04/12/2011
محمد العلائي:
يا إخوان القليل من التناقض ومن أحلام اليقظة ومن خداع النفس يكفي.
ليس من المعقول أن تتصرف وكأن الطرف الآخر غير موجود.
الثورة لم تكن صاعقة في سماء صافية، لقد كانت امتداد طبيعي لأزمة سياسية مفتوحة وشديدة التركيب، وصراع متفاقم، كانت الثورة قطعة من نسيج ما كان يحدث قبل تونس ومصر.
لمن لا يريد التصديق عليه مراجعة جدل ما قبل يناير 2011، والسيناريوهات التي كنا نتوقعها للأزمة، سيجد انها لن تختلف كثيرا عما حدث ويحدث الآن.
كان هناك طرفان قويان لكن قبل الثورة كان أحدهما هو الأقوى عتادا والأضعف حجة.
الثورة تمخضت عن حالة أصبح فيها من كان هو الطرف الأضعف يملي الشروط بل في أوج الفعل الثوري كادت الساحة ان تخلوا له، لولا أخطاء وممارسات نجمت عن سوء التدبير والطيش ضخت الدماء في عروق الخصم المتهالك.
الآن انتهى كل شيء إلى ان الطرفان الرئيسيان على الساحة استمرا على حالهما طرفين مع اعادة ترتيب وتوزيع للاوزان والمقادير الاجتماعية والعسكرية.
توقف الفرز والاستقطاب واستقرت الأمور على نقطة معينة من التوازن المفيد لانجاز تسوية وطنية تاريخية يستوعب فيها علي عبدالله صالح وحزبه الغايات الوطنية الكبيرة التي خرجت الثورة من أجلها والتي كانت تحدد حركة واتجاهات المعارضة الوطنية خلال العقدين الاخيرين، في مقابل استيعاب جزء من مخاوفه ومطالبه لمدى زمني محدد.
لماذا ننسى اننا بإزاء لاعبين، وهناك لاعبين آخرين كثر يتحدد مصيرهم ومصير الدولة بناء على اتفاق او اختلاف هذين اللاعبين؟
ننسى أن هناك مسارات للصراع تخضع لقانون الحركة البسيط، الفعل ورد الفعل. بعضنا يغفل هذه الحقيقة متعمدا، ويستغرب ان يقابل التسخين المستمر على المستوى الاعلامي بتسخين اعلامي موازي، والتصعيد العسكري كذلك.
التقدم على المسار السياسي وترك بقية المسارات تسير في اتجاه معاكس يؤدي الى تعطيل المسار السياسي بالضرورة. ولا غرابة في ذلك.
في بعض الاوقات لم تحافظ المعارضة الوطنية على نقاط تفوقها في منازلتها لخصم خبرته جيدا. لقد راحت تستخدم أحيانا التكتيك في مواجهة طرف كان عبقري التكتيك، والأكاذيب والمبالغات في مواجهة طرف اشتهر بالاكاذيب والمبالغات، والاحتيال في مواجهة سيد الاحتيال والكيد، والعنف في مواجهة زبون دائم في سوق السلاح الشرقي.
كان الأولى أن لا تخرج عن مواجهته في الميدان الذي تبزه فيه بكفاءة: الإستراتيجية في مواجهة التكتيك، الحقيقة في مواجهة الاكاذيب، الاستقامة في مواجهة الاحتيال، الغيرية في مواجهة الأنانية.. الاتساق والحد الأدنى من التجانس في مواجهة الفوضى والتنافر والاعتباط.. وهكذا.
المعارضة مهما تقول شيئا آخر الا أنها فاوضت باسم غالبية الساحات، وفرضت على المستوى النظري آلية خروج للبلد تتضمن أكثر ما يمكن لأي يمني أن يحلم به. فلماذا تستمر الفجوة بين الجهد السياسي للمعارضة وبين خطاب الثورة وإعلامها (سهيل مدعممة، الصحوة موبايل مثلا) وبعض الجيوب المسلحة هنا وهناك؟
كنت حريصا على مراقبة الكيفية التي تتعاطي بها وسائل اعلام الطرفين من البداية مع الاتفاق، والحق يقال بدأ اعلام المؤتمر والاعلام الرسمي في البداية يتبنى خط هادئ ايجابي، وحظيت المبادرة بالترحيب خلال نقاشات الاعلام الرسمي في الايام الاولى طبعا التي تلت التوقيع، لكنهم وجدوا ان شيئا لم يتغير على الطرف الاخر عادوا إلى ضلالهم القديم.
لا يظنن أحد أن هذه الفجوة تعود بالنفع على الثورة او البلد او المعارضة، إنها الثغرة التي تسمح بتسرب الهواء النقي إلى رئة نظام يوشك أن يختنق. ناهيك عن انها الفجوة التي ينزف من خلالها الوطن ويخرج عن الجاهزية مع مرور الوقت.
أيها السادة في المعارضة، ومكاني لا يزال في المعارضة: اردموا هذه الفجوة الآن بكل السبل الممكنة، وأمامكم طريقتان لردم الفجوة: إما أن تعملوا على أن تنضبط كل الجيوب والجبهات الساخنة المحسوبة عليكم بالخط السياسي وتصريف فائض الحماسة والتعبئة في انشطة ذهنية ومبادرات ومشاريع تنشغل بما بعد علي عبدالله صالح، أو أن تنضبطوا أنتم بالخط الثوري وكل ما يترتب عليه.
لا تقطعوا التزامات للعالم ثم تعجزون عن الوفاء بها، وتحيلون كل شيء إلى رجل لو كان يقوى على دحر الثورة لما تردد لكن قبل ان يوقع ويجرد نفسه مكرها من جزء كبير من شرعيته أو ما يظن انها شرعيته.
لقد حدد طريقة خروجه وشهد العالم بأسره على ذلك، ولا يزال بكامل يقظته وانتباهه وأي بادرة سوء نية تدفعه لاتخاذ احتياطاته بالتأكيد وآليات حمائية تخريبية. إنه عبوة ناسفة لا أكثر، ولطالما تصرفت المعارضة على هذا الاساس، ولم يغيب عن ذهنها أن الأولوية هي لإبطال مفعول هذه العبوة، غير أن هنالك من يسعى إلى نزع الصاعق وتفجيرها في وجه الجميع بلا رحمة.
بالطبع، من السهل اقناعي بأي شيء، لكن العالم يراقب ويسمع من مصادر متعددة ومحايدة، ومثلما يسمع منك يسمع من غيرك. بهذه الطريقة انتم تجازفون بخسارة قواعدكم وخسارة العالم، وتنتقل الكلمة الفصل للمصوملون.
* من صفحة الكاتب على الفيس بوك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق