محمد العلائي
ثمة نقاط لا بد من التذكير بها بالتوازي مع الحوادث المؤلمة الأخيرة.
قبل يومين كتبت أن خطة الانتقال السلمي التي رعتها الأمم المتحدة لم تشمل كافة عناصر الأزمة، وإنما أغلب الفاعلين، بناء على افتراض مفاده ان العناصر التي اختارت البقاء خارج العملية السياسية ليست على درجة من القوة والثقل بحيث تستطيع تعطيل العملية السياسية وخلط الأوراق وارباك الجميع وربما التسبب في حرب أهلية لا سبيل الى تصور نتائجها.
هذا صحيح لأول وهلة. غير أن الوقائع وسياقاتها منذ البداية، تشير إلى أن جانب المعارضة وقع على الصفقة مفترضا أن قواعده ستمتثل لهذا الخيار عن طيب خاطر، في حين سيبقى عنصر المستقلين، وهم قلة قليلة بحسب تقديرات المعارضة، وبالتالي تتكفل الحكومة بالحديث معهم والوصول إلى أرضية مشتركة. لكن افتراضات المعارضة كانت مضللة على ما يبدو، والسبب أنها كانت تعبئ قواعدها باتجاه مضاد للسياسة، فيما لم يغب عن ذهنها قط أن ما من حسم إلا سياسي في نهاية النهايات، أي كانت تسلك نفس اتجاه العنصر المستقل من الأزمة، المناوئ للتسوية، وهو اتجاه مضاد لما هو ممكن ومتاح وفق تقديرات المعارضة نفسها وتقديرات كل العارفين بحقائق اليمن وخصائصها.
كانت تقرر دائما بأن الخطر على أي عملية سياسية سيكون مصدره علي صالح. والعالم تفهم الإبقاء على الساحات، ولم يطالب المشترك بالشروع في رفع قواعده على الأقل كإجراء تفرضه ضرورات نزع عوامل التأزيم. وكان هذا الامتياز يهدف بالدرجة الأولى إلى درء الخطر الذي يمثله صالح من وجهة نظر المعارضة، واستجابة لفوبيا مستفحلة تسمى علي صالح، فوبيا جرى تكريسها بانتظام، وبمعزل عن مجريات الأمور وما أصبح عليه صالح، والمناخ العام في المنطقة، المناخ الذي يقطع بما لا يدع مجالا للشك بأنه لم يتبق لصالح ما يناور به، وأن كل ما يطمح إليه هو ممر آمن للخروج، والصفقة تتضمن توفير هذا الممر، مقابل تجنيب البلد كارثة لا يزال صالح يملك أدوات تحقيقها.
لكن حتى بعد التوقيع على الصفقة، ظل إعلام المعارضة -وناشطيها- يتماهى أكثر فأكثر مع الخطاب المضاد للسياسة، أي يتماهون مع العنصر المستقل في الساحات ومع المكونات المناهضة للحل السياسي في صعدة وفي الجنوب وتعز. وكان المنتظر أن تؤدي قواعد وقيادات المعارضة دور مختلف يناسب قوى سياسية أصبحت جزء من ائتلاف حاكم فرض على نفسه مهمة الحوار مع هؤلاء المستقلين وإرساء خطوط عريضة للتفاهم والمشاركة.
في الوقت الذي أبدى فيه إعلام حزب صالح انضباط نسبي قبل ان ينخرط مؤخرا في الفعل ورد الفعل.
كانت قيادات المعارضة كما لو إنها انتهت من بناء جسر، وفيما خطت الخطوة الاولى على الجسر كان مؤيدوها وحلفاءها منهمكون بلا كلل في الإطاحة بالجسر. المفارقة أنها لم تعمل ما يلزم لوقف الهدم.
اللوم يقع على قيادات المشترك بدرجة رئيسية، لأنهم مثلما ظهروا كما لو انهم يستغفلون عقل الشارع المستقل، ظهروا وكأنهم أيضا يستغفلون قواعدهم، على اعتبار ان القيادات عليها واجب إحاطة قواعدها علما بما تنوي القيام به، وتضبط تحركاتها وأنشطتها في حدوده ومقتضياته دون إفراط أو تفريط.
تحرك مستقلون من تعز، مفعمين بالحماسة والطاقة. انضم إليهم حشد من قواعد وقيادات صغرى من أحزاب المشترك، وساهمت قوى معطلة ذات تأثير ثقافي في تعز في تسيير هذه المظاهرة إلى صنعاء. كانت الدوافع غير واضحة لكل المشاركين، وكل لحظة كان يُقترح لها مهام ووظائف جديدة، ولم تصل صنعاء إلا وعلى رأس مهامها اقتحام السبعين مع ما يترتب على فعل كهذا من مجازفة وإزهاق للأرواح.
أشاعت التغطية الاعلامية المصاحبة للمسيرة جو من القلق في صنعاء. والادوات المنتمية للمشترك تصرفت بطريقة تفسح المجال لسوء الفهم وتثير الشكوك.
كان من الطبيعي والمتوقع ان يعمل الفريق الحاكم بصورة موحدة للتعامل مع المسألة بحكنة وحساسية عالية وإدراك وجرأة. كان على أحزاب المشترك أن تدافع بكل شجاعة عن خيارها المتمثل في الحل السياسي والذي قطعت بذلك وعودا والتزامات أمام العالم، وتدعو قواعدها للاتساق مع هذا الخيار، لأنه بالفعل لا يوجد خيار آخر عدا عن الحرب، وليس أن تتصرف وكأنها لا تزال معارضة حينما يقتضي الحال.
الحاصل ان قواعد المشترك او جزء منها، بدت وكأنها في حالة عصيان. ولسوف تذهب إلى أبعد حد في مجاراتها لخيارات وشعارات المسيرة القادمة من تعز. ولم تحسب حساب المخاطر المحتملة، ولا كونها طرف في عملية سياسية مقابل طرف آخر، يراقب كل شيء بأعصاب مشدودة وخوف (المؤتمر).
ليس مسؤولية احد، أن يتمرد من كنت تظن انك تمثلهم وانك تعبر عن خياراتهم. هذه مسؤوليتك وحدك. لقد فشل المشترك فشل ذريع في شرح الانجاز الوطني العظيم الذي تحقق، ومقدار الضرر الذي دفعه عن البلاد. كانت قيادات المشترك خرساء خجولة وكأنها وقعت في الفاحشة للتو. ولم يكن هناك ما يستدعي الخجل ولا الإرباك ولا التلعثم. وحده الدكتور ياسين كان شجاعا منذ البداية، وقال إننا طالما نقول ثورة سلمية فالمؤكد ان تنتهي بالحل السياسي، وقال ما معناه ان من لديه طريقة أخرى للحسم فليبادر إلى طرحها، شريطة ان لا تؤدي الى حرب أهلية والى تمزيق البلاد وصوملته.
لا احد كان يمتلك جوابا مقنعا، حين يطرح أحدنا سؤال كهذا: ما الطريقة المتوفرة بيد المشترك وشركاؤه غير الحل السياسي أو الحرب؟ طبعا مع توضيح تعقيدات البلد وظروفه وممكناته، وحقائقه وتاريخه.
المؤسف أن أجنحة من داخل جبهة المشترك، كانت على الدوام تخون المشترك وتخذل خياراته. كان إعلامه أو المحسوب عليه، وخطباءه، وحلفائه، ومتكلموه، يشاركون في الهدم. الآن يقع اللوم عليه أكثر من أي جهة أخرى. عليه ان تبدأ في ضبط ما يمكن ضبطه من قواعده، والمسارعة إلى تطمين شريكه في الحكم وتعزيز التنسيق معه من اجل وضع الترتيبات والخطط اللازمة لمواجهة المستجدات واستيعاب محركيها والتفاهم معهم، ودمجهم في العملية السياسية إن لزم الأمر، أو بالأصح إن كان هذا متاحا.
بالمقابل، على المؤتمر أن يبدي قدر من التفهم لحقيقة مأزق المشترك، ويمنحه فرصة للتصرف الصائب ولملمة صفوفه، وتصحيح قواعد عمله تمهيدا لعودة الأمور إلى طبيعتها، ويتصرفا معا كفريق مشترك في عملية انتقالية تعقد عليها الآمال للعبور باليمن إلى المستقبل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق