الانباء التي تتحدث عن اقتراب التوقيع على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، لا تعني شيئا إذا استمر التناقض صارخ بين دنو موعد التوقيع وبين التحركات على الأرض وشكل الخطاب السياسي وكل التصرفات الأخرى التي تخفي نوايا سيئة يضمرها الجميع على ضفتي الصراع، أو بالأصح على ضفافه المتعددة.
في مناخ كهذا، يصبح التوقيع ذريعة أخرى من ذرائع المواجهة. ستضيع الحقيقة بين أكوام من قش الكيد السياسي المتبادل والدوعاوى والأكاذيب، وإذا كان مقدرا لمنتصر أن ينتصر، فإن أول ما سيبادر إلى فعله هو إعادة سرد الأحداث بما يؤدي إلى إدانة الخاسر وإلقاء اللوم التاريخي عليه.
ما الذي يتوجب على العالم فعله لتفادي هذا المسار شبه المحتوم؟
أعتقد ان على الامم المتحدة او دول الخليج الانشغال بما بعد التوقيع أكثر بكثير مما قبله. التفكير في الآليات والتدابير المناسبة لمواجهة هذه المرحلة الحساسة التي يتوقف عليها مستقبل بلد مريض ينشد النهوض من سرير المرض بكامل لياقته. من هذه التدابير ارسال مراقبين دوليين يشرفون على التنفيذ عن كثب، وتزويد الرأي العام بتقارير يومية شجاعة عن مستويات الانجاز، وتوجيه اصابع الاتهام صراحة لأي طرف يعيق العمل، او يتنصل ويرواغ وتحميله مسؤلية ما يترتب على تصرفاته.
وربما اقتضى الحال ارسال قوات حفظ سلام رمزية تقف على الخطوط الساخنة، وقد تضطلع بأنشطة من شأنها منع الاشتباكات المحتملة واحتوائها. إن اعادة هيكلة الجيش، أكثر من أي شيء آخر، ليست بالمهمة اليسيرة. انها تنطوي على قدر كبير من التعقيد والمشقة والمخاطر العظيمة.
ستكون ثورة خالدة فيما لو جرت الأمور على النحو المأمول. ففي بلد محكوم باللاعقل، يصبح العقل فعل ثوري بامتياز، على اعتبار ان فكرة الثورية هي الرغبة في تجاوز واقع راكد وميئوس من اصلاحه وتأسيس واقع بديل. وفي بلد يحسم صراعاته بالعنف عبر تاريخه، يصبح الضغط لانجاز تحول او حسم صراع، بأساليب سلمية توافقية، هو الفعل الثوري وليس العكس.
ليس اللاعقل قانون مطلق للثورة، ثم ان اللاعقل اخذ مداه في ثورتنا، غضب واندفاعه جبارة، وغليان، والسياسة هي تتويج لهذا الفعل حتى لا تكون الثمرة كارثة او اعادة لانتاج اساليب الماضي في حسم الصراعات، فتصبح الثورة طريقة لانتاج الواقع نفسه وليس لانتاج واقع مغاير، وبالاحرى واقع افضل.
علينا أن نكف قدر ما نستطيع عن التصرف بما يؤدي إلى الوقوع في المستنقع.
لست متفائل بالنظر إلى المعطيات الراهنة، لكن لا يوجد خيار آخر.
8-11-2011
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق