الخميس، 29 ديسمبر 2011

مذكرة إلى قيادات الاصلاح

محمد العلائي 

التصريحات التي أدلى بها الأستاذ محمد قحطان لوكالة فرانس برس قبل أسبوعين كانت ممتازة. ابرز ما شدد عليه هو ان الإصلاح ليس مصنع تعليب، وهذه فكرة أشار لها قحطان في وقت سابق، وأعاد التأكيد عليها الآن. وهي فكرة براقة يدافع من خلالها عن حقيقة تعدد مستويات الوعي داخل الإصلاح وامتلاكه مجال يسمح بالاختلاف. وهذه إحدى الحقائق التي يغفل عنها كثير ممن يمارسون أنشطة نقدية تتناول الجماعات الإسلامية. 

أنا أعلن انحيازي التام للمنطق الذي عبر عنه الأستاذ محمد قحطان وأتمنى أن يسود. ففي النهاية من يرغب في ان يرى الاصلاح جماعة ترتكز على نظام عقائدي مغلق. رغم ان الاصلاح لا يزال يعطي هذا الانطباع أحيانا، بل قل دائما. 

لكن هناك فرق بين التنوع الذي الذي يدافع عنه الأستاذ محمد وبين الفوضى. ذلك ان التعبيرات غير الرسمية التي تحال منتجاتها بالضرورة على الإصلاح، فاضت عن الحاجة على حساب الصوت الرسمي أيا يكن محتواه. لقد اصبح هذا الخليط المتنافر من الاصوات والتعبيرات غير الرسمية هو ما يشكل صورة الإصلاح في الذهن العام غير الاصلاحي طبعا. صحيح أنا اثمن إخلاص الإصلاح لتحالفه مع احزاب المشترك وانسجام خطابه السياسي معها، غير ان فكرة اللقاء المشترك نفسها لا تتناقض مع أن تبقي على امكانية تمييز صوتك الخاص وفرض درجة ما من التحكم والضبط. 

أقصد بالتعبيرات غير الرسمية، كل ما لا يصدر عن مؤسسة الحزب بتفرعاتها المختلفة، وهي تعبيرات قد تكون عسكرية او اعلامية او قبلية أو اقتصادية أو تعليمية او مليشاوية. وحينما يبدر عن هذه التعبيرات والفاعليات تصرفات سلبية من السهل ان يتنصل عنها الاصلاح، على طريقة "اللهم اني ابرأ اليك مما صنع خالد"، لكن المتلقي لا يلتمس العذر للإصلاح، ولا يجد أنه مستعدا للشروحات الثنائية المباشرة التي قد يجهد ناشط اصلاحي نفسه لتبيان الخيط الابيض من الخيط الأسود. 

التنوع قيمة عظيمة لا يرقى إليها الشك، لكن عندما يتعلق الأمر بمؤسسة حزبية، هناك دائما أرضية مشتركة وتعاقدات عامة تتلاقى كل هذه الأصوات والتعبيرات في إطارها. وإلا فأنت تحمل نفسك تبعات انشطة هدامة ومواقف حمقاء وأصوات لا تتسم بالرشد، تصنع قناعات وردود فعل وتصدر صور ذهنية ورموز ومعاني يتم الاستدلال بها في الحديث عنك ويستند إليها في محاكمتك كحزب. وفي الأخير تجد نفسك مضطر لتسديد فاتورتها وتبنيها أحيانا والذود عنها. 

والنتيجة أن صورتك عن نفسك تصبح مختلفة جذريا عن الصورة التي يلتقطها لك الآخر من خارجك. 

لا اعرف ما هي الترتيبات الضرورية التي يفترض بالإصلاح القيام بها لتدارك الأمر. فقط أريد أن اقول انه لا بد من تحقيق مستوى معقول من الانضباط والتناغم الخارجي تتيح التعرف على الاصلاح التعرف الأمثل. الاتساق الداخلي وحده لا يفي بالغرض. الحالة السديمية التي تبدو عليها الأمور هي مؤشر اعتلال في بعض الاوقات. 

انصح باعادة تفعيل منهج الاصلاح ومواثيقه الداخلية. الركون المطلق على متكلمي المشترك خلق حالة تقشف مفرطة في الحديث الرسمي الاصلاحي، وعطل فاعلياته المؤسسية لمصلحة اجتهادات تلك التعبيرات الموازية. 

واحدة من اشد معضلات هذا البلد فتكا هي أن الفاعليات غير الرسمية، فاعليات الظل، التهمت مؤسسات الدولة التي حافظت على هامشيتها وهشاشتها، في حين استمرت السلطة تستعمل تلك المؤسسات لالتقاط الصور، اكسسورات بلهاء. 

إنه الانفصام المتوحش الذي يجرد الأشياء من معانيها. على الإصلاح ان يقول للناس ما هو وما ليس هو. ما يمثله وما لا يمثله، على سبيل المثال، هناك أطراف ضمن الإصلاح لها قنوات اتصال بجهات خارجية إقليمية، وهذا الاتصال يحسب على الإصلاح، مع إني اعرف أن الإصلاح كمؤسسة لم تعد له مثل هذه القنوات المباشرة. 

سهيل تقدم خطاب إعلامي رديء للغاية، ومن الصعب إقناع الناس أنها لا تمثل الإصلاح، لان الإصلاح لم يقل شيئا في هذه المسألة. حتى إعلام الحزب نفسه يتبنى خط معاكس في أوقات كثيرة لنوايا واتجاهات الحزب. اللقاء المشترك كان فرصة رائعة للإصلاح، لكن أثره السلبي يتمثل في انه قلل من وتيرة تحول الإصلاح الى حزب. 

اكتب هذه السطور وفي حسباني حدود قدرة الإصلاح الآن وظروفه، والتعقيدات التي تقف في طريقه، لكن ما نطلبه هنا ليس عسيرا وهو في اطار الممكن على ما أظن. 

الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

بقع داكنة في صورة الإجماع الدولي بشأن اليمن

محمد العلائي 

انتبهت إلى أن لا أحد يأتي على ذكر إيران في سياق تحليل المسألة اليمنية والعناصر الخارجية المؤثرة فيها. أين تقف هذه الدولة مما يحدث في اليمن؟ من يعرف سياسة إيران تجاه العملية السياسة وجهود الوساطة الدولية التي تقودها الأمم المتحدة؟ 

هناك اعتقاد شائع بأن القوى الدولية النافذة في اليمن وحدت مساعيها بعد أن نجحت في تطوير فهم مشترك للأزمة، ولقد ظهر شبه إجماع على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية. وكان التصويت بالإجماع على القرار 2014 في مجلس الأمن والذي يحث الأطراف على انجاز التسوية السياسية المقدمة من دول الخليج، في حين أعد مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة خطة زمنية لتنفيذ آلية الانتقال، كان مصداقا لهذا التوافق الدولي نادر الحدوث. 

في صورة الإجماع الدولي هذه، تلوح بقع داكنة، وأبرز من يمثل هذه البقع المسكونة بالغموض إيران وقطر. ولإيران مساحة تأثير جيوثقافية لا بأس بها في اليمن، وكثيرا ما يشار إلى حركة الحوثي باعتبارها خلية حية تقع على تماس مباشر مع الخصم التقليدي لإيران، أي السعودية بالطبع. 

أما بالنسبة لقطر، فقد اكتسبت مجالات تأثير حديثة نسبيا وضيقة. وإلى جانب ما تلعبه قناة الجزيرة القطرية من دور في تحريك الحوداث داخل اليمن، وتشكيل اتجاهات المزاج العام في خطوط منافية للمساعي الخليجية التي انسحبت منها الدوحة، فإن ثمة من يتحدث عن بروز نواة لشبكة رعاية قطرية تشبه شبكات الرعاية التي مصدرها الرياض وتتكون من المشايخ ورجال دين وعسكريين وغيرها. 

ومن أجل تحقيق درجة مثالية من توازن التأثير الإقليمي، أظن أنه من الخطأ تجاهل هذين اللاعبين الدوليين. لا ادري كيف ينظران للخطوات التي يقطعها اليمن باتجاه الحل السلمي. لكن رفض الحوثي الانضمام للعملية السياسية، يمكن اعتباره مؤشر استياء إيراني وربما قطري أيضا. 

لماذا لا يسعى اللقاء المشترك، والمؤتمر، ومعهما سفراء الدول العظمى ومبعوث أمين عام الأمم المتحدة، باتجاه إشراك إيران وقطر في جهود الحل السياسي؟ اقترح مثلا ان يرتب الطرفان للقاء مع السفير الإيراني في صنعاء، وزيارة مسؤولين قطريين في الدوحة، لسبر أغوار نوايا بلديهما ودعوتهما للمساهمة في إقناع القوى المحلية القريبة منهما، يوقف تحركاتها المعطلة، والانضمام للعملية السياسية مقابل استيعاب ما يمكن استيعابه من شروط ومخاوف ومطالب. 

إيران وقطر، ثغرة في جدار الإجماع الدولي تجاه الوضع اليمني. وهذه الثغرة إذا لم تردم ستظل مصدرا لكل ما من شأنه تسميم أجواء السلام وإفسادها ربما. 

السؤال الذي يخطر ببالي الآن هو: أين تكمن مصلحة إيران بالضبط؟ هل تكمن في استقرار اليمن ووحدته أم في اضطرابه وفشل دولته وتمزقها؟ 

... 

قبل أسبوعين تقريبا، كتبت على حائطي في الفيس بوك السطور التالية تعليقا على زيارة جمال بن عمر لصعدة: (السيد جمال بن عمر التقى السيد عبدالملك الحوثي في صعدة بحضور فارس مناع. مكتب الحوثي اكتفي بنقل مقتطفات من الكلام الذي قاله عبدالملك الحوثي، في حين أغفل كلام بن عمر. الحوثي قال ان مشاركته في العملية السياسية مرهونة بانتصار الثورة (لا أدري ما هو المستوى الذي سيقول الحوثي فيه ان الثورة قد انتصرت، ومتى سنصل إليه، وكيف؟. بعد سبعمئة الف سنة مثلا؟ طيب، سننتظر ونرى). 

أتوقع أنه قال ما قاله عن العملية السياسية ردا على مقترح ربما تقدم به بن عمر بأن يبدي ايجابية أكثر عبر الانتظام في العملية السياسية والتخلي عن حالة العزلة التي يفرضها على نفسه، مع وعود بمعالجة لملف صعدة في إطار وطني. 

أتمنى أن ينجح بن عمر في مسعاه، وأن أفتح عيناي يوما فأرى عبدالملك الحوثي هنا في صنعاء وقد أنشأ حزبه السياسي متخليا عن التقمص المضحك لشخصية حزب الله وأولوياته، وأن يدفع ببرامجه ورؤاه السياسية لتكون متاحة لكافة اليمنيين، وعلى صلة مباشرة مع همومهم وأولوياتهم. 

لا شك أنه سيكون عنصرا فاعلا يلعب دورا أساسيا في اغناء الحياة السياسية. في بلد كاليمن، وفي ظرف زمني كهذا، لا بد أن الخطاب السياسي المقتصر على الوطنية التي تقوم على الموقف من الخارج فحسب، ايا يكن هذا الخارج، لا قيمة له بالنسبة للناس العاديين). 

يمكن توجيه بعض اللوم للمشترك

محمد العلائي 

ثمة نقاط لا بد من التذكير بها بالتوازي مع الحوادث المؤلمة الأخيرة. 

قبل يومين كتبت أن خطة الانتقال السلمي التي رعتها الأمم المتحدة لم تشمل كافة عناصر الأزمة، وإنما أغلب الفاعلين، بناء على افتراض مفاده ان العناصر التي اختارت البقاء خارج العملية السياسية ليست على درجة من القوة والثقل بحيث تستطيع تعطيل العملية السياسية وخلط الأوراق وارباك الجميع وربما التسبب في حرب أهلية لا سبيل الى تصور نتائجها. 

هذا صحيح لأول وهلة. غير أن الوقائع وسياقاتها منذ البداية، تشير إلى أن جانب المعارضة وقع على الصفقة مفترضا أن قواعده ستمتثل لهذا الخيار عن طيب خاطر، في حين سيبقى عنصر المستقلين، وهم قلة قليلة بحسب تقديرات المعارضة، وبالتالي تتكفل الحكومة بالحديث معهم والوصول إلى أرضية مشتركة. لكن افتراضات المعارضة كانت مضللة على ما يبدو، والسبب أنها كانت تعبئ قواعدها باتجاه مضاد للسياسة، فيما لم يغب عن ذهنها قط أن ما من حسم إلا سياسي في نهاية النهايات، أي كانت تسلك نفس اتجاه العنصر المستقل من الأزمة، المناوئ للتسوية، وهو اتجاه مضاد لما هو ممكن ومتاح وفق تقديرات المعارضة نفسها وتقديرات كل العارفين بحقائق اليمن وخصائصها. 

كانت تقرر دائما بأن الخطر على أي عملية سياسية سيكون مصدره علي صالح. والعالم تفهم الإبقاء على الساحات، ولم يطالب المشترك بالشروع في رفع قواعده على الأقل كإجراء تفرضه ضرورات نزع عوامل التأزيم. وكان هذا الامتياز يهدف بالدرجة الأولى إلى درء الخطر الذي يمثله صالح من وجهة نظر المعارضة، واستجابة لفوبيا مستفحلة تسمى علي صالح، فوبيا جرى تكريسها بانتظام، وبمعزل عن مجريات الأمور وما أصبح عليه صالح، والمناخ العام في المنطقة، المناخ الذي يقطع بما لا يدع مجالا للشك بأنه لم يتبق لصالح ما يناور به، وأن كل ما يطمح إليه هو ممر آمن للخروج، والصفقة تتضمن توفير هذا الممر، مقابل تجنيب البلد كارثة لا يزال صالح يملك أدوات تحقيقها. 

لكن حتى بعد التوقيع على الصفقة، ظل إعلام المعارضة -وناشطيها- يتماهى أكثر فأكثر مع الخطاب المضاد للسياسة، أي يتماهون مع العنصر المستقل في الساحات ومع المكونات المناهضة للحل السياسي في صعدة وفي الجنوب وتعز. وكان المنتظر أن تؤدي قواعد وقيادات المعارضة دور مختلف يناسب قوى سياسية أصبحت جزء من ائتلاف حاكم فرض على نفسه مهمة الحوار مع هؤلاء المستقلين وإرساء خطوط عريضة للتفاهم والمشاركة. 

في الوقت الذي أبدى فيه إعلام حزب صالح انضباط نسبي قبل ان ينخرط مؤخرا في الفعل ورد الفعل. 

كانت قيادات المعارضة كما لو إنها انتهت من بناء جسر، وفيما خطت الخطوة الاولى على الجسر كان مؤيدوها وحلفاءها منهمكون بلا كلل في الإطاحة بالجسر. المفارقة أنها لم تعمل ما يلزم لوقف الهدم. 

اللوم يقع على قيادات المشترك بدرجة رئيسية، لأنهم مثلما ظهروا كما لو انهم يستغفلون عقل الشارع المستقل، ظهروا وكأنهم أيضا يستغفلون قواعدهم، على اعتبار ان القيادات عليها واجب إحاطة قواعدها علما بما تنوي القيام به، وتضبط تحركاتها وأنشطتها في حدوده ومقتضياته دون إفراط أو تفريط. 

تحرك مستقلون من تعز، مفعمين بالحماسة والطاقة. انضم إليهم حشد من قواعد وقيادات صغرى من أحزاب المشترك، وساهمت قوى معطلة ذات تأثير ثقافي في تعز في تسيير هذه المظاهرة إلى صنعاء. كانت الدوافع غير واضحة لكل المشاركين، وكل لحظة كان يُقترح لها مهام ووظائف جديدة، ولم تصل صنعاء إلا وعلى رأس مهامها اقتحام السبعين مع ما يترتب على فعل كهذا من مجازفة وإزهاق للأرواح. 

أشاعت التغطية الاعلامية المصاحبة للمسيرة جو من القلق في صنعاء. والادوات المنتمية للمشترك تصرفت بطريقة تفسح المجال لسوء الفهم وتثير الشكوك. 

كان من الطبيعي والمتوقع ان يعمل الفريق الحاكم بصورة موحدة للتعامل مع المسألة بحكنة وحساسية عالية وإدراك وجرأة. كان على أحزاب المشترك أن تدافع بكل شجاعة عن خيارها المتمثل في الحل السياسي والذي قطعت بذلك وعودا والتزامات أمام العالم، وتدعو قواعدها للاتساق مع هذا الخيار، لأنه بالفعل لا يوجد خيار آخر عدا عن الحرب، وليس أن تتصرف وكأنها لا تزال معارضة حينما يقتضي الحال. 

الحاصل ان قواعد المشترك او جزء منها، بدت وكأنها في حالة عصيان. ولسوف تذهب إلى أبعد حد في مجاراتها لخيارات وشعارات المسيرة القادمة من تعز. ولم تحسب حساب المخاطر المحتملة، ولا كونها طرف في عملية سياسية مقابل طرف آخر، يراقب كل شيء بأعصاب مشدودة وخوف (المؤتمر). 

ليس مسؤولية احد، أن يتمرد من كنت تظن انك تمثلهم وانك تعبر عن خياراتهم. هذه مسؤوليتك وحدك. لقد فشل المشترك فشل ذريع في شرح الانجاز الوطني العظيم الذي تحقق، ومقدار الضرر الذي دفعه عن البلاد. كانت قيادات المشترك خرساء خجولة وكأنها وقعت في الفاحشة للتو. ولم يكن هناك ما يستدعي الخجل ولا الإرباك ولا التلعثم. وحده الدكتور ياسين كان شجاعا منذ البداية، وقال إننا طالما نقول ثورة سلمية فالمؤكد ان تنتهي بالحل السياسي، وقال ما معناه ان من لديه طريقة أخرى للحسم فليبادر إلى طرحها، شريطة ان لا تؤدي الى حرب أهلية والى تمزيق البلاد وصوملته. 

لا احد كان يمتلك جوابا مقنعا، حين يطرح أحدنا سؤال كهذا: ما الطريقة المتوفرة بيد المشترك وشركاؤه غير الحل السياسي أو الحرب؟ طبعا مع توضيح تعقيدات البلد وظروفه وممكناته، وحقائقه وتاريخه. 

المؤسف أن أجنحة من داخل جبهة المشترك، كانت على الدوام تخون المشترك وتخذل خياراته. كان إعلامه أو المحسوب عليه، وخطباءه، وحلفائه، ومتكلموه، يشاركون في الهدم. الآن يقع اللوم عليه أكثر من أي جهة أخرى. عليه ان تبدأ في ضبط ما يمكن ضبطه من قواعده، والمسارعة إلى تطمين شريكه في الحكم وتعزيز التنسيق معه من اجل وضع الترتيبات والخطط اللازمة لمواجهة المستجدات واستيعاب محركيها والتفاهم معهم، ودمجهم في العملية السياسية إن لزم الأمر، أو بالأصح إن كان هذا متاحا. 

بالمقابل، على المؤتمر أن يبدي قدر من التفهم لحقيقة مأزق المشترك، ويمنحه فرصة للتصرف الصائب ولملمة صفوفه، وتصحيح قواعد عمله تمهيدا لعودة الأمور إلى طبيعتها، ويتصرفا معا كفريق مشترك في عملية انتقالية تعقد عليها الآمال للعبور باليمن إلى المستقبل.

السبت، 10 ديسمبر 2011

التعامل مع الثورة وكأنها قطعة اثاث مرمية على الرصيف

فيس بوك:

لماذا سرعان ما تستحيل قضايانا المصيرية إلى مجالات استقطاب هائلة في متناول القوى والشخصيات الانتهازية الجاهزة على الدوام لاستهلاك كل ما هو جذاب وثمين ومؤثر من الافكار والمعاني والمثل العظيمة والمظالم والتطلعات المشروعة، متى ما تبين لها أن هذه الافكار والمعاني والمثل العظيمة والمظالم والتطلعات، تشكل تهديدا مباشرا لقوى وشخصيات ومصالح تتناقض معها كل التناقض. إنه ذلك النوع من الاستهلاك الرخيص والآني لغايات رخيصة وآنية، إما لدفع ضرر، أو إلحاق أذى بخصم، أو كسب منفعة. 

وإنه لمن المثير للاشمئزاز أن كثير من هؤلاء هم من يتصدرون المشهد العام ويحددون خياراته، وقلما تجد من تحركه حسابات العدالة والمنطق والعقلانية حيال هذه القضايا، ومقدار ما يترتب عليها من فوائد للصالح العام. 

وهناك دائما الجماهير المستباحة، جموع الناس العاديين المعرضين للدجل والتتويه والتلاعب الهدام بانفعالاتهم ومشاعرهم واحتياجاتهم وآمالهم. تخطر ببالي قضايا مثل الثورة وصعدة والحراك الجنوبي والقاعدة، وكيف أنها تحولت إلى أكياس رملية للتخندق والتستر على النزعات المنحطة. 

لا تزال المواقف ترسم من قضايا كهذه وفقا لمستوى اطمئنان هذه القوة أو تلك على مستقبلها الخاص، وليس وفقا لحسابات الاختيار الواعي والمدروس. فإما اندفاعة غير واعية وهؤلاء عادة اصحاب الذهن الكسول، أو حماسة وتأييد مبالغ فيه ومصطنع وهؤلاء أصحاب الضمير المعتل! 

... 

المؤتمر ينوي إعادة هيكلة نفسه، توكل كرمان افصحت عن توجه لتأسيس حزب شبابي، المشترك بحاجة لهيكلة وتطوير بقدر حاجة الاحزاب المنضوية فيه إلى اعادة نظر جذرية في بناها التنظيمية وآليات عملها وثقافتها السياسية، الاصلاح والاشتراكي على وجه التحديد, ثمة قوى كثيرة مدعوة للاشتراك في العملية السياسة وطرح اجنداتها ورؤاها في سوق التداول. 

هناك خارطة سياسة بانتظار أن تتشكل. وأمامها مضمار سباق بعد أن تفضي خطة تنفيذ مبادرة نقل السلطة إلى توفير الظرف السياسي العادل للجميع. 

بالنسبة لي هذه هي الثورة الحقيقية. اللحظة لحظة تحول وفرص مواتية، المؤسف هو أن يستمر تركيزنا مسلطا على مصير صالح أو تصيد عثرات الحكومة الجديدة، مع كامل الحق في تصيد العثرات والنقد. لا يمكن اعتبار هذا المصير، أيا يكن، مقياسا لنجاح أو إخفاق الثورة. اقصد فقط ألا نجعل من هذا النشاط هو كل شيء، بينما أمامنا الكثير لنفعله عدا عن الاعتراض والشكوى وندب الحظ. المجتمع هو مجال عمل من يطمح لتقديم نفسه كبديل، انفذ إلى قلب مجتمعك اكسب وده قل له ما الذي تخطط للقيام به من أجله، بهذه الطريقة تصل الوصول الطبيعي والمشروع، وهذه الشرعية ضمانة لا غنى عنها للإنجاز والتفوق. 

ليس من الحكمة التعامل مع الثورة وكأنها غرض سهل المنال، وكأنها قطعة أثاث مرمية على الرصيف وبإمكان أي شخص أن يلتقطها ويحتفظ بها لنفسه. 

... 

هناك نفور سائد، لا أدري أين مصدره، من كلمة توافق وتسوية. ربما لهذا النفور علاقة بتصور للثورة يرفعها إلى مصاف المطلق المضاد للسياسة. النقيض من التوافق والتراضي والتسويات هو الشمولية والطغيان الكامل. شخص او مجموعة اشخاص يفرضون إرادتهم على ملايين البشر، معتقدين انهم مخولين من طرف هؤلاء الناس لتمثيل مصالح والاختيار نيابة عنهم. 

إن ثورة تنشد بناء دولة مدنية ديمقراطية، وفي نفس الوقت تعتبر التوافق خيانة لمبادئها، هي ثورة تخون نفسها في المقام الأول. 

حتى في البروفات الاولى للديمقراطية في اثينا وروما، كانت النقاشات العامة والمحاججات والتوافقات هي أساس الدولة. فكرة العقد الاجتماعي ترتكز بالاساس على الاتفاق بين جماعة من الناس عقدت العزم على ان تصبح كيانا واحدا ترتبط عناصره بغايات مشتركة ومصير مشترك. وليس الفهم المغلوط الذي يتحدث عن العقد الاجتماعي باعتباره وثيقة بين الحاكم والمحكوم، الاصح بين المحكومين انفسهم. 

نحن في طريقنا للانتقال من مجتمع ما قبل الدولة، وهنا يفترض بالجميع المشاركة في صياغة العقد الاجتماعي الجديد، وأرضية جديدة للشرعية، بدلا من الانكفاء والعزلة. الديمقراطية تتضمن قبل أي شيء أخر، في البداية، وفي النهاية حتى، قدر كبير من التوافق والتراضي والتسويات قبل ان نصل الى حكم الاغلبية، وحتى هذه لا تطغى ولا تسحق الاقلية فلا يغفر لها كونها اغلبية ان تسحق كل من يقف في طرقها. 

تفصل الخلافات في المجتمعات المتحضرة بواسطة قوة الحجة والقدرة على الاقناع في تفسير ما هو الخير العام، والمقاربات والتسويات والمساومات، وأن تحل روح التسامح والغيرية محل الكراهية والانانية والقسر وادعاء امتلاك الحقيقة. على أن أي سبيل آخر، ولو كان اسمه الثورة، لا يقوم على التراضي والمحاججة فهو سبيل الديكتاتورية في صيغتها المروعة وربما الفوضى والضياع التام.

الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

نقاش مع أحد شباب ساحة التغيير

من حائط الصديق هشام المسوري: 
من يموت من أجل الكرامة والحرية والعدالة والتعايش والحب والسلام لايموت أبداً ,, اعتقدنا أن عيسى ابن مريم مات من أجل الحب وعرفنا أننا كنا مخطئين فهو لم يمت وإنما صعد للسماء وبقي حيا أبداً ..
وشباب اليمن الذين يموتون من أجل الكرامة والحرية والعدالة والتعايش والحب والسلام لا يموتون أبداً . 
قيامتهم ستكون معنا عندما نصنع أحلامهم وحريتنا قريبا قريباً ..
حقائبنا الوزارية ولجاننا العسكرية هي امنبات واحلام شهدائنا.. بالطبع يدرك هذه الاحلام الثوار في الساحات وليس الجيران والهيئات يا صديقي محمد العلائي ..
.....
وهذا نص تعليقي على المنشور أعلاه:

طيب ياهشام لخص ما هي احلام الثوار في الساحات التي تعتقد أن آلية انتقال السلطةلم تضعها في الاعتبار؟ ما الذي يخطر ببالك وانت تتحدث عن الاهداف الثورية التي يخونها الحل السياسي قاصدا وليس مضطرا بحكم ان السياسة اختيار بين امكانية وأخرى وليس بين رغبة ورغبة؟ أكيد أن مصير علي صالح وعائلته هو كل ما يشغل بال الثوار الذين تقصدهم هنا طبعا. بمعنى لو احتوت الآلية على شنق صالح وبتر اطراف احمد علي وخصاء يحيى، كنت ستقول مطمئنا بأن الثورة في هذه الحالة حصدت نجاحا باهرا، وان ارواح الشهداء لم تذهب سدى! أنت لا تقول هذا جهرا لكن هذا هو المضمر في طي اطروحاتك ومشاركاتك وخيلاءك الثوري الذي انصحك ان تكبحه وتجعله غير مرئي ما أمكن. 
لو حصلنا على مصير صدامي او قذافوي لعائلة صالح مقابل دمار البلد أكانت الثورة في نظرك مفيدة وتستحق العناء واهدار الارواح؟ ماذا لو حصلنا على تحول ديمقراطي سلمي وانجزنا عبر "المائدة المستديرة" مهمة بناء الدولة واعادة هيكلتها بالتوازي مع اعادة تكوين الامة وبناء الهوية الوطنية وتنظيم وصياغة قواعد مضمار العمل السياسي، ومعالجة الاخطاء التاريخية، لو حصلنا على هذا كله وبالتدريج المرسوم في الآلية، لكن احتفظ صالح برأسه فوق كتفيه واحمد تم توزيعه هنا او هناك كضابط في الجيش ويحيى مثله مثل اي مسؤول سابق يشق طريقه في المجال الذي يرغب فيه بعد تفكيك نظامهم العائلي ونزع انيابهم وادوات السلطة التي يقهرون بها شعبهم. وجرى تحقيق العدالة بما لا يؤدي الى حرب اهلية ودورات عنف جديدة، عدالة تناسب بلد يجر وراءه إرث هائل من الحروب والصراعات والجروح، ويتوق للتحول والانتقال الى مرحلة جديدة من تاريخه متحرره قدر ما امكن من اشباح الماضي وكوابيسه، ستظل في نظرك ومن تتحدث باسمهم الثورة ناقصة.
انت لا تعرف ان حلمي كان ان نحصل على آلية انتقال تشبه ما حدث في بلدان اصبحت ضمن منطقة اليورو، ومن حسن الحظ انني تفاجأت بعد ان قرأت الألية أننا بصدد السير على ذلك الطريق نفسه. أنت لا تتصور كم كانت فرحتي كبيرة ياهشام، كان هذا هو تصوري لنموذج الثورة الذي تحتاجه اليمن، كتبت عن النموذج اليمني المغدور قبل أشهر، ضد من يسعى لمحاكاة ساخرة لنماذج لا تشبهنا، وكنت اشدد على ضرورة تصميم نموذج يمني أصيل مستفيدين من الحالة الثورية المدهشة ومن التراكم السياسي الذي سبقها.
فإذا لم يخرج الثوار من اجل هذا، فمن أجل ماذا خرجوا بربك ياهشام؟ مصائر الامم لا ترتبط بعقاب شخص او عائلة ولا بمكافئها. انت تعرف كم هي التعقيدات مفزعة وكم هي التركة ثقيلة. الامر عندنا يتخطى اسقاط شخص او نظام، نحن على مفترق طرق اما تكون الدولة او لا تكون. الغنائية الثورية ودموعها تحجب الرؤية، وهنا تكمن وظيفة المثقف التي عبرت عن ضيقك منها وتعاليك عليها واستخفافك بها، على اعتبار انكم تملكون الحقيقة ولا يملكها غيركم، وان ما تفعلونه يصدر من قبل الاله وما يصدر منا شيطاني.
إذا سألتني عن احساسي فهو يتأرجح بين التفاؤل والخوف والقلق واليأس. يعني اعرف ان امام العملية السياسة حقل الغام، قد نجتازه بسلام وقد لا نفعل. ليس صالح وعائلته هم اللاعب الوحيد والمؤثر في الساحة، الامور تشابكت ودخلت عناصر جديدة ولاعبين جدد، مرئيين وغير مرئيين، من الداخل والخارج، ستحدث الاعيب وخروقات وتحاك دسائس ومؤامرات. علي صالح شرير لكن هناك اشرار بالمقابل اما هم من صنعه او يستندوا في ممارسة الشر إلى الاستعداد السائد لدى الناس بتحميل صالح كل ما يحدث وكل شاردة وواردة.
الطريق ليس ممهد بقدر ما نتصور لكن لا يوجد طريق آخر في نظري لتحقيق احلام الشهداء، الا اذا كان حلم الشهداء تمزيق البلد وتطاحن اليمنيين، وحاشا ان يكون كذلك.
من يحب البلد اكثر هو من يبقي عينيه مفتوحتان ويراقب الوقائع عن كثب ومراقبة الاشرار وتحركاتهم الهادفة الى اجهاض الحلم، بعضهم يتحرك تحت لافتة هذه الحلم.
تقبل فائق تقديري ومحبتي

الهياكل الأولية لحياة لم يضع لها أسلافك حجر الأساس (نص)

كأنما خلقت للهزائم. تخلد إلى فراشك مهزوما وتستيقظ مهزوما وواهنا وبلا يقين. تطمئن أحيانا إلى أكذوبة كونك ممتلئ وأن الحياة تكافئ الخواء والاكاذيب قوة الطباع. لكن ما الذي يجعل الخواء خواء او الامتلاء امتلاء، والاستقامة استقامة؟ قد لا تكون الشخص الذي تظن نفسك أنك هو، ثم ما الذي تساويه الكتب والفطنة والسجالات المظفرة والتعقل والكلام الصحيح، مقابل لحظة واحدة من المذلة والخزي وذكرى طفولة ضائعة، ذلك الضياع الذي لا يزال يحتفظ بكلمة نافذة في الضياعات التي كثيرا ما تجد نفسك متوغلا فيها. 
إنك لا تنفك تعد نفسك لمجابهة ما لا يأتي، فالعمر سوف ينقضي وأنت منهك في هذا الاعداد. المهدور من الحياة لا يستبدل، مع أن الحظ العاثر لا يصلح جوابا شافيا لكل هذا الشقاء.
كل شيء يتحرك من حولك. كنت تظن ان الحياة تخبئ لك ما لا يسعك أن تتصوره من الطيبات ورغد العيش والمجد، سفر ومسرات وشغف ومآثر ونقود. كان اليقين حليفك واليقين حصن المنسيين من طرف القدر، لكنه سراط الخاوين أيضا. لقد فقدت يقينك مقابل حصولك على قدر متزايد من المعرفة، غير أن الحياة لم تكن أكثر قسوة مما هي عليه الآن، وكل ليلة تعود ادراجك مهزوما وخاويا، على أن الامتلاء ليس في مواجهة الهزائم سوى فكرة تحبذ أن تحملها عن نفسك، تعود كل ليلة مشتت الذهن وحيدا وباردا. وثمة صديق يدعوك لاكتشاف مزايا الطموح وفي عينيه احمرار رجل مجهد وهو لا يعني ما يقول بالضرورة، فهذه هي طريقته للاسترخاء. أنت تأخذ الحياة على محمل الجد وهذا سبب كافي لانكسار جيوشك أمام بطش الحياة وجبروت الفقدان.
لا احد يختار نيابة عنك، ولم يحدث أن تفاخرت بأصلك. تنتظرك دائما مهمة اختيار كل شيء، لم ترث هوية ناجزة ولا صنعة ولا شخصية ولا تفضيلات ثقافية وانماط عيش ورموز وأمكنة مقدسة وجماعة تحتويك. وجدت كل شيء مندثر وبدائي وغريب وعديم المعنى.
بكل يسر، انت تضع الهياكل الأولية لحياة لم يضع لها أسلافك حجر الأساس.
(فيس بوك)

في مواجهة المستفيدين من نزع الصاعق.. نصيحة للمعارضة

04/12/2011
محمد العلائي:

