطرف الإسلامي في العقدين الأخيرين، على وجه التقريب. 

الآن، وبشكل مفاجئ، يحدث في اليمن ما هو أفظع. فبعد أسبوع واحد فقط، من تداول الصحف خبر قيام مجموعة متطرفة بهدم ضريح "ولي صالح" في مديرية مبين بمحافظة حجة، نشرت صحيفة "الأيام"، السبت الفائت، حادثة مشابهة، لكن هذه المرة من محافظة لحج. ففي ساعة متأخرة من ليلة الجمعة أقدم مجهولون على إضرام النيران داخل ضريح "الولي الصالح" حسن البحر، بمديرية تبن. وإن لم تفلح ألسنة اللهب في تحويل الضريح إلى أنقاض، فقد أصابته بتشوهات وأضرار بالغة. 

على المنوال نفسه، كان ضريح العلامة الهدار في مديرية القطن بمحافظة حضرموت، قد تعرض، العام الفائت، لمحاولة هدم من قبل أشخاص غير معروفين. ومطلع هذا الشهر أطلق تنظيم القاعدة تصريحات تضمنت التهديد بنسف قبر النبي هود في مديرية ثمود، والذي استقطب، في غضون بضعة أيام، حوالي 60 ألف زائراً من مختلف أنحاء العالم، وفقا لبعض التقديرات. ومنذ بضعة أسابيع تقريباً، كشف نائب الرئيس في اجتماعه باللجنة الأمنية، في حضرموت، عن مخطط أعده تنظيم القاعدة لاستهداف مرقد النبي هود، طبقاً لما نقلته الصحف الحكومية. 

الأسبوع الفائت، تناقلت وسائل الإعلام خبراً مفاده أن مجهولاً وضع مادة غريبة على قبر الشيخ محمد الحكيمي بعدن. والأخير ليس مجرد رمز ديني، بل هو رمز سياسي أيضاً، بيد أنه نال حظه من الأذى هو الآخر. 

ليس هذا كل شيء بالطبع. فهناك وقائع مماثلة تشهد أن أبطالها شربوا من نبع واحد. 

... 

الراجح أن لدى طالبان من الأسباب(وإن بدت سقيمة وساذجة أحيانا) أكثر مما للفرق -الجهولة والمجهولة في آن- التي أخذت على عاتقها تقويض شواهد تاريخية عتيقة، تحت مظنة إبعاد "الشرك" ومكافحة "البدع" و"المنكرات". 

تمثالا بوذا، في جبل باميان، إرث غير إسلامي. وربما استخدمت طالبان هذه المقولة (القاصرة)، كي تفعل ما فعلت دون تأنيب ضمير. 

لكن مراقد "الأولياء الصالحين" إرث إسلامي خالص. وهم "أولياء صالحون" حسبما يعتقد الناس-بعضهم إن لم يكن أغلبهم- في المناطق المحيطة بالضريح. 

ومادام أن فلاناً كان رجلاً "صالحاً وولي لله" أثناء حياته، فإن الناس يسمحون لأنفسهم بالتوهم، عن جهل حين وعن علم أحيان أخرى، أن لروحه قدرة (غير عادية، خارقة) على التدخل في توجيه مسار الأشياء، عندما يتم التوسل إليها والتمسح برفات صاحبها. ( الخرافة تغطي المساحة التي لم يصل إليها العلم، فكلما كان المستوى المعرفي للمجتمع ضحلا، تشيع الخرافة والعكس صحيح). 

إذاً، والحال هكذا، فإن الاعتداء على مزار بهذه المكانة، يغدو اعتداءاً على مشاعر كل مرتادٍ له، وحطاً من شأن مُعتقَد لطالما تمسكوا به الجيل تلو آخر، مهما بدا غريباً وخرافياً... و"شركياً". 

ولا بد أن تصرفا بكل هذا الرعونة و الحمق، وسوء التقدير، كفيل بأن يجعل الناس أكثر تشبثاً بموروثهم العقدي- أياً كان- من حيث يحسب أصحابه أنهم يحاربون الخرافة المنافية للاعتقاد السليم. فوق ذلك، يحمل هذا السلوك إساءة للأموات مشينةً ومستفزة. 

على أن مليشيا حرب القبور هذه، تستطيع -إن أرادت- نزع "دنس الشرك" من "النفوس الضالة" باللجوء إلى وسائل تعتمد، أولاً وأساساً، على مهارة النقاش والإقناع اللذان ربما يفضيان، في النهاية، إلى بلورة رؤى متقاربة بشأن المسائل محط الخلاف. هذا ما يجب، قبلما تبدأ في اجتثاث الوثن- وهو جسم محايد أصلاً ولا يمارس أي تبشير بطهوريته- من الأرض، وفي وقت ما يزال يحظى فيه بقدر من التوقير والإجلال في نفوس مرتاديه. 

هذا ما يجب قبل أي شيء آخر، وبعده. وإذا ما اتفق الطرفان على أن فكرة إسباغ نوع مفرط من القداسة والتبجيل على ضريح شخص ما، ضرب من الجهالة والشرك، فإن الأضرحة والتماثيل والمزارات حينها، لن تعود، في نظر حجيجها، أكثر من أبنية وكتل جوفاء، لا تحمل أية دلالة روحية أو معنى "ألوهي" من أي نوع. حينها يصبح الاحتفاظ بها نظرا لقيمتها التاريخية والإنسانية العميقة، لا أكثر ولا اقل. 

فأغلب التماثيل والعتبات والمراقد تعتبر لدى البعض معالم تاريخية قيمة وفائقة الدلالة، أكثر مما هي رموز دينية مقدسة. 

قد تنتهي المشكلة أو قد لا تنتهي، المهم أن الجميع بات يملك خياراته. فالكل عليه أن يقرر، وبصورة فردية، ما يجوز وما لا يجوز، دونما إكراه أو قهر أو وصاية. وإنني لأظن أن هذه طريقة، بقدر ما هي ناجعة، ليست مكلفة بالمرة. 

إنه، ولا ريب، ميدان آمن ومثالي إلى حد ما، لكنه سهل أيضاً ومفيد. فالأكيد هو أن من يؤمن بفكرة معينة لا يفتقر إلى المنطق اللازم (وليس السلاح) لنشرها، والدفاع عن معقوليتها، وقابليتها لإقناع شخص آخر على الأقل، وإلا فإنها لا تستحق أن تعيش ولو للحظة. 

... 

عادة، تبدأ الحروب باردة، ثم يؤول بها المطاف إلى حرائق تأكل الأخضر واليابس. وبالنسبة إلى بعض الفرق الإسلامية، الأكثر غلواً وراديكالية، يبدأ الأمر بما يسمى فترة "تغيير المنكر باللسان". 

وبعد وقت وجيز فقط ( قد لا يمتد كثيرا في العادة، لأن أفرادها نافدو الصبر تلهفا على الجنة)، تصير "اليد" على أهبة الاستعداد لمزاولة "واجباتها" المنوط بها "شرعا"، تحاشيا لإدراجهم داخل خانة "أضعف الإيمان"، والعياذ بالله(!) 

ثم إن "اليد"، من وجهة نظرهم، هي أداة الفعل المثلى للتغيير. الأمر الذي يعني، من بين ما يعني، تعطيل الأدوات الأقل عنفا والأكثر جدوى. 

إن الحوار هو الميدان المستحيل بالنسبة لهؤلاء. والظاهر أنهم يميلون إلى خوض مثل هذه الحروب لصرف أنظار الناس عن ما هو جوهري في حياتهم وجرهم إلى معارك هامشية. 

بالتأكيد، هناك ما هو أهم من بعثرة شواهد القبور وأحجار العتبات المقدسة. هناك عتبات وتماثيل بغيضة أثقلت كاهل البلد، وقطعت أنفاسه. ألا يبدو أنها أولى بالحرب والهدم أكثر من، وقبل أي شيء آخر.

القرصنة رقم 3

محمد العلائي 
الخميس 30 أغسطس-آب 2007 06:08 م

في كل مرة يعود عبدالكريم الخيواني من معاركه مكللاً بالنصر.. إنها من نوع المعارك التي يجد المرء نفسه مقحماً في خضمها دون أن يختار. سيتعين على المرء، والحال هكذا، أن يقاوم هوانه الشخصي، دون هوادة. فالمؤكد، هو أن انتصار الضعيف يكمن في تفوقه الأخلاقي، وفي كونه يحتفظ برباطة جأشه الى آخر رمق.

نهار الاثنين الفائت، كان الموت المحقق، قاب قوسين أو أدنى من الزميل الخيواني، بيد أنه كالمعتاد رجع ظافراً، على الرغم من كل الأذى الذي لحق به.

كانت الساعة ،1:50 حين غادر مقر صحيفة «النداء». وقتذاك كان في صحبته الزميلان سامي غالب ونبيل سبيع. هبطوا معاً سلالم العمارة. وتجاوزوا معاً مدخلها. وبمحاذاة الشارع توقف ثلاثتهم هنيهة، ثم ما لبث سامي ونبيل أن ودعا الخيواني، وبد يسيران ببطء. في حين توقف الأخير على الناصية كي يوقف «تاكسي» يقله إلى منزله، حيث تنتظره زوجته وأطفاله على الغداء.

