السبت، 10 ديسمبر 2011

التعامل مع الثورة وكأنها قطعة اثاث مرمية على الرصيف

فيس بوك:

لماذا سرعان ما تستحيل قضايانا المصيرية إلى مجالات استقطاب هائلة في متناول القوى والشخصيات الانتهازية الجاهزة على الدوام لاستهلاك كل ما هو جذاب وثمين ومؤثر من الافكار والمعاني والمثل العظيمة والمظالم والتطلعات المشروعة، متى ما تبين لها أن هذه الافكار والمعاني والمثل العظيمة والمظالم والتطلعات، تشكل تهديدا مباشرا لقوى وشخصيات ومصالح تتناقض معها كل التناقض. إنه ذلك النوع من الاستهلاك الرخيص والآني لغايات رخيصة وآنية، إما لدفع ضرر، أو إلحاق أذى بخصم، أو كسب منفعة. 

وإنه لمن المثير للاشمئزاز أن كثير من هؤلاء هم من يتصدرون المشهد العام ويحددون خياراته، وقلما تجد من تحركه حسابات العدالة والمنطق والعقلانية حيال هذه القضايا، ومقدار ما يترتب عليها من فوائد للصالح العام. 

وهناك دائما الجماهير المستباحة، جموع الناس العاديين المعرضين للدجل والتتويه والتلاعب الهدام بانفعالاتهم ومشاعرهم واحتياجاتهم وآمالهم. تخطر ببالي قضايا مثل الثورة وصعدة والحراك الجنوبي والقاعدة، وكيف أنها تحولت إلى أكياس رملية للتخندق والتستر على النزعات المنحطة. 

لا تزال المواقف ترسم من قضايا كهذه وفقا لمستوى اطمئنان هذه القوة أو تلك على مستقبلها الخاص، وليس وفقا لحسابات الاختيار الواعي والمدروس. فإما اندفاعة غير واعية وهؤلاء عادة اصحاب الذهن الكسول، أو حماسة وتأييد مبالغ فيه ومصطنع وهؤلاء أصحاب الضمير المعتل! 

... 

المؤتمر ينوي إعادة هيكلة نفسه، توكل كرمان افصحت عن توجه لتأسيس حزب شبابي، المشترك بحاجة لهيكلة وتطوير بقدر حاجة الاحزاب المنضوية فيه إلى اعادة نظر جذرية في بناها التنظيمية وآليات عملها وثقافتها السياسية، الاصلاح والاشتراكي على وجه التحديد, ثمة قوى كثيرة مدعوة للاشتراك في العملية السياسة وطرح اجنداتها ورؤاها في سوق التداول. 

هناك خارطة سياسة بانتظار أن تتشكل. وأمامها مضمار سباق بعد أن تفضي خطة تنفيذ مبادرة نقل السلطة إلى توفير الظرف السياسي العادل للجميع. 

بالنسبة لي هذه هي الثورة الحقيقية. اللحظة لحظة تحول وفرص مواتية، المؤسف هو أن يستمر تركيزنا مسلطا على مصير صالح أو تصيد عثرات الحكومة الجديدة، مع كامل الحق في تصيد العثرات والنقد. لا يمكن اعتبار هذا المصير، أيا يكن، مقياسا لنجاح أو إخفاق الثورة. اقصد فقط ألا نجعل من هذا النشاط هو كل شيء، بينما أمامنا الكثير لنفعله عدا عن الاعتراض والشكوى وندب الحظ. المجتمع هو مجال عمل من يطمح لتقديم نفسه كبديل، انفذ إلى قلب مجتمعك اكسب وده قل له ما الذي تخطط للقيام به من أجله، بهذه الطريقة تصل الوصول الطبيعي والمشروع، وهذه الشرعية ضمانة لا غنى عنها للإنجاز والتفوق. 

ليس من الحكمة التعامل مع الثورة وكأنها غرض سهل المنال، وكأنها قطعة أثاث مرمية على الرصيف وبإمكان أي شخص أن يلتقطها ويحتفظ بها لنفسه. 

... 

هناك نفور سائد، لا أدري أين مصدره، من كلمة توافق وتسوية. ربما لهذا النفور علاقة بتصور للثورة يرفعها إلى مصاف المطلق المضاد للسياسة. النقيض من التوافق والتراضي والتسويات هو الشمولية والطغيان الكامل. شخص او مجموعة اشخاص يفرضون إرادتهم على ملايين البشر، معتقدين انهم مخولين من طرف هؤلاء الناس لتمثيل مصالح والاختيار نيابة عنهم. 

إن ثورة تنشد بناء دولة مدنية ديمقراطية، وفي نفس الوقت تعتبر التوافق خيانة لمبادئها، هي ثورة تخون نفسها في المقام الأول. 

حتى في البروفات الاولى للديمقراطية في اثينا وروما، كانت النقاشات العامة والمحاججات والتوافقات هي أساس الدولة. فكرة العقد الاجتماعي ترتكز بالاساس على الاتفاق بين جماعة من الناس عقدت العزم على ان تصبح كيانا واحدا ترتبط عناصره بغايات مشتركة ومصير مشترك. وليس الفهم المغلوط الذي يتحدث عن العقد الاجتماعي باعتباره وثيقة بين الحاكم والمحكوم، الاصح بين المحكومين انفسهم. 

نحن في طريقنا للانتقال من مجتمع ما قبل الدولة، وهنا يفترض بالجميع المشاركة في صياغة العقد الاجتماعي الجديد، وأرضية جديدة للشرعية، بدلا من الانكفاء والعزلة. الديمقراطية تتضمن قبل أي شيء أخر، في البداية، وفي النهاية حتى، قدر كبير من التوافق والتراضي والتسويات قبل ان نصل الى حكم الاغلبية، وحتى هذه لا تطغى ولا تسحق الاقلية فلا يغفر لها كونها اغلبية ان تسحق كل من يقف في طرقها. 

تفصل الخلافات في المجتمعات المتحضرة بواسطة قوة الحجة والقدرة على الاقناع في تفسير ما هو الخير العام، والمقاربات والتسويات والمساومات، وأن تحل روح التسامح والغيرية محل الكراهية والانانية والقسر وادعاء امتلاك الحقيقة. على أن أي سبيل آخر، ولو كان اسمه الثورة، لا يقوم على التراضي والمحاججة فهو سبيل الديكتاتورية في صيغتها المروعة وربما الفوضى والضياع التام.

ليست هناك تعليقات:

الأكثر مشاهدة