يا إخوان القليل من التناقض ومن أحلام اليقظة ومن خداع النفس يكفي.
ليس من المعقول أن تتصرف وكأن الطرف الآخر غير موجود. 
الثورة لم تكن صاعقة في سماء صافية، لقد كانت امتداد طبيعي لأزمة سياسية مفتوحة وشديدة التركيب، وصراع متفاقم، كانت الثورة قطعة من نسيج ما كان يحدث قبل تونس ومصر. 
لمن لا يريد التصديق عليه مراجعة جدل ما قبل يناير 2011، والسيناريوهات التي كنا نتوقعها للأزمة، سيجد انها لن تختلف كثيرا عما حدث ويحدث الآن.
كان هناك طرفان قويان لكن قبل الثورة كان أحدهما هو الأقوى عتادا والأضعف حجة. 
الثورة تمخضت عن حالة أصبح فيها من كان هو الطرف الأضعف يملي الشروط بل في أوج الفعل الثوري كادت الساحة ان تخلوا له، لولا أخطاء وممارسات نجمت عن سوء التدبير والطيش ضخت الدماء في عروق الخصم المتهالك.
الآن انتهى كل شيء إلى ان الطرفان الرئيسيان على الساحة استمرا على حالهما طرفين مع اعادة ترتيب وتوزيع للاوزان والمقادير الاجتماعية والعسكرية. 
توقف الفرز والاستقطاب واستقرت الأمور على نقطة معينة من التوازن المفيد لانجاز تسوية وطنية تاريخية يستوعب فيها علي عبدالله صالح وحزبه الغايات الوطنية الكبيرة التي خرجت الثورة من أجلها والتي كانت تحدد حركة واتجاهات المعارضة الوطنية خلال العقدين الاخيرين، في مقابل استيعاب جزء من مخاوفه ومطالبه لمدى زمني محدد.
لماذا ننسى اننا بإزاء لاعبين، وهناك لاعبين آخرين كثر يتحدد مصيرهم ومصير الدولة بناء على اتفاق او اختلاف هذين اللاعبين؟ 
ننسى أن هناك مسارات للصراع تخضع لقانون الحركة البسيط، الفعل ورد الفعل. بعضنا يغفل هذه الحقيقة متعمدا، ويستغرب ان يقابل التسخين المستمر على المستوى الاعلامي بتسخين اعلامي موازي، والتصعيد العسكري كذلك. 
التقدم على المسار السياسي وترك بقية المسارات تسير في اتجاه معاكس يؤدي الى تعطيل المسار السياسي بالضرورة. ولا غرابة في ذلك.
في بعض الاوقات لم تحافظ المعارضة الوطنية على نقاط تفوقها في منازلتها لخصم خبرته جيدا. لقد راحت تستخدم أحيانا التكتيك في مواجهة طرف كان عبقري التكتيك، والأكاذيب والمبالغات في مواجهة طرف اشتهر بالاكاذيب والمبالغات، والاحتيال في مواجهة سيد الاحتيال والكيد، والعنف في مواجهة زبون دائم في سوق السلاح الشرقي.
كان الأولى أن لا تخرج عن مواجهته في الميدان الذي تبزه فيه بكفاءة: الإستراتيجية في مواجهة التكتيك، الحقيقة في مواجهة الاكاذيب، الاستقامة في مواجهة الاحتيال، الغيرية في مواجهة الأنانية.. الاتساق والحد الأدنى من التجانس في مواجهة الفوضى والتنافر والاعتباط.. وهكذا.
المعارضة مهما تقول شيئا آخر الا أنها فاوضت باسم غالبية الساحات، وفرضت على المستوى النظري آلية خروج للبلد تتضمن أكثر ما يمكن لأي يمني أن يحلم به. فلماذا تستمر الفجوة بين الجهد السياسي للمعارضة وبين خطاب الثورة وإعلامها (سهيل مدعممة، الصحوة موبايل مثلا) وبعض الجيوب المسلحة هنا وهناك؟
كنت حريصا على مراقبة الكيفية التي تتعاطي بها وسائل اعلام الطرفين من البداية مع الاتفاق، والحق يقال بدأ اعلام المؤتمر والاعلام الرسمي في البداية يتبنى خط هادئ ايجابي، وحظيت المبادرة بالترحيب خلال نقاشات الاعلام الرسمي في الايام الاولى طبعا التي تلت التوقيع، لكنهم وجدوا ان شيئا لم يتغير على الطرف الاخر عادوا إلى ضلالهم القديم.
لا يظنن أحد أن هذه الفجوة تعود بالنفع على الثورة او البلد او المعارضة، إنها الثغرة التي تسمح بتسرب الهواء النقي إلى رئة نظام يوشك أن يختنق. ناهيك عن انها الفجوة التي ينزف من خلالها الوطن ويخرج عن الجاهزية مع مرور الوقت.
أيها السادة في المعارضة، ومكاني لا يزال في المعارضة: اردموا هذه الفجوة الآن بكل السبل الممكنة، وأمامكم طريقتان لردم الفجوة: إما أن تعملوا على أن تنضبط كل الجيوب والجبهات الساخنة المحسوبة عليكم بالخط السياسي وتصريف فائض الحماسة والتعبئة في انشطة ذهنية ومبادرات ومشاريع تنشغل بما بعد علي عبدالله صالح، أو أن تنضبطوا أنتم بالخط الثوري وكل ما يترتب عليه.
لا تقطعوا التزامات للعالم ثم تعجزون عن الوفاء بها، وتحيلون كل شيء إلى رجل لو كان يقوى على دحر الثورة لما تردد لكن قبل ان يوقع ويجرد نفسه مكرها من جزء كبير من شرعيته أو ما يظن انها شرعيته. 
لقد حدد طريقة خروجه وشهد العالم بأسره على ذلك، ولا يزال بكامل يقظته وانتباهه وأي بادرة سوء نية تدفعه لاتخاذ احتياطاته بالتأكيد وآليات حمائية تخريبية. إنه عبوة ناسفة لا أكثر، ولطالما تصرفت المعارضة على هذا الاساس، ولم يغيب عن ذهنها أن الأولوية هي لإبطال مفعول هذه العبوة، غير أن هنالك من يسعى إلى نزع الصاعق وتفجيرها في وجه الجميع بلا رحمة.
بالطبع، من السهل اقناعي بأي شيء، لكن العالم يراقب ويسمع من مصادر متعددة ومحايدة، ومثلما يسمع منك يسمع من غيرك. بهذه الطريقة انتم تجازفون بخسارة قواعدكم وخسارة العالم، وتنتقل الكلمة الفصل للمصوملون.

* من صفحة الكاتب على الفيس بوك.


الأكثر مشاهدة