الخميس، 29 ديسمبر 2011

مذكرة إلى قيادات الاصلاح

محمد العلائي 

التصريحات التي أدلى بها الأستاذ محمد قحطان لوكالة فرانس برس قبل أسبوعين كانت ممتازة. ابرز ما شدد عليه هو ان الإصلاح ليس مصنع تعليب، وهذه فكرة أشار لها قحطان في وقت سابق، وأعاد التأكيد عليها الآن. وهي فكرة براقة يدافع من خلالها عن حقيقة تعدد مستويات الوعي داخل الإصلاح وامتلاكه مجال يسمح بالاختلاف. وهذه إحدى الحقائق التي يغفل عنها كثير ممن يمارسون أنشطة نقدية تتناول الجماعات الإسلامية. 

أنا أعلن انحيازي التام للمنطق الذي عبر عنه الأستاذ محمد قحطان وأتمنى أن يسود. ففي النهاية من يرغب في ان يرى الاصلاح جماعة ترتكز على نظام عقائدي مغلق. رغم ان الاصلاح لا يزال يعطي هذا الانطباع أحيانا، بل قل دائما. 

لكن هناك فرق بين التنوع الذي الذي يدافع عنه الأستاذ محمد وبين الفوضى. ذلك ان التعبيرات غير الرسمية التي تحال منتجاتها بالضرورة على الإصلاح، فاضت عن الحاجة على حساب الصوت الرسمي أيا يكن محتواه. لقد اصبح هذا الخليط المتنافر من الاصوات والتعبيرات غير الرسمية هو ما يشكل صورة الإصلاح في الذهن العام غير الاصلاحي طبعا. صحيح أنا اثمن إخلاص الإصلاح لتحالفه مع احزاب المشترك وانسجام خطابه السياسي معها، غير ان فكرة اللقاء المشترك نفسها لا تتناقض مع أن تبقي على امكانية تمييز صوتك الخاص وفرض درجة ما من التحكم والضبط. 

أقصد بالتعبيرات غير الرسمية، كل ما لا يصدر عن مؤسسة الحزب بتفرعاتها المختلفة، وهي تعبيرات قد تكون عسكرية او اعلامية او قبلية أو اقتصادية أو تعليمية او مليشاوية. وحينما يبدر عن هذه التعبيرات والفاعليات تصرفات سلبية من السهل ان يتنصل عنها الاصلاح، على طريقة "اللهم اني ابرأ اليك مما صنع خالد"، لكن المتلقي لا يلتمس العذر للإصلاح، ولا يجد أنه مستعدا للشروحات الثنائية المباشرة التي قد يجهد ناشط اصلاحي نفسه لتبيان الخيط الابيض من الخيط الأسود. 

التنوع قيمة عظيمة لا يرقى إليها الشك، لكن عندما يتعلق الأمر بمؤسسة حزبية، هناك دائما أرضية مشتركة وتعاقدات عامة تتلاقى كل هذه الأصوات والتعبيرات في إطارها. وإلا فأنت تحمل نفسك تبعات انشطة هدامة ومواقف حمقاء وأصوات لا تتسم بالرشد، تصنع قناعات وردود فعل وتصدر صور ذهنية ورموز ومعاني يتم الاستدلال بها في الحديث عنك ويستند إليها في محاكمتك كحزب. وفي الأخير تجد نفسك مضطر لتسديد فاتورتها وتبنيها أحيانا والذود عنها. 

والنتيجة أن صورتك عن نفسك تصبح مختلفة جذريا عن الصورة التي يلتقطها لك الآخر من خارجك. 

لا اعرف ما هي الترتيبات الضرورية التي يفترض بالإصلاح القيام بها لتدارك الأمر. فقط أريد أن اقول انه لا بد من تحقيق مستوى معقول من الانضباط والتناغم الخارجي تتيح التعرف على الاصلاح التعرف الأمثل. الاتساق الداخلي وحده لا يفي بالغرض. الحالة السديمية التي تبدو عليها الأمور هي مؤشر اعتلال في بعض الاوقات. 

انصح باعادة تفعيل منهج الاصلاح ومواثيقه الداخلية. الركون المطلق على متكلمي المشترك خلق حالة تقشف مفرطة في الحديث الرسمي الاصلاحي، وعطل فاعلياته المؤسسية لمصلحة اجتهادات تلك التعبيرات الموازية. 

واحدة من اشد معضلات هذا البلد فتكا هي أن الفاعليات غير الرسمية، فاعليات الظل، التهمت مؤسسات الدولة التي حافظت على هامشيتها وهشاشتها، في حين استمرت السلطة تستعمل تلك المؤسسات لالتقاط الصور، اكسسورات بلهاء. 

إنه الانفصام المتوحش الذي يجرد الأشياء من معانيها. على الإصلاح ان يقول للناس ما هو وما ليس هو. ما يمثله وما لا يمثله، على سبيل المثال، هناك أطراف ضمن الإصلاح لها قنوات اتصال بجهات خارجية إقليمية، وهذا الاتصال يحسب على الإصلاح، مع إني اعرف أن الإصلاح كمؤسسة لم تعد له مثل هذه القنوات المباشرة. 

سهيل تقدم خطاب إعلامي رديء للغاية، ومن الصعب إقناع الناس أنها لا تمثل الإصلاح، لان الإصلاح لم يقل شيئا في هذه المسألة. حتى إعلام الحزب نفسه يتبنى خط معاكس في أوقات كثيرة لنوايا واتجاهات الحزب. اللقاء المشترك كان فرصة رائعة للإصلاح، لكن أثره السلبي يتمثل في انه قلل من وتيرة تحول الإصلاح الى حزب. 

اكتب هذه السطور وفي حسباني حدود قدرة الإصلاح الآن وظروفه، والتعقيدات التي تقف في طريقه، لكن ما نطلبه هنا ليس عسيرا وهو في اطار الممكن على ما أظن. 

الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

بقع داكنة في صورة الإجماع الدولي بشأن اليمن

محمد العلائي 

انتبهت إلى أن لا أحد يأتي على ذكر إيران في سياق تحليل المسألة اليمنية والعناصر الخارجية المؤثرة فيها. أين تقف هذه الدولة مما يحدث في اليمن؟ من يعرف سياسة إيران تجاه العملية السياسة وجهود الوساطة الدولية التي تقودها الأمم المتحدة؟ 

هناك اعتقاد شائع بأن القوى الدولية النافذة في اليمن وحدت مساعيها بعد أن نجحت في تطوير فهم مشترك للأزمة، ولقد ظهر شبه إجماع على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية. وكان التصويت بالإجماع على القرار 2014 في مجلس الأمن والذي يحث الأطراف على انجاز التسوية السياسية المقدمة من دول الخليج، في حين أعد مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة خطة زمنية لتنفيذ آلية الانتقال، كان مصداقا لهذا التوافق الدولي نادر الحدوث. 

في صورة الإجماع الدولي هذه، تلوح بقع داكنة، وأبرز من يمثل هذه البقع المسكونة بالغموض إيران وقطر. ولإيران مساحة تأثير جيوثقافية لا بأس بها في اليمن، وكثيرا ما يشار إلى حركة الحوثي باعتبارها خلية حية تقع على تماس مباشر مع الخصم التقليدي لإيران، أي السعودية بالطبع. 

أما بالنسبة لقطر، فقد اكتسبت مجالات تأثير حديثة نسبيا وضيقة. وإلى جانب ما تلعبه قناة الجزيرة القطرية من دور في تحريك الحوداث داخل اليمن، وتشكيل اتجاهات المزاج العام في خطوط منافية للمساعي الخليجية التي انسحبت منها الدوحة، فإن ثمة من يتحدث عن بروز نواة لشبكة رعاية قطرية تشبه شبكات الرعاية التي مصدرها الرياض وتتكون من المشايخ ورجال دين وعسكريين وغيرها. 

ومن أجل تحقيق درجة مثالية من توازن التأثير الإقليمي، أظن أنه من الخطأ تجاهل هذين اللاعبين الدوليين. لا ادري كيف ينظران للخطوات التي يقطعها اليمن باتجاه الحل السلمي. لكن رفض الحوثي الانضمام للعملية السياسية، يمكن اعتباره مؤشر استياء إيراني وربما قطري أيضا. 

لماذا لا يسعى اللقاء المشترك، والمؤتمر، ومعهما سفراء الدول العظمى ومبعوث أمين عام الأمم المتحدة، باتجاه إشراك إيران وقطر في جهود الحل السياسي؟ اقترح مثلا ان يرتب الطرفان للقاء مع السفير الإيراني في صنعاء، وزيارة مسؤولين قطريين في الدوحة، لسبر أغوار نوايا بلديهما ودعوتهما للمساهمة في إقناع القوى المحلية القريبة منهما، يوقف تحركاتها المعطلة، والانضمام للعملية السياسية مقابل استيعاب ما يمكن استيعابه من شروط ومخاوف ومطالب. 

إيران وقطر، ثغرة في جدار الإجماع الدولي تجاه الوضع اليمني. وهذه الثغرة إذا لم تردم ستظل مصدرا لكل ما من شأنه تسميم أجواء السلام وإفسادها ربما. 

السؤال الذي يخطر ببالي الآن هو: أين تكمن مصلحة إيران بالضبط؟ هل تكمن في استقرار اليمن ووحدته أم في اضطرابه وفشل دولته وتمزقها؟ 

... 

قبل أسبوعين تقريبا، كتبت على حائطي في الفيس بوك السطور التالية تعليقا على زيارة جمال بن عمر لصعدة: (السيد جمال بن عمر التقى السيد عبدالملك الحوثي في صعدة بحضور فارس مناع. مكتب الحوثي اكتفي بنقل مقتطفات من الكلام الذي قاله عبدالملك الحوثي، في حين أغفل كلام بن عمر. الحوثي قال ان مشاركته في العملية السياسية مرهونة بانتصار الثورة (لا أدري ما هو المستوى الذي سيقول الحوثي فيه ان الثورة قد انتصرت، ومتى سنصل إليه، وكيف؟. بعد سبعمئة الف سنة مثلا؟ طيب، سننتظر ونرى). 

أتوقع أنه قال ما قاله عن العملية السياسية ردا على مقترح ربما تقدم به بن عمر بأن يبدي ايجابية أكثر عبر الانتظام في العملية السياسية والتخلي عن حالة العزلة التي يفرضها على نفسه، مع وعود بمعالجة لملف صعدة في إطار وطني. 

أتمنى أن ينجح بن عمر في مسعاه، وأن أفتح عيناي يوما فأرى عبدالملك الحوثي هنا في صنعاء وقد أنشأ حزبه السياسي متخليا عن التقمص المضحك لشخصية حزب الله وأولوياته، وأن يدفع ببرامجه ورؤاه السياسية لتكون متاحة لكافة اليمنيين، وعلى صلة مباشرة مع همومهم وأولوياتهم. 

لا شك أنه سيكون عنصرا فاعلا يلعب دورا أساسيا في اغناء الحياة السياسية. في بلد كاليمن، وفي ظرف زمني كهذا، لا بد أن الخطاب السياسي المقتصر على الوطنية التي تقوم على الموقف من الخارج فحسب، ايا يكن هذا الخارج، لا قيمة له بالنسبة للناس العاديين). 

يمكن توجيه بعض اللوم للمشترك

محمد العلائي 

ثمة نقاط لا بد من التذكير بها بالتوازي مع الحوادث المؤلمة الأخيرة. 

قبل يومين كتبت أن خطة الانتقال السلمي التي رعتها الأمم المتحدة لم تشمل كافة عناصر الأزمة، وإنما أغلب الفاعلين، بناء على افتراض مفاده ان العناصر التي اختارت البقاء خارج العملية السياسية ليست على درجة من القوة والثقل بحيث تستطيع تعطيل العملية السياسية وخلط الأوراق وارباك الجميع وربما التسبب في حرب أهلية لا سبيل الى تصور نتائجها. 

هذا صحيح لأول وهلة. غير أن الوقائع وسياقاتها منذ البداية، تشير إلى أن جانب المعارضة وقع على الصفقة مفترضا أن قواعده ستمتثل لهذا الخيار عن طيب خاطر، في حين سيبقى عنصر المستقلين، وهم قلة قليلة بحسب تقديرات المعارضة، وبالتالي تتكفل الحكومة بالحديث معهم والوصول إلى أرضية مشتركة. لكن افتراضات المعارضة كانت مضللة على ما يبدو، والسبب أنها كانت تعبئ قواعدها باتجاه مضاد للسياسة، فيما لم يغب عن ذهنها قط أن ما من حسم إلا سياسي في نهاية النهايات، أي كانت تسلك نفس اتجاه العنصر المستقل من الأزمة، المناوئ للتسوية، وهو اتجاه مضاد لما هو ممكن ومتاح وفق تقديرات المعارضة نفسها وتقديرات كل العارفين بحقائق اليمن وخصائصها. 

كانت تقرر دائما بأن الخطر على أي عملية سياسية سيكون مصدره علي صالح. والعالم تفهم الإبقاء على الساحات، ولم يطالب المشترك بالشروع في رفع قواعده على الأقل كإجراء تفرضه ضرورات نزع عوامل التأزيم. وكان هذا الامتياز يهدف بالدرجة الأولى إلى درء الخطر الذي يمثله صالح من وجهة نظر المعارضة، واستجابة لفوبيا مستفحلة تسمى علي صالح، فوبيا جرى تكريسها بانتظام، وبمعزل عن مجريات الأمور وما أصبح عليه صالح، والمناخ العام في المنطقة، المناخ الذي يقطع بما لا يدع مجالا للشك بأنه لم يتبق لصالح ما يناور به، وأن كل ما يطمح إليه هو ممر آمن للخروج، والصفقة تتضمن توفير هذا الممر، مقابل تجنيب البلد كارثة لا يزال صالح يملك أدوات تحقيقها. 

لكن حتى بعد التوقيع على الصفقة، ظل إعلام المعارضة -وناشطيها- يتماهى أكثر فأكثر مع الخطاب المضاد للسياسة، أي يتماهون مع العنصر المستقل في الساحات ومع المكونات المناهضة للحل السياسي في صعدة وفي الجنوب وتعز. وكان المنتظر أن تؤدي قواعد وقيادات المعارضة دور مختلف يناسب قوى سياسية أصبحت جزء من ائتلاف حاكم فرض على نفسه مهمة الحوار مع هؤلاء المستقلين وإرساء خطوط عريضة للتفاهم والمشاركة. 

في الوقت الذي أبدى فيه إعلام حزب صالح انضباط نسبي قبل ان ينخرط مؤخرا في الفعل ورد الفعل. 

كانت قيادات المعارضة كما لو إنها انتهت من بناء جسر، وفيما خطت الخطوة الاولى على الجسر كان مؤيدوها وحلفاءها منهمكون بلا كلل في الإطاحة بالجسر. المفارقة أنها لم تعمل ما يلزم لوقف الهدم. 

اللوم يقع على قيادات المشترك بدرجة رئيسية، لأنهم مثلما ظهروا كما لو انهم يستغفلون عقل الشارع المستقل، ظهروا وكأنهم أيضا يستغفلون قواعدهم، على اعتبار ان القيادات عليها واجب إحاطة قواعدها علما بما تنوي القيام به، وتضبط تحركاتها وأنشطتها في حدوده ومقتضياته دون إفراط أو تفريط. 

تحرك مستقلون من تعز، مفعمين بالحماسة والطاقة. انضم إليهم حشد من قواعد وقيادات صغرى من أحزاب المشترك، وساهمت قوى معطلة ذات تأثير ثقافي في تعز في تسيير هذه المظاهرة إلى صنعاء. كانت الدوافع غير واضحة لكل المشاركين، وكل لحظة كان يُقترح لها مهام ووظائف جديدة، ولم تصل صنعاء إلا وعلى رأس مهامها اقتحام السبعين مع ما يترتب على فعل كهذا من مجازفة وإزهاق للأرواح. 

أشاعت التغطية الاعلامية المصاحبة للمسيرة جو من القلق في صنعاء. والادوات المنتمية للمشترك تصرفت بطريقة تفسح المجال لسوء الفهم وتثير الشكوك. 

كان من الطبيعي والمتوقع ان يعمل الفريق الحاكم بصورة موحدة للتعامل مع المسألة بحكنة وحساسية عالية وإدراك وجرأة. كان على أحزاب المشترك أن تدافع بكل شجاعة عن خيارها المتمثل في الحل السياسي والذي قطعت بذلك وعودا والتزامات أمام العالم، وتدعو قواعدها للاتساق مع هذا الخيار، لأنه بالفعل لا يوجد خيار آخر عدا عن الحرب، وليس أن تتصرف وكأنها لا تزال معارضة حينما يقتضي الحال. 

الحاصل ان قواعد المشترك او جزء منها، بدت وكأنها في حالة عصيان. ولسوف تذهب إلى أبعد حد في مجاراتها لخيارات وشعارات المسيرة القادمة من تعز. ولم تحسب حساب المخاطر المحتملة، ولا كونها طرف في عملية سياسية مقابل طرف آخر، يراقب كل شيء بأعصاب مشدودة وخوف (المؤتمر). 

ليس مسؤولية احد، أن يتمرد من كنت تظن انك تمثلهم وانك تعبر عن خياراتهم. هذه مسؤوليتك وحدك. لقد فشل المشترك فشل ذريع في شرح الانجاز الوطني العظيم الذي تحقق، ومقدار الضرر الذي دفعه عن البلاد. كانت قيادات المشترك خرساء خجولة وكأنها وقعت في الفاحشة للتو. ولم يكن هناك ما يستدعي الخجل ولا الإرباك ولا التلعثم. وحده الدكتور ياسين كان شجاعا منذ البداية، وقال إننا طالما نقول ثورة سلمية فالمؤكد ان تنتهي بالحل السياسي، وقال ما معناه ان من لديه طريقة أخرى للحسم فليبادر إلى طرحها، شريطة ان لا تؤدي الى حرب أهلية والى تمزيق البلاد وصوملته. 

لا احد كان يمتلك جوابا مقنعا، حين يطرح أحدنا سؤال كهذا: ما الطريقة المتوفرة بيد المشترك وشركاؤه غير الحل السياسي أو الحرب؟ طبعا مع توضيح تعقيدات البلد وظروفه وممكناته، وحقائقه وتاريخه. 

المؤسف أن أجنحة من داخل جبهة المشترك، كانت على الدوام تخون المشترك وتخذل خياراته. كان إعلامه أو المحسوب عليه، وخطباءه، وحلفائه، ومتكلموه، يشاركون في الهدم. الآن يقع اللوم عليه أكثر من أي جهة أخرى. عليه ان تبدأ في ضبط ما يمكن ضبطه من قواعده، والمسارعة إلى تطمين شريكه في الحكم وتعزيز التنسيق معه من اجل وضع الترتيبات والخطط اللازمة لمواجهة المستجدات واستيعاب محركيها والتفاهم معهم، ودمجهم في العملية السياسية إن لزم الأمر، أو بالأصح إن كان هذا متاحا. 

بالمقابل، على المؤتمر أن يبدي قدر من التفهم لحقيقة مأزق المشترك، ويمنحه فرصة للتصرف الصائب ولملمة صفوفه، وتصحيح قواعد عمله تمهيدا لعودة الأمور إلى طبيعتها، ويتصرفا معا كفريق مشترك في عملية انتقالية تعقد عليها الآمال للعبور باليمن إلى المستقبل.

السبت، 10 ديسمبر 2011

التعامل مع الثورة وكأنها قطعة اثاث مرمية على الرصيف

فيس بوك:

لماذا سرعان ما تستحيل قضايانا المصيرية إلى مجالات استقطاب هائلة في متناول القوى والشخصيات الانتهازية الجاهزة على الدوام لاستهلاك كل ما هو جذاب وثمين ومؤثر من الافكار والمعاني والمثل العظيمة والمظالم والتطلعات المشروعة، متى ما تبين لها أن هذه الافكار والمعاني والمثل العظيمة والمظالم والتطلعات، تشكل تهديدا مباشرا لقوى وشخصيات ومصالح تتناقض معها كل التناقض. إنه ذلك النوع من الاستهلاك الرخيص والآني لغايات رخيصة وآنية، إما لدفع ضرر، أو إلحاق أذى بخصم، أو كسب منفعة. 

وإنه لمن المثير للاشمئزاز أن كثير من هؤلاء هم من يتصدرون المشهد العام ويحددون خياراته، وقلما تجد من تحركه حسابات العدالة والمنطق والعقلانية حيال هذه القضايا، ومقدار ما يترتب عليها من فوائد للصالح العام. 

وهناك دائما الجماهير المستباحة، جموع الناس العاديين المعرضين للدجل والتتويه والتلاعب الهدام بانفعالاتهم ومشاعرهم واحتياجاتهم وآمالهم. تخطر ببالي قضايا مثل الثورة وصعدة والحراك الجنوبي والقاعدة، وكيف أنها تحولت إلى أكياس رملية للتخندق والتستر على النزعات المنحطة. 

لا تزال المواقف ترسم من قضايا كهذه وفقا لمستوى اطمئنان هذه القوة أو تلك على مستقبلها الخاص، وليس وفقا لحسابات الاختيار الواعي والمدروس. فإما اندفاعة غير واعية وهؤلاء عادة اصحاب الذهن الكسول، أو حماسة وتأييد مبالغ فيه ومصطنع وهؤلاء أصحاب الضمير المعتل! 

... 

المؤتمر ينوي إعادة هيكلة نفسه، توكل كرمان افصحت عن توجه لتأسيس حزب شبابي، المشترك بحاجة لهيكلة وتطوير بقدر حاجة الاحزاب المنضوية فيه إلى اعادة نظر جذرية في بناها التنظيمية وآليات عملها وثقافتها السياسية، الاصلاح والاشتراكي على وجه التحديد, ثمة قوى كثيرة مدعوة للاشتراك في العملية السياسة وطرح اجنداتها ورؤاها في سوق التداول. 

هناك خارطة سياسة بانتظار أن تتشكل. وأمامها مضمار سباق بعد أن تفضي خطة تنفيذ مبادرة نقل السلطة إلى توفير الظرف السياسي العادل للجميع. 

بالنسبة لي هذه هي الثورة الحقيقية. اللحظة لحظة تحول وفرص مواتية، المؤسف هو أن يستمر تركيزنا مسلطا على مصير صالح أو تصيد عثرات الحكومة الجديدة، مع كامل الحق في تصيد العثرات والنقد. لا يمكن اعتبار هذا المصير، أيا يكن، مقياسا لنجاح أو إخفاق الثورة. اقصد فقط ألا نجعل من هذا النشاط هو كل شيء، بينما أمامنا الكثير لنفعله عدا عن الاعتراض والشكوى وندب الحظ. المجتمع هو مجال عمل من يطمح لتقديم نفسه كبديل، انفذ إلى قلب مجتمعك اكسب وده قل له ما الذي تخطط للقيام به من أجله، بهذه الطريقة تصل الوصول الطبيعي والمشروع، وهذه الشرعية ضمانة لا غنى عنها للإنجاز والتفوق. 

ليس من الحكمة التعامل مع الثورة وكأنها غرض سهل المنال، وكأنها قطعة أثاث مرمية على الرصيف وبإمكان أي شخص أن يلتقطها ويحتفظ بها لنفسه. 

... 

هناك نفور سائد، لا أدري أين مصدره، من كلمة توافق وتسوية. ربما لهذا النفور علاقة بتصور للثورة يرفعها إلى مصاف المطلق المضاد للسياسة. النقيض من التوافق والتراضي والتسويات هو الشمولية والطغيان الكامل. شخص او مجموعة اشخاص يفرضون إرادتهم على ملايين البشر، معتقدين انهم مخولين من طرف هؤلاء الناس لتمثيل مصالح والاختيار نيابة عنهم. 

إن ثورة تنشد بناء دولة مدنية ديمقراطية، وفي نفس الوقت تعتبر التوافق خيانة لمبادئها، هي ثورة تخون نفسها في المقام الأول. 

حتى في البروفات الاولى للديمقراطية في اثينا وروما، كانت النقاشات العامة والمحاججات والتوافقات هي أساس الدولة. فكرة العقد الاجتماعي ترتكز بالاساس على الاتفاق بين جماعة من الناس عقدت العزم على ان تصبح كيانا واحدا ترتبط عناصره بغايات مشتركة ومصير مشترك. وليس الفهم المغلوط الذي يتحدث عن العقد الاجتماعي باعتباره وثيقة بين الحاكم والمحكوم، الاصح بين المحكومين انفسهم. 

نحن في طريقنا للانتقال من مجتمع ما قبل الدولة، وهنا يفترض بالجميع المشاركة في صياغة العقد الاجتماعي الجديد، وأرضية جديدة للشرعية، بدلا من الانكفاء والعزلة. الديمقراطية تتضمن قبل أي شيء أخر، في البداية، وفي النهاية حتى، قدر كبير من التوافق والتراضي والتسويات قبل ان نصل الى حكم الاغلبية، وحتى هذه لا تطغى ولا تسحق الاقلية فلا يغفر لها كونها اغلبية ان تسحق كل من يقف في طرقها. 

تفصل الخلافات في المجتمعات المتحضرة بواسطة قوة الحجة والقدرة على الاقناع في تفسير ما هو الخير العام، والمقاربات والتسويات والمساومات، وأن تحل روح التسامح والغيرية محل الكراهية والانانية والقسر وادعاء امتلاك الحقيقة. على أن أي سبيل آخر، ولو كان اسمه الثورة، لا يقوم على التراضي والمحاججة فهو سبيل الديكتاتورية في صيغتها المروعة وربما الفوضى والضياع التام.

الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

نقاش مع أحد شباب ساحة التغيير

من حائط الصديق هشام المسوري: 
من يموت من أجل الكرامة والحرية والعدالة والتعايش والحب والسلام لايموت أبداً ,, اعتقدنا أن عيسى ابن مريم مات من أجل الحب وعرفنا أننا كنا مخطئين فهو لم يمت وإنما صعد للسماء وبقي حيا أبداً ..
وشباب اليمن الذين يموتون من أجل الكرامة والحرية والعدالة والتعايش والحب والسلام لا يموتون أبداً . 
قيامتهم ستكون معنا عندما نصنع أحلامهم وحريتنا قريبا قريباً ..
حقائبنا الوزارية ولجاننا العسكرية هي امنبات واحلام شهدائنا.. بالطبع يدرك هذه الاحلام الثوار في الساحات وليس الجيران والهيئات يا صديقي محمد العلائي ..
.....
وهذا نص تعليقي على المنشور أعلاه:

طيب ياهشام لخص ما هي احلام الثوار في الساحات التي تعتقد أن آلية انتقال السلطةلم تضعها في الاعتبار؟ ما الذي يخطر ببالك وانت تتحدث عن الاهداف الثورية التي يخونها الحل السياسي قاصدا وليس مضطرا بحكم ان السياسة اختيار بين امكانية وأخرى وليس بين رغبة ورغبة؟ أكيد أن مصير علي صالح وعائلته هو كل ما يشغل بال الثوار الذين تقصدهم هنا طبعا. بمعنى لو احتوت الآلية على شنق صالح وبتر اطراف احمد علي وخصاء يحيى، كنت ستقول مطمئنا بأن الثورة في هذه الحالة حصدت نجاحا باهرا، وان ارواح الشهداء لم تذهب سدى! أنت لا تقول هذا جهرا لكن هذا هو المضمر في طي اطروحاتك ومشاركاتك وخيلاءك الثوري الذي انصحك ان تكبحه وتجعله غير مرئي ما أمكن. 
لو حصلنا على مصير صدامي او قذافوي لعائلة صالح مقابل دمار البلد أكانت الثورة في نظرك مفيدة وتستحق العناء واهدار الارواح؟ ماذا لو حصلنا على تحول ديمقراطي سلمي وانجزنا عبر "المائدة المستديرة" مهمة بناء الدولة واعادة هيكلتها بالتوازي مع اعادة تكوين الامة وبناء الهوية الوطنية وتنظيم وصياغة قواعد مضمار العمل السياسي، ومعالجة الاخطاء التاريخية، لو حصلنا على هذا كله وبالتدريج المرسوم في الآلية، لكن احتفظ صالح برأسه فوق كتفيه واحمد تم توزيعه هنا او هناك كضابط في الجيش ويحيى مثله مثل اي مسؤول سابق يشق طريقه في المجال الذي يرغب فيه بعد تفكيك نظامهم العائلي ونزع انيابهم وادوات السلطة التي يقهرون بها شعبهم. وجرى تحقيق العدالة بما لا يؤدي الى حرب اهلية ودورات عنف جديدة، عدالة تناسب بلد يجر وراءه إرث هائل من الحروب والصراعات والجروح، ويتوق للتحول والانتقال الى مرحلة جديدة من تاريخه متحرره قدر ما امكن من اشباح الماضي وكوابيسه، ستظل في نظرك ومن تتحدث باسمهم الثورة ناقصة.
انت لا تعرف ان حلمي كان ان نحصل على آلية انتقال تشبه ما حدث في بلدان اصبحت ضمن منطقة اليورو، ومن حسن الحظ انني تفاجأت بعد ان قرأت الألية أننا بصدد السير على ذلك الطريق نفسه. أنت لا تتصور كم كانت فرحتي كبيرة ياهشام، كان هذا هو تصوري لنموذج الثورة الذي تحتاجه اليمن، كتبت عن النموذج اليمني المغدور قبل أشهر، ضد من يسعى لمحاكاة ساخرة لنماذج لا تشبهنا، وكنت اشدد على ضرورة تصميم نموذج يمني أصيل مستفيدين من الحالة الثورية المدهشة ومن التراكم السياسي الذي سبقها.
فإذا لم يخرج الثوار من اجل هذا، فمن أجل ماذا خرجوا بربك ياهشام؟ مصائر الامم لا ترتبط بعقاب شخص او عائلة ولا بمكافئها. انت تعرف كم هي التعقيدات مفزعة وكم هي التركة ثقيلة. الامر عندنا يتخطى اسقاط شخص او نظام، نحن على مفترق طرق اما تكون الدولة او لا تكون. الغنائية الثورية ودموعها تحجب الرؤية، وهنا تكمن وظيفة المثقف التي عبرت عن ضيقك منها وتعاليك عليها واستخفافك بها، على اعتبار انكم تملكون الحقيقة ولا يملكها غيركم، وان ما تفعلونه يصدر من قبل الاله وما يصدر منا شيطاني.
إذا سألتني عن احساسي فهو يتأرجح بين التفاؤل والخوف والقلق واليأس. يعني اعرف ان امام العملية السياسة حقل الغام، قد نجتازه بسلام وقد لا نفعل. ليس صالح وعائلته هم اللاعب الوحيد والمؤثر في الساحة، الامور تشابكت ودخلت عناصر جديدة ولاعبين جدد، مرئيين وغير مرئيين، من الداخل والخارج، ستحدث الاعيب وخروقات وتحاك دسائس ومؤامرات. علي صالح شرير لكن هناك اشرار بالمقابل اما هم من صنعه او يستندوا في ممارسة الشر إلى الاستعداد السائد لدى الناس بتحميل صالح كل ما يحدث وكل شاردة وواردة.
الطريق ليس ممهد بقدر ما نتصور لكن لا يوجد طريق آخر في نظري لتحقيق احلام الشهداء، الا اذا كان حلم الشهداء تمزيق البلد وتطاحن اليمنيين، وحاشا ان يكون كذلك.
من يحب البلد اكثر هو من يبقي عينيه مفتوحتان ويراقب الوقائع عن كثب ومراقبة الاشرار وتحركاتهم الهادفة الى اجهاض الحلم، بعضهم يتحرك تحت لافتة هذه الحلم.
تقبل فائق تقديري ومحبتي

الهياكل الأولية لحياة لم يضع لها أسلافك حجر الأساس (نص)

كأنما خلقت للهزائم. تخلد إلى فراشك مهزوما وتستيقظ مهزوما وواهنا وبلا يقين. تطمئن أحيانا إلى أكذوبة كونك ممتلئ وأن الحياة تكافئ الخواء والاكاذيب قوة الطباع. لكن ما الذي يجعل الخواء خواء او الامتلاء امتلاء، والاستقامة استقامة؟ قد لا تكون الشخص الذي تظن نفسك أنك هو، ثم ما الذي تساويه الكتب والفطنة والسجالات المظفرة والتعقل والكلام الصحيح، مقابل لحظة واحدة من المذلة والخزي وذكرى طفولة ضائعة، ذلك الضياع الذي لا يزال يحتفظ بكلمة نافذة في الضياعات التي كثيرا ما تجد نفسك متوغلا فيها. 
إنك لا تنفك تعد نفسك لمجابهة ما لا يأتي، فالعمر سوف ينقضي وأنت منهك في هذا الاعداد. المهدور من الحياة لا يستبدل، مع أن الحظ العاثر لا يصلح جوابا شافيا لكل هذا الشقاء.
كل شيء يتحرك من حولك. كنت تظن ان الحياة تخبئ لك ما لا يسعك أن تتصوره من الطيبات ورغد العيش والمجد، سفر ومسرات وشغف ومآثر ونقود. كان اليقين حليفك واليقين حصن المنسيين من طرف القدر، لكنه سراط الخاوين أيضا. لقد فقدت يقينك مقابل حصولك على قدر متزايد من المعرفة، غير أن الحياة لم تكن أكثر قسوة مما هي عليه الآن، وكل ليلة تعود ادراجك مهزوما وخاويا، على أن الامتلاء ليس في مواجهة الهزائم سوى فكرة تحبذ أن تحملها عن نفسك، تعود كل ليلة مشتت الذهن وحيدا وباردا. وثمة صديق يدعوك لاكتشاف مزايا الطموح وفي عينيه احمرار رجل مجهد وهو لا يعني ما يقول بالضرورة، فهذه هي طريقته للاسترخاء. أنت تأخذ الحياة على محمل الجد وهذا سبب كافي لانكسار جيوشك أمام بطش الحياة وجبروت الفقدان.
لا احد يختار نيابة عنك، ولم يحدث أن تفاخرت بأصلك. تنتظرك دائما مهمة اختيار كل شيء، لم ترث هوية ناجزة ولا صنعة ولا شخصية ولا تفضيلات ثقافية وانماط عيش ورموز وأمكنة مقدسة وجماعة تحتويك. وجدت كل شيء مندثر وبدائي وغريب وعديم المعنى.
بكل يسر، انت تضع الهياكل الأولية لحياة لم يضع لها أسلافك حجر الأساس.
(فيس بوك)

في مواجهة المستفيدين من نزع الصاعق.. نصيحة للمعارضة

04/12/2011
محمد العلائي:

يا إخوان القليل من التناقض ومن أحلام اليقظة ومن خداع النفس يكفي.
ليس من المعقول أن تتصرف وكأن الطرف الآخر غير موجود. 
الثورة لم تكن صاعقة في سماء صافية، لقد كانت امتداد طبيعي لأزمة سياسية مفتوحة وشديدة التركيب، وصراع متفاقم، كانت الثورة قطعة من نسيج ما كان يحدث قبل تونس ومصر. 
لمن لا يريد التصديق عليه مراجعة جدل ما قبل يناير 2011، والسيناريوهات التي كنا نتوقعها للأزمة، سيجد انها لن تختلف كثيرا عما حدث ويحدث الآن.
كان هناك طرفان قويان لكن قبل الثورة كان أحدهما هو الأقوى عتادا والأضعف حجة. 
الثورة تمخضت عن حالة أصبح فيها من كان هو الطرف الأضعف يملي الشروط بل في أوج الفعل الثوري كادت الساحة ان تخلوا له، لولا أخطاء وممارسات نجمت عن سوء التدبير والطيش ضخت الدماء في عروق الخصم المتهالك.
الآن انتهى كل شيء إلى ان الطرفان الرئيسيان على الساحة استمرا على حالهما طرفين مع اعادة ترتيب وتوزيع للاوزان والمقادير الاجتماعية والعسكرية. 
توقف الفرز والاستقطاب واستقرت الأمور على نقطة معينة من التوازن المفيد لانجاز تسوية وطنية تاريخية يستوعب فيها علي عبدالله صالح وحزبه الغايات الوطنية الكبيرة التي خرجت الثورة من أجلها والتي كانت تحدد حركة واتجاهات المعارضة الوطنية خلال العقدين الاخيرين، في مقابل استيعاب جزء من مخاوفه ومطالبه لمدى زمني محدد.
لماذا ننسى اننا بإزاء لاعبين، وهناك لاعبين آخرين كثر يتحدد مصيرهم ومصير الدولة بناء على اتفاق او اختلاف هذين اللاعبين؟ 
ننسى أن هناك مسارات للصراع تخضع لقانون الحركة البسيط، الفعل ورد الفعل. بعضنا يغفل هذه الحقيقة متعمدا، ويستغرب ان يقابل التسخين المستمر على المستوى الاعلامي بتسخين اعلامي موازي، والتصعيد العسكري كذلك. 
التقدم على المسار السياسي وترك بقية المسارات تسير في اتجاه معاكس يؤدي الى تعطيل المسار السياسي بالضرورة. ولا غرابة في ذلك.
في بعض الاوقات لم تحافظ المعارضة الوطنية على نقاط تفوقها في منازلتها لخصم خبرته جيدا. لقد راحت تستخدم أحيانا التكتيك في مواجهة طرف كان عبقري التكتيك، والأكاذيب والمبالغات في مواجهة طرف اشتهر بالاكاذيب والمبالغات، والاحتيال في مواجهة سيد الاحتيال والكيد، والعنف في مواجهة زبون دائم في سوق السلاح الشرقي.
كان الأولى أن لا تخرج عن مواجهته في الميدان الذي تبزه فيه بكفاءة: الإستراتيجية في مواجهة التكتيك، الحقيقة في مواجهة الاكاذيب، الاستقامة في مواجهة الاحتيال، الغيرية في مواجهة الأنانية.. الاتساق والحد الأدنى من التجانس في مواجهة الفوضى والتنافر والاعتباط.. وهكذا.
المعارضة مهما تقول شيئا آخر الا أنها فاوضت باسم غالبية الساحات، وفرضت على المستوى النظري آلية خروج للبلد تتضمن أكثر ما يمكن لأي يمني أن يحلم به. فلماذا تستمر الفجوة بين الجهد السياسي للمعارضة وبين خطاب الثورة وإعلامها (سهيل مدعممة، الصحوة موبايل مثلا) وبعض الجيوب المسلحة هنا وهناك؟
كنت حريصا على مراقبة الكيفية التي تتعاطي بها وسائل اعلام الطرفين من البداية مع الاتفاق، والحق يقال بدأ اعلام المؤتمر والاعلام الرسمي في البداية يتبنى خط هادئ ايجابي، وحظيت المبادرة بالترحيب خلال نقاشات الاعلام الرسمي في الايام الاولى طبعا التي تلت التوقيع، لكنهم وجدوا ان شيئا لم يتغير على الطرف الاخر عادوا إلى ضلالهم القديم.
لا يظنن أحد أن هذه الفجوة تعود بالنفع على الثورة او البلد او المعارضة، إنها الثغرة التي تسمح بتسرب الهواء النقي إلى رئة نظام يوشك أن يختنق. ناهيك عن انها الفجوة التي ينزف من خلالها الوطن ويخرج عن الجاهزية مع مرور الوقت.
أيها السادة في المعارضة، ومكاني لا يزال في المعارضة: اردموا هذه الفجوة الآن بكل السبل الممكنة، وأمامكم طريقتان لردم الفجوة: إما أن تعملوا على أن تنضبط كل الجيوب والجبهات الساخنة المحسوبة عليكم بالخط السياسي وتصريف فائض الحماسة والتعبئة في انشطة ذهنية ومبادرات ومشاريع تنشغل بما بعد علي عبدالله صالح، أو أن تنضبطوا أنتم بالخط الثوري وكل ما يترتب عليه.
لا تقطعوا التزامات للعالم ثم تعجزون عن الوفاء بها، وتحيلون كل شيء إلى رجل لو كان يقوى على دحر الثورة لما تردد لكن قبل ان يوقع ويجرد نفسه مكرها من جزء كبير من شرعيته أو ما يظن انها شرعيته. 
لقد حدد طريقة خروجه وشهد العالم بأسره على ذلك، ولا يزال بكامل يقظته وانتباهه وأي بادرة سوء نية تدفعه لاتخاذ احتياطاته بالتأكيد وآليات حمائية تخريبية. إنه عبوة ناسفة لا أكثر، ولطالما تصرفت المعارضة على هذا الاساس، ولم يغيب عن ذهنها أن الأولوية هي لإبطال مفعول هذه العبوة، غير أن هنالك من يسعى إلى نزع الصاعق وتفجيرها في وجه الجميع بلا رحمة.
بالطبع، من السهل اقناعي بأي شيء، لكن العالم يراقب ويسمع من مصادر متعددة ومحايدة، ومثلما يسمع منك يسمع من غيرك. بهذه الطريقة انتم تجازفون بخسارة قواعدكم وخسارة العالم، وتنتقل الكلمة الفصل للمصوملون.

* من صفحة الكاتب على الفيس بوك.


الاثنين، 28 نوفمبر 2011

مسارات الحل.. لا مجال للتفكير أحادي الاتجاه

كنت أفكر أن على الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وضع خطة خروج من الأزمة اليمنية تدرأ عن البلاد ويلات الفوضى والتفكك والعنف، اتخاذ مسارين أو ثلاثة: الأول يعالج، بعمق وبعد نظر، الجانب الوطني في الأزمة بعناصره وتفرعاته الكثيرة والمتنافرة، في حين يركز الثاني على الشق العائلي والشخصي في الأزمة حيث تكمن معظم اسباب الغرق في حوض التناحر اللانهائي.
من الواضح ان جمال بن عمر يبلى حسنا في صنعاء، ومفاوضي القوى السياسية الوطنية ممثلة بالمشترك وشركائه والمؤتمر وحلفائه يحرزون تقدما ملحوظا في جدول اعمالهم، لكن ستكون مساعيهم مهدورة في الأخير إذا لم تتزامن مع تقدم إيجابي في المسار الآخر، شريطة ألا يكون على حساب الهم الوطني العام وأولوياته، والمساران مترابطان عضويا ودورهما معطل أو مساند كل منهما بالنسبة للآخر. 

لا أزعم أنني أعرف ماهية الصيغة الملائمة والعادلة للتسوية المتعلقة بالمسار الثاني، وهو مسار مسكوت عنه لأنه يتصل بقضايا دون وطنية متنكرة بالستار الوردي للشعارات الوطنية. 
أفكر في مسار ثالث مستقل يتصل بالجيش وما يكتنف هذا الملف من صعوبات ومشاق وحساسيات لمؤسسة وطنية بنيتها لا وطنية على نحو سافر. لكن هذا المسار مدرج ضمن جدول أعمال القوى السياسية الوطنية. طبعا يحتوي بالضرورة كل مسار على مسارات ثانوية متشابكة ويتصل بعضها بالأخر. 
على ان جميع الجهود تنصب بشكل متكامل ومتناغم في اتجاه واحد هو تحقيق التغيير الشامل الذي يتطلع إليه اليمنيون، ينتهي بإعادة صياغة متدرجة للأمة اليمنية، وبناء دولتها على قواعد جديدة.
إن أي تجاهل للبعد الشخصي والعائلي في الأزمة يعني تعطيل بقية المسارات. 

على الاصلاحيين والحوثيين أن يبادروا من الآن إلى فتح قنوات تواصل لتفويت الفرصة على محاولات بذر الشقاق بين الطرفين والزج بهما في مواجهة مكلفة. لا بد من التفكير من الآن وبصدق ومسؤولية عالية في صيغة لتنظيم علاقة الطرفين خلال هذه الفترة وما يليها. بدلا من النفور المتبادل والارتياب والشحن والتطييف، جربوا الانفتاح والتعايش، ابحثوا عن نقاط الالتقاء اخترعوها اذا لم تجدوا أي نقطة التقاء، رغم انها تفوق نقاط الافتراق لو اقتسطنا في الاوهام والرهاب المبنيان على افكار نمطية مسبقة سلبية.

لا مجال للتفكير أحادي الاتجاه، لا متسع هنا للتبسيط والاختباء وراء التعميمات والكليشيهات، اليمن تحتاج نظرة مستنيرة مركبة تتماشى مع حجم تعقيداته ومركبات أزمته الوجودية. لا نماذج جاهزة ولا محاكاة عمياء.
روح الابتكار هي التي ينبغي ان تسود الآن مع وعي عميق متبصر. وليس روح "النرفزة" وردات الفعل والنعيق البائس.

21 نوفمبر 2011

الثلاثاء، 8 نوفمبر 2011

ما يبدو أنها المواد الأولية للعهد الآتي

ليست ملاحظة لامعة أن يقول أحدنا بأن شيء من ملامح حقبة ما بعد حكم الرئيس صالح كان قد بدأ يتجلى بأشكال مختلفة منذ سنوات. وللتعبير عن الأحداث ذات القيمة التاريخية الحاسمة، نلجأ عادة الى تلك الاستعارة المتداولة بإسراف، أي كل ما يرتبط بجدث الولادة، ما يسبقه وما يصاحبه وما يليه، النمو الطبيعي، الاكتمال، الولادة في الوقت الطبيعي، الآلام والمضاعفات والمخاطر التي تصل أحيانا حد الوفاة، الوفاة للجنين أو للأم أو لهما معا.
لنتخيل هنا بان الثورة هي واحدة من الطرائق التي تستخدمها الأمم في سبيل إعادة خلق نفسها، وأن ما يحدث في اليمن الآن هو الزمن الطبيعي ليبصر عهد جديد النور.
إذن، فنحن شهود على لحظة فارقة بالمطلق، وأمامنا تنويعة من الاحتمالات الجيدة والسيئة، أي كل ما يمكن أن ينتظرنا بحكم طبيعة الاشياء. 
لا نزال حتى كتابة هذه السطور نملك القدرة على اختيار مستوى المخاطر. القليل فقط من الطيش وسوء التدبير قد يخنق المولود او يلحق به تشوهات عصية على الاصلاح، وقد يخرج غير مكتمل النمو، ولربما احتاج إلى وقت اضافي تحت الاشراف المستمر والرعاية الطبية الفائقة.
لننسى مشهد الولادة المؤلم، وننتقل إلى المشهد الأصلي. ثمة من يقول ان لا شيء يلوح في الأفق غير العبث والفوضى والحمق، لكن هذا ليس سوى نصف الحقيقة، فعندما يبذل المرء وقتا أطول في التأمل والتدقيق في كل العناصر التي تؤلف الحدث اليمني برمته، بوسعه تكوين صورة تقريبية عن العهد المرتقب. 
من المتوقع ان العهد الجديد لن يكون جديدا بالكامل كما يحلو لبعضنا أن يأمل. ليس هذا مما يستدعي القلق، فغالبا ما يتشكل المستقبل من المواد الأولية التي تظهر حاليا في صور شتى، الرشيد منها والسقيم والخبيث والنبيل والدنيء، وما يبدو الآن أنها مواد أولية، هي مصنوعة من مواد أولية سابقة لها، تشهد تعديلات وراثية هنا، وتعريضها لمؤثرات جديدة هناك، وربما زخرفة وتزويق وأدوات خداع. 
وهو "عهد جديد" رمزيا، ومن كونه يعبر عن رغبة جماعية في الانتقال ولو بشكل افتراضي إلى حالة تاريخية جديدة، فحتى لو اصطحبنا جميع محتويات العهد القديم، سيجد كل منا نفسه مضطرا لتحديث اغراضه بطريقة أو بأخرى، تحديث او تبديل منظم او تلميع كسول، والخاسر من يختار الوفاء لأغراضه البالية ويظن أن بمقدوره استخدامها لتقديم عروض ناجحة!
يكمن القلق في تلك الأحداث العرضية التي تتصل عادة بالولادات البيولوجية منها، أو بمعناها المجازي لأمة مستنزفة ومفتتة ومجتمعات محطمة خائرة القوى وممزقة الشرايين. 
طموحي يتخطى مجرد الحصول على ولادة سلسة وآمنة، لدي حلم بأن تؤثث هذه العناصر المتنافرة التي تؤلف مشهد الانتقال، لعهد مشرق وخلاق ومنفصل نفسيا وذهنيا عن كل العهود المظلمة المديدة.
هذه مجرد رغبات وأماني، لكن بدونها تتوقف الحياة عن ان تكون محتملة.

*من حائطي على الفيس بوك. 7-11-2011

للحوثي.. شرعية الصميل في طريقها إلى الزوال

إذا كان لدى الحوثي فكرة أو مشروع سياسي او ديني، وطني او طائفي، فله كامل الحق في التبشير به وعلينا ان نحترم حقه في اعتقاد ما يطيب له، لكن اولا عليه ان يفعل ذلك بأساليب التبشير المتعارف عليها، التي تقوم على المحاججة والاقناع والاستمالة، دون ان يمنع ممارسة هذا الحق عن غيره. 
اما اذا كان يريد غزو المجتمع واخضاعه بقوة السلاح، فهذا تفكير بائس ويعطي صورة عن نفسه عدوانية شمولية، وحتى لو نجح مؤقتا وجزئيا فإنه يحمل بذور فناءه في صميم هذا النوع من السياسة. 
الدنيا كلها عيون، وليس سهلا "ان يستفرد بضحاياه في الظلام". شرعية الصميل في طريقها إلى الزوال، إن كانت تحركه خبرة الاسلاف. 
اسمع عن تحركات مريبة في حجة، المقلق فيها هو أن عناصر محسوبة على الحوثي لا تكتفي بتسجيل حضورها الثقافي في المجتمعات المحلية، بل تتعدى ذلك إلى محاولة فرض وجود عسكري لا طائل من وراءه.
المطلوب من الحوثي تعريض بضاعته للنور، والذي ما يشتري يتفرج، سيكون على الجميع تمكين الجميع من عرض منتجاتهم الفكرية والسياسية وتسويقها في الفضاء العام المفتوح، هذه هي القاعدة الأساسية التي تجنبنا الانزلاق في التذابح والقتل المجاني. حرية الاعتقاد، تحييد المساجد والمرافق العامة، التعايش، تطويق كل حالة في اطارها بدون تهويل وفبركة وتلفيق ومكائد.
عديم الحجة البلطجي المجرم هو الذي يسمح ليده بأن تمتد اما لقسر شخص على اقتناء بضاعته أو منع شخص آخر من أن يعرض بضاعته هو ايضا. لا مجال لغيتوهات ولا مجتمعات نقية، لا للتطهير الممنهج تحت أي لافتة. جنبوا المساجد في مناطق التوتر او تقاسموها او ليبن كل منكم مسجده إذا كان لا بد من ذلك، اقصد هذه اجراءات مؤقته حتى ننتقل من الوضع الاستثنائي ويتسنى لنا طرح حلول اوسع وأكثر جذرية. 

لماذا لا نوفر الدماء والارواح والجروح من الآن، ونستبق الوقوع في المستنقع؟

*من حائطي على الفيس بوك.7-11-2011

الانشغال بما بعد التوقيع أهم مما قبله

الانباء التي تتحدث عن اقتراب التوقيع على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، لا تعني شيئا إذا استمر التناقض صارخ بين دنو موعد التوقيع وبين التحركات على الأرض وشكل الخطاب السياسي وكل التصرفات الأخرى التي تخفي نوايا سيئة يضمرها الجميع على ضفتي الصراع، أو بالأصح على ضفافه المتعددة.
في مناخ كهذا، يصبح التوقيع ذريعة أخرى من ذرائع المواجهة. ستضيع الحقيقة بين أكوام من قش الكيد السياسي المتبادل والدوعاوى والأكاذيب، وإذا كان مقدرا لمنتصر أن ينتصر، فإن أول ما سيبادر إلى فعله هو إعادة سرد الأحداث بما يؤدي إلى إدانة الخاسر وإلقاء اللوم التاريخي عليه.
ما الذي يتوجب على العالم فعله لتفادي هذا المسار شبه المحتوم؟ 
أعتقد ان على الامم المتحدة او دول الخليج الانشغال بما بعد التوقيع أكثر بكثير مما قبله. التفكير في الآليات والتدابير المناسبة لمواجهة هذه المرحلة الحساسة التي يتوقف عليها مستقبل بلد مريض ينشد النهوض من سرير المرض بكامل لياقته. من هذه التدابير ارسال مراقبين دوليين يشرفون على التنفيذ عن كثب، وتزويد الرأي العام بتقارير يومية شجاعة عن مستويات الانجاز، وتوجيه اصابع الاتهام صراحة لأي طرف يعيق العمل، او يتنصل ويرواغ وتحميله مسؤلية ما يترتب على تصرفاته.
وربما اقتضى الحال ارسال قوات حفظ سلام رمزية تقف على الخطوط الساخنة، وقد تضطلع بأنشطة من شأنها منع الاشتباكات المحتملة واحتوائها. إن اعادة هيكلة الجيش، أكثر من أي شيء آخر، ليست بالمهمة اليسيرة. انها تنطوي على قدر كبير من التعقيد والمشقة والمخاطر العظيمة. 

ستكون ثورة خالدة فيما لو جرت الأمور على النحو المأمول. ففي بلد محكوم باللاعقل، يصبح العقل فعل ثوري بامتياز، على اعتبار ان فكرة الثورية هي الرغبة في تجاوز واقع راكد وميئوس من اصلاحه وتأسيس واقع بديل. وفي بلد يحسم صراعاته بالعنف عبر تاريخه، يصبح الضغط لانجاز تحول او حسم صراع، بأساليب سلمية توافقية، هو الفعل الثوري وليس العكس. 
ليس اللاعقل قانون مطلق للثورة، ثم ان اللاعقل اخذ مداه في ثورتنا، غضب واندفاعه جبارة، وغليان، والسياسة هي تتويج لهذا الفعل حتى لا تكون الثمرة كارثة او اعادة لانتاج اساليب الماضي في حسم الصراعات، فتصبح الثورة طريقة لانتاج الواقع نفسه وليس لانتاج واقع مغاير، وبالاحرى واقع افضل.
علينا أن نكف قدر ما نستطيع عن التصرف بما يؤدي إلى الوقوع في المستنقع. 
لست متفائل بالنظر إلى المعطيات الراهنة، لكن لا يوجد خيار آخر.

8-11-2011

الاثنين، 31 أكتوبر 2011

لكي لا نتعفن مثل حيوان نافق

محمد العلائي 

في يوليو الفائت، أطلقت دعوة لإعادة النظر في المعاني المستوحاة من المثالين التونسي والمصري ومعاييرهما، لكلمات مثل: النصر والنجاح والفشل والكسب والخسارة، كخطوة أولى في طريق النصر. وقلت: أن ترعى وتضمن الأمم المتحدة والقوى العظمى ودول الإقليم عملية سياسية تفضي إلى تغييرات عميقة تطال بنية الدولة والنظام السياسي والانتخابي ويسبقها أو يتبعها انتخابات رئاسية، لهو نصر مبين للثورة. فمجرد أن تجرى انتخابات ليس فيها الرئيس صالح مرشحا ولا أي من عائلته، ليس بالأمر الهين. حتى لو احتفظ صالح بتأثير مؤقت على المرشح الفائز، إلى أن يتم إرساء موازين قوى جديدة. 

ولا زلت أحتفظ بالقناعة نفسها رغم كل شيء. المؤتمر الشعبي العام أعلن بطريقة شبه رسمية عن مرشحه للانتخابات الرئاسية، وتقول المعلومات أن الارياني قدم عروض جديدة تتضمن قبول صالح بأن يتولى النائب الإشراف على إجراء الانتخابات وتشكيل الحكومة ومعظم الصلاحيات التنفيذية. وإلى جانب محتويات المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، أجازف إلى اعتبار أن رفض هذه الحلول هو محض انتحار، لا يسعني تخيل نتائجه. 

ليست الغاية هنا زرع اليأس والتثبيط، لكنها دعوة جادة للمراجعة ورسم الاتجاهات والأولويات والأساليب، في ضوء حيثيات الجغرافيا وأحكام ومعطيات التاريخ، وفي ضوء ما يبدو أنها الخصائص العامة المشتركة للحقل الاجتماعي الذي تتكثف فيه أحداث الثورة، ناهيك عن حقائق موازين القوة. 

قبل بضعة أيام كتبت رسالة لأحد أصدقائي الذي يشاطرني الكثير من وجهات النظر حيال الشأن العام، قلت له أن الثورة هي علاج الحالات الحرجة، ومثل أي عقار طبي، الجرعة الفائضة قد تقتل المريض! وكأي علاج آخر، تنقسم إلى أصناف يحسب تفاوت مفعولها، وكل صنف يتألف من عناصر تختلف وتتفق. 

ومن عالم الطب يمكن لمن يحدد مصائر المجتمعات والدول استعارة أشياء من قبيل التشخيص الجيد، والمقادير المناسبة، والتعاطي المناسب بجرعة مناسبة، والتوقف عن التعاطي في الوقت المناسب. 

وإذا كان من شأن الثمرة أن تسقط عندما يتجاوز نضجها الحد المطلوب، فإن حكم الرئيس صالح كان يبدو لبعض الوقت مستوفيا لهذا الشرط، أي أنه كان ناضج كفاية ليتهاوى بالسرعة التي كنا نتصورها. كاد هذا أن يحدث، بل حدث جزئيا، غير أن عوامل تدخلت فمنحته عمرا إضافيا وغير مستحقا. 

ويأتي على رأس هذه العوامل، جهل الثوار بالتاريخ وبخصائص الحقل الاجتماعي الذي تدور الأحداث في إطاره أكثر من سواه. أي شمال اليمن، وعلى وجه الخصوص صنعاء والمناطق المحيطة، وأحيانا تعز. فهذه الجغرافيا هي المنصة الأبرز التي لم يكن مصادفة احتضانها للحدث الثوري الراهن وهي تتأهب الآن لاحتضان نهاياته أكانت سعيدة أم حزينة. وكثيرا ما اختارت مناطق اليمن الأخرى قبل الوحدة، الجلوس على مقاعد المسرح لتمنح الفائز التصفيق وآيات التبجيل. ولأن الخطأ نفسه تكرر أثناء بناء دولة الوحدة، فها هي المناطق الجنوبية تحذو حذو بعض مناطق شمال اليمن في تفضيلها الانتظار إلى أن تتضح ملامح الصراع ونتائجه، لتقرر بناء عليه ماذا ينبغي عليها أن فعله. 

وهي الجغرافيا التي جرت فيها طيلة العقود الماضية حركات وطنية وانقلابات وثورات وأشباه ثورات، حالف الحظ بعضها في حين حصد البعض الآخر مرارة الخسران. لقد تبين لي أن القاسم المشترك بين الثورات والحركات التي فشلت هو أن المخططين للثورة كانوا يدعمون انسلاخ جانب من نخبة الحكم على مستوى العائلات والسلالات المتنافسة، وتوجيهه لإسقاط جانبه الآخر. أتحدث عن ثورات شمال اليمن. 

هناك سمة مشتركة أخرى بين الثورات التي أخفقت، وهي أنها كانت قبل أوانها بطريقة أو بأخرى، أي أنها كانت استجابة لحوادث لم تساهم في صناعتها، فتروح تتبناها وتؤسس عليها نوايا وتطلعات الثوار. وهي إلى جانب هذا كله، كانت ضحية الشائعات والأوهام وأخطاء فادحة في الحسابات. 

شائعة موت الإمام يحيى، مثلا، دفعت صحف عربية إلى نشر أن الوزير تولى الحكم، ولما تأكد لهم بأن الإمام لم يمت وجد الثوار أنفسهم في مأزق، وتحت ضغط الشعور بالخطر والإحباط قرروا قتل الإمام والسير في تنفيذ مخططهم، فالتقط الرأي العام ما يحدث على أنه تنافس بين عائلتي الوزير وآل حميد الدين أكثر من كونه ثورة. اغتيال الامام يحيى ومعه رئيس وزرائه وحفيده بدا قاسيا، ولسوف يهز مشاعر عامة الناس، وربما ساهم في إضعاف التفافهم حول الثورة. 

غالبية الجيش انحاز لمن بيده الخزائن، فالثوار لم يضعوا أيديهم عليها من البداية، وأغرى الإمام احمد القبائل بالذهب والنقود، وفتح شهيتهم لنهب صنعاء. 

مثال آخر: حركة 55، وسوء فهم آخر جعل الموسيقى العسكرية تصدح في تعز بمناسبة تنازل مزعزم للإمام أحمد عن السلطة لأخيه عبدالله، طبعا قبل أن يعود العلماء وينتزعوا من الإمام تنازل صريح ما لبث أن التف عليه وأحهز على الثورة، لأنها كررت نفس أخطاء ثورة 48. 

الثورات التي أخفقت واجهت إلى جانب هذا وذاك، مرارة خذلان الدول المجاورة والعالم. أتعرفون أن موقف آل سعود لعب دورا مهما في إجهاض ثورة 48؟ ولمن يرغب في فهم لماذا يتصرف الرئيس صالح بتهافت يبعث على الخزي مع السعودية، حتى أن أتباعه أطلقوا على جمعتين أسماء متعلقة بالسعودية، آخرها جمعة "الأمير سلطان"، فعليه أن يراجع مراسلات الإمام أحمد للملك عبدالعزيز بعد اغتيال والده عام 48، وكيف أنه بالغ في التذلل لدرجة انه طلب من الملك أن يعتبره واحدا من أبناءه، وحذره من أن الثوار إخوان مسلمين وأن حركتهم "الهدامة" لن تقتصر على اليمن وحدها. 

ثم إن برقيات الاستغاثة التي كان يطلقها عبدالله الوزير للجامعة العربية لم تلق آذان صاغية. كان يتوسل إليهم إنقاذ صنعاء من القبائل المتوحشة، بحسب وصفه، وإغاثة الأطفال والنساء، وطلب منهم في برقية أخرى إرسال طيران حربي يحول بين الثوار وسقوط صنعاء، وتهيئة أجواء التحكيم، لكن الطلب هو الآخر قوبل بالتجاهل التام. ثم كان ما كان. 

على أن ثورة سبتمر حاولت تجنب هذا الخطأ، وكانت الأسماء المطروحة لقيادة الثورة من خارج دائرة النخبة التي كانت تحتكر الشرعية السياسية ذات المرجعية الدينية، ومع ذلك واجهت هذه الثورة تحديات جسيمة كادت أن تطفئ جذوتها، لولا تدخل القوات المصرية، التي كانت بمثابة "ناتو" تلك الحقبة. 

من يدرس الأخطاء التي وقعت فيها تلك الحركات من الصعب ألا يخاف. ولا بد أنه من الحماقة بمكان، الاستنكاف الذي يبديه المتصدرين للمشهد، عن مراجعة سجل الأحداث تلك بشكل منهحي وبصفاء ذهن لاستخلاص الدورس وفهم ديناميات الصراع في مناطق الثورة والسمات الشخصية والنفسية التي تميز ابناءها والأمور التي كانت ترسم حركتهم في المجال العام. مثل ذلك الاستنتاج الإنثروبولوجي القيم الذي يفترض بأن القبائل المحيطة بصنعاء لا تشارك عادة لوقت طويل في حركات ثورية ذات مضمون تجريدي صرف، بل تنخرط بحماسة في سبيل غايات حسية أكثر وقريبة من احتياجاتها الأساسية. 

عندما يتعلق الأمر بصناعة مستقبل أمة، النية الطيبة وحدها لا تكفي. في واحدة من محاكماته، يقول اللقية، وهو أحد منفذي محاولة اغتيال الإمام أحمد في الحديدة والتي يقال أنه مات متأثرا بمضاعفات الجروح التي أصيب بها: "كنا نريد أن نزيح هذه الصخرة عن الطريق ثم نعمل أي شيء". 

يعلق البردوني على كلام اللقية بهذه الطريقة: فقد رأى هؤلاء الضباط الثلاثة إمكان التغيير الثوري في غياب الإمام أحمد، دون أن يفطنوا للواقع العام الذي كان الإمام أهم ثمراته، ودون أن يفطنوا لبقية القوى بما فيها ولي العهد بصنعاء. 

ويتساءل البردوني: فهل كانوا يثقون بالجيش وباستعداده لمواجهة الواقع بعد قتل الإمام؟ "ربما قام الجيش في صنعاء وفي سائر المراكز بواجبه لو تم قتل الإمام وربما ينقسم إلى جيشين كما حدث في عام 55"، يرد البردوني. 

بالطبع لم يقم الجيش بواجبه ولم ينقسم! 

هذا لا يعني أن ثورة هذه الايام ستجني نفس المصير بالضرورة، هناك فوارق نسبية بالتأكيد على صعيد الأساليب والسياقات المحلية والدولية، لكنها لن تحصد النجاح المأمول الذي تطرحه الشعارات، في أحسن الأحوال قد تنتهي بتسوية يخرج بموجبها صالح عن السلطة ويحتفظ بمكانة سياسية في المؤتمر، وفي أسوء الأحوال قد تنتهي بكارثة لا أول لها ولا آخر. 

الحكم على ما يحدث حاليا، ضرب من التهور، لكن "الشعب يريد محاكمة السفاح"، ليس برنامجا سياسيا لثورة، مهما كانت المسوغات. نغفل من المثال المصري والتونسي دور الجيش كمؤسسة وطنية حافظت على قدر كبير من الاستقرار وضبطت إيقاع الصراع، ونغفل من المثال الليبي على علاته، دور حلف الناتو. ومع ذلك نواصل ممارسة القص واللصق بهستيريا لا تكل ولا تمل. هل نحن جاهزون للقيام بما يحتاجه تنفيذ هذه المطالب؟ هل حسبنا مدى إمكانية بلوغها، وشروطه الموضوعية؟ 

أي أخوتي، لست بمشفق على الرئيس صالح، وقد سئمت تكرار أنني لا تربطني به منفعة ولا عاطفة. أنا مشفق على بلدي من المنحدر السحيق الذي تدفعونا إليه وبأطيب ما في العالم من نيات. 

في إدارته للأزمة المحدقة بنظام حكمه الآن، من المحتمل أن علي عبدالله صالح يستقي معظم أفكاره من خبرته في حرب صيف 94 تحديدا، وربما من معركة حصار السبعين أيضا، عندما كان لا يزال قائد دبابة. وحصار السبعين وحرب صيف 94 هما الحدثان الأكثر حضورا في خطاباته في السنوات الأخيرة. 

بينما الثورة تبدو وكأنها تنهل، وبشكل حصري، من خبرة المصريين والتونسيين وقريبا الليبيين. نظرة إلى تاريخكم يا ثوار وأخرى إلى واقعكم، نظرتين فقط، افعلوا ذلك لوجه الله! ثوار الستينات كانوا على ما شابهم من نقصان، يتميزون بعلاقة وطيدة مع الكتب والمعرفة واتصالهم بواقعهم كثيف وعميق ومتبصر. 

... 

باختصار شديد، إن تعثر الثورة نتيجة الحسابات الخاطئة والواقع غير المواتي وعوامل أخرى كثيرة، لا يعني أنه بقي للحكام فرصة للبقاء حكام، هذا غير ممكن، حتى لو ضمرت الثورة وتلاشت. الخطر الآن محدق باليمن كدولة وليس بالسلطة الحاكمة ولا بالانتفاضة الشعبية. 

في جميع اللحظات التي أمعن النظر تجاه مكونات المشهد اليمني العام وملابساته، أنتهي إلى الخلاصة نفسها، والتي مفادها أن اليمن تواجه حاليا، وربما خلافا لبقبة دول "الربيع العربي"، إفرازات وتداعيات ما يسمى "فشل الدولة". العالم هكذا يرى ما يحدث، وحدهما الثورة والحكم لا يرغبان في رؤية الأمور على هذه الشاكلة. لو اقتصرت المهمة على اسقاط نظام حكم مستبد يستخدم جهاز الدولة لبسط نفوذه في أنحاء البلاد، لما انتابت أحد كل هذا القدر من المخاوف والحسابات الدقيقة واستحضار العواقب. 

نحن دولة شاخت في سن مبكرة، وقلة قليلة من يتسنى لهم تخيل ما يعنيه فشل الدولة في حالاته القصوى. لا تتمحور القضية هنا حول من سيحكم، بل ماذا يمكنه أن يحكم؟ بقدر من التبسيط، دعونا نتفق على إلقاء اللائمة على حكم الرئيس صالح في بلوغ اليمن إلى هذه الحالة، على الرغم من تدخل عوامل ومعطيات أخرى، لكن أليس من حسن التدبير أن نقوم باستئصال هذا الداء بطريقة لا تقود إلى مضاعفات خطيرة تصل إلى حد الوفاة؟ 

لمن يود معرفة خلفية موقفي المحكوم عليه بالتعقل المفرط وربما تم وضعه في دائرة الاشتباه، أعترف مجددا بأن تصوري المتشائم لمآلات الوضع في اليمن بالذات هو الذي جعلني أتصرف طيلة الشهور الماضية وأكتب بطريقة تحمل على الظن بأنني ثوري أقل مما يجب! ومن سوء الحظ ان لا أحد رسم سيناريو مغاير ومقنع للمصير الذي تحزم اليمن أمتعتها إليه. أتجاهل عادة تفاؤل المغفلين المبني على آمال وتهويمات ليس لها ما يسندها. 

الفشل التام للدولة يا سادة، يعني بلغة الباحثين الجدد في مصائر الأمم، وتحولاتها: اختفاء الدولة من الخريطة، أو نشوء دويلات متعددة على أنقاضها، أو الفوضى والضياع الكامل. أو، وهذا ما آمله، أن يكتب لنا، نحن اليمنيين، النجاح في إعادة بناء الدولة الوطنية اللامركزية حيث تسود الحرية والديمقراطية والحكم الرشيد، وحيث العدالة والمواطنة والقانون والعمل والإنتاج. 

وللمرة للألف، أكرر ما ذهب إليه الأمريكي فريدمان عن كيف أننا بحاجة إلى الزعماء الشجعان، زعماء من طراز نيلسون مانديلا، ذلك النوع من الرجال الأفذاذ الذين يتمتعون بضبط النفس ونفاذ البصيرة والجرأة والصبر و"الحياد السامي" بالتعبير النقدي لسوزان سونتاغ. القرار الأممي خطوة في الاتجاه الصحيح، أتمنى أن تتعاطى معه الأطراف المعنية بمسؤولية وحسن نية. لا يتملكني الخوف من احتمالية حدوث تدخل دولي مباشر على غرار ليبيا والعراق، ما يفزعني هو أن يتركنا العالم نتعفن مثل حيوان نافق. 

لا أقصد أنه لو لم تقم ثورة لربما كنا تجنبنا فشل الدولة. أتذكر أنني كتبت مقالة في أكتوبر 2010، أي قبل سنة بالتمام من الآن. كانت المقالة تنطلق من أخبار تحركات إنشاء ما سوف يطلق عليه "نادي أصدقاء اليمن"، لتشرح ما ترمز إليه اليمن بالنسبة للمجتمع الدولي، والكيفية التي ينوي بها التعامل مع هذا البلد العليل الذي دخل عمليا غرفة العناية الفائقة. 

فشلت الحكومة اليمنية في استيعاب كل الأفكار والسياسات التي كان المعنيين بالشأن اليمني يطرحونها بين فينة وأخرى. في لحظة معينة بدا وكأن القنوط سيطر على المهتمين الدوليين بعد أن أدركوا كم أن جهودهم عديمة النفع، وأن من دواعي الفطنة وبعد النظر، دراسة خيارات أخرى على أساس أن الدولة في هذه البقعة من الأرض التي أكسبها بعض الاهتمام ما يشكله تنظيم القاعدة من خطورة على الأمن العالمي، تسير حثيثا إلى الزوال. 

راحت الخارجية الأمريكية تصغي باهتمام للأصوات التي كانت تقلل من خطر فشل الدولة في اليمن، تلك الأصوات التي تستند في وجهة نظرها إلى نماذج سابقة تجشمت خلالها واشنطن عناء الحيلولة دون انهيار دول مثل باكستان، لكن جهودها كانت تتكلل بالفشل. اثبت بعض الخبراء أن مقدار ما يستفيده تنظيم القاعدة من الدولة الضعيفة أكثر من الدولة الفاشلة، بمعنى ان سيناريو فشل الدولة قد يحتل أفضلية في المستقبل. 

وفي ما يخص اليمن، ذكرت أن صانع القرار الأمريكي أخذ يدرس مؤخرا مسح سيسيولوجي لليمن توصل إلى التقليل من تداعيات فشل الدولة في اليمن على الأمن القومي الأمريكي. فاليمن، طبقا للدراسة، يتمتع ببنية اجتماعية عصبوية قادرة على إنتاج قانونها الخاص وإدارة شؤونها بمعزل عن الدولة المركزية. واستطاع الباحث، بحسب المعلومات، تقليص المخاوف الأمريكية من خلال تمييزه بين نظامين اجتماعيين متباينين: النظام الاجتماعي الأفغاني، والنظام الاجتماعي اليمني. 

أريد القول أن الثورة ليست بأي حال وراء كابوس فشل الدولة. كان هذا قدرا يتربص بنا حتى لو لم تندلع ثورة، على أننا فيما لو حققنا انتقالا سلميا للسلطة، سنكون مدينون بالفضل للثورة في تخليص اليمن من السقوط الرهيب في بئر الهلاك. كنت أريد تذكير النخبة والناشطين في الثورة، بهذه الحقائق لكي تكون في الحسبان على الدوام عند اتخاذ القرارات وصياغة الخطاب السياسي والشعارات. أعرف ان أمرا كهذا لا يكاد يغيب عن أذهان سياسيين مثل الدكتور ياسين والآنسي والارياني، لكن لا ضير من تحفيز الوعي لدى جميع اليمنيين بحقيقة ما هم عليه. 

الثورة وضعت اليمنيين وجها لوجه مع العلل التي تهدد وجودهم وآمالهم ومستقبلهم. لكنها مثلما منحتهم فرص عظيمة، كشفت لهم هول المخاطر التي كانت محدقة ببلادهم بشكل لا مرد له. نحن نتعامل مع مريض في لحظاته الحرجة، وهذا يستدعي غاية الحذر وبذل كنوز من الحصافة والتأني والرفق. وما كتبته ليس دعوة للتراجع، بقدر ما هي مساهمة في توصيف الحالة من منظور أوسع. وظني أن الثورة كما يحلو لي أن أفترض، هي حاصل فعل آخر القدرات المناعية في جسد يوشك أن يفارق الحياة، لهذا آمل أن نتصرف بطريقة لا تحول الثورة إلى سببا آخر في الوفاة. 

إن التبسيط والتضليل الذي يمارسه بعضنا يثير اشمئزازي. هذا كل ما في الأمر.

الاثنين، 19 سبتمبر 2011

كيف بدأ أحمد الصوفي يخلخل آخر حصون النظام

ليس جديدا القول أن أحمد الصوفي سوسة تنخر بلا هوادة في جسد ما يبدو أنها اللحظات الأخيرة في حكم الرئيس صالح. لكن في مقاله الأخير الذي نشرته أسبوعية 26 سبتمبر يقدم برهانا ساطعا على حقيقة الدور الذي يقوم به. لقد حرص في المقال كل الحرص على الإجهاز على ما تبقى من ثقة بين الرئيس صالح وبين من تبقى من رجاله. فهو من خلال تلميحات خطيرة يشير إلى قيادات عليا في الحزب الحاكم قال إنها تعمل عن كثب على الإطاحة بالرئيس صالح من خلال الضغط عليه لتوقيع المبادرة الخليجية, وألمح إلى أن هذه القيادات تعمل وفق أجندة أمريكية وأنها ترمي إلى المحافظة على امتيازاتها في مرحلة ما بعد صالح.

أبرز من يمكن أن يندرجوا تحت تلميحاته كل من عبدربه منصور هادي والدكتور الارياني. وهذين الرجلين يحاولان هندسة خروج محترم للرئيس بما يحفظ له مكانته وبما يحول بين المؤتمر الحاكم وبين الاندثار التام. وهما إلى جانب قلة من الشخصيات يشكلون واجهة يستفيد منها صالح للتمويه على حقيقة أن السلطة الحقيقية ليست في يد المؤتمر ولا الحكومة ولا حتى الجيش بل في يد عائلة الرئيس حصريا، ومن تبقى مواليا له من سنحان.

في الواقع يسدي احمد الصوفي معروفا للثورة وهو يخلخل آخر حصون النظام، لكي يظهر بعد ذلك الرئيس صالح وعائلته وجها لوجه مع الشعب، ورب قائل: هذا ما هي عليه الأمور حاليا. صحيح لكن وجود هؤلاء الرجال في محيط صالح يجعل الصورة أقل وضوحا، بالنسبة لعامة الناس، صورة قابلة للتلاعب والتشويش.

وفي حقيقة الأمر هم مخلصون له ويسعون بدأب لإخراجه من عنق الزجاجة بشكل يصون له كرامته. لهذا أتوقع أن تدفعهم اتهامات الصوفي الخطيرة إلى تحديد مواقف مختلفة قد تصل إلى درجة الانفضاض من حول صالح وتركه في وضعية تشبه ما انتهى إليه القذافي.

نأمل من الصوفي أن يستمر في مسعاه، وأن تستمر صحيفة سبتمبر في توسيع مساحة هذا الاتجاه الذي يعبر عنه الصوفي بأبلغ ما يكون التعبير.

من أجل الدماء الطاهرة التي سفكت اليوم، ننتظر مساهمة احمد الصوفي في تصميم نهاية عادلة بحق أسرة تساوم بين بقائها وبين هلاك اليمنيين وتدمير دولتهم.

هذا هو الخبر السار بين كل الأخبار المفزعة.

_ من منشورات صفحتي على الفيس بوك

الجمعة، 2 سبتمبر 2011

أن تكون إصلاحيا في أيامنا هذه

محمد العلائي 
alalaiy@yahoo.com 

ازدهرت التيارات الإسلامية في تونس ومصر في بيئة سياسية بالغة القسوة، لم تكن تحظى بمنابر إعلامية مفتوحة ولا هيئات قانونية تنظم علاقتها بالناس. ولسوف تكشف الثورات الأخيرة كيف أن السياسات القمعية الخانقة هي بمثابة السماد بالنسبة للإيديولوجيات. وها هي الآن تلوح وكأنها على مشارف حيازة ثقة مجتمعاتها كما تقول بعض التوقعات المشوبة بالقلق. 

وفي مقالة ثمينة ونافذة، يفسر الصحفي الأمريكي فريد زكريا القوة التي يظهر بها الإخوان عقب الثورة، بالطبيعة المجحفة لنظام الحكم الذي واظب على تقليص ومحاصرة كلّ نوع من أنواع النشاط السياسي. "المكان الوحيد الذي لم يكن بمقدوره إقفاله هو المسجد، الذي تحوّل بسبب ذلك إلى أن يكون مركز التحرّكات السياسية، وأن يكون الإسلام لغة الرفض والمعارضة"، يقول زكريا. 

فريد زكريا يؤيد الفرضية التي تعزو المكانة التي تحتلها جماعة الإخوان في المجتمع المصري إلى كونها حُظّرت وقُمعت طوال عقود. "لكن حين يتعلّق الأمر بالمنافسة في سوق الأفكار يمكن للناس أن يخلصوا، كما هو الحال في عدد من الدول الإسلاميّة، إلى التفكير في مسائل من قبيل الفساد وأهلية الحكم والتطوّر الاجتماعي بدلا من الأحكام الإيديولوجية الكبيرة"، هكذا يستنتج زكريا. 

على أن محنة إسلاميو اليمن مع المجتمع والثورة تبدو على العكس من ذلك تماما. كانت فكرتهم متداولة في سوق الأفكار بوضوح تام، وأتيحت لهم فرص التبشير بها، واختبارها. لقد ترعرع الإسلاميون هنا ضمن أجواء وسياقات سياسية تميزت بقدر جيد من الحريات السياسية لا سيما بعد الوحدة اليمنية، وامتلكوا منذ عقود إمكانية الوصول إلى عمق المجتمع وملامسته عن كثب بصورة معلنة أو خفية. 

لكن من خلال ملاحظتي لأداءهم مؤخرا أوشكت على الاقتناع بأنهم لم يستثمروا امتياز التحرك شبه السلس الذي كانوا يتمتعون به كما يجب، وبما من شأنه نيل ثقة الناس وتأييدهم. 

صحيح هم لا يزالون أخطبوط سياسي واجتماعي ضخم، وهو في نظري حتى هذه اللحظة أحد الضمانات القليلة المتبقية لاستمرار اليمن موحدا، لكنه اكتفى بالتغلغل على مستوى فئات وقطاعات معينة أكثر من غيرها، وهم بلغوا ما بلغوه استنادا إلى نشاط تنظيمي حركي يحاكي تجارب إسلاميو مصر السرية وينجحون، لكنهم أخفقوا في تقديم نموذج جذاب في حقل العمل المعلن بحيث ينتعش في الضواحي والأرياف ويعبر عن آمال وتطلعات المواطن العادي عبر خطاب مختلف واضح ومدروس يبتعد عن العموميات والسرديات الكلية، وبدون فرض قواعد أخلاقية عقائدية مصاحبة لهذا الخطاب. وصياغة معايير حزبية جديدة ترتكز على المواطنة بدرجة أساسية والكفاءة والموهبة، معايير دنيوية خالصة لا تحكم على الفرد من مراقبة المواظبة على صلاة الفجر مثلا أو التقيد الأعمى بسلم تنظيمي أرساه على الأرجح حسن البنا في ظروف لا تشبهنا في شيء. 

يجب أن يكون الإصلاح حزب اليمنيين، لا حزب اليمنيين السنة ولا حزب الإخوان المسلمين حصريا، وأن يقوم ببلورة أجندة سياسية وطنية جامعة ومثل عليا تتخطى الانتماء المذهبي والجهوي. متى يأتي اليوم الذي نرى في الإصلاح قيادي من الجماعة الصوفية أو من الزيدية أو من الحوثية أو من التبليغ، يلتفون حول أفكار وبرامج وتصورات سياسية واقتصادية. 

حزب المواطنين الأحرار باختصار. 

لقد ولى إلى غير رجعة ربما زمن تصادم الإيديولوجيات الكبرى. لقد تحركت موجات التحول الديمقراطي من الأبخرة المتصاعدة من بين أنقاض صراع النظريات الكلية، إنما وبالتزمن تحركت موجات الهويات الدينية والعرقيات وتفتحت أحلام الأقليات. 

في اليمن، صعد الإسلاميون إلى واجهة المشهد السياسي على كاهل التنافس الذي احتدم مع المد الماركسي القادم من الجنوب. بعد حرب 1994 أهيل على هذا التنافس التراب. ووجد الإصلاح نفسه القوة الايديولجية الوحيدة النابضة بالحياة في البلد بأسره. كان هذا يعني أن وظيفة الإصلاح لم تعد ذات طابع عقائدي تجريدي، لقد عم البلاد نهاية التسعينيات فيض من التدين، واكتظت المساجد بالمصلين. 

تغير مضمون الصراع، وكان يفترض أن يتغير معه تصور الفرد الإصلاحي لنفسه ورسالته وأولوياته. كانت الصلاة ومظاهر التدين البسيط تحدد هوية الإصلاحي وشخصيته وتمنحه الشعور بالتميز عمن سواه. حتى أنني أعلنت انحيازي عندما كنت طفلا في انتخابات 1993 لمرشح الإصلاح لمجرد أنه كان يظهر في الصور بلحية داكنة السواد ووجه بشوش، في مقابل الصورة المكفهرة والشعر المكتسي بالبياض لمرشح حزب البعث. 

مضت عقدين منذ ذلك الحين. وليس من الصواب في شيء أن تظل نظرة الإصلاحي إلى الأمور والحكم على الأشخاص بهذه الطريقة الخاوية والمتخلفة. الآن ليس المواطن الصالح هو الذي يلهج بذكر الله وينشج بالبكاء، فهذا النوع من التدين لم يعد حكرا على الإصلاح، ففي الساحة اليمنية جماعات دينية متنوعة تنشط بلا كلل، وتفرط في العناية بالعبادات. المواطن الصالح هو الذي يسهر على رعاية مصالح الناس في بلدته، المستقيم في تعاملاته والمتفوق في مضماره. الرجل الصالح هو النزيه والذكي والمنفتح على الأفكار والجماعات، المنضبط المتسامح والعميق. 

من الآن فصاعدا أصبحت المهمة الملقاة على عاتق الإصلاحي تتمثل في المساهمة الدءوبة في بناء وطنه وليس "الدعوة إلى الله" بمعناها المباشر الذي ينقلك إلى أجواء مكة والأوس والخزرج. 

الحق يقال، ألمس بعض التطير من الإصلاح في أوساط الناس البسطاء. لا يقع اللوم عليهم بالطبع، لكن على الإصلاح الذي يفضل التفسيرات والأجوبة الجاهزة بينما يغض الطرف عن الأسباب الفعلية مدفوعا برهبة الوقوف على الحقيقة. ينبغي دراسة هذا الأمر بكل صدق وجرأة. 

ثم إننا ننتظر من الإصلاح على وجه الخصوص الشروع الفوري في التخفف من رواسب سنوات التحالف الطويلة مع الحكم، تلك التركة الثقيلة من العلاقات والتحالفات وما تمثله من تصورات وأنماط عمل وطرائق تفكير. وهي إن كانت تضفي على الإصلاح لأول وهلة صورة القوة التي لا تقهر، إلا أنها تضعفه في الصميم. فإلى جانب المآزق الأخلاقية التي يضع نفسه فيها بسبب إرث هذه الأطراف والعائلات، هناك أيضا الشعور بالركون والاسترخاء والتفسخ الذي يتركه وجود هذه الأطراف في نفوس كثير من أفراد الإصلاح. 

ليس المطلوب من الإصلاح أن ينقض عرى هذه التحالفات بكل فظاظة ودفعة واحدة، كل ما عليه التخطيط له هو التقليص المتواصل من اعتماده على هذه الجهات لمصلحة اعتماده على قوته الذاتية، بالتوازي مع محاولة حمل هؤلاء على اعتناق قيمه وتصوراته التي يتوخى أنها على قطيعة شبه تامة مع نظام علي عبدالله صالح، بكلمات أخرى: على الإصلاح أن يسعى بشكل حثيث وملموس لمعالجة الظروف المنتجة لهذه الظواهر القبيحة والأنساق، والتي تتجلى في تلك الامتيازات غير المشروعة والوجود الاستثنائي لهذه المراكز والجهات. 

تناولي للإصلاح في هذه السطور مرتبط بمتابعتي مؤخرا للمشهدين المصري والتونسي، مع أنني اتفق مع فريد زكريا بأنه "لن يخلو من تسرع وطيش كل توقع واثق لمآل الأمور". غير أن سؤالي كان بالغ البساطة: لماذا ينكمش إسلاميو اليمن في حين كان عليهم أن يتمددوا؟ وأي فصيل منهم مرشح لتسجيل أقوى حضور في المستقبل، هل الفصيل المنفتح والأكثر حداثة أم المنغلق؟ 

وحده انسحاب النائب محسن باصرة رئيس الإصلاح في حضرموت، من المجلس الوطني قبل أسبوعين، كان أكثر الأخبار إثارة للاهتمام بالنسبة لي. لا أدري لماذا رأيت فيه علامة هشاشة واختلال، ربما لأنني كنت واحد ممن يتخيلون أن الإصلاح محصن من الانقسام إلى حد كبير. بمعنى أن تصرف باصرة جعلني أعيد النظر في تصوري التقليدي عن البناء التنظيمي الذي لطالما ظننته غاية في الصلابة! ومع ذلك يمكن رؤية الأمر من زاوية مختلفة، واعتباره مؤشر عافية وليس مؤشر مرض, طالما أن باصرة مارس حقه في الاختلاف من داخل الحزب ولم يقرر الانشقاق في حين لم يسارع الحزب إلى فصله. 

شخصيا أدرك أن الإصلاح ينجز تحولات لا بأس بها من سنة لأخرى، بيد أنها تسير بخطوات متكاسلة وجلة في عالم مندفع لا يكف عن التقدم والتغير على كل المستويات. فيما مضى كانت الخلية التنظيمية هي الوسيط شبه الوحيد الذي يحصل من خلالها الفرد الإصلاحي على مادته التثقيفية السياسية والدينية. لم يكن يتعرض لهذا الكم من المؤثرات ومصادر المعرفة والمعلومات، مع جرعات من التوجيه والتحليل. كانت السيطرة والتحكم في الماضي سهلة، لقد تغير كل شيء، وبات الإصلاحي مثل غيره من اليمنيين عرضة للتأثيرات الخارجية، يسمع ويشاهد ليل نهار، ويحاكم بعقله ما يسمعه ويخضعه للتمحيص. في حال كهذه تصبح مهمة بناء قالب ذهني وفكري يحمل لون واحد أصعب مما يتخيل المرء. 

ربما هذا يفسر التنوع الكبير والتفاوت في وجهات النظر والمواقف الذي يبدو عليه الإصلاحيون في السنوات الأخيرة بين شخص وآخر ومنطقة وأخرى وبين درجة تنظيمية وأخرى. لكن هذا التنوع الرائع قد يغدو مقدمة للتحلل والانقسام، إن لم يسارع الاصلاحيون إلى تحديث الهياكل والمعايير واللوائح التنظيمية للحزب بما يستوعب هذا التنوع ويعترف به لكي لا يكون الإصلاح حزب مزدوج الشخصية، يعاني هوة سحيقة بين صورته كما تبدو من خارجه وبين صورته من الداخل. 

أظنني في غنى عن الإشارة إلى أنني أكتب هذا وأنا لا زلت أعتبر نفسي أقرب إلى الإصلاح من أي حزب أو جماعة أخرى، مع أني أضع تحيزاتي وتفضيلاتي السياسية والعقائدية جانبا أثناء الكتابة. وأعرف أن ثمة من سيعتبر هذه المقالة إساءة للإصلاح، وسيردد البعض محفوظات بائسة في سبيل تفنيد ما كتبته. لكني يشهد الله لم أنوي قط التحامل على حزب نشأت في كنفه، أريد فقط أن أساهم في تقييم ونقد هذا الكيان الكبير، وتحفيز الجدل وإثراءه. 

غير أن الإصلاح في الأخير ليس قبيلة ولا عصبة. الإصلاح كما ينبغي أن يقدم نفسه هو: خيار سياسي واقتصادي واجتماعي، ضمن خيارات ومكونات كثيرة، وليس مطلق. إن منطق وأخلاق القبائل لا تلائم حزب على الإطلاق. 

الجمعة، 26 أغسطس 2011

لا أستطيع الاقتناع بهذا المنطق لتبرير الانفصال

أعتقد أنه لا يمكن المجادلة بالتفاوت واللاتجانس الثقافي المزعوم من أجل تسويغ هدم أمة من الأمم. الفوارق بين البشر كأفراد وبين المجتمعات البشرية سمة أساسية ارتبطت بالحضارة الإنسانية منذ فجر التاريخ وليست حكرا على اليمن.

لا أستطيع الاقتناع بهذا المنطق (يا نبيل الصوفي) لتبرير الانفصال. وإلا فقريتي متباينة بشكل كبير عن قرية بني العصري التي لا تبعد عنا أكثر من كيلو متر. هناك اختلاف طفيف في اللهجة وفي نمط الحياة وبعض المظاهر والخصال والطباع. ثم إن أكثر الأمم قوة الآن هي تلك التي تتميز باللاتجانس العميق، وهي تلك التي تتألف من أعراق وأجناس وديانات ولغات مختلفة.

وبالتالي لا تنطلق من حقيقة أن قرية في عمران مختلفة عن قرية في لحج او حضرموت لكي تنتهي إلى القول بأن الوحدة لا تستند إلى أساس متين، وأنها باطلة لأن اليمن لا تمتلك مقومات وعناصر الدولة الأمة. هذا أسلوب مجاف تماما للمنطق والتجربة الإنسانية ولمفهوم الدولة الأمة نفسها.

أفكر أن اليمن كمجتمع تاريخي وجغرافي موغل في القدم لديها ركائز بناء دولة أمة بأكثر مما لدى سويسرا أو اسبانيا وايطاليا ونيجيريا وبلجيكا وأثيوبيا، ناهيك عن الولايات المتحدة الأمريكية. "ففرنسا سلتية وايبرية وجرمانية. وألمانيا جرمانية وسلتية وسلافية. أما ايطاليا فهي البلد الذي تتعر ض فيه الاتنوغرافيا لأشد حالات الارتباك. اذ تتقاطع فيها, داخل خليط متداخل, عناصر غولية وأتروسية وبيلازجية واغريقية, ناهيك عن العناصر الأخرى الكثيرة. كذلك الجزر البريطانية, فهي تقدم مزيجا من الدم السلتي والجرماني بحيث يصعب جدا تعريف المقادير والنسب"، بحسب المفكر الفرنسي ارنست رينان.

الدين كما يقول هنتنجتون هو أهم وأعمق فجوة يمكن أن تفصل الإنسان عن أخيه الإنسان، أكثر من اللغة والعرق أحيانا. اليمن وبكل بساطة وبعيدا عن الاختباء وراء العموميات يدين بديانة واحدة ويتكلم لغة واحدة ويملك ارث ثقافي واجتماعي مشترك هنا ومتفاوت هناك. في الجانب السياسي عاش اليمن انقطاعات تاريخية كثيرة واتصالات، ولقد تفاوتت الخبرات الإنسانية تبعا تفاوت المؤثرات الخارجية أحيانا.

تجنبا لأي لبس أسارع إلى القول انني إذا كان علي دعم خيار فك الارتباط فإن ذلك لن يكون الا لسبب واحد هو الفشل في بناء الدولة القائمة على المواطنة والقانون والمؤسسات والعدالة. يمكن للجنوبي ان يقول انه يشعر بالتمييز السياسي والاقتصادي والظلم الاجتماعي، وأنه غائب عن الفضاء العام كثقافة وشخصية، بوسعه أن يتحدث عن الصيغة غير الملائمة لدولة الوحدة، يتحدث عن التصرفات الهمجية للمتنفذين الشماليين المحتمون بهذا النظام الذي هو الآن كما نأمل في طور الأفول.

هذا المنطق أكثر تماسكا ومعقولية لتسويغ فك الارتباط من ذلك الحديث عن تفوق الإنسان الجنوبي عن الشمالي وأن الأخير مقضي عليه بالبقاء في مستوى الهمجي الذي لا علاج له.

على أن ثمة إصرار على تعريف روح الجنوبي من خلال منظومة القيم التي تمثلها مدينة عدن. وهذا تضليل ودجل لا تستقيم معه المعطيات الانثروبولوجية، وهو لا يستند إلى مؤشرات ومعايير واضحة، بقدر ما هو خلاصة وحكم مسبق مبني على الانطباع والتكرار. كما لا يمكن تعريف الشخصية الشمالية من خلال حاشد أو أرحب، المجتمعات في الأخير تتشكل من أفراد، وليسوا كتل بشرية وجدت هكذا منذ الأزل وستستمر هكذا إلى أبد الآبدين.

من ينكر أن هناك تفاوت بين الجنوبي والجنوبي، وتفاوت شمالي شمالي يأخذ طابع مذهبي أحيانا، لكن هناك قواسم مشتركة. أفكر أن ما يجمع رجل في تهامة بآخر في حضرموت أكثر بما لا يقاس من الأشياء والخصال والرموز الدينية والثقافية التي تجمع الرجل في حضرموت مع رجل في الضالع مثلا أو أبين.

لا تتحدثوا عن المدنية، لأنني سأطالب بتصوركم لماهية المدنية، أعطوني سلم قيم نستطيع من خلاله التعرف على جوهر وروح الشخصية الجنوبية في مقابل جوهر وروح الشخصية الشمالية؟

الاختلال الموجود سياسي بامتياز، الخطير هو أن تستغل هذه الفوارق في التقاليد الثقافية البسيطة سياسيا، وتغذى لأغراض ومقاصد سياسية، إذكاء الشعور بالتفوق والتمركز حول الذات، والاحساس بالاستهداف والارتياب والكراهية.

التفاوت موجود والتجانس موجود. نستطيع العثور على سمات وتقاليد ثقافية مشتركة كثيرة إن أردنا ذلك مثلما نستطيع العثور على نقاط اختلاف لا حصر لها، التافه منها والهام. لكن هذا التفاوت حقيقة يجب التعايش معها وتحويلها الى مصدر ثراء، ليس المطلوب تذويبها قسرا بل يفترض أن تؤخذ فقط بعين الاعتبار أثناء تصميم شكل الدولة ووضع القوانين وتنظيم حركة المصالح.

لسنا أكثر تعقيدا وتنوعا من بلجيكا. وقد كافح البلجيكيون للتوصل الى نظام فيدرالي شديد الغرابة التعقيد يلائم التعقيد الذي يطبع بلجيكا.

أما الصور النمطية السلبية المتبادلة فهي شائعة في كل دول العالم تقريبا. خذ مثلا ألمانيا، فالصور النمطية راسخة بشكل عميق: "الشرقيون" عنصريون، وكسالى، ومثيرون للشفقة على أنفسهم بأنفسهم، في حين أن الغربيين أنانيون، ومولعون بالمال، ومتعجرفون.

ومع ذلك لن نطلب من إخواننا في الجنوب الانتظار حتى نجرب ما إن كان بمقدورنا العيش في ظل صيغة مختلفة للوحدة من خلال تصميم نموذج ذكي يتلافى القصور والاخطاء التي تركت كل هذا الكم من الظلم والصراخ في الجنوب والشمال على حد سواء.

لندعهم يحددوا خياراتهم سواء جرى بناء هذه الخيارات على أوهام أو على حقائق.

السبت، 20 أغسطس 2011

أحمد علي عبدالله صالح

إذا خطرت ببال أحمد علي فكرة خلافة أبيه في كرسي الرئاسة، فعليه أن يعيد النظر في مدى أهليته ليكون حارس بوابة في شركة سفريات وسياحة، وليس فقط في مدى أهليته ليكون قائد عسكري كبير. مجرد أن تخطر بباله تضعه في مصاف المغفلين.
التفكير في مسألة كهذه في ظل ظروف كهذه، يتطلب جرعة ضخمة من البلاهة وربما الوقاحة والسخف وخفة العقل، ليس لأنها تجوز او لا تجوز طبقا لتقاليد بلد جمهوري، وليس لأنها مستفزة ورجعية وتتصادم مع الشعارات التي زين بها ولده نظام حكمه، بل لأنها غير ممكنة. يسجل تاريخ اليمن الشمالي أن الإمام احمد وصل إلى الحكم محمولا على اكتاف الثأر لأبيه، كانت اليمن حينها ربع اليمن الآن، ناهيك عن متغيرات وعوامل أخرى يتميز بها هذا العصر عن حقبة الاربعينات.
قد يحلم أحمد علي بالاحتفاظ بموقع عسكري ما، أو أن يهجر العسكرية إلى الحياة المدنية ويمارس نشاط سياسي أو في أي حقل يرغب فيه، هذا أمر يمكن أن ناخذ فيه ونعطي، لكن الرئاسة، والآن الآن، هذا مروع من جهة ويبعث على الشعور بالرثاء من جهة أخرى. من الصعب تقييم شخصية هذا الرجل, لندرة ظهوره الاعلامي على الارجح. لكن كما يقال أنه أخفق في خوض العمل السياسي المدني عبر انتخابه عضوا في مجلس النواب نهاية التسعينات، ذلك أن هذا العمل يستلزم مهارات معينة وتدابير وملكات شخصية فطن الرئيس إلى أن ابنه يفتقر إليها، من قوة حضور وبراعة في الحديث وفهم.
لهذا سلك درب آخر، الدرب الذي سلكه والده وبلغ من خلاله ما بلغه. هذا الدرب سهل ويستدعي مهارات أقل، كل ما يحتاج إليه هو أن يكون عفط. ياأحمد علي، أعترف أن مشاعري نحوك كشخص محايدة، غير واضحة، لا أستطيع أن ازعم بأنني أكرهك أو أحقد عليك، ولا استطيع القول أنني أكن لك مودة أو إعجاب من أي نوع. لم تظهر بما يكفي لكي يبلور المرء ازاءك انطباع جيد، والأحاديث التي سمعتها عنك مؤخرا عن الطريقة التي تفكر بها تترك شعورا مقبضا.
لكنك في نهاية المطاف ابن علي عبدالله صالح الرجل الذي حكم اليمن 33 سنة، وهذا وحده سبب كاف لأقول لك ولعائلتك أن التطلع إلى خلافة أبيك بعد كل هذا الذي حدث ويحدث، سيعبر عن طيش وقلة حياء وصبيانية فظة. ليست جريمة بحد ذاتها كونك ابن الرئيس, فهذا أمر لم تشارك في اختياره، لكن الجريمة التي ستدفع ثمنها من فتوتك ومستقبلك هي أن تصغي لصوت المراهق في داخلك، الصوت الذي تلتقطه اسماع المحيطين بك من ابناء الطبقة الرفيعة ويطربون له، اولئك الشبان المدللين والشغوفين بالماركات أكثر من أي شيء آخر، لا كتب ولا معرفة ولا مؤشرات.

أسئلة محرمة (جدل على صفحات الفيس بوك بشأن الحوثية)

بوسع الحوثي أن يبتكر تعريف مختلف للصراع الذي يجد نفسه طرفا فيه. أقول هذا صادقا وحتى على سبيل النصح، ومن منطلق تقديري لحجم القاعدة الاجتماعية التي يتمتع بها في عدد من محافظات شمال الشمال، وإن كان قد انتزع شرعية وجوده المهيمن على مناطق صعدة وغيرها بالإكراه كنتيجة لحرب حمقاء انكسرت فيها جيوش الدولة، أو حملت على الإنكسار. فقوته العسكرية الجبارة لا تعكس قاعدته الاجتماعية بالضرورةـ لكنها تعكس هشاشة الدولة ممثلة بسلطة طائشة عمياء منقوصة الشرعية. 

أي أنه فيما لو كتب لليمنيين انتقال آمن للسلطة وتمكنوا من التوصل لاتفاقات ومواثيق من شأنها إعادة صياغة الدولة في ضوء عقد اجتماعي جديد، سيكون بحاجة لتحديث شرعيته هناك لتغدو شرعية انتخابية. 

إقحام الولايات المتحدة الامريكية في حوادث محلية صغيرة يتنافى مع منطق الاشياء. محض استخفاف. لا تصلح مادة مقنعة لعقيدة قتالية ولا برنامج عمل سياسي ولا عنصر مشوق في خطاب إعلامي ودعائي ذكي وجاد. 

بإمكانه على الاقل أن يتبنى سردية المتعاطفين معه هنا في صنعاء والمحسوبين عليه، وجملة التفسيرات التي ينتجونها بأثر رجعي متخذين من التاريخ دليلا، لكنها في النهاية معقولة إلى درجة معينة، بغض النظر عن مدى دقتها، على شاكلة الدفاع عن الهوية الزيدية المهددة بالتلاشي، والحق في الاعتقاد الديني والتبشير به أسوة بغيرهم من الجماعات والمذاهب، وتعليم ما يؤمنون به، ومناهضة التمييز ضد الهاشميين وانحراف نظام الحكم، وشرعية البطنين، ومجابهة الزحف الوهابي، أو الشعور بالتهميش الاجتماعي والتضييق السياسي، والبحث عن العدالة المفقودة. كل هذه مفردات عامة يمكن تسويغ وجودهم من خلالها وإطلاق التفسيرات للحوادث في إطارها بدلا من إلصاق تهمة تفجير مركز صحي في الجوف بالامريكان والصهيونية العالمية. 

اليمنيين صاروا ينظرون للحوثية كظاهرة تحمل وجه ثلاثي الأبعاد، سياسي ديني عسكري، وربما اجتماعي، ظاهرة صاعدة تحكمت في ولادتها عوامل وملابسات لا حصر لها بعضها غامض. هذه النظر تترافق مع طموح باختفاء الجانب العسكري من تكوينهم لمصلحة السياسي والاجتماعي الذي ينطوي على خلفية دينية ما. 

ومع انطلاق الانتفاضة الشعبية الأخيرة صار الحوثيين في نظر الطبقة السياسية اليمنية رقم مهم في معادلة سياسية وطنية، ولا أحد يراها حركة مقاومة أو رأس حربة في صدام الحضارات. 

لئن بدا هذا مفهوما من تنظيم عابر للحدود وليس له جذور اجتماعية ثابتة كالقاعدة، فمما يتعذر فهمه أن يتمسك الحوثيين بهوية سياسة تتناقض مع ما هم عليه فعلا، وما يفترض أن يكونوا عليه. 

......... 

اسئلة محرمة 



الحوثية لم تطرح نفسها كحزب سياسي مدني، على اعتبار ان الحزب صيغة تنظيم اجتماعي حديثة، تقوم نظريا على مبدأ المواطنين الاحرار. وليس تحاملا إن جرى تعريف الحوثية بوصفها مجموعة دينية وعظية دون وطنية ولا عقلانية، تحركها الاوهام والخرافات والسرديات الكلية، وهي لا تنفتح إلا على قاعدة اجتماعية محدودة تتغذى من موروث تاريخي ضيق ومزيج من المؤثرات الدينية الوافدة والمحدثة. 

كأي ظاهرة في طور التخلق والنمو، سنجد انفسنا في ورطة لو حاولنا الاتفاق على تعريف دقيق للحوثية, لكن يجب ان نتخلص فقط من النظرة الاحادية للاشياء ونتسلح بكل المعطيات والحقائق المتاحة من اجل فهم وتقييم اكثر موضوعية ونزاهة 

الحرب اكسبتها طابعا سياسيا ربما. لكن مع الانتفاضة الشعبية الاخيرة، ومع بدء انحلال الروابط والفضاءات ذات البعد الوطني الاوسع، بدأ الكثيرون يهاجرون الى الروابط والتضامنات دون الوطنية. وانهمكت بلا كلل بعض النخب، ومنها من ينحدر من تيارات يسارية عريقة، في نسج الاواصر مع الحركة الحوثية، وراحت تعمل بشعور من الحنين أو الخوف على اكتشاف نقاط الالتقاء معها في التصورات والمثل. يفعلون ذلك، إما لعوامل تاريخية او جغرافية او سلالية، او لموقف ثقافي شخصي من جماعات وقوى اسلامية أخرى. 

من يوم لآخر تختلف نظرة الحوثيين لانفسهم في صعدة وفي خارجها. لكنهم في صنعاء يحاولون الظهور بالمظهر الذي يلائم هذه النخب المتقاربة معهم، ويلائم نظرة هذه النخب للحوثية التي يحلمون بها. وهذا جيد في المحصلة، لكن تظل السردية الاسلامية الزيدية المتحولة هي ركيزتها حتى هذه اللحظة. 

لست وحدي من تنبه الى طور جديد من الحوثية. لكن هل الامور مثلما توحي به المظاهر؟ وهل الفجوة ضيقة بين المعلن والمضمر من المواقف والرؤى والتوجهات؟ هل الحوثية تملك زمام نفسها وتمتلك حق تشكيل هويتها السياسية أم ان الاحداث والازمات اليمنية، كما درجت العادة، هي التي تشكلها من خلال الطريقة التي تتفاعل بها معها؟ 

ولماذا ينجح المثقفون في بناء الثقة مع اطياف الحوثية في حين يعجزون عن فعل ذلك عندما يتعلق الامر بحزب اسلامي مثل الاصلاح، يحظى بقاعدة اجتماعية اوسع نطاقا ونهج سياسي منفتح حينا ومنغلق حينا آخر، منفتح على مستوى القمة ومنغلق على مستوى القاعدة، منفتح على مستوى الخطاب منغلق ومتحفظ على مستوى الممارسة. حزب كبير امتداده وهمومه وطنية على طريقته طبعا، لكني اتفق مع النقاد بأن فيه من النقائص بقدر تلك التي قد تعتري اي جماعة تحركها من الداخل الايديولوجية الدينية فوق الوطنية او دون الوطنية؟ هل التصرفات الخشنة، وكنت انا احد ضحاياها، التي ارتكبها عناصر من الاصلاح في اللجان الامنية بصنعاء كافية للحكم على الاصلاح بعدم صلاحيته، ودمغه بالتالي بالارهاب والتخلف بدلا من مساعدته على تخطي عثراته ومواكبة التحول؟ 

وجد الحوثويون فرصة في الانتفاضة لاظهار الجانب الناعم في حركتهم، وغفر لهم المثقفون والحقوقيون تاريخهم العنيف وتفهموا حملهم السلاح، وهذا جيد، لكن هل هم ناعمون بقدر ما تقول المظاهر، في تلك المناطق التي اخضعوها لنفوذهم ويتمتعون فيها بالتفوق العسكري. كيف نحكم على جماعة او حزب؟ ما هي الحيثيات التي نستند اليها؟ الجماعات مثل الافراد بامكانها ان تتظاهر بخلاف ما هي عليه، للحكم على الاصلاح نستحضر فتوى الديلمي وتصرفات اليدومي في الامن الوطني، لكن هذه الطريقة في التفكير تفقد مفعولها عندما يتصل الامر بالحوثية. لماذا؟ 

ما هي دلالات أن يحصد الحوثيون نجاحا في ما اخفق فيه الاصلاح بخصوص تأسيس علاقة تفاهم براجماتية مع بعض المثقفين من بقايا اليسار بالذات؟ 

في ظني ليست الخشية من تدخل الاصلاح في الحياة الخاصة للشخص وفرض نمط أخلاقي وسلوكي معين، كافية لتفسر هذه الحالة، ثمة ما هو ابعد بكثير، والمسألة تحتاج بحث ونقاش اوسع. 

للمسألة مثلما طرح الاصدقاء جذور تاريخية هذا من ناحية ومن ناحية اخرى لان الحوثية لا تفرض عادات سلوكية واخلاقية ذات طابع ديني طبعا هنا في صنعاء مش عارف كيف الوضع في صعدة موقفها من الفنون لا يزال مش واضح ايضا. وهناك دائما النكاية والخوف من الاصلاح والتيار السلفي اللذان تجمهما مع اليسار ماضي صراعي تجاوزه البعض ويعيد احيائه وانتاجه البعض الآخر. 

قصدي أن التباس موقفهم من قضايا مثل المرأة والحريات الشخصية والفن يساعد في تقريب هذه التيارات مع الحوثيين في صنعاء. وقد يكون الالتباس متعمد او غير متعمد وقد يكون ملتبس بالنسبة لنا فقط. وقد يتصرفوا على هذه الشاكلة بغية تقديم نموذج نقيض للاصلاح والسلفيين من شأنه جذب العلمانيين واليسار مثلا. 

هل يعاني الحوثيون من ازدواج واعي في الهوية وتعدد في الشخصية؟ أم ان المثقفين هم من يعانون ذلك؟ وهل حوثيو صنعاء حوثيون بما يكفي؟ اريد فهم ما اذا كانت الصورة التي يحملها الحوثيون عن انفسهم تنسجم مع الصورة التي يطورها لهم حوثيون موالون في صنعاء. 

بقي السؤال الاخير: أن يكون المرء اصلاحيا وفهمنا، لكن ما معنى أن يكون المرء حوثيا؟ 

....... 

إنه لمن المؤسف أن أرى مثقفا يقول انه يساريا وهو يفقد حسه النقدي ويطلق بحماسة خلاصات واستنتاجات وتعميمات مجندا طاقته في خدمة اهواءه وتحيزاته بدلا من الانحياز للعقل والمنطق الذي يميز الاتجاه اليساري عادة. 

انا لست كاتبا جيدا، وهناك قضايا واشكاليات في هذه البلاد لا يمتلك احدنا الا ان يقف امامها حائرا متسائلا، ومنها ظاهرة الحوثية وعلاقتها الدافئة ببعض المحسوبين على اليسار. 

حتى انني لم اكن بصدد ادانة هذه العلاقة ولا تجريمها، وأنا من أكثر من نادى الحوثيين بالتخلي عن السلاح وانتهاج نهج آخر لنيل حقوقهم المشروعة، ففي اليمن المثقلة بماض دموي وحاضر دموي، يصبح ابتكار اساليب نضالية جديدة اكثر عصرية تجنب سفك الدم، يصبح أي عمل يحول دون الاقتتال هو العمل الثوري والمدخل الجديد في سجل التاريخ اليمني. 

ببساطة كنت احاول الفهم فقط ومعرفة الى اي مدى تكون المعايير مزدوجة في حكمنا على الاشياء والظواهر. لقد رسمت يابشير للحوثية صورة رومانسية تجعل من الحوثي مارتن لوثر كينج ومن الحوثية حركة الحقوق المدنية بفنونها وآدابها وأساليب عملها. 

مستغرب كيف تتبنى مفهوما للثورية يجعل من كل ما يقوم به الحوثي في صعدة عملا ثوريا، وأن هذا المزاج هو الذي يقربها منك، بصراحة هل كل من يرفع سلاح وينشق ويقتل بداعي الدفاع عن النفس او عن الله او ضد اشباح الصهيونية واليهود والامريكان، هل هو ثوري؟ هل تقاس الثورية بالقضية التي ينادي بها تيار من التيارات او جماعة من الجماعات، أم بمجرد رفع السلاح وتسلق الجبال وتفجير المنازل يصبح اي شخص ثوريا يضعه على مقربة من مزاج اليسار؟ 

ما هي القضية المركزية للحوثي عندما انبثقت حركته، كيف كان يعبئ مليشياته وينمي فيها نزعة الاستشهاد والموت، هل هو امين معهم ومع مواطنيه في رسم العقيدة القتالية لهم، معلوم أنه يقنعهم بأنهم ينازلون اليهود في مران وضحيان وغير ذلك. انسى على عبدالله صالح هو مجرم وعلي محسن مجرم انسى فرضية من ابتدع الحرب، انسى الزنداني وتطرفه والوهابية وانحطاها، واسمح لنفسك بالقاء نظرة في عقل الحوثيين. بغض النظر عن عدالة قضيتهم او غير ذلك، اترك التفسيرات والتعريفات التي جاءت لاحقة لانطلاق الحوثية، بأثر رجعي، وحدثني عن شعاراتها وكيف انها تزعم انها تقتل الامريكان واليهود، أهذه قضية ثورية؟ 

لو استخدمنا مفهومك هذا للثورية، اذن فانور العولقي وابو جندل وتنظيم القاعدة جماعة ثورية يفترض ان تكون بمزاج يروق اليسار الذي تحدثت عنه، وليس اليسار الذي افهمه. 

لا يمكن الحكم الحوثية من خلال شخص متعاطف معها في صنعاء أو تم دفعه ليتبنى وجهة نظرهم او لاسباب انتهازية محضة، حدثني عن فكرة الحوثية وبنيتها ونظرتها للآخر واجنداتها، اي تكن سواء جيدة او سيئة لكن ابني حجتك على اساس مش تلفيقات وأوهام وعواطف. 

اتفهم سخطك من الاصلاح ونظرتك لهم ككهنوت ظلامي راديكالي لكني اطلب منك ان تعيد النظر في تقييمك للحوثية بأسلوب نقدي ثقافي يرتكز على معطيات وشواهد تؤكد ما ذهبت اليه. انسى الاصلاح لن ادحض او اؤكد حكمك عليه، كرس جهدك فقط لتبيان الطريقة التي توصلت من خلالها لهذا التصور الجذاب للحوثية. 

على عكس الظاهرة الحوثية، من السهل التوصل الى تقييم منهجي شامل للاصلاح، أكانت نتائج هذا التقييم صورة باعثة على الخوف أو الاطمئنان أو الشعور المتأرجح بين الشك والثقة. والسبب في نظري هو أنه قدم نفسه منذ تأسيسه كفاعل مشارك في المجال اليمني العام، ولعب دورا اساسيا في الحراك السياسي الثقافي الذي شهدته البلاد في السنوات الأخيرة وهو يطرح مشاريعه ومواثيقه النظرية في الحقل السياسي، ويعترف ضمنيا وصراحة انها مستوحاة من المرجعية الدينية التي يقوم بتكييفها وفقا لمعايير القيم والمفاهيم ونظريات الاجتماع السياسي الحديثة. وهو كأي حزب اسلامي يرى نفسه ويرى الآخر من خلال هذه المرجعية. 

... 

يابشير بامكاني ان اصور الاصلاح بالطريقة التي صورت بها الحوثيين واكثر. بامكاني ان اقول انه ليبرالي مدني يحترم حقوق الانسان وينبذ العنف ويمتلك اجندة اقتصادية خلاقة ويحترم فردانية الفرد وووو لكن بدون ان اسندها بمعطيات ووقائع يصبح هذا النوع من الكتابة مجرد ثرثرة فارغة متأنقة. انت وصفت الحوثية حتى جعلتني اتلفت يمنة ويسرة اين انا عايش وما سمعت بهذا كله؟ الكاتب الذي لا يمتلك اجوبة جاهزة فعلى الاقل يثير اسئلة هذا الكاتب الجيد اما الانشاء المبني على دعاوى لا تقوم على اساس فهي وظيفة سهلة تقوم بها اجهزة الدعاية والتسويق. نريد اعادة تعريف اليسار وتعريف الحوثية اليسار ظاهرة في طور التلاشي والحوثية ظاهرة فتية غير واضحة المعالم وانت قد اسبغت عليها صفات استغرب من اين استقيتها وكيف توصلت اليها؟ قد نتفق معك في ما يخص توصيفك للاصلاح على ما فيه من تعميم ومن نظرة احادية لكن وصفك للحوثية على هذا النحو يوحي بانك تستلم لاهواءك اكثر من انصياعك للحقائق والمعطيات. الدعاوى شيء آخر يختلف عن الكتابة المحترمة 

... 

انا مستقل ولست محايد والمستقل لا بد ان يتناول كل القضايا والاطراف بجرأة وبدون محاباة لكن المحايد يضطر للمداهنة ونيل رضى كل الاطراف. من جهتي لطالما تناولت الاصلاح بالنقد وكذلك الحوثيين. ليس لدي موقف من عقائدهم انا اراقب المسار الموضوعي للاحداث ولدي تحيزاتي التي احاول قدر ما استطيع مقاومة ظهورها في ما اكتب. 

الله يسامحك يااحمد شوف كيف جالس اكتب مرافعة عريضة طويلة لاثبات ما يتعذر اثباته اصلا. لان نظرتنا لبعض مشوشة محكومة بالاوهام والافكار المسبقة وجنون الارتياب احيانا، جو مسموم مفعم بالشك وانعدام الثقة. 

يعني اي عملية نقد وتحليل للحركة الحوثية يقرأ على انه فوبيا مصدره الاخوان وما شابه؟ لماذا لا نفسر موقف المثقفين المناوئ للاصلاح على انه فوبيا وليس من منطلق معرفي وموضوعي يتحرى الانصاف. أنا لم اذكر امامة ولا نذرت نفسي للدفاع عن الثورة. ردة فعلك يااحمد تشير الى احتقان شديد يعكس نفسه في كل كلمة كتبتها, تكتب شيء وتريد شيء آخر, احضر في ذهنك وكأني عبدالله صعتر تقوم بتمرير رسائلك بشكل افهمه جيدا.

في طور اليمن الخام

يتفق لي أن أفكر بأن القضية الجنوبية ذات بعدين مركزيين: الأول بعد سياسي يتصل بالطريقة التي تمت بها الوحدة وإفرازاتها، ثم حرب 94 ومضاعفاتها من إحساس عميق بالاقصاء والحرمان، والاغتراب، ونهب أراضي وسلب حقوق وتسريح ضباط وموظفين وغياب الهويات الجنوبية عن الفضاء العام المشترك. 
الثاني: بعد تاريخي حضاري يتعلق بسيرة حياة جنوب اليمن في مقابل سيرة حياة شمال اليمن, إلى أن انتهت حركة التاريخ بالشطرين أن يصبحا كيانين مستقلين كل منهما يتمتع بالسيادة، وفي لحظة ما اتفق الكيانين على الاندماج والذوبان أحدهما في الآخر استنادا إلى خلفيات وقواسم مشتركة تاريخية وثقافية وجيوسياسية. 
حقق شمال اليمن وحدته مطلع القرن العشرين عن طريق الغزو والضم والالحاق، وفي ستينات القرن الفائت هندس البريطانيون وحدة اختيارية سلمية لكانتونات صغيرة مستقلة شكلت ما اطلق عليه الجنوب العربي، احتوى على بعض السلطنات والامارات وليس كلها، إذ حافظت سلطنتي حضرموت مثلا على استقلالهما. لكن ضمن احدث ثورة اكتوبر جرى أخيرا ضم بقية السلطنات بالغزو والضم والالحاق أيضا وتأسست جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبيةـ بلا استفتاء ولا تفويض.
هذا بعني أن وحدتي الجانبين كل منهما على حده، وحدتي نخب فوقية فرضت خياراتها بدون استفتاء أو تراض, لكن عندما اندمج الشطرين انطوى الاتفاق على مستوى من التراضي النسبي، وإن كان للطبقة السياسية العليا الكلمة الفصل. وفي أعقاب أول انتخابات كان يفترض ان تنهي مرحلة التقاسم والمناصفة ليصبح الاندماج كامل وعلى أسس وطنية، اندلعت ازمة انتهت بحرب، تم فيها اجتياح الجنوب عسكريا، لكن بمشاركة فصائل جنوبية كانت ضحية التهجير منذ ستينات القرن الماضي وحتى نهاية ثمانيناته.
عمليا تلاشت دولة الجنوب، مثلما تلاشت مؤخرا دولة الشمال وإن بقي بعض من مظاهرها الا أنها تهدمت في العمق. الباقي سلطة تحكم بهياكل وبنى دولة خداج رخوة هجينة تلبي حاجة الحاكم، بلا ملامح ولا خصال. 
وفي الطريق العكسي الى وضع ما قبل الوحدة، أصبح الجنوبيون يعانون أزمة تمثيل لقضيتهم، أي حامل سياسي يلعب دور الشريك في أي عملية سياسية تفاوضية. الحزب تفكك والدولة ذابت، والحراك متشرذم، والاختلالات التي طبعت عملية توحيد الجنوب في حقبة الستينات تلقي بظلالها حاليا في وقت يتطلع فيها الجنوبيون لفك الارتباط مع الشمال وأحيانا فك الارتباط بعضهم تجاه الآخر، وهذا الوضع يرفع من وتيرة تعقيد المسألة، ويجعل من فكرة الانفصال مستحيلة لكن فكرة التمزق الشامل تفرض نفسها بقوة. 
الشمال ايضا لا يمتلك الآن حامل سياسي موحد، لا يوجد من يمكنه لعب دور الشريك مع الجنوبيون، لتوقيع الاتفاقات أو نقضها. بنشوء جماعة الحوثي، لقد انهارت وحدة الشمال ايضا وعاد الشمال إلى ماقبل 1918، أي إلي مرحلة شبيهة بصلح دعان.
الآن نحن اقرب إلى اليمن الخام، يمن ما قبل الدولة المركزية، وأمامنا خياران: إما أن نبدأ فورا في العمل على اعادة بناء الدولة بالتوافق وبصيغة تتلافى كل أخطاء وهفوات التاريخ، أو أن ندخل في حالة صومالية مزمنة، تنشأ كيانات صغيرة هنا وهناك، يحالف الحظ بعضها وقد يمنى البعض الآخر بالفشل، تتناحر جماعات وعشائر وتسود الفوضى إلى الابد. حينها مثلما قال الدكتور ياسين سعيد نعمان لن نجد يمنا نختلف عليه لا جنوبيون ولا شماليون.
مبدأ تقرير المصير يشمل الآن كل اليمنيين بلا استثناء، فلا يصح أن تمنح هذا الحق منطقة معينة وتمنعه عن منطقة أخرى. 
هذا كلام بديهي جدا ولا ازعم أنني جئت بجديد، لكنه من وجهة نظري السيناريو الأقرب إلى ما يمكن أن يحدث في ضوء المعطيات والمؤشرات الماثلة أمامنا.

الأربعاء، 27 يوليو 2011

مذكرة إلى زعماء وقواعد المعارضة والموالاة: أوقفوا الانهيار الآن

محمد العلائي
alalaiy@yahoo.com


جمال بن عمر، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، غادر اليمن دون أن تسفر زيارته عن شيء. مثلما غادر قبله كثيرون، الزياني وفيلتمان وبرينان. 

قبل يومين، اقترحت، في صفحتي على الفيس بوك، إعادة النظر في المعاني المستوحاة من المثالين التونسي والمصري ومعاييرهما، لكلمات مثل: النصر والنجاح والفشل والكسب والخسارة، كخطوة أولى في طريق النصر. وقلت: أن ترعى وتضمن الأمم المتحدة والقوى العظمى ودول الإقليم عملية سياسية تفضي إلى تغييرات عميقة تطال بنية الدولة والنظام السياسي والانتخابي ويسبقها أو يتبعها انتخابات رئاسية، لهو نصر مبين للثورة. فمجرد أن تجرى انتخابات ليس فيها الرئيس صالح مرشحا ولا أي من عائلته، ليس بالأمر الهين. حتى لو احتفظ صالح بتأثير مؤقت على المرشح الفائز، إلى أن يتم إرساء موازين قوى جديدة. 

ولقد نظر أحد الشباب إلى هذا المقترح كدعوة لإنهاء "الثورة". لم يوضح إن كان يقصد بالثورة ساحات الاعتصام فقط، أم الوجوه الأخرى للثورة. لهذا قلت له إن كان يقصد بالثورة ساحات الاعتصام، فليطمئن لأنها لم تعد تشكل تهديدا حقيقيا للسلطة حاليا. أما إذا كان يقصد بالثورة كل الجماعات والفصائل المعارضة، المنشقة والقانونية، الانفصالية والوحدوية، المسلحة والسلمية، أي كل القوى التي تتخذ من معارضة علي عبدالله صالح أرضية مشتركة تقف عليها، وكل ما يمثل خطر ماحق للسلطة بل وللدولة أحيانا في آن، فإن هذا الجانب من الثورة ليس بالضرورة مرتبط ارتباطا عضويا ببقاء الساحات أو غيابها، لأن بعضها سابق للثورة نفسها وبعضها من مفاعيل الثورة. 

(التمرد في صعدة وتداعياته في الجوف وتجاذباته الإقليمية، انشقاق علي محسن ومعه جزء من الجيش، تنظيم القاعدة، الحراك الجنوبي بتياراته ومكوناته المبعثرة، نضوب النفط والأزمة الاقتصادية والفقر، الحروب الصغيرة هنا وهناك، بيت الأحمر ومليشياتهم، واللقاء المشترك وجماعاته). 

هكذا سيبقى المشهد في غياب الساحات. سيعود علي عبدالله صالح على وطن يغلي ويتمزق. سيقترح الأولاد أو رجال البلاط العميان بأن الثورة فشلت لأن الساحات طوت خيامها وانفضت. سيكون ممتلئ بالنشوة لبعض الوقت، بعد أن حظي باستقبال مهيب ربما. وفجأة يغرق في الوهم بأن شرعية جديدة قد نبتت من بين حطام جامع الرئاسة. 

سيخطر بباله أنه كسب الرهان وانتصر. 

وهذا أيضا مفهوم مضلل ومخادع للنصر والنجاح والفشل. والخطوة الأولى في طريق نجاح صالح الحقيقي تبدأ هي الأخرى بإعادة النظر في معنى النصر والفشل. التاريخ يسجل أن الأنظمة التي تمكنت من إخماد ثورة ما، تبادر على الفور إلى محاكمة وإعدام رموز الثورة أو الزج برفاقهم في السجون وتعذيبهم. علي عبدالله صالح لن يمتلك هذه الرفاهية، حتى لو بدا له أن الثورة فشلت بعودة الناس من الساحات. 

العقد الأخير من حكم الرئيس صالح، اثبت بما لا يدع مجال للشك أن الرجل أكثر هشاشة من أن يخمد تمرد أو يعالج مشكلة أو يغلق ملف من الملفات، لا عبر القوة ولا عبر السياسة. ولهذا لن تسعفه قوته لإنهاء تمرد الجيش عسكريا، ولا لملاحقة رموز الثورة ومؤيدوها، ولا الزج بقواعد الأحزاب في السجون ولا اجتياح الجنوب ولا كسر شوكة الحوثي. 

فشل الثورة كما يفترض المحبطون، أو الحالمون في جانب السلطة، يعني إعادة تتويج لعلي عبدالله صالح. هذه هي الكذبة التي نحبها. فشل الثورة بالنسبة لي هو الإخفاق في التوصل إلى تسوية تاريخية عبر المسار السلمي، تبدأ بجلوس كل هذه الأطراف على مائدة واحدة على أن يكون صالح، أو من ينوب عنه، طرفا مساويا في الوزن والإرادة لكل طرف، تجتمع كل هذه الإرادات وتعقد صفقات بعضها مع البعض الآخر، وتؤسس لشرعية جديدة. 

نجاح علي عبدالله صالح يكمن في مساهمته الفاعلة في انجاز هذه التسوية العظيمة، وليس في الابتهاج الكاذب بفراغ الساحات, بينما سلطته لا تستطيع اليوم ولن تستطيع غدا، توفير الخدمات التي تجعل من الدولة دولة. ثم إن الشعارات والأجندات التي ينادي بها المحتجين هي نفسها التي تنادي بها السلطة الحاكمة ومؤيديها، بمعنى أن تحويل مقولات مثل الديمقراطية والحريات وتداول السلطة والدولة اللامركزية والمواطنة المتساوية والعدالة وسيادة القانون، إلى مؤسسات وقوانين ونمط حياة، هو الثورة بحد ذاتها. الجموع على جانبي الصورة سيكونون شركاء في صناعة هذه الثورة، أي أن الثورة ستكون هي الحصيلة الإجمالية لهذا الحراك والحراك المقابل. (محمد حسنين هيكل رفض اعتبار ما حصل في مصر وتونس "ثورات"، وفضل اعتبارها مقدمات لثورات، أي إزالة حواجز بمعنى من المعاني). 

لكن لو سمح الموالاة لأنفسهم بالانتشاء لوهم الانتصار، سيكون الأمر أشبه بالرقصة الأخيرة لمافيا تحتسي الأنخاب بعد التنفيذ المحكم لجريمة ما، وعندما يوشكون على نسيان كل شيء، ينتبهون بغتة على "لمعة العيون الجائعة للأهالي الأصليين"، والتشبيه لدينو بوتزاتي في رواية "رعب في مسرح اسكالا". 

لدينا خبرة طويلة مع شخصية علي عبدالله صالح الزئبقية المولعة بنقض الاتفاقات أو التملص منها متى ما تسنى ذلك. ولا بد أن المرارة في حلوقنا طرية من تجربتنا بعد خليجي عشرين، عندما انقلب صالح حينها، مأخوذا بنشوة الفعالية الرياضية، على النقاط الثمينة التي توصلت إليها لجنة الأربعة المؤلفة من الدكتور ياسين والارياني والآنسي وعبدربه منصور هادي. لكن الآن هيهات، هناك متغير جديد هي فكرة الثورة التي استدعت اشتراط ضمانة دولية لأي حوار مع رجل بمواصفات علي عبدالله صالح، تجنبا لويلات الحرب. قد يتنصل حتى من مواثيق تصدر بها قرارات أممية، لكن على ماذا سيراهن هذه المرة؟ الواقع هو الواقع وقوته هي قوته لم تتغير، تحت أي راية سيخوض الحرب وفي سبيل ماذا؟ 

جبهته متماسكة الآن لأسباب تتعلق بنوع من التضامن الإنساني إزاء الخطر. دعوهم يعتقدون أن الثورة فشلت لكي تنتعش آمالهم من جديد، حينها ستشهد جبهته خلخلة أكبر وانشقاقات أعظم. وهي متماسكة الآن لأن خطاب الثورة لم يفلح في تقديم رسالته على نحو مختلف يلائم ظروفنا وخصائصنا، لم يكن غالبا لا جذاب ولا متسامح ولا مؤثر، كان خطابا متعجرفا عدوانيا مغرورا متوعدا ضحلا. وقف ابراهام لينكولن يخاطب أمة كانت في أوج انقسامها مثخنة بالجراح فقال: "لسنا أعداء بل أصدقاء... ربما اشتد الانفعال لكن يجب ألا يكسر روابط المحبة بيننا"، كذلك كان يفعل نيلسون مانديلا وغاندي ومارتن لوثر كينغ وباراك أوباما. 

عندما أسمع كلمة "حسم" تصدر من أي طرف كان، أول ما يتبادر إلى ذهني قذائف وأصوات انفجارات ونزوح ومذابح وجثة متورمة لعاملة نظافة في الحصبة. أكثر من ذلك، فكلمة "حسم" تجعلني أتخيل صنعاء بدون محمود ياسين ولا عبدالله دوبلة، وأشعر بنفسي مهجورا ومشردا في تلة من التلال النائية. 

فيما يخص الانتفاضة الشعبية، ربما تقع بعض الملامة على اللقاء المشترك، لأنه لم يبادر إلى محاصرة الآثار السلبية لثورتي مصر وتونس. لقد ترك الساحات سياسيا تسرح وتمرح على هواها عرضة للمؤثرات البريء منها والخبيث، بينما اكتفى بالسيطرة الأمنية عليها. فبرزت إلى السطح ظواهر تتسم بالغربة الشديدة والخفة في تعاطيها مع العمل السياسي. 

يمكن اعتبار توكل كرمان وخالد الآنسي بمثابة التجسيد الأمثل للإنعكاس السلبي المتأتي من سحر ثورتي مصر وتونس. وكنت تناولت التأثيرات غير المرغوبة لهاتين الثورتين على الحركة الاحتجاجية في اليمن، بنوع من التفصيل. كان هذا قبل شهرين تقريبا، وقدمت مقترحات أولية لبرنامج عمل ميداني يتألف من عدة نقاط تشدد على خصوصية النموذج اليمني واختلاف مساراته، ويهدف إلى محاصرة أعراض الحالة والمتمثلة حينها في وقوع الكثير من شباب الساحات تحت وطأة الإحساس بطول المدة ومعاناتهم مزيج قاتل من مشاعر الصدمة والخذلان وخيبة الأمل. 

وكنت أتوقع أن يؤدي اللقاء المشترك هذه المهمة، بكل شجاعة وحنكة، على اعتبار انه حافظ في مستواه القيادي على حس موضوعي نسبيا بالواقع وحقائقه ومقتضياته وممكناته، على الرغم من ممارسة المتحمسين في الساحات دورا ضاغطا كان له مفعول مزدوج على أداءات المشترك، فمن جهة كان هذا التطرف والتصعيد يعزز الأوراق التفاوضية للمشترك ويترك النظام أعزل، لكن من جهة أخرى ساهم في إرباك تحركات المشترك ومناوراته ونال من ثقته بنفسه، ناهيك عن أنه جعله عرضة أحيانا للتخوين والانتقاد الساخط والتعنيف. بمعنى أن المشترك أصبح في مستوى ما رهينة لهذا المزاج المتعالي على الواقع. 

حتى هذه اللحظة هناك من لا يريد تصديق أننا كنا نطارد أوهاما متوهجة تتسم بالتعقيد والرومانسية المفرطة، لقد كانت يوتوبيا ترفض الاعتراف بالواقع أو حتى إلقاء نظرة على محتوياته، والتعاطي معه ووضعه في الحسبان عند كل خطوة وحلم. 

أولئك الذين سمحوا لأنفسهم بالتحليق بعيدا متأثرين بخيال شخصي مخادع أو من كانوا فريسة لدعايتهم، يحتاجون بالفعل لمن يساعدهم لجعل أحلامهم أكثر معقولية وقابلية للتحقق. الأمر يشبه إعادة التأهيل عبر الجلسات العلاجية لشخص محطم الفؤاد يحمل على كتفيه عبء الخسارة والانكسار وكرب الرغبات غير المتحققة. وإنه لمن المؤسف أن تختار قناة الجزيرة البقاء في الهامش. 

لقد أنجزوا، والحق يقال، باندفاعتهم الرائعة ما لم يكن ليخطر على بال أحد قبل فبراير، ولقد حان الوقت لاستخلاص الدروس والتحلي بالحكمة والرشد والتواضع والمسؤولية. 

على أن اندلاع الحرب سيظل احتمال وارد حتى في ظل عملية سياسية واتفاقات. الفارق بين الحرب الآن والحرب في ظل اتفاق سياسي وفي ظل سلطة توافق وطني، هو أنها ستكون محدودة ربما بين جانبي الجيش، مواجهات يرجح أن تحدث أثناء عملية هيكلة المؤسسة العسكرية. بكلمات أخرى: من خلال العملية السياسية، بوسعنا أن نتفادى مخاطر الحرب الأهلية الشاملة، التي ستؤدي إلى مذابح ربما وفراغ سلطة، في حين يستحيل الجيش إلى مليشيات تائهة، والقبائل يمضون أيامهم على بيع الولاء، وترسانة الأسلحة الضخمة تذهب إلى أيدي الجماعات السياسية والعشائر والطوائف الدينية. عند هذه النقطة لن يحالفنا الحظ بأي فرصة لبناء دولة من جديد، على الإطلاق. 

الحرب في الحالة الأخيرة لن تضع فريقين وجها لوجه، إنها تضع سلطات متعددة في مواجهة مفتوحة، لأن الحرب تتحدى كل حساب تقريري، بحسب امبرتو ايكو. إنها لعبة تدمير ذاتي تنمو وتتطور خارج إرادة المتحاربين أنفسهم. وسيكون الظلم والمآسي الناجمة عنها أعظم بما لا يقاس من المظالم والمآسي التي نظن أننا نسعى من خلالها إلى دفعها. 

في الحروب التقليدية كانت الحرب "استمرار للسياسة بوسائل أخرى"، بتعبير كلاوزفيتز، حيث كانت تنتهي عند التوصل إلى حالة توازن تعيدنا إلى السياسة. لكن الأمر في عصرنا تغير، بحسب ايكو، فالسياسة التي تعقب الحرب هي استمرار للمقدمات التي وضعتها الحرب. 

من ناحية تقنية أكثر منها أخلاقية، لن يكون منطق تسويغ الحرب متماسك بالنسبة لكل فرقاء الصراع. 

باختصار شديد، إن تعثر الثورة نتيجة الحسابات الخاطئة والواقع غير المواتي وعوامل أخرى كثيرة، لا يعني أنه بقي للحكام فرصة للبقاء حكام، هذا غير ممكن، حتى لو ضمرت الثورة وتلاشت. الخطر الآن محدق باليمن كدولة وليس بالسلطة الحاكمة ولا بالانتفاضة الشعبية. 

أصبح اليمنيين بكافة انتماءاتهم وعقائدهم في عين العاصفة، وأمامهم فرصة الجلوس والتفاهم وتبادل الرؤى والأفكار بشأن بناء الدولة وتأسيس أرضية عامة ومثل وطنية عليا يلتف حولها الجميع، عقد اجتماعي جديد، "قوى متعددة تتنافس في مضمار واحد وفق قواعد مشتركة لضبط التنازع السياسي"، بتعبير ياسين الحاج صالح. 

سيكون أمام اليمنيين جدول أعمال مزدحم وشاق، لكنها مهمة تأسيسية بامتياز للدولة والنظام وشروط الاجتماع السياسي. إذا اخفقوا في هذه المهمة فلا احد بوسعه التكهن بما يمكن أن يحدث وما هي الصورة التي ستؤول إليها اليمن. 

هناك حالة لا توصف من اللاثقة، وعلاجها لا يكون بمفاقمتها وتعهدها بالرعاية عبر تكريس القطيعة والتخندق خلف مواقف وقناعات مصنوعة من الأنانية المفرطة وأوهام التفوق والاصطفاء والنقاء وأن الآخر أقل جدارة منك بالوجود معك على هذه الأرض. لا أحد يمتلك الحق في فرض نفسه وصيا شرعيا باسم اليمنيين. نحن الآن اقرب إلى حالة الطبيعة التي أشار إليها توماس هوبز، حيث الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، والكل يحارب الكل، في لحظة ما تفرض ضرورات التعايش وبقاء النوع البشري عقد صفقات يتنازلون بمقتضاها عن بعض حرياتهم لمصلحة إرادة عليا مشتركة. 

علاج انعدام الثقة بالتفاوض بعد الاعتراف كل بالآخر والاستماع كل للآخر. هذه المرة سيكون المجتمع الدولي مراقبا وضامنا لأي معاهدات ومواثيق يتم التوصل إليها. لكن رفض منطق التفاوض والاعتراف والتفاهم يعني أنك ترغب في استئصال خصمك وقطع دابره من الوجود. وهذا ليس منطق لا ثورة ولا دولة، هذا منطق بربري محض.

الأكثر مشاهدة