في تلك اللحظة، وإذ كان الخيواني يتأهب للإنطلاق، لمح فجأة السجين الشهير الذي نفضت عنه «النداء» وعثاء 17 عاماً من السجن: عبده شوعي. وكلا الاثنين - الخيواني وشوعي، لمن لا يعلم- رفيقا السجن المركزي، ويعرفان بعضهما جيداً. الأول هو ذاك الصحفي العنيد الذي لا يكاد يخرج من السجن إلا ليعود إليه. والثاني تهامي مغمور، من صنف الاشخاص الذين لا يأبه لهم، عدا الخيواني وأمثاله، أحد.

اذاً، وبسجيته المعهودة، صرخ محتفياً: عبده شوعي.. كانت الساعة 1:53 عندما تقدم لمصافحة شوعي: ذراعاه كانا مفرودين، ووجهه بشوشاً. ساعتها همهم رجل على مقربة منهما بما يمكن عدَّها إشارة الهجوم: «انزلوا سلموا عليه»، طبقاً لرواية عبده شوعي.

بدا الخيواني كما لو كان يبذل جل الجهد كي يصل الى التهامي، الذي لا يأبه له أحد، بأقل قدر من الخطوات. ذلك أنه أخذ يقدم بخطوات واسعة وذراعاه مفرودان، بتلقائية غير مُدَّعاة،الا أن خطوات «القراصنة» كانت أكثر اتساعاً وأذرعهم مشدودة كالأوتاد.

على أي حال، لم يتسن للخيواني احتضان شوعي. ففي طرفة عين، وعلى مرأي الناس، ترجل أشخاص مقنعون من سيارة لاندكروزر، تحمل لوحة خصوصي، وأرقامها مطموسة بسواد، كانوا يرتدون الزي الشعبي، لكن المسدسات تظهر للعيان وهي معلقة على أحزمتهم.

وحسب رواية شوعي، فإن المسلحين انتزعوا الخيواني بفظاظة وبعد لحظة ذهول وجيزة انتابت الرجل، لاحت العصابة وهي تقذف به الى مؤخرة السيارة، بطريقة «مافوية» متقنة.

لم يكن سامي غالب ونبيل سبيع، قد ابتعدا سوى 20 متراً تقريباً عن المكان. فحينما نادى باسم عبده شوعي، سمعا صوته. وحين هجمت المجموعة على الخيواني سمعا جلبة وما يشبه الاستغاثة. التقط سامي صوت الخيواني يناديه. وتلفتا فرأياه يُلقى برعونة إلى «الصالون».

منذ الصباح الباكر، كان الرجل قد أمضى يوماً حافلاً. فبعدما أنهى لقاء جمعه ببعثة من الاتحاد الأوروبي، توجه للتوه، لزيارة الأستاذ احمد جابر عفيف في بيته، ثم عرج على «النداء» بعدئذ.

لدى وصوله مقر الصحيفة، ظل مبتهجاً أكثر من أي وقت آخر. لأنه التقى برفيق سجن آخر أفرج عنه قبل 24 ساعة: سام أبو أصبع.

يقول شهود العيان إن قرابة 6 أشخاص على متن السيارة التي تربصت بالخيواني، كانوا ينتظرونه منذ دخل إلى مكتب «النداء».

ووفق روايته، فإنهم فور أن تحركت السيارة، طرحوه تحت أقدامهم معصوب العينين، وبدأوا، بوقاحة، في تسديد الرفسات واللكمات والشتائم. قالوا له: نريد أن نذيقك أخلاق ما قبل الدولة.

الأسبوع قبل الفائت نشرت «النداء» للخيواني مقالاً مطولاً، هو عبارة عن نقل لبضع مشاهدات من داخل السجن المركزي، (الذي قضى فيه نحو شهر في يوليو الفائت) بعنوان: «ما قبل الدولة، وطن خلف القضبان».

يعرف الخيواني، بالتأكيد، كيف يسيطر على نفسه، في الأوقات الحرجة. فعلاوة على صنوف التنكيل التي وجد نفسه يرزح تحت وطأتها، كان يجهل أين سينتهي به المطاف، ومع ذلك لم يتضعضع.

أمروه بلهجة متعالية أن يتعلم كيف يحب «الثورة». ينبغي لأي أحد أن يكون بربرياً كفاية، كي يحب الثورة جيداً، أن يكون فظ القلب، يستطيع أن يقصقص أعضاء البشر بشكيمة عالية.

على الدوام، لا يكف الحكم عن الاعتقاد بأن مقابلة الأجانب ليست أكثر من دسائس ومؤامرات، ودولارات أيضاً، لذا فقد راح الخاطفون يتحسسون جيوب الخيواني لعلهم يظفرون برزمة من «اليورو» الأوروبي.

كان في حوزته ساعتذاك 1500 ريال يمني. الأمر الذي أصابهم بخيبة أمل. تلفظ أحدهم بسؤال لا ينقصه الغباء: أي حين صرفت؟. قهقه الخيواني بصوت عالٍ، ومتهكم، ساعة كان يروي لنا هذا المشهد.

لم يكن يعرف إلى أين ستنتهي به الطريق. وظل يتلقى الضربه تلو الأخرى. لقد كانوا يجرعونه «أخلاق ما قبل الدولة».

ولئن أصابوا أضلاعه بكدمات بالغة، فقد عمدوا أيضاً الى تهشيم نظارته على جفنيه حتى أدميا.

نصف ساعة، هي المسافة الزمنية التي تفصل أمانة العاصمة عن منطقة خولان، لكن «القراصنة» استغرقوا 3 أضعاف المدة. إنه زمن بالغ الصعوبة.

قبيل وصولهم مكان اسمه «محالين»، كانوا قد استوفوا فقرات المهمة بأكثر مما يجب من النذالة، عدا فقرة واحدة ظلت موضع خلاف: «بتر إصبع من يده اليسرى»، كمرحلة أولى، على أن يستكملوا تقطيع بقية الأعضاء متى ما عاود الكتابة مجدداً عن «أخلاق ما قبل الدولة».

لا بد أن أحدهم كان أكثر تلهفاً لفصل أصبع الخيواني عن جسده، إذ إنه شرع في القطع بـــــ«كلبتين» حادة، غير أن رفقائه نهروه، وأخذوا على يده. «ليست الأوامر هكذا» قالوا له. كان متشوقاً ولا يلوي على شيئ. ولما طفح كيلهم أومأوا له: «انتظر حتى نتصل».

أجروا مكالمة مقتضبة مع آمرهم، فجاء قراره قاطعاً - وليس باتراً- : قال(...) لا تقطعوش أصبعه، ما نشتيش حاجة ظاهرة.

نزل القرار كالصاعقة على «المتشوق للبتر». فتذمر وثار غيظة. قبل أن يشفي غليله كاسراً الأصبع الناجية من البتر.

إلى هنا، باتت المهمة شبه منتهية، ولم يتبق إلا البحث عن أنسب الأماكن ملائمة لإلقائه فيه.

بدوا خبثاء في اختيار مكان الإنزال: بقعة قافرة، مأهولة بالسكون.

المشهد الأخير: «جثم أحدهم بخشونة على صدر الخيواني وأخذ يقول له: اقسم لنا أنك ما عد تكتب على أسيادك»، لكن الخيواني لزم الصمت. في تلك الأثناء، أطلق واحد منهم جملة متوعدة، لكأنها عصارة «القرضة رقم (3)» : «هذا آخر إنذار لك، قسماً بالله لو زد تكتب مرة ثانية لا نقتلك أنت وأطفالك وزوجتك».

قبل أن ينصرفوا، أنزلوه إلى الأرض، وهو ما يزال معصوب العينين بشماغ بنَّي اللون، تجشموا عناء شرائه خصيصاً لغرض دنيئ (الشماغ موجود الآن، وهو الشاهد الوحيد على تلك البشاعة).

بالطبع، كان لا يدرك في أي أرض هو الآن، حين فك الرباط عن عينيه. لا ريب، إنها لعبة «غميضة» باهظة الكلفة.

عندما كنا، نحن في «النداء»، نتشاطر الحيرة والتكهنات، عصر ذلك اليوم، كان قد انقضى على اختفاء الخيواني، من الوقت 3 ساعات، شديدة الوطأة.

في الساعة الــــ5:30 قبيل الغروب، رن هاتف الزميل سامي غالب. تناهى إلى سمعه صوت متهدج. أصغينا بشدة، إلا أن سامي نهض من مجلسه، واستكمل الرد على المكالمة في الرواق، ونحن لا نكف عن التلصص. وحين تيقنا أنه الخيواني انفرجت أساريرنا.

كادت الفرحة تكتمل، لولا أن سامي قال هامساً إن الزميل تلقى ضرباً مُبرحاً.

استقلينا، بشير السيد وعلي الضبيبي وأنا، سيارة، وانطلقنا صوب «دار سلم»، حيث كان الخيواني يتلقى علاجاً إسعافياً في مستوصف طبي هناك.

الساعة الــــ6:00 كنا، ثلاثتنا، في حضرة الرجل. كان يتأوه تارة، ويئن تارة أخرى، لدى معانقتنا له، لكنه على الرغم من كل ذلك، كان لا يسعه إلا أن يتبسم. بدأ يروي لنا التفاصيل. وضحك من أعماق قلبه عندما تذكر أنهم كانوا يتوقعون العثور على «دولارات» في جيوبه.إنها القرصنة رقم (3)، قرصنة ما قبل التصفية ربما. ففي 2004 اقتحموا مقر «الشورى»، واعتقلوه بطريقة لا تنم عن أخلاق «دولة القانون». وقبل شهرين هجموا عليه في غرفة نومه بطريقة لا تقل بشاعة. وهذه المرة كان الشارع مسرحاً مفتوحاً لباتري أصابع الصحفيين.

حديث مع عبدالملك الحوثي 2

عبد الملك الحوثي لـ"لغد":إذا كنا نحن المبتدئين، مستعدون تحمل أي مسئولية واطالب بلجنة منصفة للتحقيق في من بدأ الحرب


 محمد العلائي 2007


كان عبدالملك الحوثي، مساء الأربعاء الفائت يتحدث لـ"الغـد" ( في الحوار التالي) عن صعوبة التواصل مع لجنة الوساطة مباشرة. وبعد نحو 48 ساعة كان أعضاء اللجنة يمضون نهار الجمعة إلى جواره في مكان تواجده.
الحوثي في حديثه لـ"الغـد" أفصح عن اتصالات غير مباشرة، أجراها مع رئيس الجمهورية.وقال أن هناك مسألتين تعقيان الاتفاق هي : طريقة التنفيذ، والأولويات.
وجدد مطالبته بلجنة "من العدول وتعتمد المنهجية الإسلامية والقانونية" للتحقيق في من بدأ الحرب، مؤكداً، أنه في حال ثبت أنهم المبتدئون، استعدادهم تحمل أي مسئولية.
وتحدث عن كنه العراقيل التي حالت دون الإسراع في تنفيذ بنود الاتفاق، مجدداً تمسكه بحل المشكلة سلمياً. وأعرب عن تفاؤله بأن "تصير الأمور إلى خير"، لكنه رفض تأكيد ما إذا كان سيغادر إلى الدوحة، فيما لو نجحت الوساطة، مكتفياً بالقول: "قدمنا للجنة بشأن هذه الموضوع، باعتبارها المعنية". فإلي نص الحديث:


** تحدثت أخبار, مطلع الأسبوع الفائت, عن لغة فظة وقاسية، بدرت منك تجاه الوساطة القطرية، ما أدى إلى إثارة حفيظة الدوحة وسحب موفديها للتشاور. ما مدى صحتها؟ 
* أعتقد أنه لم يحدث منا أي إساءة نحو الأخوة القطريين. منذ البداية كنا نقدر ما يقومون به من جهد إنساني ومشرف, ونحن نكن لهم كل الاحترام, ونعتبر ما يقومون به من جهد هو خدمة لكل اليمنيين. عندما سافر الأخوة القطريون اتصلنا بهم, وأبلغونا أنه تم استدعاؤهم للتشاور وتقييم العملية، على أساس أن لديهم الكثير من الوثائق وما تم تبادله ونقاشه، وهم يريدون دراسة ما تم إنجازه وتقييم العملية برمتها.

** يعني ليس ثمة رسالة منك شخصياً أغضبتهم؟ 
*لم يحصل من قبلنا ما يسيء إليهم على الإطلاق, كنا دائماً, سواء في الرسائل, أو الاتصالات, نؤكد احترامنا الكبير لهم، وفي نفس الوقت حين اتصلنا بهم أثناء سفرهم لم نعرف, من خلال الاتصال, أنه موقف على أساس إساءة صدرت من جانبنا, لأنه لم تحصل أصلاً إساءة، وأبلغونا أنه تم استدعاؤهم لتقييم الخطوات التي قُطعت.

** هناك اتصالات مباشرة جرت مع الرئيس، أليس كذلك؟ 
* هناك بعض الرسائل التي بعثناها إليه, واتصالات غير مباشرة، كنا نتواصل مع بعض الأخوة في صنعاء، وهم بدورهم يوصلون الصوت.

** أفهم أنه لم تجرَ اتصالات مباشرة؟ 
* لا. لم يتم اتصال تلفوني مباشر. إنما رسائل مكتوبة فقط، أو تواصل عبر بعض الأخوة في صنعاء.

** ما دمت وقعت على بنود الاتفاق، لماذا لم تلتزم بها؟ 
* المشكلة ليست في الاتفاق. هناك مسألتان: طريقة تنفيذ الاتفاق، والأولويات.

** لكن البنود لا غبار عليها...؟ 
* نعم. الإشكالية هي الأولويات وطريقة التنفيذ، المسألة الثانية: هناك بعض التفاهمات الهامة غير المعلنة، تساعد على نجاح الاتفاق. البعض يقدم طرق تنفيذ معقدة، رغم أن هناك طرقاً كثيرة غير معقدة.

** تحدثت عن تفاهمات، متى تمت؟ 
* التفاهمات من قبل إعلان الاتفاق ووقف إطلاق النار. المسألة الأخرى، أنه تم تطبيق جانب كبير من الاتفاق، لكن كنا نطالب أن يُلحظ أثناء التطبيق، ما لنا وما علينا، وليس ما علينا فقط. ونستاء عندما يركز بعض أعضاء اللجنة على ما علينا فقط. يبذلون كل الجهد لتطبيق ما علينا.

** لكن تصريحات كل أعضاء اللجنة تكاد تجمع على أن هناك عراقيل تضعونها، أو بعض أتباعكم، في طريق المفاوضات؟ 
* يا أخي هناك عراقيل وضعت، وكان المفترض أن لا تكون عراقيل. مثلاً هناك الاتفاق على مسألة خروج الجيش من بيوت الناس ومزارعهم.

** هل هو بند من بنود الاتفاق؟ 
* هذه قضية تم التفاهم عليها. خروج الجيش من بيوت الناس وقراهم. لكن اللجنة لم تلق لها أي اهتمام, رغم أهميتها الكبيرة بالنسبة للعائدين, أو بالنسبة للنازحين.

في نفس الوقت، هي حق مشروع لم يكن ينبغي التعصي عليها. ورغم صدور أمر من الرئيس بذلك، لم نلحظ التجاوب بالشكل المطلوب. لا يزال هناك أكثر من 300 بيت مسكون بالجيش، بينما الأهـالي مشردون.

وهناك الاختلاف في مسألة الأولويات، مثلاً من جانبنا، رأينا أن يوضع بعين الاعتبار الجانب الإنساني، فالمناطق السكنية يكون لها أولوية في إنهاء التوتر والتمترس فيها، وعودة الحياة إلى طبيعتها، وهناك مناطق كثيرة، افترضنا أن يكون لها أولوية، باعتبارها مناطق مسكونة، وسيستفيد كثير, ليس نحن فقط, أو الطرف الأخر.

** بالتأكيد مطالب مشروعة، لكن هناك نقاط اتفاق يجب الخلوص منها، وتنفيذها كاملة, وبعد ذلك أظن أن الجيش سيخرج تلقائياً من هذه القرى والبيوت؟ 
* نحن قمنا بتنفيذ جزء كبير من الاتفاق، أطلقنا الأسرى وأخلينا الجبال في 7 مديريات، أضف إلى ذلك تسليم المديريات والمناطق التي فيها إدارات أمن, ومنشآت حكومية. وعودة الموظفين إلى أماكنهم, في قطابر، وباقم، كتاف، مجز، غمر، وطالبنا أن تستمر العملية في بقية المديريات. نقول للجنة هناك مناطق أكثر أهمية, والحل فيها يمثل إيجابية.

** من يحدد أن هذه المناطق أكثر أهمية؟ 
* نحن نلحظ الجانب الإنساني، وهذه المناطق مهمة لأنها مسكونة، كذلك الجانب الاستراتيجي. المناطق التي توجد فيها الخطوط العامة, المنافذ، المنشآت الحكومية، كل توابع الحياة، النازحون. ليس تعصياً من جانبنا في تنفيذ الاتفاق، نحن نقوم بتنفيذه، ونختلف في بعض الأمور, مثلاً نطالب بوقف الحرب، على شعلل وذويب ولا يتم التجاوب، ونحن نعمل على التفاهم إيجابياً لخلق الثقة والطمأنينة، وفي نفس الوقت، هذا من ضمن الاتفاق. في الفترة الأخيرة حصلت جملة من الاعتقالات، وهذه المسألة تتنافى مع الجهود المبذولة لحل المشكلة. أيضاً يوجد انتشار عسكري مكثف جداً، بطريقة أقلقت المواطنين، وإطلاق النار، كما حصل في مديرية حيدان، مما تسبب في إصابة طفلة. وهكذا تحصل تصرفات كثيرة.

** هم يتحدثون عن خروقات من قبلكم...؟ 
* التقارير التي تتحدث عن خروقات منا، غير صحيحة على الإطلاق، كنا ومازلنا نؤكد على أهمية وجود رقابة لديها المصداقية في النقل, ولجنة لتقصي الحقائق تعتمد على المنهجية الإسلامية الشرعية للإطلاع على الواقع.

** يقول البعض أن هناك إقحاماً للجنة الوساطة في تفاوض مع أتباعك، كالرزامي, وأنت وقعت عنهم أساساً. وهو ما اعتبرته اللجنة توزيع أدوار لكسب الزمن؟ 
* نحن لا نعمل لكسب مزيد من الوقت لأغراض مشبوهة. هناك عوائق ومشاكل موجودة، هي بحاجة إلى حل، ولا يمكن تجاهلها، فهي تسبب تذمر الكثير من الأخوة، فعندما نطالب بحل بعض المشكلات التي تسبب في إبطاء العملية، لا يعني كسب المزيد من الوقت.

** طيب هذه إشكالات ثانوية، وطبيعي أنها تبرز؟ 
* العوائق التي توسع الفجوة، وتسلب الاطمئنان والثقة، الصحيح أن تعالج، وهي قابلة للعلاج.

** هي من الطرفين, ومنبعها الجانبان، وبالتالي تحتاج إلى معالجة، مع المضي في التنفيذ؟ 
* التركيز على ما علينا، وتجاهل مالنا، يسبب مشاكل, ويثير مخاوف بعض الأخوة بعدم المصداقية.

** باعتبار أنك وقعت على الاتفاق، وأصدرت البيان, لماذا لا تتفاوض مع لجنة الوساطة مباشرة، بدل المراسلات مع الرئاسة؟ 
* بالنسبة للجنة الموجودة في صعدة, ولصعوبة اللقاءات, فنحن في العادة نكلف من يذهب إلى اللجنة، ويتحاور معها، في كثير من القضايا، لكن هناك قضايا، نلحظ أن اللجنة بمفردها، لا تستطيع أن تبت فيها, ولا بد من مساعدة من "فوق". وقد لاحظنا إيجابية تدخل القيادة السياسية في كثير من الأمور.

** الأسلحة الثقيلة, هل ما زلتم متمسكين بتسليمها، سيما وأنكم ستسلمون المواقع والجبال، فلم التشبث بها، هل تدخرونها لجولات قادمة؟ 
*الاتفاق لم يتضمن عبارة "ثقيلة"، ليس لدينا ترسانة رهيبة.

** المتوسطة أقصد...؟ 
*نحن لم نكن نمتلك الأسلحة كتنظيم.

** إذاً من مدكم بكل هذه الأسلحة، التي استطاعت الصمود كل هذه المدة؟ 
* ليست المسألة من مدنا، السلاح الذي كان يتوفر لدينا، هو نفسه الموجود لدى كل يمني, لا توجد ترسانة حربية مختلفة, هي أسلحة عادية...

** ما رأيك في استخدام السلاح لتحقيق المطالب أياً كانت؟ 
*دائماً لم نستخدم السلاح لتحقيق المكاسب، أبداً، الأساسية, ولا غيرها. فقط في حالة واحدة: الدفاع المشروع عن النفس, عندما يتم العدوان علينا، ونحن دائماً نؤكد على الحوار، لحل الكثير من القضايا، أو هناك طرق غير طريق الكفاح المسلح، لتحقيق المطالب أو لمواجهة المظالم. وهناك شواهد كثيرة: كانت تتم الكثير من الاعتقالات قبل 2004, على مدى عام, في صعدة, وكان المطلوب تستلمه السلطة وتزج به في السجن. وصبرنا على ذلك.

** في سبيل ماذا. ما هي القضية التي تستميتون في سبيلها؟ 
* أعتقد أنه عندما تشن الحرب علينا، نصبح في موقف الدفاع.

** هذه دولة تريد تأدية وظائفها المعروفة وبسط نفوذها؟ 
* ليست بحاجة لأن تشن حرباً. دائماً نحن نحاور ونتفاهم، وليست في حاجة لشن حرب.

فمثلاً عندما يفرض علينا نشاط ثقافي، أو يفرض علينا توجه سياسي معين ثم نرفض، هنا تعتبر قضية الحرية لنا حق مشروع. الحرية المكفولة بموجب الشرع والدستور والقانون، هذه قضية أساسية لدينا. وعندما نُمنع من نشاط ثقافي, أو يفرض علينا توجه سياسي, ثم لا نقبل به، وتُشن الحرب علينا, نكون في موقع الدفاع.

** أنت تعترف بالدستور والقانون، وتوجد قنوات رسمية يلجأ إليها المواطن في حال تعرض لهضم أو ظلم، أو قمع: القضاء، النضال السلمي, وأشياء كثيرة، غير رفع السلاح في وجه دولة, مهما كان رأيك فيها؟ 
* في كثير من المظالم إما نتغاضى عن البعض، أو نتحدث, أو نشكو, أو ما شابه, أما عند الهجوم العسكري المسلح فهذه مسألة أخرى. ففي الحرب الأخيرة استمرينا, على مدى 3 أيام, نتعرض للضرب الصاروخي والمدفعي, ونحن نصدر بيانات, سواء موجهة إلى السلطة أو للأحرار الشرفاء. وكنا حاضرين للتفاهم والحـوار.

** لكن نحن كمتابعين لا نعرف من البادئ كي نقول أن الدولة شنت حرباً عليكم أو العكس؟ 
* عندما فرضوا التعتيم الإعلامي المطبق على المنطقة كان, بالدرجة الأولى, لتغطية كثير من الأمور، فلذلك هم كانوا محتاجين للتعتيم الإعلامي في المنطقة, ولم يفتحوا المجال للآخرين لمعرفة الحقيقة، وترك المجال للوسائل الإعلامية المتحيزة لتنقل الواقع.

المواجهة الأولى في الحرب الأخيرة كانت في مذاب, وأرسلنا رسالة للرئيس على أساس لجنة تحقيق تصل إلى نتيجة من هو المبتدئ, وما إذا كنا نحن المبتدئين نحن مستعدون أن نتحمل أي مسئولية.

** هل تجاوبوا إزاء هذا الأمـر؟ 
*لا، لا, لم يتجاوبوا. كان هناك حتى ترتيبات إعلامية لشن الحرب, على مدى شهر كامل. وكثير من المراقبين والإعلاميين لا يهتمون بالأحداث, إلا عندما تصل إلى ذروتها.

** حتى خطابكم لا يحمل الكثير من المعلومات, هو في أغلب الأحوال شعارات لتأجيج العواطف، ولا يستطيع المتابع القبض على حقيقة أو معلومة؟ 
*قلنا التعتيم الإعلامي هو لغرض حجب حقيقة من المبتدئ، وحجب المظالم في الميدان. وكنا، ومازلنا، في بداية الحرب, وأثناء الحرب, نؤكد على أهمية تشكيل لجنة تحقيق من عدول اليمن, وعلى أن تعتمد المنهجية الإسلامية والقانونية, للوصول إلى الحقيقة. الأمر الآخر في صعدة أناس كثيرون يعرفون الكثير من الحقائق, إنما كيف ترفع حالة الخوف ليقول الكل الواقع, ويكونوا بمثابة الشهود. نحن، ليست لدينا مشاريع حربية وقتالية. نحن نأسف لما يحصل...

** لكن ما يجري على الأرض هو أنكم تُخضعون مناطق تحت سيطرتكم ونفوذكم؟ 
* المشكلة, المشكلة ليست من جانبنا, نحن ضحية بالدرجة الأولى.

** ما يحصل هو إخضاع مساحات لهيمنتكم؟ 
* لا, هو يحصل نتيجة الحرب, لكن ما حدث بعد الحرب، هو تسليم المناطق ورد الحقوق وإخلاء المديريات, وتسليم الخطوط والمنافذ الرئيسية إلى المملكة العربية السعودية, وما شابه.

** حينما تأتي الدولة بكل قيمتها السياسية والأخلاقية لتحاوركم، بوصفكم جماعة مسلحة، هل هذا مدعاة لأن تكونوا أكثر ليونة وانصياعاً لجهود السلام؟ 
* نحن لم نكن جماعة مسلحة. ومسألة السلاح ليست قضية أساسية، فهو ليس وسيلة أساسية لدينا، هو لضرورة الدفاع فقط, ونؤكد دائماً أننا مستعدون للتحاور والتفاهم، وعلى الأسس المقبولة لدى الكل.

** كل مواطن يُحجر عليه التعبير الثقافي يحمل السلاح...؟ 
* المسألة عندما يُعتدى على الإنسان، عندما يهاجم، يضطر للدفاع.

** قبل فكرة "الحوثية" كانت النبرة المذهبية معدومة, أو لنقل خافتة, فلماذا بعثتموها مجدداً بهذا الزخم؟ 
* أول من بدأ استخدام هذا الخطاب, هو الإعلام المحسوب على السلطة. الصحف المحسوبة على السلطة، هي بدأت الحديث بهذه النبرة. ثم في الواقع نفسه حصلت بعض التصرفات، فمثلاً في محافظة صعدة_ شيء معروف ومؤكد لا يمكن إنكاره من عاقل أو فاهم_ تم إغلاق المدارس التي كانت تدرس الفكر الزيدي بشكل عام, حتى غير المحسوبة علينا, توزيع المنشورات التكفيرية في المحافظات. نحن لسنا مع إثارة النعرات المذهبية، لكن هناك جهات تتحرك في الميدان تحت عمائم مذهبية.

** أنتم تستخدمون التكفير أيضاً...؟ 
نحن ضحية مثل هذه الأمور، ولا نعتمد الخطاب التكفيري. هناك جهات تستخدم الخطاب الديني ضدنا, وهذا معروف حتى أثناء الحرب, أنت تعرف وغيرك أنه تم تغيير الخطاب الديني والفتاوى ضدنا.

** أنتم أيضاً تستخدمون الفتوى لشحذ حماسة المقاتلين؟ 
*ليست مسألة فتاوى, في الواقع عندما يُعتدى على الناس، هم أنفسهم تلقائياً يعرفون أن لهم حقاً مشروعاً في الدفاع عن النفس, أي ليس على أساس تكفير، ولكن على أساس مواجهة عدوان. أنت تعرف اجتماع جمعية علماء اليمن, وتعرف الفتاوى التي صدرت ضدنا.

** لو دولة معينة، ليس اليمن فحسب، أرادت إلقاء القبض على رمز سياسي أو ديني, بتهمة قد لا تكون صحيحة، هل هذا يجوّز له الممانعة والمواجهة بالسلاح, أم عليه أن يذعن, ولو كانت الدولة تعتقد خطأً أنه مذنب؟ 
* قلنا منذ البداية، نحن كنا نؤكد أننا مستعدون للإنصاف من أنفسنا. لكن عندما كانت هناك تعاملات حتى غير قانونية, وهي استهداف عسكري بالدرجة الأولى, كانت تتم الأمور على هذا النحـو.

ونحن نأمل إن شاء الله أن تصير الأمور إلى خير، نحن لا نريد تسخين بعض الأمور, نحن في مرحلة حوار، وأملنا كبير. ونؤكد تمسكنا بالاتفاق, وأن يتم تنفيذ ما لنا وما علينا, وأن تحل بعض الأمور بالتفاهم بشأنها. وأملنا كبير بأن يتحقق السلام.

** يعني أن الوساطة القطرية ستستمر، ولم تفشل بعد؟ 
* لا. لا ( لم تفشل). وإن شاء الله يتم الاتفاق إلى خير.

** إذا تم الاتفاق هل ستغادر إلى الدوحة؟ 
* الآن المسألة المطروحة هي القضايا الأساسية.

** لكن هل ستغادر, هذا هو سؤالنا؟ 
*قدمنا للجنة بشأن هذا الموضوع, باعتبارها المعنية.

** هل حسمت هذه المسألة؟ 
* نحن مهتمون ببعض الأمور الأولية.

** لكن هل في اعتقادك أنك ستغادر إلى الدوحة, نريد أن نعرف؟ 
*كما أكدت تم إيضاح المسألة للجنة.

** لماذا لا توضح لنا نحن أيضاً؟ 
*(يصمت).. شكراً ، شكراً.

** نسمع أن الرزامي يختلف معك في بعض وجهات النظر، حيال الاتفاق، وأن اللجنة تتوسط بك عنده؟ 
* الأخ الرزامي يتذمر من بعض الأمور غير الإيجابية في الواقع. هي مسألة تذمر من أمور تحدث على الأرض, مثل زيادة الحشود العسكرية, وتواجد الجيش في القرى والمدارس والوحدات الصحية، والاعتقالات، الكثير من الأخوة يتذمرون.

** ما يزال هذا التذمر قائماً حتى اللحظة؟ 
* التغيرات الإيجابية على الأرض سيكون لها التأثير الكبير من الاطمئنان لدى الجميع.

** ماذا تود أن تضيف؟ 
*نحن نؤكد على أهمية القيادة السياسية في الدفع بالأمور نحو الاتجاه الصحيح. عندما تتوفر الإرادة, كل الأمور قابلة للحل, وكل المشاكل يمكن حلها.

** وسنسمع قريباً اتصالات مباشرة بينك وبين الرئيس؟ 
* هذه مسألة لا يوجد فيها ممانعة من جانبنا
................

رائحـة حرب!

محمد العلائي

الجمعة 21 مارس - آذار 2008 07:21 م

ليس مهرجان الحسينية الفلكلوري وحده هو التقليد السنوي. ثمة تقاليد تنشأ في الخفاء، عادة.
ففي كل عام، تقريباً، أصبح الرئيس يمارس شعائر طقسية سياسية نمطية، ومحفوظة عن ظهر قلب. كأن –على سبيل المثال- يتخذ من الحديدة سنوياً منصة لقصف الخصوم.

الحديدة ليست بالمكان الملائم لهذا الدور. بيد أن الرئيس، ومن منظور غامض جداً، ليس له علاقة بالسمات الشخصية للرجل التهامي، يواظب على إقامة شعائر "رمي الجمرات" من المكان ذاته.

في الحديدة، الأجواء ساخنة، لكن يتمتع الناس هناك بسرائر نقية للغاية، وطباع غير عدوانية بالمرة. كما ويتسم الرجل التهامي، فوق كل شيء، بكونه غير مولع بالحرب.
صباح السبت بدا الرئيس في الحسينية فتياً، وممتلئاً. ولئلا يبدو كرجل تماثل للشفاء قبل بضعة أيام، فقد خلع سترته وطوى أكمام قميصه إلى المرفق، حيث لاح أن ساعديه مفتولان وقويان. كان المعنى شديد الوضوح: "ها أنا أكثر قوة مما تتوهمون".

بدأ الفرسان يلعبون. وفي حين أخذت الخيول والهجن تجول في المضمار، كان الرئيس يتأهب بشكل جيد للنزول إلى مضماره.

إنها الحرب يا صاح. ويخرج البطل لابساً لامة القتال والطيلسان وقد انتضى سيفه، كما في أفلام الأساطير.

"نحن شعارنا الوحدة أو الموت، ومن لا يعجبه فليشرب من البحر الأحمر أو البحر العربي"، هتف الرئيس في الجموع.
لطالما رفع هذا الشعار، لكن في ظروف حرب حقيقية. فعندما أحكم الملكيون قبضتهم على صنعاء عام 1968، رفع الجمهوريون، لإلهاب حماسة المقاتلين، شعار "الجمهورية أو الموت".
كانت اللحظة مواتية.
والشعارات ليست في كنهها إلا اختصاراً مكثفاً للقضايا والمثل، التي على المرء أن يستبسل دفاعاً عنها. ومن المعلوم أن الشعارات التي تعلي من شأن الموت وتحتفي به، وتبجله، وتحث عليه، لا تكون مستساغة أخلاقياً، وحتى سياسياً، إلا في ميدان القتال، حيث تتقلص كافة الخيارات ويصير الموت، والدماء، والأشلاء، الخيار رقم (1).

في خضم حرب صيف 94، هتف المقاتلون بالشعار نفسه مع تحوير بسيط: "الوحدة أو الموت".

هل كان الرئيس بحاجة فعلاً إلى التلويح بهذا الشعار؟ الأمر المؤكد أنه ما من قوى غامضة تعد العدة للانقضاض على الوحدة. كلما هنالك أناس عزل يعربون عن غضبهم بالصراخ.

فمن الذي سنستميت في مواجهته. ثم إلى أي حد باتت خيارات الرئيس مستنفدة في تعاطيه مع قضية أقل تعقيداً مما يفكر.
في الواقع، تصلح شعارات الموت للحروب التي تخاض من طرفين متكافئي القوة والعتاد.
وبالنظر إلى القوى التي يشير إليها الشعار، سنجد كم كان الرئيس مخطئاً.
لقد خانته حصافته المعهودة هذه المرة. إنه يعلن الحرب على الفراغ، هذا كل ما في الأمر.
والحق أن الشعار لم يكن ليخضع للتأويل والتمحيص والتحليل، لو لم يكن هو بالذات العنوان الذي اتخذته كلمة صحيفة الجيش "26 سبتمبر"، الخميس الماضي.

كان شعار صحيفة الجيش هذه المعادلة: "الوحدة أو الدم".

وإذ اكتست صيغة الصحيفة بالدم، بما هو مفردة مثقلة بالدلالات المقززة والمفزعة، فإن صيغة الرئيس التي يقف بأحد طرفيها الموت عوضاً عن الدم، أقل إثارة لمشاعر الاشمئزاز. فالموت يستحضر إلى الذهن النهاية الطبيعية لأي إنسان، بينما الدم يرتبط تلقائياً بالقتل في أبشع صوره.

غير أن كلا الشعارين مستفزان، وينمان عن المنحى الكارثي الذي آلت إليه الأمور في البلد.
يقول العميد علي السعدي -عضو مجلس تنسيق المتقاعدين- في تعقيبه على ذينك الشعارين: "إن ما قالته صحيفة 26 سبتمبر في كلمتها، لدليل على الاستفزاز الذي تقوم به القوات المسلحة، لقوات الجنوب، وهم منطلقون من سياسة المنتصر والمهزوم".
يتحدث السعدي كما لو كان زعيماً انتهكت سيادة أراضيه عنوة.
وقد أضاف بمرارة رجل مغدور: "لقد تجاهلوا أننا دخلنا في وحدة شراكة، وأن في عمر التاريخ لم تكن هناك وحدة بالقوة".


وأضاف: "تكرار الأخ الرئيس للشعار في الحديدة تأكيد على أن هذا توجه رسمي. وأن مثل هذا التهديد والوعيد لا يأتي بنتائج إيجابية إطلاقاً". كان السعدي يتحدث على الهاتف، عندما التقطت أذناي أصواتاً جماعية تردد هذه الأهزوجة المروعة: "بلادي بلادي بلاد الجنوب".

بالطبع ليس خيار الانفصال موفقاً، ولا معقولاً. وبالمقابل لا يفعل شعار الموت غير إذكاء المزيد من الكراهية والتنافر.

يقول عبده المعطري، وهو رئيس جمعية المتقاعدين في الضالع: "نحن قلنا صدورنا عارية، وسننتصر وصدورنا عارية".
لا يكف الحراك الجنوبي عن تأكيد مساره السلمي عند كل منعطف. وبإزاء شعار "الوحدة أو الموت"، قال السعدي لـ"المصدر": نحن اخترنا الخيار السلمي مهما عملت السلطة، سيكون عملنا سلمياً والعالم يشهد على بطش وطغيان النظام لأبناء الجنوب المسالمين، الذين دخلوا في وحدة شراكة وألغيت هذه الوحدة بالحرب. حيث أُجهضت شراكة الجنوب. ولم يتبق إلا نظام الجمهورية العربية اليمنية".

من الواضح أن الغلو في المواقف بات يتسيد النقاش. ورغم أن في المتناول وفرة من الحلول الواقعية والعملية التي هي كفيلة بالحؤول دون التفكك، الذي ثمنه الدم كما تقول سبتمبر، أو الموت، بحسب تقدير الرئيس، إلا أن الجميع يشد الرحال إلى بؤرة الهلاك.

لا شك أن هناك خطابين فعاليان ومتضادان تماماً. فصباح الخميس كانت صحيفة 26 سبتمبر ترتل هذا المونولوج الهذياني: "الشعب وقيادته يدركان كيف يتم الدفاع عن الوحدة (...) وكيف سيلقن كل الواهمين الهزائم والدروس البليغة في صيانة المصالح الوطنية".

وذهبت إلى القول: "سيموت كل الحاقدين والواهمين من أعداء الوطن ووحدته، وحريته بغيظهم وكمدهم، وخيبتهم، ويكون منتهاهم مقبرة التاريخ".

لكن يحلو للمعطري أن يرد على هذا النحو: "هذه وحدتهم هم، نحن قادة عسكريون نعرف فنون القتال العسكري، لكننا رفعنا أيدينا وطالبنا حقوقنا سلمياً".

وعلى العكس من الكل، يطمئن الرئيس شعبه بهذه الطريقة: "البلد موحد، والبلد في أمان، ولن يحدث شيء، وكل ما نراه زوبعة وبقايا حقد من موروثات تشطيرية وإمامية، وتخلف".
قال كل ذلك بعد أن انتهى لتوه من تمزيق الوطن إرباً كشطائر العجين: "إماميين، ومخلفات استعمار، ومدارس طالبان". 

الثلاثاء، 23 نوفمبر 2010

بلد عالق بين إصبعين من أصابع الرياض

لماذا لا يمكن للمساهمة القطرية في صعدة أن تعبر أجواء المملكة بسلام؟


محمد العلائي - 05/02/2008

لم يكتب للدور القطري في صعدة النجاح، على الأقل حتى هذه اللحظة.
ففي حين كانت صحيفة الراية القطرية تتغنى، السبت الفائت، بدبلوماسية قطر المثابرة، "والتي تتحرك على أكثر من واجهة عربية لحل الخلافات الطارئة في إطار البيت العربي"، كان طرفا النزاع في صعدة يستأنفا القتال بتعطش تلا بضعة شهور من الاسترخاء.

إخفاق المساهمة القطرية، والتي بالتأكيد لا تخلو من نوايا حسنة مضمرة لكلا الطرفين، يجيء في الوقت الذي تنحسر فيه العلاقات اليمنية السعودية على نحو شديد الخطورة.

لم تجهر الرياض قط –كما هو دأبها- بالاعتراض على بلوغ الدبلوماسية القطرية المغضوب عليها، مضارب النفوذ السعودي. لكن الصمت المطبق إزاء حروب صعدة المتتاليات ليس مريباً فحسب، بل هو يحمل في ذاته الكثير من آيات الاعتراض.

إنه صمت الأقوياء. الصمت الذي بلسان متهدل ويقول كل شيء..
في الواقع السعودية أكثر من مجرد جارة. فهي حيال اليمن لا يمكن أن تظل دائما في مربع المراقب مكتوف اليدين. وحين ينفلت عقال الأمور من قبضتها ما تلبث أن تشحذ همتها لاستعادة السيطرة (المحتومة).

لا بد أن آل سعود برعوا في الرسم منذ عشرينات القرن الماضي. لكن ليس الرسم على الجدران، أو على الورق المقوى أو ما شابه. لقد كان الأميران خالد بن عبدالعزيز وشقيقه فيصل يجريان بروفات لشكل اليمن الحديث جغرافياً. كان ذلك في عسير ونجران وعلى أطراف صعدة..

وحينما وصلت جحافل الجيش السعودي إلى ميناء الحديدة في مايو 1934، وجد الأميران أنهما أخطآ في الرسم.

كان عليهما- وهما الأكثر عتادا وقوة- ان يكتفيا بنجران وعسير وجيزان، والعودة أدراجهما.

وبعدما انكسرت شوكة جيوش الإمام يحيى، التي لا تقوى على عواصف الصحراء وقيظها، جنح للسلم. لكن وفق شروط بالغة القسوة.

في 19 مايو 1934 وقع الجانبان، المهزوم والمنتصر، على وثيقة الطائف الكارثية، التي جاءت بعد حرب خاسرة، بالنسبة للمملكة المتوكلية، دامت 7 أسابيع.

ولقد نصت وثيقة الطائف على ضم إقليمي عسير ونجران (الثريين) إلى حيز المملكة العربية السعودية.

وهذا بعض ما قالته في مادتها الثانية: "إن جلالة الإمام الملك يحيى يتنازل بهذه المعاهدة عن أي حق يدعيه باسم الوحدة اليمانية أو غيرها في البلاد التي كانت بيد الأدارسة أو آل عايض، أو في نجران وبلاد يام".

مذاك ونحن لا نكف عن التنازل، اعتبارا من ذلك "الطائف" المشئوم.

على مدى التاريخ السياسي الحديث لليمن لا نكاد نعثر على مساهمة سعودية لحسم صراع يمني داخلي.

فالعادة درجت على أن النظام السعودي في مقدوره تأجيج الافتراقات والشروخ في هذا البلد أو المشاركة في توجيه دفتها، بيد إن خلافا لم يحسمه على الإطلاق.

والحق انه ما من معطى تاريخي واحد يشير إلى أن السعودية تدخلت يوما لرأب الصدوع الداخلية، وبحيث تظل على مسافة متساوية من جميع الأطراف. لكأنني أسمع الآن من يتمتم في سره: على رسلك يا صديقي... وماذا بشأن المصالحة الوطنية عام 1970، وقبلها مؤتمري الطائف وحرض؟

هذه تمتمة وجيهة لا شك. لكن علينا أن نتذكر، قبل كل شيء، أن السعودية التي كانت تناصب الأئمة العداء، هرعت في 1962 إلى إنقاذهم من بين فكي عبدالناصر والثوار في صنعاء. بعبارة أخرى: لم تهرع للمصالحة وحسم الموقف بل للتموقع بين صفوف الملكيين ومحاربة الناصرية عبرهم.

وعليه فمؤتمر المصالحة الوطنية، الذي التأم في جده 27/7/1970، كان يضم ثلاثة وفود كلها معنية بالأمر، ولا من وسيط يذكر. فإلى الفريقين، الملكي والجمهوري، كان يقف بالمقابل الفريق السعودي، الذي سلمته القاهرة زمام الأمور في اليمن.

كان منطق الوفد السعودي هو القول الفصل. (بموجب مؤتمر جدة للمصالحة اعترف النظام السعودي أخيراً بالجمهورية الوليدة).

وكيفما كان الأمر، ففيما يتعلق بلقاء جدة للمصالحة لم يلعب الفريق السعودي دور الوساطة المحضة. لقد كان خصم الجميع وحكمهما في الآن نفسه.

أما ذينك المؤتمران (حرض والطائف) اللذان عقدا في 1965، فلم يفضيا إلى شيء عملي.واشتركت السعودية في كلا المؤتمرين بذات الصفة التي اشتركت بها لاحقاً في 1970: أي خصم ثالث وحكم.

وعلى كلٍ، لا يمكن العثور في المرويات التاريخية على صلح يحمل ماركة سعودية. ومعلوم أن الرياض لم تعترف بجمهورية صنعاء إلا بعد أن رتبت لها موطئ قدم جيد في الصف الجمهوري. والمؤكد ان هذا الموطئ هو بالذات الذي أطاح بالرئيس عبدالرحمن الإرياني من منصبه عام 1974، على حين غرة، وأودى بحياة الرئيس الحمدي في 1978، وأتى بالرئيس علي عبدالله صالح إلى سدة الحكم في العام نفسه.

وعندما حاولت أن توجد لها موطئ قدم في المقلب الآخر من اليمن تطايرت رؤوس. لعل أبرزهم وزير الخارجية في جمهورية اليمن الديمقراطية محمد صالح مطيع، الذي أعدم بسبب تخلفه عن وفد علي ناصر محمد في السعودية لبعض الوقت.

كان مطيع من مؤيدي الانفتاح على دول الجوار بما فيها الرياض، الا ان رومانسية الحزب طوحت برأسه.

وفي الشمال أزيح عبدالله الأصنج وزير الخارجية ومحمد سالم باسندوه وزير الثقافة بتهمة التخابر مع السعودية أيضاً، على الرغم أن رأس النظام ومراكز التأثير في البلد كانت أبعد من مجرد حليف آنذاك.

في 1991 حين حاول الرئيس علي عبدالله صالح أن يصعر خده للمملكة أثناء أزمة الخليج، كانت السعودية تمتلك احتياطيا ضخما من أوراق الابتزاز( العقابية)، ابتداء بطرد العمالة اليمنية وانتهاء بمساندة الحزب الاشتراكي في حرب صيف 1994 (يقال أنها كانت مساندة صورية ليس الا، وأن الملك فهد هاتف صالح حاثا اياه على سرعة حسم المعركة وتخليصهم من الحرج).

في 2002 وقعت اليمن والسعودية اتفاقية ترسيم الحدود في جدة. هذه الاتفاقية لا تتجاوز كونها مباركة لوثيقة الطائف لا أكثر ولا أقل.

وفي مطلق الأحوال، فالسعودية والغة في تفاصيل السياسة اليمنية بطريقة أو بأخرى. وإن لم يتوافر ما يدل على أنها وراء فشل الوساطة القطرية، فإن التزامها الصمت هو "الفيتو" في أبلغ صورة.

المساعي التي تعبر أجواء السعودية لا بد أنها ستمنى بالفشل في نهاية الأمر. فاليمن بلد يراد له أن يظل بين أصبعين من أصابع الرياض تقلبه كيفما تريد، انطلاقاً من حسابات لها علاقة بالأمن القومي السعودي، وفكرة الثقل الإقليمي للبلد فاحش الثراء والقوة.

إنها للعبة شريرة بقدر ما أنها مثيرة... وملتبسة.

البحث عـن اليقين المفقود


عن مفهوم إعادة الإعمار وارتباك أداء الإعلام الحكومي، وتحالف تجارة المخدرات والسلاح
محمد العلائي - 05/08/2008
الحرب صعبة دائماً. وأكثر صعوبة منها هو معالجة آثارها (الإنسانية والسياسية والاجتماعية، وحتى الثقافية والنفسية). هذا فضلاً عن إعادة إعمار الدمار المادي.
لكن صعدة ما تزال تختنق تحت الأنقاض. فبالنسبة إلى محافظة كانت مسرحاً لحرب ضروس عمرها 4 سنوات، لا يكفي مجرد إعلان وقف إطلاق النار وتركها تلعق جراحها منفردة.
هذا ليس عادلاً، مثلما أن الحرب لم تكن، هي الأخرى، لا عادلة ولا منطقية. لقد مضى 18 يوماً على إعلان الرئيس انتهاء العمليات العسكرية. وبدلاً من الانهماك في وضع البرامج والخطط والسياسات اللازمة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، راح الجميع يتبارون في صوغ الكلمات الرنانة التي تمجد حكمة الرئيس ووطنيته وتفوقه الأخلاقي. والواقع أن صعدة لم تتخط بعد منطقة الخطر.
الأسبوع الماضي، نقل أشخاص من صعدة جانباً مما يجري بعيد انتهاء الحرب. كانت الصورة على هذا النحو: انفلات أمني مستمر، تسوية حسابات ما بعد الحرب، تحرك نشط لأنصار الحوثي لالتقاط ما يكفي من الأنفاس تحسباً لأي مواجهة قادمة، حملات تأديب لكل من آزر القوات الحكومية.
مطلع هذا الأسبوع، عادت لجنة الإعمار أدراجها في صنعاء. الملفت في الأمر أن عودة اللجنة، التي تشكلت نهاية يوليو الفائت، ويرأسها عبد القادر هلال وزير الإدارة المحلية، لم تكن طبيعية. ذلك أنها جاءت بعد محاولة اغتيال تعرض لها موكب اللجنة أثناء وصولها إلى منطقة نشور، حيث اعترضت سيارة "جيش" مسيرة الموكب، وفقاً لموقع "نيوز يمن".
وعلى مدى بضعة أيام واجهت اللجنة المصغرة، التي ينحصر دورها في تقدير الأضرار التي لحقت بالممتلكات العامة والخاصة، أوقاتاً عصيبة.
منتصف الأسبوع الفائت، مُنعت اللجنة من بلوغ منطقتي آل الصيفي وآل حميدان. وبحسب صحيفة الخليج الإماراتية، فإن اللجنة تعرضت لإطلاق نار في المنطقتين المذكورتين للحيلولة دون بلوغهما "بحجة أنها (اللجنة) لا تملك إذناً بالدخول إلى المناطق من قيادات الحوثي".
والراجح، أن عودة لجنة هلال إلى صنعاء ستكون نهائية. فالرجل المعروف بدأبه قرر في حديث لـ"نيوز يمن" أنه لن يعود إلى صعدة، شارحاً أن "المحافظة بحاجة لتعاون مسؤول وجاد لبناء السلام بعدما أحدثته الحروب في الميدان من تعقيدات".
جيد أن يعترف مسؤول حكومي رفيع بالتعقيدات الناتجة عن الحرب. وهذا بالطبع لأنه اطلع عن كثب على هول الدمار الذي خلفته الحرب على الأرض وفي النفوس والطبائع البشرية.
 والحال أن مفهومنا حول إعادة الإعمار ما يزال قاصراً للغاية. ومنذ تشكيل لجنة الإعمار بقرار من مجلس الوزراء، والتصور الذي طرأ على الأذهان بشأن طبيعة المهمة التي تضطلع بها اللجنة لا يتعدى بناء وترميم المنشآت التي تعرضت للهدم والدمار. وعلى الرغم أن هذا مهم ويندرج ضمن المعالجة الشاملة لآثار الصراع، إلا أن ثمة معالجات أخرى تقتضيها عملية المصالحة وتثبيت الاستقرار وديمومته (لها علاقة برأب الصدوع الاجتماعية والتأهيل النفسي لمن مستهم الحرب مباشرة).
وعبر التاريخ اشتهرت خطط ذكية لإعادة إعمار ما دمرته الحروب. وفي منتصف القرن العشرين ذاعت خطة مارشال لإعادة بناء أوروبا التي صدعت أركانها الحرب العالمية الثانية. ولمن لا يعرف فصاحب هذه الخطة هو جورج مارشال وزير الخارجية الأمريكية حينئذٍ. ولقد أعلن عن خطته الذكية خلال خطاب ألقاه في جامعة هارفارد عام 1947، استغرق 12 دقيقة. وكانت تهدف الخطة، التي هي عبارة عن مساعدات مالية كبيرة، إلى مكافحة الجوع والفقر واليأس والفوضى.
وبالفعل نجح مارشال في إخراج أوروبا من المأزق. فمبادرته هيأت الظروف السياسية والاجتماعية "التي يمكن للمؤسسات الحرة الوجود والبقاء فيها"، طبقاً لما جاء في كلمته.
وفي صعدة الناس تنتظر، إلى جانب المعالجات الاقتصادية، وضع برنامج عمل كفء ومثابر لتوفير مناخات اجتماعية وسياسية نقية وصالحة للحياة.
عودة هلال تنذر بالخطر. وفي حال كان قرار وقف الحرب يستند إلى أسس صحيحة واستراتيجية، فإن اللازم تفرغ الحكومة بالكامل لإعادة إعمار صعدة وإغلاق الملف نهائياً، عوضاً عن ترحيله.
على المستوى الآخر، انقشع غبار المعارك في صعدة، عن نشاطين قلما يفترقان: تجارة السلاح وتجارة المخدرات. والتحالف بين هذين الأمرين مديد. وفي حين راجت أخبار شاحنة السلاح التي تم ضبطها على مداخل صعدة بعد يومين من وقف الحرب، فقد نشر موقع "سبتمبر نت" أمس خبر عن إحباط أجهزة الأمن في الملاحيظ محاولة تهريب 18 كيلو جرام من الحشيش.
المعلومات الواردة من صعدة تؤكد ازدهار تجارة المخدرات والسلاح، لاسيما تحت عباءة الحرب.
وبات امتهان ذينك النشاطين كفيل ببناء إمبراطوريات مالية في وقت قياسي جداً.
على صعيد متصل، يواصل الإعلام الحكومي ارتباكه. فالواضح أنه لم يستطع حتى اللحظة ضبط إيقاع خطابه تجاه الحوثي. وفيما كانت "26 سبتمبر" تنعت الحوثي بالإرهابي، كفت عن ذلك فور إعلان الرئيس وقف الحرب.
غير أن الإذاعة اعتمدت لهجة أكثر حدة تجاه الحوثي.
وفي الوقت الذي تقضي بنود اتفاقية الدوحة بالإفراج عن كل المعتقلين على ذمة الحرب، بدأت النيابة الجزائية المتخصصة أمس التحقيق مع 3 حوثيين متهمين بامتلاك مطبعة في عدن تستخدم لنشر كتب خاصة "بالفكر الإمامي المختلف"، حسبما قال موقع "المؤتمر نت". ليست القصة هنا. القصة في الطريقة التي تعامل بها موقع الحزب الحكم مع الخبر. فقد نعت تلك العناصر بأنها خلية إرهابية تابعة للمتمرد عبد الملك الحوثي. ونقل الموقع عن مصدر أمني أن أفراد الخلية كانوا ضمن "لائحة مطلوبين أمنياً على ذمة التعاون مع عناصر الفتنة والإرهاب التابعة للإرهابي الحوثي". هكذا كتب الموقع. فهل هذا مؤشر تصعيد إعلامي يسبق استئناف حرب سادسة؟ أم أنه عدم وضوح في الرؤية بسبب سوء الأحوال الجوية؟!
منطق الأشياء يقول إن المصالحة والسلام تقتضيان لين القول الواحد تجاه الآخر. هذا بالنسبة للكلام. فكيف سيكون الحال عندما يعمل فريق الوساطة في صعدة لإنفاذ الصلح، في الوقت الذي يخضع عناصر من أتباع أحد أطراف النزاع للمحاكمة والسجن والمطاردة. إنها لمفارقة يصعب القول معها إن السلام هش، لأن ثمة من يقتنص القائل ويضعه في خانة "تجار الحروب" القاتلة.
الحرب تعبير مجازي عن الفقدان والضياع والتيه. وفي دوامة حرب صعدة، أحد أشد الصراعات تعقيداً وغموضاً ومأساوية، فقدنا أشياء كثيرة وجسيمة: الأرواح، والأموال، والمساكن، والزروع، والأمن، والتآلف، والثقة، والتعايش الخلاق. ثم إننا خسرنا أيضاً بقايا الدولة "الخداج"، أو "شبه الدولة"، على حد تعبير الكاتب الأردني خيري منصور.
وفوق هذا وذاك فقدنا شيئاً آخر، أكثر أهمية وفداحة مما نتصور: لقد فقدنا اليقين وغرقنا -أفراداً وجماعات- في بحر من الأوهام.
يفترض البشر، عادة، أن لدى الأشياء قابلية للتفسير والشرح على الدوام. وفي المسائل (الماورائية) المبهمة، والمتعالية عن الفهم، لا يقف الإنسان عاجزاً أمامها، بل يستنجد بالأسطورة والخرافة، لتنزيل المبهم من عليائه وقهره وتحويله إلى محكي بسيط وواضح، إلى درجة السذاجة أحياناً. إنه تأكيد عميق لحاجة إنسانية متأصلة، قبل أن تكون حاجة سياسية أو ثقافية آنية.
 في خضم حرب صعدة فقدنا اليقين والمعرفة معاً. سنكف، لبعض الوقت، عن الحديث بشأن ما إذا كان من حق الأمة، وفق التقليد الديمقراطي، الاطلاع على بواطن الأمور التي تمس ذاتها وسكينتها الداخلية، ومعرفة تفاصيل تافهة من نوع: من أطلق النار، ولماذا، وكيف انتهى؟ باعتبار أسئلة من هذا القبيل: "تجارة حروب وتحريض، وتطرف".
سنتحدث هنا عن الرغبة في المعرفة بوصفها حاجة فردية أكثر منها جماعية. وبالتالي فالسؤال عن "كيف انتهت الحرب"؟ يوازي السؤال عن "كيف بدأت"؟ والسعي خلف الإجابات لا يعد، بأي معنى كان، استبشاراً باندلاعها، ولا امتعاضاً لانطفاء جذوتها. والسبب بسيط: أنت إنسان أكثر عندما تسأل وتلح لكشف سر الأشياء. لن نقول: أنت سياسي أكثر حينما تعرف أكثر، لأن التفوه بمثل هذه المقولات حالياً معناه أن تسمح لنفسك بالتورط في الحرب!.
ولئن بدا هيناً مصادرة حق المعرفة باعتباره مطلباً سياسياً للشعب، فإن أحداً لن يستطيع مصادرته كمطلب إنساني غريزي كامن في النفس.
الذي يرغب في دوام الحرب مأزوم أخلاقياً. وبالمقابل، فالذي يحاول منع الآخرين من التساؤل والتمحيص والتفسير مأزوم بنفس القدر وأزيد.
على أن قرار وقف الحرب ليس سهلاً دائماً. في 1988، حين وقف آية الخميني ليوجه الجيوش الإيرانية بوقف إطلاق النار، بدا حزيناً وبائساً. وقد عبر عن تلك اللحظة بهذه الجملة المكثفة، التي تصف لحظة إنسانية قبل أن تكون سياسية: "إنني آمر الجيش الإيراني بقبول وقف إطلاق النار شاعراً أنني أتجرع كأساً من السم".
بالنسبة للخميني، كانت الحرب التي دارت رحاها مع العراق وطنية وواضحة. وحين قرر وقف إطلاق النار، كانت الأراضي الإيرانية مكتظة بأشلاء "الاستشهاديين". عسكرياً كان الخميني مهزوماً، لكننا سنكتشف أخيراً أن صدام حسين هو الذي سيجرع مرارة الهزيمة لاحقاً. ولقد تحول ذاك النصر إلى أنشوطة حمراء على عنقه في 2006.
ومنطقياً لا يوجد شعب يعفي رئيسه من المساءلة والتحقيق، سواء في بدء الحرب أو عند انتهائها، دون أن يقول أحد أبداً أن المساءلة هي المعنى الضمني للرغبة في دوام الحرب.
لقد فقدنا اليقين وفقدنا المعرفة وفقدنا القدرة على الإنصاف أيضاً. وعلى مدى الـ18 يوماً المنقضية منذ إعلان الرئيس، انخرط بعض الصحفيين باندفاع وعاطفية مجنونة لتحميل أطراف، لم تطأ يوماً أقدامهم حلبة الصراع الملتبس هذا، تبعات حرب "شخصية بأكثر من اللازم، وعاطفية بأكثر من اللازم وعسكرية بأكثر من اللازم"، بحسب وصف زينغو بريجنسكي -مستشار الأمن القومي الأمريكي في ولاية جيمي كارتر- لحرب الخليج الثانية 1991.
لم تتضح بعد ملامح الصراع، وإن بدأت تلوح بعض علاماته. على المستوى الداخلي، مثلاً هناك مثلث مشؤوم يعبث بأمن البلد: الحوثي، الرئيس، علي محسن.
لكن تميل معظم الصحف في مقارباتها للصراع إلى النأي بأحد هؤلاء أو جميعهم. فإما أن يكون علي محسن هو الطرف الشرير والحوثي والرئيس حمامتا سلام، أو أن يكون الرئيس وحده هو الشرير وعلي محسن يلعب دور المغدور به، بينما الحوثي هو الضحية دوماً. والأكثر مجافاة للحقيقة، والتي هي أقرب للكيد السياسي منها للتحليل المنطقي، هي تلك التي تلقي باللائمة على كيان سياسي لطالما نأى بنفسه عن هذه الحرب وفي مطلق الأحوال، كلها مقاربات غير منصفة. والمنصف حقاً هو أن يتحمل ثلاثتهم مسؤولية هدر الدم على الأقل حتى تتضح أبعاد الصراع وتفاصيله.

الأكثر مشاهدة