ليست ملاحظة لامعة أن يقول أحدنا بأن شيء من ملامح حقبة ما بعد حكم الرئيس صالح كان قد بدأ يتجلى بأشكال مختلفة منذ سنوات. وللتعبير عن الأحداث ذات القيمة التاريخية الحاسمة، نلجأ عادة الى تلك الاستعارة المتداولة بإسراف، أي كل ما يرتبط بجدث الولادة، ما يسبقه وما يصاحبه وما يليه، النمو الطبيعي، الاكتمال، الولادة في الوقت الطبيعي، الآلام والمضاعفات والمخاطر التي تصل أحيانا حد الوفاة، الوفاة للجنين أو للأم أو لهما معا.
لنتخيل هنا بان الثورة هي واحدة من الطرائق التي تستخدمها الأمم في سبيل إعادة خلق نفسها، وأن ما يحدث في اليمن الآن هو الزمن الطبيعي ليبصر عهد جديد النور.
إذن، فنحن شهود على لحظة فارقة بالمطلق، وأمامنا تنويعة من الاحتمالات الجيدة والسيئة، أي كل ما يمكن أن ينتظرنا بحكم طبيعة الاشياء.
لا نزال حتى كتابة هذه السطور نملك القدرة على اختيار مستوى المخاطر. القليل فقط من الطيش وسوء التدبير قد يخنق المولود او يلحق به تشوهات عصية على الاصلاح، وقد يخرج غير مكتمل النمو، ولربما احتاج إلى وقت اضافي تحت الاشراف المستمر والرعاية الطبية الفائقة.
لننسى مشهد الولادة المؤلم، وننتقل إلى المشهد الأصلي. ثمة من يقول ان لا شيء يلوح في الأفق غير العبث والفوضى والحمق، لكن هذا ليس سوى نصف الحقيقة، فعندما يبذل المرء وقتا أطول في التأمل والتدقيق في كل العناصر التي تؤلف الحدث اليمني برمته، بوسعه تكوين صورة تقريبية عن العهد المرتقب.
من المتوقع ان العهد الجديد لن يكون جديدا بالكامل كما يحلو لبعضنا أن يأمل. ليس هذا مما يستدعي القلق، فغالبا ما يتشكل المستقبل من المواد الأولية التي تظهر حاليا في صور شتى، الرشيد منها والسقيم والخبيث والنبيل والدنيء، وما يبدو الآن أنها مواد أولية، هي مصنوعة من مواد أولية سابقة لها، تشهد تعديلات وراثية هنا، وتعريضها لمؤثرات جديدة هناك، وربما زخرفة وتزويق وأدوات خداع.
وهو "عهد جديد" رمزيا، ومن كونه يعبر عن رغبة جماعية في الانتقال ولو بشكل افتراضي إلى حالة تاريخية جديدة، فحتى لو اصطحبنا جميع محتويات العهد القديم، سيجد كل منا نفسه مضطرا لتحديث اغراضه بطريقة أو بأخرى، تحديث او تبديل منظم او تلميع كسول، والخاسر من يختار الوفاء لأغراضه البالية ويظن أن بمقدوره استخدامها لتقديم عروض ناجحة!
يكمن القلق في تلك الأحداث العرضية التي تتصل عادة بالولادات البيولوجية منها، أو بمعناها المجازي لأمة مستنزفة ومفتتة ومجتمعات محطمة خائرة القوى وممزقة الشرايين.
طموحي يتخطى مجرد الحصول على ولادة سلسة وآمنة، لدي حلم بأن تؤثث هذه العناصر المتنافرة التي تؤلف مشهد الانتقال، لعهد مشرق وخلاق ومنفصل نفسيا وذهنيا عن كل العهود المظلمة المديدة.
هذه مجرد رغبات وأماني، لكن بدونها تتوقف الحياة عن ان تكون محتملة.
*من حائطي على الفيس بوك. 7-11-2011
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق