الثلاثاء، 28 ديسمبر 2010

لا يمكن للحياة أن تكون أقسى

محمد العلائي
alalaiy@yahoo.com 


أعترف أنني أكتب الآن لكي أبرهن فقط لنفسي أنني لست امرأً عديم النفع وفاشلاً. عندما أشعر بنفسي منسياً أكثر، تتملكني الرغبة في قول شيء ما. لكن سرعان ما أتذكر أن ما أريد قوله قد قلته بطريقة أو بأخرى لأحدهم عبر شبكة الانترنت، أو في مقيل ما، أو أنني ناقشته في مقال سابق، أو قاله ما لا يحصى من الناس بما لا يحصى من الأشكال والكلمات. 

في أوقات كثيرة تصبح الكتابة نشاطاً مفتعلاً يحول بين الإنسان وبين أن يغدو "نفاية اجتماعية" لا يؤبه له. وهي طريقة أخرى لمقاومة الشعور بـ"تهديدات العجز"، بحسب الروائي البوليفي يوسا، الحاصل على نوبل 2010، ذلك الشعور الموهن جدا الذي يتفق انه يعتري الكاتب في لحظة معينة من لحظات حياته. 

الرغبة الدائمة في قول شيء! إنها آفة البشرية لكي لا أعتقد أنها آفتي الشخصية فحسب. 

"ففي عالم من المخاطر غير المتوازية، المجهولية أمر بالغ الخطورة"، هكذا قال اريك شميدت رئيس شركة غوغل قبل بضعة أشهر. لهذا لا شيء يهزمني أكثر من المجهولية هذه التي أشار إليها شميدت. على الدوام، أرغب (الجميع يرغب) في فعل ما يمنحني الإحساس بالوجود، الوجود اللائق. أكره العزلة والصمت والنسيان وليل القرية، نباح الكلاب والغناء الكئيب للجداجد، أكره النعيق الذي يشرخ سكون الليالي الظلماء، أكره الظهيرة الميتة في حيد علي احسين، ذلك المنحدر المشرف على هاوية سحيقة، المليء بالأشباح، إنه الشاهد الأمين على براعة أمي في تسلق الجبال. 

الآن عثرت على ما يمكنني الكتابة عنه: القرية وقسوة الطبيعة التي لا تقهر، المكان الذي زرته في العيد الماضي حيث كانت أمي تنتظرني بفارغ الصبر على التلة المجاورة للبيت. لقد كنت مدفوعا بالذكريات والحنين والواجب. 

كنت خوفينال اوربينيو في رواية جارثيا ماركيز "الحب في زمن الكوليرا". خوفينال الطالب العائد من باريس وليس عوليس في الأوديسة، المحارب العائد إلى مسقط رأسه إيثاكا. تذكرت عودة خوفينال من باريس بشعر مفروق من وسطه و"سيطرة كافية لإخفاء عقدة الحنجرة التي لم يكن سببها الحزن، وإنما الرعب". كانت أمه وشقيقتاه وصديق قديم ينتظرونه، فوجدهم "شاحبين وبلا مستقل". إنه يشاهد أمه الآن وهي تذوي على نار هادئة وتعبق من ملابسها روائح الكافور. 

الأم التي لا تلبث أن تدرك اضطراب ابنها؛ تسارع إلى سؤاله وكأنها تدافع عن نفسها: لماذا هو عائد بهذه البشرة الشفافة كالبارفان؟ "إنها الحياة يا أماه. فالمرء يتحول أخضر في باريس"، يرد خوفينال. كل شيء بدا لخوفينال أضأل مما كان عليه عند ذهابه، وبدا أشد فقرا وكآبة. جرذان ومزابل وقصور بالية على وشك الانهيار. "حينئذ فقط أدرك إلى أي حد كان ضحية سهلة لأحابيل الحنين الخادعة، رأى نفسه مهزوما، فأدار وجهه كي لا تراه أمه، وأطلق لبكائه الصامت العنان". 

لا أجد طريقة أفضل من هذا للتعبير عن لحظة رهيبة تركت ثقبا في الذاكرة والروح، وحزناً لا يموت. كنت أعرف أن ثمة عذاباً وأن ثمة بؤساً وحرماناً، إلا أنني سمحت لنفسي بأن تنقاد لألاعيب الحنين، وربما لأنني رحت أنظر إلى الأمور بالوعي الانثروبولوجي للصحفي الذي أظن أنني أصبحت. ناهيك عن أن العام 2010 كان عاما خصبا في معظم الأرياف اليمنية، بعد سنوات من القحط والجفاف. لهذا السبب تخيلت أن الأشياء ستبدو أقل سوءا. 

لكن لا شيء أقل سوءا. المواشي فقط ترعى في المضارب، والنساء ينجبن الكثير من الأطفال، والفتيان صاروا رجالا بآباط كثة ولحى وحبال صوتية مرتخية بأكثر مما يحتاجون إليه، وتساقط شعر ومني وياقات معروقة، وحكايات مريرة من جيزان والخميس وصامطة ومعسكر الأمن المركزي ومقوات الزعبلي. 

الزمن في القرية بطيء لكنه متلاف، غول قاهر. إنه ينخر بلا هوادة: الأجساد والحيوات وكذلك الأحلام. الأشياء تبدو اصغر أو أكبر مما كانت عليه، أجساد تتشكل كيفما اتفق ثم تضمحل وتموت كيفما اتفق أيضا. وعلى عكس صديقي محمود ياسين، الكاتب الكبير، لا أتذكر أنني عشقت يوما الظهيرة ولا العطش ولا الشموس. 

تقترح الحياة هناك مصائر قاسية و"غوط" في كل مكان وآلام. مصائر تفتقر لروح الخفة لدرجة يتعذر معها تحويلها إلى نصوص أو مقالات مدهشة. ضفع وبراغيث وروائح عطنة وأوساخ. مرض جلدي يفتك بكلب عجوز لطالما عهدته ذليلا وأحمق. لا أعرف كم يزن ذلك الكلب، لكنه ضخم بقوائم مرتفعة وعيون حزينة. إنه ينام كثيرا ويحدق، يحدق بلا توقف وينسى أنه كلب! وفي مواسم السفاد تجيء إليه أجمل الكلبات البرية وعن طيب خاطر. 

عرفته منذ جراوته. كان كلب العائلة الكبير، لكنه لا يمتلك شجرة نسب، بحيث أستطيع الكتابة عنه على طريقة جاك لندن، مؤلف الرواية العظيمة "نداء البداءة"، فأقول مثلا إن هذا الكلب ذا الشعر الضارب للحمرة، يتحدر من سلالة الاسكيمو أو مليموت أو خليج هدسون أو من فصيلة السان برنار. نحن نحتفظ بأنساب البشر، الشكر لله، لكن الكلاب تتمتع بفردانية مطلقة. 

ذباب في القرية: سوداء وخضراء ومذهبة. وتسمع حكاية دجاجة فقدت بصرها فجأة وكيف أنها لا تزال تطلق قوقأة مخنوقة وتبيض! بقرة حزينة ملدوغة في درتها وهي تحتضر الآن، قد تنجو. امرأة سقطت من علو شاهق وماتت لكن الناس يعتقدون أنها مخطوفة في مملكة الجن، وأنها تصادف الناس في الطرقات ليلا. 

رجلان متقدمان في السن ومن كبار ملاك الأراضي يقتسمان حجرة مستطيلة واحدة، احدهما أقعده الجذام، والآخر قتل الشلل نصف جسده، وكان أحدهما في ما مضى لا يطيق الآخر. امرأة كانت جبارة في ما مضى ولم يتبق منها سوى صوتها المجلجل بعد أن فقدت السيطرة على مثانتها. 

وأميل إلى التشكيك في حكاية عن فتاة مبتورة الرجل يقال إنها لا تزال تستعمل كزوجة وتنجب أطفالا بكفاءة مصنع ذخائر. لكني سمعت رجل مفتون بقبر متوف حديثا، قبر أؤكد لكم أنه قبر، قبر قال إنه متسق أنيق وخال من الصخور، ولا بد أنه كان يحلم بقبر كهذا عندما توافيه المنية. 

لا يحدث كل هذا في قريتي بالضبط، لكن لا يبدو مستبعدا أن أمورا كهذه تحدث في قرية ما. 

هناك، الألم ألم، والجهل جهل، والريف ريف، وأفواه هتماء لشيوخ يطلقون قهقهات عظيمة. تحمل الحياة هناك طابع بهائمياً ويحمل الناس بدورهم طابعا بهائميا. رغم أنني مقتنع أن الكتابة عن بهائمية الريف على هذا النحو بهائمية مضاعفة. 

لا يمكن لدنيا الله أن تكون أقسى من هذا، إنها لقاسية. وحتى لو جازفت بوضع نفسي موضع السخرية، سأجرؤ على الجزم بأن البؤس أقل في روايات أمريكا اللاتينية التي تدور أحداثها في القرن التاسع عشر، وكذلك الخرافات. حتى الحياة في الكثير من كلاسيكيات الأدب الروسي عن أرياف روسيا القرن التاسع عشر، لا تتشابه إلا في مستوى بسيط للغاية مع أنماط العيش والتفكير والشقاء والجهالة في الريف اليمني الآن. ففي روايات غوغول وتشيخوف مثلا نستطيع العثور على عربات تجرها الأحصنة، وسهوب خضراء، وموسيقى وبارات وأنهار، وملاك أراض كبار وصالات قمار، ومسرح وكتب وحفلات راقصة ومرافق حكومية. 

ليس في الأمر مبالغة من أي نوع. ولا يبدو أنني كتبت ما لم يكتب. كل ما هنالك أنني وصفت ما يفترض أنه معلوم لمعظم الحضريين المتحدرين من الأرياف، مع تفاوت في درجات البؤس والبداءة. 

على أنني لا أعرف حتى هذه اللحظة ما الذي كنت أرمي إليه من خلال سردي لما هي عليه الحياة في القرية. البؤس؟ هذه من أكثر الكلمات تداولا في الصحافة اليمنية والنقاشات العامة. الدولة إذن؟ لا أظن، فهذا استنتاج لا يقل بؤسا. ففي قريتي الصغيرة مدرسة من ثلاثة فصول تم تشييدها قبل بضع سنوات. وتقريبا كل القرى الصغيرة المجاورة باتت تمتلك مدارسها الخاصة، وهي مبان جيدة جدا، والحق يقال، تستعمل للمناسبات الاجتماعية ويتفق أن ينسى الأهالي فيها المتافل والمتاكي والأسلاك الكهربائية والبطانيات. 

لا أزعم أنني كنت انوي من البداية الخروج بخلاصات ذكية عن غياب الدولة، والتعبير عن استيائي من العزوف التام للطبقة السياسية عن كل ما هو ضروري، الطبقة السياسية التي تصوغ خطابها السياسي وبرامجها وأولوياتها طبقا لاحتياجات الحضريين وأنصاف الحضريين. 

صحيح بودي لو أولينا مسائل مثل التوزيع السكاني (130 ألف تجمع سكاني)، والتخطيط الحضري، السياسة التعليمية، الاندماج الاجتماعي، اهتماما أكبر. وأشدد هنا على فوضى التذرر السكاني التاريخية، هذه المعضلة الجوهرية التي تساهم في صناعة الفجوة الهائلة على صعيد الخدمات وأساليب الحياة والتعليم والعزلة الاجتماعية. 

لا يشكو الناس في بعض الأرياف من غياب الدولة ولا من حضورها. ولقد وجدت تفسيرا جيدا في تلك العلاقة، التي ناقشها جمال حمدان، وقبله مونتسكيو وماتويتزي، بين الظروف الجغرافية والملامح الاجتماعية والسياسية. وكيف يجد الحكم المطلق والطغيان مكانه الملائم في البيئة الفيضية المعتمدة على الأنهار في الري والزراعة مثل مصر والعراق وفارس، بينما تتقلص إمكانية نشوء نظام حكم مطلق في البيئات المطرية مثل اليمن. 

في البيئة المطرية، يقول جمال حمدان، تكون الزراعة عرضة لذبذبات المناخ، وفلاحها تحت رحمته. ثم إن المطر لا يحتاج إلى تخطيط، هذا يعني أن الطبيعة هنا هي سيدة الفلاح، والفلاح بالتالي سيد نفسه، الأمر الذي يعطي الفلاح فرصة للفردية بدرجة أو بأخرى، بحسب حمدان. 

لكن لا ينطبق بالضرورة على المجتمعات الريفية في اليمن ما ينطبق على "المجتمعات البدائية"، الهمج والآباش البريين مثلا، التي تناولها عالم الإناسة الفرنسي بيار كلاستر، تلك المجتمعات المضادة للدولة "ليس نتيجة عجز أو تأخر تاريخي بقدر ما هو نتيجة قرار واع اتخذه المجتمع من أجل منعها من الظهور". 

من وجهة نظر كلاستر، فالمجتمعات البدائية هي كل ما هو صغير ومحدود ومختصَر، وهي مجتمعات الانقسام المتواصل، مجتمعات تقع في جهة المتعدّد؛ في حين تقع مجتمعات الدّولة في الجهة المعاكسة تماما، أي جهة النّموّ والاندماج، جهة التوحّد. 

بالتأكيد، غالبية الريف اليمني يتألف من وحدات اجتماعية متناثرة على مساحات جغرافية مترامية الإطراف، وهذه الوحدات تنتج قوانينها الخاصة وتقوم ذاتيا بتنظيم مصالحها وحمايتها، لكنها تاريخيا تتمتع بقابلية حقيقية لتواجد دولة، وسجل هذه المجتمعات يحتوي على بروفات ونماذج أولية تثير الإعجاب. باختصار، ليست هذه المجتمعات ضد الدولة تماما نتيجة اختيار ثقافي واعٍ، غير أنها أقل اكتراثا بالدولة عندما لا تجيء. 

عدت إلى صنعاء أغذ الخطى، (أكره الصمت والنسيان، وليل القرية الموحش، والظهيرة الميتة، وأكره أغذ الخطى). 

عدت إلى صنعاء. وفي الواقع كان يجب أن أعود على الفور. ذلك أن المقال راح يأخذ منحى تخصصي لا طائل منه، وربما لا يسعني الخوض في الجزء التخصصي أكثر دون أن أبدو رجلا غبيا يقاوم إحساسه بالمجهولية، بالجهالة غير الهيابة.

*صحيفة اليمن، 28-12-2010

الجمعة، 24 ديسمبر 2010

أعترف أنني شمالي


محمد العلائي، أبريل 2009

أعترف أنني شمالي. وهذا الانتماء عنصر ثانوي جدا، وطارئ جدا، وليس له وزن في هويتي المؤلفة لشخصيتي، الهوية التي تجعل من أحدنا غير متماثل مع أي شخص آخر. لكنه، وياللمفارقة، أحد الانتماءات التي لم أشارك في اختيارها عندما وجدت يوما على هذا الكوكب، مثل أشياء كثيرة تلتصق بالمرء لحظة ولادته دون استئذان، أشياء من قبيل النوع، اللون، العائلة، مكان الولادة. (وبوسعي أن أضيف العشيرة والطائفة الدينية أحيانا).

لذا يبدو لي، على الدوام، أن التباهي بمثل هذه الهويات، غير المكتسبة، سخيف، بقدر سخافة التنصل عنها. بكلمات أخرى: إذا كان يتعين على المرء عدم الانسلاخ عن الانتماءات التي تشكل هويته، فعليه كذلك تجنب اعتبارها مصدر فخر وتعالٍ أو مصدر خزي وعار. مثلا أستطيع الافتخار بكوني صحفي من طبقة اجتماعية فقيرة، أكثر من قدرتي على الافتخار بكوني شاب من قرية جبلية في حجة تزعم عائلته بأنها تتحدر من قبيلة حاشد.

لا أعرف معنى أن يكون المرء شماليا أو جنوبيا على حد سواء. ولقد نجحت في تحويل كلمة "دحباشي" إلى مجرد دعابة مع درجة من المكر والتخابث. تقريبا، لا أعلم ما إن كان الجنوبي مختلفاً بالفعل، وبماذا هو مختلف حقا؟ لن أجيب على هذا السؤال، وربما لا أستطيع. ثم إنني تذكرت أني لا أنوي هنا تقديم بحث في السيسيولوجيا، قدر محاولتي مخاطبة الجنوبيين ألا يكرهوا الشماليين بسبب أنهم أصبحوا شماليين ذات يوم. شخصيا، أحب الاعتقاد أن الفوارق، بيني وبين أي جنوبي، فوارق ضئيلة، وأنها ذات صبغة ثقافية غالبا، أمور تتعلق بنمط المعيشة وعادات التفكير. وربما شيء من خصوصية طفيفة وخبرة اجتماعية وسياسية، ترتبت على خضوع الجنوب للاستعمار أولا، ثم للإيديولوجية الماركسية لاحقا.

من شبه المؤكد أن اليمن لم يشهد، عبر التاريخ، صراع هويات بالمعنى الصارخ للعبارة. تلك الصراعات الطويلة الأمد، التي تندلع عادة لبلورة رموز وأفكار ومفاهيم جوهرية معقدة، حول تحديد إدراك المرء لنفسه وجماعته والعالم من حوله. كل الحروب القديمة في اليمن، دارت على أسس بدائية إجمالا، للسيطرة على الأرض وبسط النفوذ وكسر هيبة الآخر، ليس أكثر وليس أقل. تاريخيا، ربما وجد من يتلفع بهذه الهوية أو تلك، لتسوية حسابات سياسة محضة.
...
على أنني، ولسبب يصعب تحديده، ما يزال تأثير الحديث عن الانفصال في نفسي ذا طابع شخصي غالبا. أشعر وكأنني منبوذ بسبب من أنا، ذلك الإحساس الغريب بالوهن والقطيعة والحزن، عندما يدرك المرء إلى أي حد هو غير مرغوب فيه، لأنه فقط أبصر النور في مكان قريب من المكان الذي نشأ فيه علي عبدالله صالح. إحساس يجعلني أنسى لبرهة حديث المظلومية والخصوصية الجنوبية والشراكة المفقودة.

لست اللواء مهدي مقولة بالطبع. وانفراط الوحدة لن يمثل موتا لمصالح 19 عاما. بالكاد أعرف عدن، وتحلقنا حول الراديو على سطح بيتنا في القرية أثناء حرب 94 بمعية قريبنا مبارك الذي نزح وعائلته من صنعاء هربا من الصواريخ، هو المشهد الوحيد الذي علق بذاكرتي الصغيرة، ذاكرتي أنا الذي ولدت قبل العام الذي تمت فيه الوحدة بـ7 سنوات.

مناهضة الظلم قيمة عالية الشأن، لكن الوحدة والصداقة قيمتان عظيمتان أيضا. كان جان مارك، وهو أحد الشخصيات المركزية في رواية "الهوية" لميلان كونديرا، يحب أن يقول لنفسه: بين الحقيقة والصديق أختار الصديق دائما. ذات يوم أخذ مارك يشرح لعشيقته كيف أن الصداقة كانت في نظره هي البرهان على وجود شي أقوى من الإيديولوجية ومن الدين ومن الأمة، مستشهدا بقصة الأصدقاء الأربعة في رواية الكسندر دوماس الشهيرة: "الفرسان الثلاثة"، الذين تقاطعت مصائرهم بين معسكرين متعارضين غالبا، ووجدوا أنفسهم مرغمين على أن يقاتلوا بعضهم بعضا، وكيف أن ذلك لم يعكر صفو صداقتهم. ولم يتوقفوا قط عن مساعدة بعضهم سرا، بدهاء، ساخرين من حقيقة معسكر كل منهم. "لقد وضعوا الصداقة، فوق الحقيقة، فوق القضية، فوق أوامر الرؤساء، فوق الملك، وفوق الملكة، وفوق كل شيء" بتعبير كونديرا على لسان جان مارك.

لدي أصدقاء كثر من الجنوب. ولطالما ظلت الوحدة في نظري شيئا يتخطى السياسة. إنها نموذج واسع للالتقاء الإنساني الخلاق، شكل أكبر للصداقة والألفة والمصير المشترك. أعترف أنني لا أحب هذا الأسلوب الوعظي الممل والساذج. ذلك أنني واقع في شراك ما بعد الحداثة، إذ تغريني فكرة موت الخطابات المهيمنة والغنائية المبتذلة، وفكرة حق كل الجماعات في التحدث عن نفسها كأمر حقيقي ومشروع، وفرص العيش خارج النظريات الكلية والحتميات التاريخية.

غير أن صمت عوض كشميم وباسم الشعبي، على سبيل المثال، عند الحديث عن الانفصال يصيبني بألم في المعدة. لا أدري لماذا، ربما لأن الوحدة بالنسبة لي أصبحت تعني شيئا بعد أن عرفتهم، وبعد أن أحببت رجالاً كباراً على غرار فيصل بن شملان، وياسين سعيد نعمان، وعبدالناصر باحبيب، وبافضل، ومقبل، وعشقت أنغام عمالقة مثل أبو بكر سالم بالفقيه، وفيصل علوي، ومحمد بن أحمد قاسم، ومحمد سعد عبدالله.

الشيء الغريب، أنني أكره كلمة "الانفصال" كرهي لسياسات علي عبدالله صالح الخرقاء. نريد أن نبقى معا رغم كل الصعوبات. ليس خوفا على شيء، ولا طمعا وتهافتا وراء شيء، لكن غريزيا، ولأسباب لم أجد لها تفسيراً منطقياً حتى الآن، لا أزال أجد أن الوحدة تمتلك قدرة فائقة على إغوائي. صحيح أنا أؤمن بالفردانية، وأنبذ الولاءات العشائرية الحمقاء، وأتمنى أن أغمض عيني يوما وافتحها فأجد التراتبية الاجتماعية وتفاوت الفرص قد تلاشت من عالمي إلى الأبد. لكنني، مهما يكن، لا أجد الانفصال خيارا محببا، إنه أحد أكثر الأشياء التي تكدرني وتصيبني بالإحباط.

يقول باراك أوباما، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، في كتابه جرأة الأمل :"إذا كنا نحن الأمريكيين فردانيين في الصميم، فقد ارتبطت فردانيتنا على الدوام بمجموعة من القيم الجماعية. نحن نقدر قيمة المجتمع والجيرة، نقدر قيمة المشاعر الوطنية والتزامات وواجبات المواطنية، والإحساس بالواجب والتضحية في سبيل الأمة. نحن نقدر الإيمان بشيء أكبر من أنفسنا. نحن نقدر قيمة مجموعة السلوكيات التي تعبر عن احترامنا المتبادل تجاه بعضنا بعضا: الصدق الأمانة، العدل والنزاهة، والدماثة واللباقة، والتواضع واللطف، والتراحم والإحسان".
...
ولقائل أن يقول: اعطنا وطنا كأمريكا نعطيك حسا وطنيا مرهفا. والحق أنها ملاحظة ذكية وبالغة الدقة، لكنها لن تكون كذلك، حينما نعرف أن ابراهام لينكولن، الرئيس الـ14 للولايات المتحدة، حين أكد على مثل هذه القيم في خطبه، التي وصفت بأنها لا تفقد بريقها مع التكرار- في وقت كانت العبودية في ولايات، كفرجينيا وكارولينا، مرتبطة عضويا بتدين المسيحيين البيض في الجنوب- كان يواجه بمزيج من السخرية والازدراء وعدم التصديق.

حارب لينكولن ببسالة في سبيل التخلص من الرق والحفاظ على الاتحاد. بدأت الحرب الأهلية الأمريكية في 12 أبريل 1861 عندما هاجمت فرقة جنوبية موقع فورت سمتر العسكري في تشارلستون، واستمرت الحرب 4 سنوات كاملة. كسب لينكولن الحرب التي انتهت باستسلام الجيش الجنوبي بقيادة روبرت لي للقوات الشمالية..

عُرفت الحرب الأهلية باسمي الحرب بين الولايات وحرب الانفصال أيضًا. وانقسمت أمريكا حينها إلى قسمين. ففي حين كانت الولايات الجنوبية المعروفة بالجنوب، أو الكونفدرالية، تحارب لأجل المحافظة على استرقاق السود، وعلى نمط الحياة الزراعية، فقد عارضت الولايات الشمالية، المعروفة باسم الشمال أو الاتحاد، نظام الرق في الجنوب وسعت للمحافظة على اتحاد الولايات كافة داخل الولايات المتحدة الكبيرة. أزهقت هذه الحرب 620 ألف شخص، من بينهم 360 ألفًا من الشمال و260 ألفًا من الجنوب. وقد مات أكثر من نصف هؤلاء نتيجة الإصابة بالأمراض. وكلفت الحرب الأمريكيين ثمنًا باهظًا في الممتلكات والمزارع والصناعة والتجارة، وهلك الكثيرون من المدنيين من رجال ونساء وأطفال. (تصفية آثار الحرب، وإعادة الوحدة الكاملة لجميع الولايات المتحدة، احتاجتا عملاً وجهداً مضنيا، ضمن عملية عرفت بـ إعادة التأسيس).

خلفت تلك الحرب مرارة كبيرة. وشكلت لدى الجنوبيين الأمريكيين إدراكا خاصا للتاريخ والمأساة، وعززت شعور المرء بهشاشة الحياة، على حد وصف الصحفي الأمريكي جون ميشام. حتى إن الصحفي كريستوفر ديكي، هو الآخر، لاحظ، أثناء زيارته للجنوب الأمريكي في أغسطس 2008، أن الحرب الأهلية، بعد مضي أكثر من 150 عاما، كانت ما تزال تتربص، بطريقة ما، في ظلال ناطحات السحاب، ذات الواجهات المصنوعة من المرايا، وشرح ديكي كيف أن الناس هناك "لم ينسوا الماضي ولم يغفروا له، بل وضعوه جانبا ومضوا قدما في حياتهم وأعمالهم".

تعافى الأمريكيون من إرث الحرب الأهلية. وشيئا فشيئا أزاحوا عن كاهلهم عبء التمييز العنصري المقيت، وتمكنت حركة الحقوق المدنية، في الخمسينات والستينات، من إرساء مبادئ العدل والمواطنة والمساواة، دون أن تضطر إلى المساس بالاتحاد الفيدرالي الأسطوري، المؤلف من مزيج غير متجانس من الأقليات.
...
على الدوام للحروب عواقب مأساوية. وما من شك، فمعارك صيف 94 تركت جرحا في الذاكرة الجنوبية، غائر صحيح، لكن إمكانية أن يندمل لم تضمحل بعد، مع التسليم بأنها تزداد صعوبة مع مرور الوقت. بالتأكيد، كنا وما نزال، بحاجة إلى قائد بنصف تواضع وحكمة ودهاء لينكولن. "التواضع نفسه الذي أتاح له، حالما انقطع الحوار بين الشمال والجنوب، وأصبحت الحرب أمرا حتميا يتعذر تجنبه، مقاومة إغراء أبلسة الآباء والأبناء الذين قاتلوا في المعسكر الآخر، أو التقليل من فضائع الحرب، مهما بلغت عدالتها وضروراتها"، بحسب أوباما.
لا شيء أسوأ ولا أخطر من "السماح للتاريخ بإدارة حياتنا". ثمة طريقة دائما لتخطي شروخ الزمن، طريقة ترتكز على الشعور بالتضامن الوطني، ولا تنطوي بالضرورة على شعارات كالانفصال وتقرير المصير، والجهر بالتمايز العرقي والمذهبي. إلى جانب ما هو بديهي، هناك أيضا تشابه غير مدرك يجمعني بالجنوبيين. مثلا أحببت الأب في حيدر العطاس، وهو يحتضن ويقبل أحفاده في برنامج زيارة خاصة. لقد تذكرت جدي الذي أحبني كما لم يفعل أحد. وفي انتخابات 2006، وجدت نفسي متحمسا لمرشح الرئاسة فيصل بن شملان بجنون مستميت. وراودني شعور لذيذ بالتفاؤل، عندما تيقنت أن بن شملان حصد فوزا كبيرا في مركزي الانتخابي.

أعترف أن الجنوبيين جماعة جريحة. وأن تمثيلهم في السلطة غير عادل تماما. وأتفهم مشاعر السخط والارتياب السائدة في ربوع الجنوب. وبوسعي أن أتخيل إلى أي مدى ترعب العدنيين، ذوي المزاج المعتدل والأعصاب الباردة كقطعة ثلج، فكرة بقاء الوحدة مع قبيلة مثل بني ضبيان، أو حرف سفيان والعصيمات، وقيفة ومراد وادهم، حيث ما يزال في صفوف هذه القبائل المحاربة من يتسابق على وصف نفسه بـ"شراب الدم". لكن كيف يمكن ألا ننزلق من التعاطف إلى المحاباة، على حد تعبير أمين معلوف في "الهويات القاتلة". وكيف أنه يجب الموازنة بين التأثر لآلام الذين ذاقوا صلف التمييز والاضطهاد ورهاب الآخر، وبين عدم التسامح مع إفراطهم في كبريائهم الوطني والتمركز الشوفيني حول الذات، والأنانية، واحتقار الآخر، والشعور بالفوقية ونقاء العرق.

سأكتفي بإلقاء اللوم على نظام الرئيس صالح. إلا أنني لست على يقين ما إن كانت لهجة باعوم ستساعدني على الاحتفاظ بانحيازي لصالح الجنوبيين، أو على الأقل، الوقوف على الحياد. صحيح تصرفات الرئيس هي الأكثر خطرا على الوحدة، لكن بالمقابل نبرة باعوم العدوانية تجعل شعوري بالذنب إزاء الجنوب يستنفد زخمه وتلقائيته. وفي المحصلة، كلا الرجلان يثيران فيَّ القرف والاشمئزاز واليأس.
 لا أريد أن أبدو كواعظ عجوز لأقول إنه علينا الانخراط في حلم مشترك، يضع نصب عينيه أمرين متلازمين: الأول، التحلي بالصبر ريثما تمتلك الأدوات الديمقراطية السلمية القدرة الكافية للإطاحة بنظام الرئيس صالح، دون تكرار دورات العنف، التي لن تفعل سوى مراكمة مزيد من الصدوع الاجتماعية والأحقاد التاريخية، وانبعاث قاتل للانتماءات العتيقة. الثاني، ادخار ما تبقى من الوحدة ليغدو في صلب الصيغة التي سيكون شأنها إدارة حياتنا مستقبلا، بحيث تستحيل معها الهويات الصغيرة إلى مصدر ثراء وتنوع وقوة.

الأربعاء، 1 ديسمبر 2010

ما ينبغي لليمن أن تستفيده من نجاح خليجي 20

السياسة قبل وبعد البطولة كانت حاضرة بقوة ومعها التاريخ سواء داخل الغرف المغلقة أو على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة 

اليمن: 
ترك خليجي 20 بصمته على أمور كثيرة. لقد كان أكثر من مجرد حدث رياضي اعتيادي.

على سبيل المثال، فالمشهد السياسي اليمني أصبح يختلف بعد خليجي 20 عنه قبل خليجي 20. ثم إن نظرة خاطفة فقط على عناوين الصحف قد تساعدنا في معرفة كيف أن اليمن أخذ يسجل حضورا مختلفا في الإعلام الخارجي وفي أذهان العالم بعد هذا الحدث الكبير. ناهيك عن أن المزاج العام في الداخل يبدو الآن اقل حدة واعتلالا عما كان عليه قبل 22 نوفمبر الفائت.

ولا بد أن تقييمات مراكز البحوث العالمية لليمن كدولة، ستغدو أقل تشاؤما وقتامة من الآن فصاعدا.

هذا ليس استنتاجا ساذجا أو سابقا لأوانه، بقدر ما هو امتثال طبيعي لمنطق الأشياء بالنسبة لبلد بلغ به القنوط مبلغا عظيما. بلد كان قد بدأ يواظب على الحضور في وسائل الإعلام جنبا إلى جنب مع أفغانستان والعراق والصومال. وكان الأكثر تفاؤلا من المحللين والمهتمين بالشأن اليمني يبذلون جهدا مضنيا في سبيل الحصول على أسباب معقولة من شأنها إبقاء اليمن في خانات أقل سوداوية.

حتى إن السفير الأمريكي السابق لم يجد ما يجادل به، في مقال كتبه قبل شهر تقريبا، لإثبات أن اليمن لم تصبح دولة فاشلة بعد، سوى مؤشرات بسيطة من قبيل أن الأطفال لا يزالون يذهبون إلى المدارس كل صباح، وسيارات الأجرة تجوب الشوارع والمحلات مشرعة أبوابها.

يجدر بنا أن نتذكر الأشهر التي سبقت البطولة، عندما راهن الكثير من المراقبين، وبدأب منقطع النظير، على عدم أهلية اليمن لاستضافة حدث رياضي يضم ممالك النفط والعراق. وكانت الحوادث الأمنية اليومية تدعم ما يذهبون إليه، إلى اللحظات الأخيرة قبل انطلاق البطولة.

كانت الخيارات المطروحة تتراوح بين التأجيل والنقل والإلغاء. ولم تكن تتوقف الشائعات إلا لتبدأ من جديد. ومع كل حادثة تفجير أو أعمال عنف يخرج المراهنون ليذكروا الناس بعدم أهلية اليمن لاستضافة خليجي 20. وأثيرت سجالات وخلافات لا حصر لها بين ممثلي الدول المشاركة في البطولة. وتأرجحت مواقفهم بين تأييد اليمن في استضافة الفعالية وبين المعارضة، ولكل طرف أسبابه.

والسياسة، على أية حال، لم تكن بمنأى عن كل ما يجري، سواء داخل الغرف المغلقة أو على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة. كانت حاضرة بقوة ومعها التاريخ.

كان موعد البطولة يقترب فيزداد خفقان قلوب المسؤلين في الحكومة اليمنية. وكانت الثقة التي يظهرونها لوسائل الإعلام تخفي مزيجا من الخوف والشك. كانوا مثل تلاميذ شعروا أنهم قاموا بما عليهم لكن المعلم لم يقل كلمته بعد. اللجان الخليجية تروح وتجيء، فحص وتدقيق وأسئلة. تسجل العلامات وتمضي.

كانت العلامات جيدة فيما يخص المنشئات الرياضية والفنادق، لكن بقي أمر واحد يصعب التنبؤ به سلفا أو قياسه: الجانب الأمني. دفعت السلطات اليمنية بحوالي 30 ألف جندي لتأمين البطولة، وطمأنت الأشقاء أنها تتخذ تدابير أمنية استثنائية. ورغم ذلك بقي الأمل يراود المراهنون على الفشل، وبقي شيء من الخوف يعتمل في نفوس الخليجيين.

في الداخل، كانت المعارضة أكثر ميلا للتشاؤم والتشكيك. وراحت الصحف الحزبية تطارد الهفوات والأخطاء، وتتتبع بلا كلل الحوادث والمواقف بخليط من الشماتة والتشهير وأحيانا اللامبالاة. كانت تريد أن تقول باختصار: اليمن ليست جاهزة لحدث كهذا. من ناحية لأن المؤشرات بالفعل كانت تؤكد وجهات نظرهم، ومن ناحية لأنها كانت تخشى ولا تزال، من أن يحسب أي نجاح للسلطة التي ربما ستقوم بتوظيفه سياسيا فيما بعد.

في الأسبوع الذي سبق تدشين البطولة، أصدر التجمع اليمني للإصلاح بيانا رحب فيه بضيوف اليمن، ودعا أنصاره للمساهمة في إنجاح الفعالية. قبل ذلك، كان فرع الإصلاح في عدن قد أصدر بيانا يحمل مضمونا مشابها. كان هذا الموقف مفاجئا للبعض، وطبيعيا لآخرين. لكن اللقاء المشترك، والإصلاح يقف على رأس هذا التحالف، لم يصدر أي موقف موحد لأسباب غير معروفة.

بعد هذا الموقف، تغير أداء وسائل إعلام الإصلاح أو المقربة منه جذريا. ومن شبه المؤكد أن الرئيس علي عبدالله صالح كان يشير إلى الإصلاح بالذات، في كلمته التي ألقها بمناسبة 30 نوفمبر، حينما قال: "كما احيي كثير من القوى السياسية في المعارضة التي تعاونت مع جميع أبناء شعبنا ومع أجهزته الأمنية وقدمت لوحة جميلة ولم تقاطع أو تحرض أو تخرب كما كان مطلوب منها، بل قدمت هي الأخرى لوحة جميلة إلى جانب أمن واستقرار الوطن وأظهرت عدن العاصمة الاقتصادية والتجارية بمظهر حضاري".

وإذ اتخذ حزب رابطة أبناء اليمن "رأي" موقفا مشابها لموقف الإصلاح، فقد لاذت بقية أحزاب المعارضة بالصمت. والصمت حيال حدث كهذا هو موقف سلبي جدا بكل المعايير.

ومع ذلك، فقواعد الأحزاب التي فضلت الصمت، وحتى القيادات، تفاعلت بصدق مع أحداث البطولة، وتحمست للمنتخب الوطني، وأصيبت بخيبة أمل حينما خسر. وفي قرارة نفسها كانت فخورة بالانجاز، وإن حالت السياسة دون ظهور هذه المشاعر إلى العلن، سياسة النخب، العميقون والحانقون، الذين وصل بهم الحنق حدا لا يستطيعون معه التمييزـ أو لا يريدون معه التمييزـ بين السلطة والدولة. لكن، والحق يقال، حتى السلطة كانت تتصرف بطريقة تساعد على استشراء نزعة اللا تمييز هذه.

على أن السؤال المطروح الآن هو: إلى أي مدى سيؤثر نجاح خليجي عشرين على سير الحوار الوطني؟ لا يزال اللقاء المشترك يخشى أن تأخذ الحزب الحاكم نشوة خليجي عشرين فيذهب إلى الانتخابات منفردا. والمعارضة تراقب عن كثب تصرفات المؤتمر مؤخرا.

وإذا كان التكهن بالطريقة التي يفكر بها المؤتمر حاليا يتسم بالصعوبة، فإن ما من شك أن بطولة خليجي عشرين قد عززت موقعه التفاوضي وصار خيار الذهاب للانتخابات أقل خطرا مما كان يبدو عليه. هذا إذا أردا المؤتمر التفكير بروح براجماتية بسيطة وآنية وضيقة الأفق، لأن خليجي عشرين لم ينهي التحديات والمشكلات شديدة التعقيد المحدقة باليمن، بل غير نسبيا ومؤقتا من إحساسنا بها وإحساس العالم، وخلق مناخا ملائما لولادة انفراج سياسي ومصالحة وطنية.

الأرجح أن اليمنيون يفضلون أن يساهم نجاح خليجي عشرين في وضع حد للاحتقانات والأزمات، وأن يكون دافعا جيدا للتوافق السياسي الذي من شأنه نقل اليمن إلى مستويات أفضل. لكن على المعارضة أن تكون أقل تصلبا وأكثر واقعية. إذ لا يمكن أن تحدث التحولات دفعة واحدة.

في الواقع، يكتسب نجاح البطولة رمزية خاصة من كون عدن هي التي احتضنتها، إضافة إلى أبين. والأخيرة كانت مسرحا لمواجهات شرسة بين قوات الأمن اليمنية وخلايا تنظيم القاعدة، وقبل ذلك شهدت اضطرابات كان للحراك الجنوبي دور في ازدهارها. ولقد قوبل قرار بناء ملعب في أبين بمواصفات أوربية لإقامة نصف مباريات خليجي عشرين، قوبل بالاستغراب والسخرية أحيانا. غير أن المباريات في أبين مضت بسلام مثلما هو الحال في عدن بالطبع. وبدا ملعب الوحدة في أبين أكثر ضخامة وجمالا، وشهد حضورا جماهيريا نادرا.

في المحصلة، أحرزت اليمن نجاحا مشهودا، وكانت عدن بحق مدينة البدايات الجديدة لليمنيين.

هذا مكسب وطني نفيس لا ينبغي التفريط فيه. يجب أن تستفيد منه اليمن في المدى البعيد على صعيد ترسيخ الوحدة الوطنية والاندماج الاجتماعي والتوافق السياسي. رفرفت الأعلام الوطنية وتردد اسم اليمن على الألسن وانتعشت آمال الشعب اليمني بعد سنوات من اليأس والفزع والضياع.

الثلاثاء، 30 نوفمبر 2010

موت الأب

محمد العلائي
alalaiy@yahoo.com

قبل أن تفيض روحه، كان بدر الدين الحوثي قد نال من الغياب ما يحتاجه رجل ثمانيني ليموت. وفي وسائل الإعلام كان قد مات أكثر من مرة عبر موجات من الشائعات التي كانت تصاحب جولات الحرب وتتخللها.

لكنه مات هذه المرة بالتأكيد. ولقد أم المصلين في جنازته نجله ووريث تركته الروحية، التركة البسيطة التي ساهمت الحرب في تحويلها إلى عملة سياسية ومليشاوية، والتي يجري الآن تعويمها عن كثب في سوق العملات المحلي والدولي.

كان بدر الدين الحوثي مرجعية دينية أصولية أكثر منه سياسيا أو محاربا. وكان هذا الرجل الذي ولد في عشرينات القرن المنصرم، يتحلى بروح قتالية ومزاج عنيد ربما كان يستمدهما من الإرث التاريخي لأسلافه، الإرث المليء بالتناحر السياسي والثورات، قبل أن يستمد تلك الروح وذلك المزاج من تعاليم الشيعة الزيدية التي تحرض على الخروج والانشقاق المستمر، أو من منهاج الخميني.

كان قديما عتيق الطراز يتحرك في وسط اجتماعي قديم وعتيق الطراز هو الآخر. وبالنسبة لغالبية النخبة الزيدية، كان بدر الدين بمنزلة المنشق الأكبر والمتمرد والطموح، وبفضله أصبح الانشقاق والتمرد والطموح تقليد عائلي راسخ. كان المجدد في نظر البعض والتخريبي في نظر آخرين.

لست واثقا من أن الحوثيين قد شعروا بشيء من الفقدان أو اليتم بعد رحيل الأب. فاسم بدر الدين لا يرتبط مباشرة ببدايات الحركة الحوثية. ذلك أن نجله حسين هو الذي خطف الأضواء وتولى قيادة أول خروج مسلح انتهى بمقتله عام 2004. لكن للحوثي الأب محاولات في هذا المضمار وإن لم يمتلك الحس الحركي والتنظيمي لنجله. قصفت القوات الحكومية منزله في مران أواسط التسعينيات فانتقل إلى السعودية ومنها إلى إيران.

ولمن لا يعرف فبدر الدين كان أحد أهم مؤسسي حزب الحق مطلع التسعينيات، لكنه خلص مبكرا إلى عدم جدوى العمل السياسي وفقا للأدوات الحديثة.

كان هو الرجل الثاني في الحزب بعد المرجعية الذي توفي قبل بضع سنوات مجد الدين المؤيدي. خلافات الأخير مع بدر الدين شرخت الحركة الزيدية الإحيائية إلى معسكرين: حمائم وصقور -إن جاز التعبير- وكان بدر الدين يقف على رأس معسكر الصقور.

معلوم أن ثورة 1962 وضعت المذهب الزيدي أمام خطر وجودي ماحق. ويشرح الزميل محمد عايش كيف أن المذهب الزيدي في صميمه فكرة سياسية أكثر من أي شيء آخر، ركيزته الأساسية هي: الإمامة، إضافة إلى مبدأي الخروج على الحاكم الظالم. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هذا يعني أن فرص حياة المذهب لفترة طويلة خارج السلطة السياسية كانت معدومة، خلافا لبقية المذاهب الإسلامية. لهذا كانت ثورة 62 حدثا فاصلا: لقد استطاعت تقويض الحامل السياسي للمذهب الزيدي، وفتحت منطقة النفوذ التقليدي للمذهب على مصراعيها أمام جملة التأثيرات والأفكار الدينية منها والعلمانية، الأمر الذي أعاد صياغة المنطقة نسبيا على نحو مختلف. ولسوف تغدو هذه الرقعة الجغرافية، رقعة صلح دعان، مصبا للمد الديني الوهابي الذي أخذ يعبر الحدود من خلال المغتربين والطلاب، مثلما صارت فيما بعد مصبا للمد الشيعي الإيراني وأفكار ثورة الخميني، ولاحقا حزب الله.

توليفة لا متناهية من التأثيرات. ابتداء بعبد الناصر وحسن البناء، وانتهاء بحسن نصر الله وخالد مشعل وبن لادن. والحصيلة شخصية مركبة مزدوجة لا تعرف حقيقة مشاعرها، واختياراتها غير مدروسة، لا تنتمي إلى الحاضر ولا إلى الماضي.

المعطيات المتوفرة بشأن سيرة حياة بدر الدين الحوثي شحيحة للغاية. ومن خلال البحث على شبكة الانترنت تستطيع العثور على شجرة النسب للراحل، الشجرة التي تنتهي بـ علي بن أبي طالب. ثم إن الحوادث التي رافقت وفاة بدر الدين طغت على كل شيء تقريبا. فقبيل الإعلان عن وفاة بدر الدين، وفيما كان عبدالملك الحوثي يحض أنصاره على إحياء يوم الغدير باستخدام الألعاب النارية حفاظا على الذخائر، كان ثمة من يعد العدة للاحتفال بالسيارات الملغومة.

ففي صبيحة الأربعاء الماضي، حينما بدأت المواكب تحركها من المناطق التي يتمتع فيها الحوثي بنفوذ جيد، ومنها محافظة الجوف، كانت سيارة تشق طريقها وسط سيل من السيارات المتجهة إلى صعدة للاحتفال، وفي نقطة ما من الطريق انفجرت وأودت بحياة قرابة 18 شخصا.

بعد يوم من هجوم الجوف، أعلن مكتب عبدالملك الحوثي وفاة بدر الدين. كان ذلك يوم الخميس. اليوم التالي، وفيما كانت المجاميع تتوافد للمشاركة في تشييع الحوثي الأب، اعترضت سيارة ملغومة موكبا يضم قبائل من مأرب وقتلت شخصين.

الهجومان جريمة نكراء بلا شك من شأنها نقل الصراع إلى مستوى مرعب. من حسن الحظ أن الهجومين لاقيا استهجاناً وإدانة واسعتي النطاق. اللجنة الأمنية العليا أدانتهما وكذلك فعل التجمع اليمني للإصلاح وحزب الحق. وفي حين راح المكتب الإعلامي للحوثي يشير بأصابع الاتهام إلى ما أسماه بالنشاط الاستخباراتي للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فقد أدانت سفارة واشنطن في صنعاء الهجومين ووصفت اتهامات الحوثيين بالسخيفة.

كانت أغلب التحليلات تشير إلى إمكانية تورط تنظيم القاعدة في العمليتين. وأمس سارع التنظيم إلى إعلان مسؤوليته عن الهجومين وتوعد بالمزيد. غير أن الحوثيين يتجنبون الإشارة إلى تنظيم القاعدة لسببين: من جهة لأن لدى الحوثيين اعتقاداً راسخاً بأن القاعدة أداة أمريكية صرفة، وبالتالي فهو لا يستحق اعتباره الحامل الحصري لراية العداء "للشيطان الأكبر"، ومن جهة أخرى لا يريد الحوثيون تصديق أنهم عرضة لهجمات تنظيم غير مرئي يصعب النيل منه، لأن ما من دولة تمثله ولا قبيلة ولا مذهب ولا جغرافيا ولا حزب.

لهذا يفضلون أن يكون عدوهم كبيرا يستطيعون الفخر بعدائهم له. وهم منذ البداية نهضوا على عاتق هذا العداء. كتبت ذات مرة عن قابلية حسين الحوثي، أكثر من أي شخص آخر، للاعتقاد بأن الظهور في دور العدو اللامع لأمريكا واليهود، يجلب الحظ السياسي، كل الحظ. وكيف أنه كان ينظر إلى أن المجابهة المفتوحة التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية مع تنظيمات إسلامية تشكل أفضلية سياسية وأخلاقية لا تقاوم، وامتيازاً اجتماعياً لا ينبغي لتنظيم القاعدة احتكاره لنفسه.

لكن واشنطن تجاهلت الشعار والمواقف، لأنه مجرد شعار ولأنها مجرد مواقف. وكشفت "واشنطن بوست" أن الحكومة الأمريكية رفضت تقديم الدعم للسعودية في حربها الأخيرة مع الحوثيين وأن فرنسا هي التي وافقت على تزويد المملكة بتقنيات اتصال ذكية.

على أية حال، أريد تذكير عبدالملك الحوثي هنا بأن موت الأب (عليه رحمة الله)، والهجومين الأخيرين، يمكن أن يمثلا فرصة ممتازة لإعادة تقييم نفسه وما يريد. يجب أن يصبح خيار العنف من الماضي، ويبدأ عملية تحول حرجة إلى العمل السياسي المدني، بخطاب وبرنامج سياسي واقعي يلامس تطلعات الناس العاديين على مستوى اليمن وليس في نطاق الجغرافيا الزيدية المتخيلة أصلا.

فالمنطقة الزيدية لم تعد منطقة زيدية. حتى الزيدية نفسها بمعزل عن جغرافيتها التقليدية، لم تعد هي الزيدية التي حارب في ظلها أسلاف بدر الدين الحوثي. والقبيلة لم تعد قبيلة، والتراتب الاجتماعي لم يعد هو نفسه، والقيم والمعايير وأساليب التدين تغيرت هي الأخرى: المؤذن يقول "حي على خير العمل" والخطيب يقرأ من كتاب عايض القرني في المسجد نفسه.

معظمنا يستسلم لإغراء المنطق التاريخي في تفسير الصراع ومآلاته. غير أن 50 عاما منذ ثورة 62 ليست بالمدة البسيطة. صحيح لم تنجز جمهوريات ما بعد الثورة التحول الاجتماعي والثقافي المتوخى، لكن هذا لا يعني أن شيئا لم يتحول وأن شيئا لم يتبدل. يوجد تراكم يمكن البناء عليه، على صعيد التعليم والعلاقات والوعي الاجتماعي وأنماط العيش وعادات التفكير.

لقد طال التغير أشياء كثيرة، ليس جذريا بالطبع، لكنه دمغ حياة اليمنيين، في شمال الشمال والوسط والجنوب أيضا، بما لا نستطيع معه إعادة الأمور إلى خانات الصراعات والتخندقات التي شهدتها الأزمنة القديمة.

تأسست تقاليد بيروقراطية ونظم وحالة حزبية كانت جيدة في البداية، ونموذج تجريبي بسيط لدولة وطنية. قبل 62، كان الاقتصاد في شمال اليمن وفي جنوبه زراعياً، وكانت ملكية الأرض تتوزع بين الملكية الفردية والإقطاع والقنانة، بيد أن الاقتصاد مع اكتشاف النفط أصبح ريعي بالكامل، وتبعا لذلك تبلورت طبقات ونخب جديدة وعلاقات تجارية واستهلاكية جديدة.

العمل بوعي ما قبل 62 أو خارطة صلح دعان، ليس ذكيا بأي حال. ولئن أجدى ذلك نفعا في صعدة وأجزاء من عمران والجوف، فإنه في أمكنة أخرى لن يؤدي المفعول بنفس الكفاءة وبنفس مستوى المخاطر وردات الفعل. إن ذلك من شأنه فقط الزج بالمنطقة كلها في أتون من التذابح الطائفي والإبادات.

عسكريا -وأشدد على كلمة عسكريا- وفي حال انكسار الجيش فقط، يمكن أن يغزو الحوثي ويتوسع ويبسط نفوذه داخل خط التقسيم الجغرافي للمذهب الزيدي، لكن عليه أن يدرك أنه يتحرك في حقل مفخخ. وبغض النظر عمن ستكون له الغلبة في نهاية المطاف، إلا أن جهة ما ستتورط في جرائم إبادة وقتل على خلفية الطائفة والجماعة الدينية.

باختصار، لم تعد الرقعة الجغرافية التي يقال إن الحوثي ينوي إخضاعها، نقية مذهبيا. حتى المناطق التي حافظت على مظاهر معينة من التدين الزيدي في الطقوس والشعائر العبادية، لا تجد في الخطاب السياسي (إن كان هناك خطاب سياسي) الذي يقدمه الحوثي ما يلبي أحلامها الصغيرة أو ما يغويها للانخراط الطوعي في صفوفه. "الموت لأمريكا" ليس في سلم أولويات هؤلاء الناس المعذبين.

"فما يقرر نمو حزب أو حركة إنما هو قبول المجتمع بالأفكار، أو البرامج، والسياسات، أي الرضا لا القسر"، هكذا كتب فالح عبدالجبار قبل شهر، في معرض إشادته بانتقال الصدريين في العراق إلى مربع السياسة من خلال تحالفهم مع المالكي، "رغم أن ميول القسر المجتمعي ما تزال قوية، راسخة".

سأفترض، على سبيل التجريب، أن لعمليات التحول، الممنهجة أو التلقائية، التي طالت المنطقة الزيدية في أعقاب ثورة 62، دوراً بارزاً في تزويد حركة الحوثي بأسباب الوجود على هذه الشاكلة. وبالمناسبة لا يقول الحوثيون في صعدة هذا الكلام، إذ إن معظم الفرضيات والخلاصات تصدر من هنا من صنعاء ضمن مساعي فهم وتحليل الصراع، المساعي البريئة وغير البريئة.

ومع ذلك فإن أي إجراء عكسي من قبل الحوثيين يهدف لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 62، أو أثناء صلح دعان، أي البحث عن منطقة نفوذ منسجمة مذهبيا متناغمة نقية، سيجلب الكثير من السيارات الملغومة والنعوش وردات الفعل.

بكلمات أخرى: أي محاولة لاستعادة خطوط التقسيم الطائفي القديمة، حماقة لن يكون بمقدور الحوثي ولا غيره تسديد فاتورتها أو السيطرة على نتائجها.

الاثنين، 29 نوفمبر 2010

القاعدة المغدورة!

1979. لقد كان هذا العام الطويل جدا عاما تأسيسيا بامتياز. بالنسبة للغرب مثلما بالنسبة للشرق.

شهد هذا العام اندلاع سخط شعبي عارم ضد الولايات المتحدة الأمريكية، في أكثر من عاصمة على مستوى العالم الإسلامي، سخط كان لزعيم الثورة الإيرانية دور أساسي في إذكائه. ففي طهران اقتحم الطلاب سفارة واشنطن واحتجزوا موظفيها رهائن في أعقد مأزق واجهته إدارة جيمي كارتر. وفي باكستان أطبق متظاهرون حصارا محكما على مبنى السفارة الأمريكية، وأطلقوا النيران وأصابوا دبلوماسيين بجراح، وفي تركيا حصل الأمر نفسه تقريبا.

ليس هذا فحسب. ففي العام نفسه، طبقا لـ كرستيان كاريل، تصدرت، مرغريت ثاتشر، انبعاث تيار محافظ في بريطانيا أدى إلى تجديد الدينامية السياسية في البلدان الغربية، وافتتح عصر العولمة من بعد. وفيه اختار البابا يوحنا بولس الثاني موعداً لزيارته الأولى إلى وطنه بولندا، "فشحذ عزيمة شعوب شرق أوروبا ووسطها التواقة إلى الحرية، ومهد الطريق إلى ثورات 1989 المخملية والهادئة"، بحسب كاريل. وفي بكين، شق دينغ شياوبينغ، طريق الصين إلى "عصر الأسواق الحرة والمعولمة".

في البداية، كانت واشنطن وحدها في عين العاصفة الإسلامية. لقد كان غضبا متأججا ضد ما أطلق عليه الخميني اسم "الشيطان الأكبر". وكان الصراع بين القوتين الأعظم في ذروته. ففي أفغانستان دفعت "الكي جي بي" بزعيم شيوعي إلى السلطة، خلفا لزعيم شيوعي لم ينجح في تلبية طموحات موسكو. لكن الزعيم الجديد، ويدعى حفظ الله أمين، أخذ يلتقي بمسؤولين في السفارة الأمريكية في كابول فتوجست موسكو منه وراحت تفترض أن هذا الرجل، وهو الذي كان طالبا فاشلا في إحدى الجامعات الأمريكية، والمدرج في جداول مرتبات "الكي جي بي"، قد يكون اختراق أمريكي من شأنه تسليم أفغانستان للقوى الرأسمالية واستخدامها منصة لإيذاء الاتحاد السوفيتي.


في موسكو، اجتمع المكتب السياسي واتخذ أعظم حماقة في تاريخ الاتحاد السوفيتي، الحماقة ذاتها التي كانت بمثابة المسمار الأخير في نعش القوة العظمى. لقد قرر غزو أفغانستان عسكريا بناء على تقديرات غبية أطلقها رئيس الـ"كي جي بي" يوري أندروبوف. وفي الأيام الأخيرة من العام 1979 اجتاحت القوات السوفيتية أفغانستان. وإذ توهمت أنها تنال من حفظ الله أمين ومن "السي آي إيه"، فإنها لم تكن تعرف أنها تنال من نفسها قبل أي شيء آخر. لكن ولا حتى واشنطن كانت تدرك الكيفية التي تتعامل بها مع الموقف.


وإذا افترضنا أن ستيف كول، مؤلف كتاب "حروب الأشباح" دقيقا في معلوماته، فإن خطوة الاتحاد السوفيتي كانت ناجمة عن سوء فهم محض. فحفظ الله أمين وإن كان يلتقي بمسؤلين أمريكيين، لم يثبت حتى الآن أنه كان مدرجا ضمن جداول عملاء "السي آي إيه". يؤكد كول أنه لم يعثر في وثائق وكالة المخابرات السرية على أية وثائق تشير إلى أن الزعيم الشيوعي الأفغاني كان عميلا لحساب واشنطن.

كانت دوائر القرار في واشنطن غارقة في الحيرة. ولم تكن قد تبينت بعد حجم الهدية التي تسديها لها موسكو. صحيح اختاروا دعم الثوار الأفغان ذوي الميول الإسلامية، لكنهم لم يكونوا على يقين بأن في مقدور هؤلاء تقويض إمبراطورية بحجم الاتحاد السوفيتي. فكر بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي حينها، في أن الغاية من مؤازرة الثوار الأفغان ضد السوفييت هي جعل الثمن الذي ستدفعه موسكو باهظا قدر الإمكان.

بيد أن الحظ أسعف واشنطن، التي كانت خلال 1979 تجابه أعتى موجة عداء إسلامي، بالقناة المثالية جدا التي تستطيع من خلالها تصريف شحنة الغضب تلك. وكان الاتحاد السوفيتي المصب الأكثر ملائمة، ولقد تصرف الأخير بطريقة ساعدت على تصويره رمزا للإلحاد والشر.

حينها كان المعسكر الشرقي صلبا وجامحا، إلى درجة أن أحدا لم يكن ليجرؤ على التكهن بأفوله وإلا "حُمل على الجنون"، على حد تعبير كاريل. ويضيف: "والحق أن كاتباً روسياً، هو اندريه أمالريك، تساءل في كتيب صدر في السبعينات وسمه بعنوان: «هل يبقى الاتحاد السوفياتي في 1984»، فاتهمه محللون اختصاصيون بالخَبَل والهذيان".

على الفور انخرطت "السي آي إيه"، مع المخابرات السعودية والباكستانية، في أنشطة سرية مشتركة. تدفقت الأسلحة والأموال والجواسيس والمعلومات ومعها الآف المجاهدين العرب وأسامة بن لادن. لقد كان هذا الأخير شابا متحمسا من عائلة فاحشة الثراء، تخرج حديثا من جامعة الملك عبدالعزيز، وتتلمذ على يد رجال دين كبار منهم محمد قطب وعبدالله عزام، في الوقت الذي كان إخوته غير الأشقاء يتنزهون في شوارع فينا بسراويل قصيرة وشعور مرسلة على الأكتاف. 

والده أنجب 100 ابن. لكن أسامة كان منبوذ العائلة، إن صح التعبير. وهذا ليس المعطى الأساسي في سيرة حياته لكنه يفسر الكثير. التحق بصفوف المجاهدين، ورغم أن ما من وثائق تبرهن على وجود علاقة مؤسسية مع المخابرات السعودية، إلا أن معلومات تنظر إلى النشاط الذي كان يقوم به أسامة في سياق الجهد المشترك المبذول بالتوازي من قبل وكالات استخبارات الدول الثلاث: أمريكا وباكستان والسعودية. ربطته علاقات شخصية جيدة مع أمراء سعوديين وكان يترك انطباعا ايجابيا لديهم، وكان يتردد على السفارة السعودية في اسلام اباد.

في كتاب "حروب الأشباح"، الحاصل على جائزة بوليتزر مرتين، وهو أحد أهم الكتب التي تكشف خفايا تلك الحقبة، نستطيع الإطلاع على السجل الكامل للأنشطة التأسيسية لما يسمى بـ"الإرهاب الإسلامي" كما هو عليه الآن. اندفع المجاهدون بكل عنفوان وأحيانا بكل صدق لدحر السوفييت.

لم يكن كل أولئك مجرد مرتزقة وجواسيس، لكن العديد منهم كان كذلك. واخذوا يكبدون الجيش السوفيتي هزائم قاسية، الهزيمة تلو الأخرى. وأسقطت صواريخ "ستينجر" الأمريكية الصنع مئات الطائرات. وبكلمة فقد وجد المعسكر الغربي وفي مقدمة حلفائه الرياض وإسلام اباد، في الجهاد الإسلامي ضالتهم المنشودة. قادت السعودية تحركات سياسية محورية لمصلحة الثوار الأفغان، حتى أنها لم تكتف باختيار الزعماء فحسب بل كانت تقترح حتى الأسماء التي ينبغي لهم أن يحملوها. (عبدالرسول سياف مثلا، لقد رأى السعوديون في اسمه علامات شرك بالله فغيروا اسمه الى عبدالرب رسول).

في إحدى قمم مؤتمر العالم الإسلامي، اختلف الزعماء الأفغان حول من سيلقي خطابا أمام قادة الدول الإسلامية، فزجت بهم الرياض في السجن إلى أن اتفقوا على عبدالرسول متحدثا باسم المقاومة الأفغانية. كانت السعودية الممول الأكبر للعملية التأسيسية برمتها. يشرح ستيف كول أن الجاسوس السعودي كان يتعلم مع مرور الوقت كيف يتحول إلى أمين صندوق. ونقل أن الأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السعودي آنذاك، قال لزميل في مديرية العمليات في "السي آي إيه": " "لا نقوم بأي عمليات"، "لا نعرف كيف. كل ما نجيده هو كتابة الشيكات".

كتب السعوديون الشيكات بسخاء، في حين كان على "السي آي إيه" تصميم الأفكار والحيل بحيث يمكن لواشنطن إلحاق الهزيمة بخصمها الجبار دون أن تنزلق إلى حرب مباشرة لا سبيل إلى التكهن بنتائجها.

الكنيسة الكاثوليكية ممثلة بالبابا يوحنا بوليس الثاني، ساهمت بقوة في الصراع. ونشأت روابط لا معقولة بين مصالح ومعتقدات وأهواء متضاربة.

تهاوت الإمبراطورية السوفيتية تحت الضربات الحثيثة للمجاهدين، فألفى هؤلاء المفعمون بروح الاستشهاد والحماسة أنفسهم وجها لوجه مع الفراغ، وفي المقابل ألفت واشنطن نفسها هي الأخرى وجها لوجه مع الفراغ. وكلا الطرفين، أمريكا وأدواتها في دحر معسكر الشر، كانا يمتلكان فائض حماسة وفائض عنف. كانت نواة المجاهدين العرب قد تبلورت، عادوا إدراجهم إنما ليكملوا المشوار.

في جنوب اليمن، كان نظاما ماركسيا يلفظ أنفاسه الأخيرة. وبدأ بعض العائدين يمارسون نشاطهم الجهادي هناك منهم طارق الفضلي وشبان آخرين، ممن نزحوا على خلفية تولي الماركسيين الحكم في عدن. 

في الوقت الحاضر، إن أردنا فهم أسباب تنامي الخلايا الإرهابية هناك، فربما علينا أن ننسى تلك الفرضية العزيزة على قلب الحراك الجنوبي، والقائلة بأن النظام الحاكم يقوم بزرع مليشيا القاعدة في مناطق الجنوب لتوفير ذرائع جيدة لقمع الحراك، وحتى استدراج الولايات المتحدة الأمريكية إلى المعركة الخطأ. وعلينا أن ننسى، مؤقتا على الأقل، وجهات النظر التي يحلو لها أن تعزو كل شيء إلى مقولات من قبيل فشل الدولة وتآكل الشرعية وما شابه. 

وصول "الجبهة القومية" إلى الحكم في جنوب اليمن أواخر الستينات، واعتناقها المبادئ الماركسية لاحقا، يفسر الكثير مما يحدث الآن، لاسيما في شبوة التي تعرضت لموجات تهجير متلاحقة، وأجزاء من أبين ووادي حضرموت، وهي من أكثر المناطق تضررا إبان حكم اليسار في الجنوب.

جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي اندمجت في كيان دولة الوحدة عام 1990، بالإضافة إلى أفغانستان، هما البلدان الإسلاميان الوحيدان اللذان حكمتهما حركة ماركسية لينينية صريحة. وفي هاتين البقعتين بالذات، حينما وضعت الحرب الباردة أوزارها، راحت الجماعات الإسلامية المتطرفة تحفر لنفسها جذورا عميقة، حتى إن حركة طالبان أنشأت إمارة إسلامية متوحشة في أفغانستان عام 1996. 

كان جنوب اليمن منطلقا للثورة الاشتراكية في المنطقة. وتشكلت كيانات ومليشيات ترمي إلى إخضاع الجزيرة العربية قاطبة. كيانات مثل "الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي المحتل"، و"حركة التحرر الوطنية في الجزيرة العربية". وها هو جنوب اليمن يلوح الآن وكأنه منطلق لثورة ذات طابع إسلامي، ولسوف تتشكل كيانات ومليشيات مثل "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، و"جيش عدن أبين". ولفظ ثورة لم يعد يتناقض مع مضمون مليشيات وكيانات اليوم الإسلامية. فثورة الخميني ألغت التناقض الذي كان يكتنف عبارة "ثورة إسلامية"، بحسب كاريل.

لكأن وضع جنوب اليمن حاليا هو مقلوب ما كان عليه خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.

مع تحقيق الوحدة اليمنية تلاشى العدو الشيوعي الذي كان يزمع المجاهدون النيل منه. وليس من السذاجة القول أن واشنطن كانت بحاجة لعدو يليق بقوتها وجبروتها. راح المجاهدون يوجهون سهامهم إلى نحر حليف الأمس. في البداية لم تجد الولايات المتحدة في تنظيم القاعدة، الذي تأسس نهاية الثمانينات من مجاميع المجاهدين في أفغانستان، بديلا مناسبا للاتحاد السوفيتي، غير أنها كانت متعطشة لعدو من نوع ما. ولم يكن عيب تنظيم القاعدة أنه حصيلة نشاطها السري ضد موسكو، إن عيبه الوحيد عدم وجود دولة تمثله، أكانت صغيرة أو كبيرة.

ومع ذلك فقد راح هؤلاء المجاهدون يكثفون من نشاطهم الذي يستهدف المصالح الأمريكية ويضربها في الصميم. وبالفعل كللت محاولتهم بالنجاح، حينما جروا القوى العظمى المتبقية في العالم إلى حرب "غير متكافئة"، وبعيد هجمات 11 سبتمبر أضفى الطرفان على الصراع طابعا حضاريا يشمل الغرب في مواجهة الإسلام.

والتشديد على الدور الذي لعبته المخابرات الغربية في خلق "القاعدة" لا علاقة له بروحية المؤامرة البلهاء، ففي الأخير نحن نستقي معلوماتنا من كتاب أمريكيين بالدرجة الأولى، ثم أن إثبات هذه الحقيقة لا يعفي الحكومات في العالم العربي والعالم الإسلامي من مهمة قتال هذا العدو "الزئبقي" وتفكيك خلاياه ومصادر إنتاجه.

أظن أن ما كتبته صار في حكم المسلمات. إلا أنني فكرت أن من الجيد التذكير به في خضم الأحداث الأخيرة: التنسيق السعودي الأمريكي الذي يتم بمعزل عن اليمن. لا أريد القول إن تنظيم القاعدة هو عبارة عن خلية خرجت من مشيمة التنسيق السعودي الأمريكي الذي ابتدأ 1979 وانتهى بالإطاحة بالاتحاد السوفيتي وأفغانستان معا.

كل ما نريد قوله هو أن اليمن لا يصلح مسرحا لإعادة تمثيل ذلك التنسيق، لأن عملاً كهذا قد يدحر القاعدة، وهذا غير مضمون، لكن ليس بعد أن تسقط السعودية واليمن في آن. أفكر أن هذه هي القاعدة الأساسية إنما المغدورة في الصراع الكبير والمفتوح على نهايات يصعب تخمينها.

الجمعة، 26 نوفمبر 2010

حديث مع عبدالملك الحوثي

أكد إجراء تغييرات في القيادات الميدانية، وأيد إصلاح مسار الوحدة 
عبد الملك الحوثي لـ"المصدر": جغرافية الحرب ستتسع خارج صعدة 

محمد العلائي - 06/05/2008 

من شبه المؤكد أن حرباً جديدة بدأت أعمالها هذا الأسبوع في صعدة بنشاط فائق. لن تكون حاسمة على ما يبدو، لكنها ستكون أكثر عنفواناً من سابقاتها. 

بعد تفجير المصلين في جامع بن سلمان يوم الجمعة الماضي، وجد عبد الملك الحوثي نفسه وجماعته في حالة استنفار عسكري وإعلامي. 

بالطبع الحوثي زعيم روحي في المقام الأول، وجماعته هي كناية عن مليشيا دينية مسلحة، تعتقد تماماً بصوابية ما تقوم به. وعليه، فإلصاق تهمة تفجير مصلين أبرياء بالرجل وجماعته من شأنه ضرب سمعته في العمق. ولا بد أنه أدرك الأمر. 

وسواء كان هو الفاعل أو لم يكن، فإن أحداً لن يكون فخوراً بالوقوف خلف عملية كهذه، كونها تنم عن دناءة منفرة في أخلاقية الحرب. 

إذاً، كان على الحوثي أن يستنفر كل ما لديه من متاح لرد التهمة القاتلة، التي عمل الإعلام الحكومي على بثها بشكل غير عادي. 

ومساء السبت تحدث الرجل من مقره في صعدة لـ"المصدر" عبر الهاتف حول حادثة الجمعة، وقضايا أخرى لها علاقة بمستقبل الصراع وجغرافيته. 


> السلطة اتهمت أتباعك بالضلوع في تفجير جامع بن سلمان، وأنت نفيت، من الفاعل إذن؟ 

{ الفاعل الحقيقي هي الجهة التي يمكن أن تستفيد من ذلك في إثارة الحرب من جديد، وإفشال مساعي السلام. وهي الجهة التي لها موقف سلبي من اتفاقية الدوحة، وتكسب من الحرب مالاً ونياشين. 

> هل أنتم بصدد الدخول في أتون صراع يحمل مذاقاً طائفياً هذه المرة، على غرار ما يحصل في العراق مثلاً؟ 

{ [نحن] لم نستخدم السلاح ضد أي شخص على أساس مذهبي. 

> لكن خطيب المسجد يقال إنه قيادي عسكري ينتمي إلى تيار سلفي، وهذا سبب كافٍ للاعتقاد أن الحرب أصبحت ذات طابع مذهبي؟ 

{ لا يمكن لأحد أن يستدرجنا إلى صراع طائفي مذهبي بالمرة. 

> قلت في تصريحات سابقة أن المستفيد من الحادث هم تجار الحروب، لماذا لا تشير إلى أطراف وشخصيات بعينها لتزيل حالة الحيرة والالتباس التي تكتنف حروب صعدة؟ 

{ الجهات التي تحرص على الحرب دائماً، هي بعض القادة العسكريين، وفريق داخل السلطة، وبعض السياسيين، إضافة إلى بعض البرلمانيين، هذا الفريق له إعلامه الذي يحرض على الحرب، ويعارض السلام، وله موقف سلبي من اتفاق الدوحة. 

> لماذا لا تشير إلى أسماء بعينها؟ 

{ (صمت)، لا هذا يكفي. 

> إذن، من سيخرج الناس من دوامة الحيرة؟ ومن المستفيد من إبقاء الملابسات طي الكتمان؟ 

{ من جانبنا قضيتنا واضحة. موقفنا هو موقف الدفاع عن النفس. المشكلة هي عند السلطة، التي تفرض تعتيماً إعلامياً على صعدة. ولا تسمح لوسائل الإعلام بالنزول الميداني إلى المحافظة للإطلاع على الأوضاع عن قرب. 

> يعني أنت لا تمانع من دخول وسائل الإعلام لنقل الوقائع؟ 

{ بالتأكيد (لا أمانع). 

> هل يعد حادث الجمعة بمثابة الطلقة الأولى في حرب جديدة قد تكون حاسمة؟ 

{ هذا ما يسعى إليه البعض داخل السلطة. ويبدو أنهم كانوا جاهزين لتوظيف الحادث مسبقاً من أجل إثارة حرب جديدة. 

> لكن محافظ صعدة المصري قال إنكم أنتم تخططون للحادثة منذ أيام؟ 

{ ما يقوله مجرد أكاذيب. ومن الطبيعي أن يختلقوا ذلك. الشعب يعرف أنهم كذابين. لا يوجد دليل على ما يدعيه. 

> هل فشل اتفاق الدوحة نهائياً؟ 

{ حتى الآن لم نفقد الأمل. 

> فيما لو تعثر (الصلح) تماماً، من يتحمل وزر ذلك؟ 

{ أحمل السلطة التي ماطلت وتنصلت عن تنفيذ بنود الاتفاقية. 

> متى ستوضع النقاط على الحروف، ويعرف الشعب حقيقة ما يدور في صعدة؟ 

{ الغموض ليس من جانبنا. نحن تحدثنا عن مظلوميتنا. الغموض تفرضه السلطة، التي عمدت إلى التعتيم وتضليل الرأي العام عبر نشر دعايات وأكاذيب لتبرير الحرب. 

> تجري الآن الترتيبات الفنية لانتخابات المحافظين، ما موقفك من هذه الانتخابات؟ 

{ موقفنا من الموضوع أنه ليس هناك أمل إذا لم تكن هذه الخطوة في إطار إصلاح عام. 

> هل يهمكم أمر انتخاب محافظ جديد لصعدة؟ هل تفضلونه من أبناء المحافظة؟ 

{ نعم نحن نفضل أن يكون المحافظ من أبناء المحافظة. لكن لا نعلق أي أمل على هذا. 

> كيف ستكون جغرافية الحرب القادمة فيما لو اندلعت مجدداً؟ 

{ نحن نؤكد أنه فيما لو أقدمت السلطة على حرب جديدة أن جغرافية الحرب ستتسع. ولن تتمكن السلطة من حصرها في محافظة صعدة. ولذلك ليس من مصلحة البلد شن أي حرب جديدة. 

> هل أنتم مستعدون بما يكفي لحرب طويلة الأمد؟ 

{ نحن عملنا كل ما من شأنه الدفاع عن أنفسنا. 

> سمعنا عن تغييرات في القيادات الميدانية لتنظيمكم في حجة والجوف وصنعاء وعمران، ما صحة ذلك؟ 

{ هذا ليس تغييراً وإنما ترتيبات عامة. 

> لو استدرجتم إلى قتال مذهبي طائفي هل ستنجرون؟ 

{ نحن دائماً نحارب على أساس الدفاع عن النفس. والحرب من جانبنا لا تحمل أي شعار مذهبي. 

> هل أنت مع استئناف العمل على تنفيذ اتفاقية الدوحة؟ 

{ نعم بالتأكيد. 

> ممكن تقدم للقارئ لمحة عن الوضع الأمني في مناطق التوتر؟ 

{ حتى الآن (ليلة السبت) هدوء. إلا أن هناك توتر نسبي في منبه، ومنطقة حيدان. 

> ما موقفك من القضية الجنوبية؟ 

{ نحن مع دعوات إصلاح الوضع بشكل عام. فالسياسة الخاطئة تمثل خطورة كبيرة على وحدة الشعب، وقد تتسبب في تفكيك النسيج الاجتماعي بشكل عام. 

> هل تؤيد دعوات الانفصال؟ 

{ أنا مع إصلاح مسار الوحدة. 

> يقال إنك تتطلع لإخضاع صعدة وبعض المناطق لنفوذك؟ 

{ هذا غير صحيح وهو من ضمن الإدعاءات التي تدعى علينا زوراً. 

> يعتقد البعض أن الحوثي اصطف في الانتخابات الرئاسية الأخيرة مع الرئيس، استناداً إلى حسابات مذهبية ومناطقية؟ 

{ الانتخابات في صعدة شهدت ركوداً كبيراً. وكانت نسبة الإقبال بسيطة ومحدودة. 

> ما مدى صحة انتخابك للرئيس؟ 

{ كنا بعيدين عن الانتخابات. لكن البعض شارك دون فرض رأي معين عليهم. 

> سيد عبد الملك، هل لهذه الحرب نهاية ما؟ 

{ نؤكد على أن اعتماد السلطة على الحرب لمعالجة قضية صعدة أسلوب خاطئ، ولن يحقق لها أي هدف تسعى إليه. إذا استمرت السلطة في سياساتها الخاطئة في صعدة أو في غيرها فإن الوضع في عموم اليمن سيكون خطراً للغاية.

خاشقجي في دور الشرير مع رئيس يتوق لإغاظة قناة الجزيرة

االحدود اليمنية السعودية.. رشاش g3 بدلا عن الـ"اتوستراد" والسياج العازل 
لإغاظة قناة الجزيرة، اهتدى الرئيس لفكرة التحدث لقناة العربية وكبريات الصحف السعودية في وقت واحد. لست واثقا ما إذا كان الرئيس نفسه هو الذي اهتدى لهذه الفكرة أم إن شخصا آخر هو الذي اهتدى. لكن الراجح أن أحدهم فعل ذلك استنادا إلى التنافس ذو الأبعاد السياسية القائم بين الفضائيتين، ولأن امتعاض السلطات اليمنية من الجزيرة كان قد بلغ من الحدة لدرجة أن تقوم بسحب جهاز البث الخاص بمكتب الجزيرة في صنعاء.

تحولت الفكرة إلى واقع. ونهاية الأسبوع الماضي، استقبل القصر الرئاسي فريقا صحفيا سعوديا مؤلف من داوود الشريان مقدم برنامج "واجه الصحافة" على قناة "العربية"، وجمال خاشقجي رئيس تحرير جريدة "الوطن" السعودية، وخالد المالك رئيس تحرير جريدة "الجزيرة" السعودية أيضا. حظي الفريق باستقبال مميز، وتجولوا بصحبة الرئيس في فناء القصر، وبدوا كأنهم يتبادلون الدعابات الخفيفة عندما اقتادهم الرئيس صالح إلى كوخ خشبي حيث جرت المقابلة المشتركة.

في الجزء الذي بثته قناة العربية مساء الجمعة، كان واضحا إلى أي مدى كان جمال خاشقجي يؤدي دور الشرير. كان غضوبا ومشاكسا. ولاح كمن يتوق لأن يظهر في صورة الصحفي المولع بالتفاصيل، الرجل اللماح الذي يلتقط الانفعالات عن كثب، بدقة عالية وتركيز. وفي مقدمة المقابلة التي نشرتها صحيفته، سره جدا فكرة أنه خلص إلى أن اليمن لا يزال سعيدا، "أو بعضه على الأقل" على حد تعبيره. وهي الطريقة ذاتها التي افتتح بها توماس فريدمان مقالته عن اليمن قبل شهر، عندما بدأ هكذا: "اليمن ليست افغانستان، وصنعاء ليست كابول، على الأقل حتى هذه اللحظة".

رئيس تحرير الوطن، البالغ من العمر 52 عاما، والمتحدر من أصول تركية، تأسف لكون السياسة هي الشاغل الرئيسي للمثقف اليمني، وليس الاقتصاد. وانتهى إلى أن شعار "الوحدة أو الموت" الذي قال إنه شاهده على لوحة هائلة تضم صورة الرئيس، يجسد حدة الاشتغال السياسي في اليمن.

غير أن الرئيس قدم له تفسيرا بسيطا، لكن غني بالمغزى، لانصراف السعوديين عن السياسة خلافا لليمنيين: المال. "لو كان هناك مال في اليمن لاشتغل الناس وراء مصالحهم واحد يعمل شركة أو يعمل تجارة ما كان يتكلم في السياسة، لكن ما دام لا يوجد مال يتكلم في السياسة" قال الرئيس.

"وماذا عن اليمنيين في الخارج؟"، رد خاشقجي. فقال الرئيس: "اليمنيون في الخارج كم عددهم، إنهم عشرات أو مئات، الآن يصل تعداد اليمن لأكثر من 25 مليون يمني يأكلون ويشربون، مشكلتنا هذا سعودي وهذا يمني يرى السعودي عنده سيارة لاند كروزر وملبس وعنده استثمار وعنده تجارة، ويرى نفسه لا يوجد عنده شيء، فيبدأ يتكلم في السياسة يتكلم عن الفساد يتكلم عن كل شيء، أما في السعودية كل الناس منصرفون وراء مصالحهم وأحسن شيء أنهم يتابعون الرياضة والأسهم، أما اليمني يحكي، لو عنده مال تجده في باريس في مصر في المغرب في تونس، لو وجد المال ما وجد الكلام في السياسة".

"وكيف يأتي المال؟"، سأل خاشقجي. فرد الرئيس: "الله سبحانه وتعالى، شوف قطر وما لديها الآن، قبل عشرين سنة أنا أجرت لهم طائرتين من الأسطول اليمني، الآن الله فتح على قطر، كم تعدادها 300 ألف، كم تنتج من الغاز وكم دخل الفرد أما أنا فكم عندي دخل الفرد أنا ما عندي شيء وإنتاج النفط عندي 280 ألف برميل وأبيع حتى الآن في المرحلة الأولى للغاز 200 مليون دولار في السنة، ما يسوي شيء، موازنة للدفاع وموازنة للأمن وللصحة وموازنة للتربية، إذاً لازم يتكلم الناس عن الفساد وعن الرشاوى ويتكلمون في كل شيء لأنه لو وجد المال ما في مشكلة، عندك الآن أكثر من مليون عامل في السعودية، في السابق وتحديداً في الثمانينات كانت تحويلاتنا من العاملين بالسعودية ملياراً و800 مليون دولار، أما اليوم فتحويلاتنا من 300 مليون إلى 400 مليون مقارنة بمليار و800 مليون في الثمانينات، الآن الموضوع الاقتصادي صعب، إنتاج النفط 280 ألف برميل، أي للاستهلاك المحلي وأي للشركات الشريكة وأي للتصدير".

لكن خاشقجي أوقع الرئيس في فخ "الوحدة أو الموت" بلا رحمة. بدا لحظتها كما لو أنه جلاد غليظ يمارس إغراق قاس لا يرفع يده من الماء إلا وقد تيقن من انقطاع أنفاس الضحية تماما. لم يكترث لاحمرار أذني الرجل ولا ضحكته الخجولة التي يلجأ إليها المرء عادة لإخفاء مشاعره الحقيقية في اللحظات الحرجة. تذكرت القصة التي رواها ابراهام لينكولن عن صبي عاري القدمين اصطدم بإصبع قدمه "كانت الصدمة تؤلمه بشدة، إلى درجة لا يمكنه معها الضحك، وفي نفس الوقت كان كبيرا على الصراخ".

على أن الانطباعات المرحة التي سطرها خاشقجي في "الوطن"، لا تشبه صورة المتجهم والعدواني التي بدا عليها في العربية. كتب أن الرئيس كان مطمئنا، وكيف أنه عمد إلى اختبار هذا الاطمئنان بسؤال صالح عن شعوره إزاء اليمن بعد خروجه من الحرب السادسة مع الحوثيين، ثم راح يصور الطريقة التي رد بها الأخير أثناء اجتيازهم للحديقة في طريقهم لقاعة من قاعات القصر "في يوم ربيعي وقد انجلى شتاء صنعاء". كتب أن الرئيس قال له: ""وما الجديد ؟ اليمن يعيش حروباً وصراعات منذ بضع وخمسين سنة". خاشقجي علق على إجابة الرئيس: حقاً ما الجديد هنا؟ ولكن-أضاف خاشقجي وصورة الحاذق لم تفارق وعيه للحظة- بقدر ما كانت إجابته حاسمة وواثقة فإنها مثيرة للقلق أن يتعايش شعب وقيادة على هذه الفتن وكأنها قدر محتوم.

قال خاشقجي أن صالح يريد أكثر من المملكة، لاسيما بعد إبرام اتفاقية الحدود. وأضاف أن ما لم يقوله صالح ولن يقوله هو "إن السعودية هي الأخرى مشغولة بواقعها وتنميتها وتوفير آلاف الفرص لأبنائها ما يبرر لي كسعودي ألا تنشغل بتفاصيل اليمن الكثيرة والمزدحمة المتجددة". وامتدح ضمنيا الأخلاق الرأسمالية لدى المواطن السعودي "فالسعودي أصبح بارداً براجماتياً يقود أعماله بروح الربح والخسارة، وليس في ذلك ما يعيب، ولكنهم في اليمن يعيشون السياسة ويجعلونها السبب لكل شيء أكثر من الاقتصاد والأرقام". وشدد على أن التعليم والتنمية هما السبيل الوحيد لليمن كي تضخ يد عاملة مرغوب فيها.

فيما يتعلق بالشريط الحدودي، كان الرئيس صالح حادا وقاطعا في اجاباته. فخاشقجي هو الذي طرح هذا السؤال: لوضع حد للتهريب، ماذا لو بنت السعودية سياجا على الحدود مع اليمن ؟ فجاء رد الرئيس على هذا النحو المستنكر: "لماذا ؟ هذا لا يجوز، نحن لسنا يهودا وعربا، لو فعلنا ذلك نحقق أهداف الاستعمار القديمة بتقطيع أوصالنا، وتجزئتنا، لا يجوز أن نرى سياجا بين بلدين عربيين خاصة اليمن والسعودية، الشعب واحد، واتفاقية الحدود تسمح بحرية التنقل للرعاة، لدينا مشروع أفضل اتفقنا عليه مع إخواننا في المملكة يقضي ببناء اتوستراد مكشوف ومضاء ومراقب إليكترونيا، ونقاط تفتيش ويسمح بتنقل الرعاة عبر منافذ شرعية".

خذوا أيضا هذين السؤالين. "من الواضح أننا في السعودية ننوي ترك مسافة عشرة كيلو ما بين الحدود وهذه إجراءات جديدة؟" الجواب: "بالنسبة لنا صعب أن نترك عشرة كيلو من الجانب اليمني لأن بها سكانا ومساكن ومزارع، ولا نستطيع أن نرحل مواطنين عاشوا منذ مئات آلاف السنين في هذه الوديان والمرتفعات، وهي مناطق جبلية ومزارع ووديان، صعب أن نرحلهم إلى مكان بعيد لأن وراءهم مرتفعات جبلية، وليس أراضي صحراوية تجعلنا نستطيع أن نوزع عليهم أراضي، صعب جداً أن نزحزح مواطنا، لكن مسؤوليتنا هي اختيار الشرطة وأجهزة السلطة المحلية وكذلك الجيش الذي هو حرس الحدود لتأمين سلامة الشريط الحدودي بين المملكة العربية السعودية واليمن".

سؤال: "لكن ما تفعله السعودية في أرضها هي حرة فيه". جواب: "نحن غير معترضين، وهناك معاهدة بيننا وبين السعودية أن هناك مسافة 20 كيلو من الطرفين للسماح بالرعي ولا أعتقد أن إخلاء السكان يشكل خطورة أو اختلالا بمعاهدة الحدود بيننا وبينهم. لأنها تكفل حق الرعي والانتقال إلى المناطق المجاورة..

في الواقع ما من "اتوستراد" في الشريط الحدودي ولن يكون. ثمة بندقية g3 تأخذ على عاتقها تطهير الأراضي السعودية من المتسللين المتهافتين على الريالات الخضراء. وهذه حصيلة المهمة التي يقوم بها رشاش g3: خلال الأيام القليلة الماضية نشرت وسائل الإعلام ان السلطات السعودية تضيق الخناق على المغتربين اليمنيين حتى المقيمين منهم بصورة شرعية. ونقل موقع "الصحوة نت" أن حرس الحدود السعودي يطلق الرصاص الحي على المتسللين. وأورد أن مصادر أكدت مصرع 3 أشخاص من مديرية الحسينية بمحافظة الحديدة الأسبوع الماضي على يد شرطة الحدود السعودية، طبقا لمتسلل يدعى صغير بخيت من محافظة ريمة.

إلى ذلك، طبقا للصحوة نت، توفي متسللين يمنيين الأسبوع الماضي على يد شرطة حرس حدود المملكة في منطقة صبيا السعودية. حيث لا تزال جثتي الشابين شكري طه محمد حسان المقطري في إحدى ثلاجات مستشفى بجيزان وأن أهله يبذلون جهودا في محاولة لاستلام جثة ابنهم الذي قتل أثناء محاولة التسلل بعد مضي 4 أشهر من زواجه.

وناشدت أسرة المقطري السلطات اليمنية التدخل لدى السلطات السعودية في تسليم جثة ابنهم حيث وأن والديه في حالة نفسية صعبة على مصرع ابنهم الذي قضى داخل الحدود السعودية قتلا بالرصاص بينما كان قد وعد أهله وأسرته بحياة كريمة إن وجد عملا من خلاله يحسن دخله ويقي أسرته الفقر والبهذله. وقالت مصادر في الداخلية اليمنية إن 4 من مهربي القات أصيبوا يوم الجمعة بجروح مختلفة أثناء مطاردة الشرطة السعودية لهم وبحوزتهم كمية من القات كانوا بصدد تهريبها إلى داخل المملكة.

الخميس، 25 نوفمبر 2010

نذر حرب قبور تلوح في الأفق

محمد العلائي 
alalaiy@yahoo.com 

في ربيع 2001، فجّرت حكومة طالبان الأفغانية تمثالي بوذا، اللذين كانا يمثلان قيمة روحية عالية الشأن لجزء عريض من البشر، ناهيك عن كونهما قيمة حضارية إنسانية مشتركة. 

حينئذٍ وقف العالم ساخطا معترضا، إلا أن زعامات الإمارة الإسلامية شديدة التزمت، مضت غير آبهة بشيء. 

لقد فعلت ما فعلت معتقدة أنها حطمت الصنم "هبل"، وأنها طهرت العالم من "دنس الشرك" وشروره. 

لم يمض الكثير من الزمن بين واقعة "التطهير" تلك، وبين واقعة تطهير أفغانستان من حكم طالبان بجريرة فعل أخرق اقترفه احد الذين وجدوا في طريقة فهم أفراد طالبان للإسلام ما يصبون إليه، علاوة على أنهم وجدوا في جبال أفغانستان ملاذاً وعاصماً: بن لادن وتلامذته. وكان ما كان. 

كان ذلك في أفغانستان. وكان الفاعل طالبان، التي أصبحت النموذج المثال لكل جماعات التطرف الإسلامي في العقدين الأخيرين، على وجه التقريب. 

الآن، وبشكل مفاجئ، يحدث في اليمن ما هو أفظع. فبعد أسبوع واحد فقط، من تداول الصحف خبر قيام مجموعة متطرفة بهدم ضريح "ولي صالح" في مديرية مبين بمحافظة حجة، نشرت صحيفة "الأيام"، السبت الفائت، حادثة مشابهة، لكن هذه المرة من محافظة لحج. ففي ساعة متأخرة من ليلة الجمعة أقدم مجهولون على إضرام النيران داخل ضريح "الولي الصالح" حسن البحر، بمديرية تبن. وإن لم تفلح ألسنة اللهب في تحويل الضريح إلى أنقاض، فقد أصابته بتشوهات وأضرار بالغة. 

على المنوال نفسه، كان ضريح العلامة الهدار في مديرية القطن بمحافظة حضرموت، قد تعرض، العام الفائت، لمحاولة هدم من قبل أشخاص غير معروفين. ومطلع هذا الشهر أطلق تنظيم القاعدة تصريحات تضمنت التهديد بنسف قبر النبي هود في مديرية ثمود، والذي استقطب، في غضون بضعة أيام، حوالي 60 ألف زائراً من مختلف أنحاء العالم، وفقا لبعض التقديرات. ومنذ بضعة أسابيع تقريباً، كشف نائب الرئيس في اجتماعه باللجنة الأمنية، في حضرموت، عن مخطط أعده تنظيم القاعدة لاستهداف مرقد النبي هود، طبقاً لما نقلته الصحف الحكومية. 

الأسبوع الفائت، تناقلت وسائل الإعلام خبراً مفاده أن مجهولاً وضع مادة غريبة على قبر الشيخ محمد الحكيمي بعدن. والأخير ليس مجرد رمز ديني، بل هو رمز سياسي أيضاً، بيد أنه نال حظه من الأذى هو الآخر. 

ليس هذا كل شيء بالطبع. فهناك وقائع مماثلة تشهد أن أبطالها شربوا من نبع واحد. 

... 

الراجح أن لدى طالبان من الأسباب(وإن بدت سقيمة وساذجة أحيانا) أكثر مما للفرق -الجهولة والمجهولة في آن- التي أخذت على عاتقها تقويض شواهد تاريخية عتيقة، تحت مظنة إبعاد "الشرك" ومكافحة "البدع" و"المنكرات". 

تمثالا بوذا، في جبل باميان، إرث غير إسلامي. وربما استخدمت طالبان هذه المقولة (القاصرة)، كي تفعل ما فعلت دون تأنيب ضمير. 

لكن مراقد "الأولياء الصالحين" إرث إسلامي خالص. وهم "أولياء صالحون" حسبما يعتقد الناس-بعضهم إن لم يكن أغلبهم- في المناطق المحيطة بالضريح. 

ومادام أن فلاناً كان رجلاً "صالحاً وولي لله" أثناء حياته، فإن الناس يسمحون لأنفسهم بالتوهم، عن جهل حين وعن علم أحيان أخرى، أن لروحه قدرة (غير عادية، خارقة) على التدخل في توجيه مسار الأشياء، عندما يتم التوسل إليها والتمسح برفات صاحبها. ( الخرافة تغطي المساحة التي لم يصل إليها العلم، فكلما كان المستوى المعرفي للمجتمع ضحلا، تشيع الخرافة والعكس صحيح). 

إذاً، والحال هكذا، فإن الاعتداء على مزار بهذه المكانة، يغدو اعتداءاً على مشاعر كل مرتادٍ له، وحطاً من شأن مُعتقَد لطالما تمسكوا به الجيل تلو آخر، مهما بدا غريباً وخرافياً... و"شركياً". 

ولا بد أن تصرفا بكل هذا الرعونة و الحمق، وسوء التقدير، كفيل بأن يجعل الناس أكثر تشبثاً بموروثهم العقدي- أياً كان- من حيث يحسب أصحابه أنهم يحاربون الخرافة المنافية للاعتقاد السليم. فوق ذلك، يحمل هذا السلوك إساءة للأموات مشينةً ومستفزة. 

على أن مليشيا حرب القبور هذه، تستطيع -إن أرادت- نزع "دنس الشرك" من "النفوس الضالة" باللجوء إلى وسائل تعتمد، أولاً وأساساً، على مهارة النقاش والإقناع اللذان ربما يفضيان، في النهاية، إلى بلورة رؤى متقاربة بشأن المسائل محط الخلاف. هذا ما يجب، قبلما تبدأ في اجتثاث الوثن- وهو جسم محايد أصلاً ولا يمارس أي تبشير بطهوريته- من الأرض، وفي وقت ما يزال يحظى فيه بقدر من التوقير والإجلال في نفوس مرتاديه. 

هذا ما يجب قبل أي شيء آخر، وبعده. وإذا ما اتفق الطرفان على أن فكرة إسباغ نوع مفرط من القداسة والتبجيل على ضريح شخص ما، ضرب من الجهالة والشرك، فإن الأضرحة والتماثيل والمزارات حينها، لن تعود، في نظر حجيجها، أكثر من أبنية وكتل جوفاء، لا تحمل أية دلالة روحية أو معنى "ألوهي" من أي نوع. حينها يصبح الاحتفاظ بها نظرا لقيمتها التاريخية والإنسانية العميقة، لا أكثر ولا اقل. 

فأغلب التماثيل والعتبات والمراقد تعتبر لدى البعض معالم تاريخية قيمة وفائقة الدلالة، أكثر مما هي رموز دينية مقدسة. 

قد تنتهي المشكلة أو قد لا تنتهي، المهم أن الجميع بات يملك خياراته. فالكل عليه أن يقرر، وبصورة فردية، ما يجوز وما لا يجوز، دونما إكراه أو قهر أو وصاية. وإنني لأظن أن هذه طريقة، بقدر ما هي ناجعة، ليست مكلفة بالمرة. 

إنه، ولا ريب، ميدان آمن ومثالي إلى حد ما، لكنه سهل أيضاً ومفيد. فالأكيد هو أن من يؤمن بفكرة معينة لا يفتقر إلى المنطق اللازم (وليس السلاح) لنشرها، والدفاع عن معقوليتها، وقابليتها لإقناع شخص آخر على الأقل، وإلا فإنها لا تستحق أن تعيش ولو للحظة. 

... 

عادة، تبدأ الحروب باردة، ثم يؤول بها المطاف إلى حرائق تأكل الأخضر واليابس. وبالنسبة إلى بعض الفرق الإسلامية، الأكثر غلواً وراديكالية، يبدأ الأمر بما يسمى فترة "تغيير المنكر باللسان". 

وبعد وقت وجيز فقط ( قد لا يمتد كثيرا في العادة، لأن أفرادها نافدو الصبر تلهفا على الجنة)، تصير "اليد" على أهبة الاستعداد لمزاولة "واجباتها" المنوط بها "شرعا"، تحاشيا لإدراجهم داخل خانة "أضعف الإيمان"، والعياذ بالله(!) 

ثم إن "اليد"، من وجهة نظرهم، هي أداة الفعل المثلى للتغيير. الأمر الذي يعني، من بين ما يعني، تعطيل الأدوات الأقل عنفا والأكثر جدوى. 

إن الحوار هو الميدان المستحيل بالنسبة لهؤلاء. والظاهر أنهم يميلون إلى خوض مثل هذه الحروب لصرف أنظار الناس عن ما هو جوهري في حياتهم وجرهم إلى معارك هامشية. 

بالتأكيد، هناك ما هو أهم من بعثرة شواهد القبور وأحجار العتبات المقدسة. هناك عتبات وتماثيل بغيضة أثقلت كاهل البلد، وقطعت أنفاسه. ألا يبدو أنها أولى بالحرب والهدم أكثر من، وقبل أي شيء آخر.

القرصنة رقم 3

محمد العلائي 
الخميس 30 أغسطس-آب 2007 06:08 م

في كل مرة يعود عبدالكريم الخيواني من معاركه مكللاً بالنصر.. إنها من نوع المعارك التي يجد المرء نفسه مقحماً في خضمها دون أن يختار. سيتعين على المرء، والحال هكذا، أن يقاوم هوانه الشخصي، دون هوادة. فالمؤكد، هو أن انتصار الضعيف يكمن في تفوقه الأخلاقي، وفي كونه يحتفظ برباطة جأشه الى آخر رمق.

نهار الاثنين الفائت، كان الموت المحقق، قاب قوسين أو أدنى من الزميل الخيواني، بيد أنه كالمعتاد رجع ظافراً، على الرغم من كل الأذى الذي لحق به.

كانت الساعة ،1:50 حين غادر مقر صحيفة «النداء». وقتذاك كان في صحبته الزميلان سامي غالب ونبيل سبيع. هبطوا معاً سلالم العمارة. وتجاوزوا معاً مدخلها. وبمحاذاة الشارع توقف ثلاثتهم هنيهة، ثم ما لبث سامي ونبيل أن ودعا الخيواني، وبد يسيران ببطء. في حين توقف الأخير على الناصية كي يوقف «تاكسي» يقله إلى منزله، حيث تنتظره زوجته وأطفاله على الغداء.

في تلك اللحظة، وإذ كان الخيواني يتأهب للإنطلاق، لمح فجأة السجين الشهير الذي نفضت عنه «النداء» وعثاء 17 عاماً من السجن: عبده شوعي. وكلا الاثنين - الخيواني وشوعي، لمن لا يعلم- رفيقا السجن المركزي، ويعرفان بعضهما جيداً. الأول هو ذاك الصحفي العنيد الذي لا يكاد يخرج من السجن إلا ليعود إليه. والثاني تهامي مغمور، من صنف الاشخاص الذين لا يأبه لهم، عدا الخيواني وأمثاله، أحد.

اذاً، وبسجيته المعهودة، صرخ محتفياً: عبده شوعي.. كانت الساعة 1:53 عندما تقدم لمصافحة شوعي: ذراعاه كانا مفرودين، ووجهه بشوشاً. ساعتها همهم رجل على مقربة منهما بما يمكن عدَّها إشارة الهجوم: «انزلوا سلموا عليه»، طبقاً لرواية عبده شوعي.

بدا الخيواني كما لو كان يبذل جل الجهد كي يصل الى التهامي، الذي لا يأبه له أحد، بأقل قدر من الخطوات. ذلك أنه أخذ يقدم بخطوات واسعة وذراعاه مفرودان، بتلقائية غير مُدَّعاة،الا أن خطوات «القراصنة» كانت أكثر اتساعاً وأذرعهم مشدودة كالأوتاد.

على أي حال، لم يتسن للخيواني احتضان شوعي. ففي طرفة عين، وعلى مرأي الناس، ترجل أشخاص مقنعون من سيارة لاندكروزر، تحمل لوحة خصوصي، وأرقامها مطموسة بسواد، كانوا يرتدون الزي الشعبي، لكن المسدسات تظهر للعيان وهي معلقة على أحزمتهم.

وحسب رواية شوعي، فإن المسلحين انتزعوا الخيواني بفظاظة وبعد لحظة ذهول وجيزة انتابت الرجل، لاحت العصابة وهي تقذف به الى مؤخرة السيارة، بطريقة «مافوية» متقنة.

لم يكن سامي غالب ونبيل سبيع، قد ابتعدا سوى 20 متراً تقريباً عن المكان. فحينما نادى باسم عبده شوعي، سمعا صوته. وحين هجمت المجموعة على الخيواني سمعا جلبة وما يشبه الاستغاثة. التقط سامي صوت الخيواني يناديه. وتلفتا فرأياه يُلقى برعونة إلى «الصالون».

منذ الصباح الباكر، كان الرجل قد أمضى يوماً حافلاً. فبعدما أنهى لقاء جمعه ببعثة من الاتحاد الأوروبي، توجه للتوه، لزيارة الأستاذ احمد جابر عفيف في بيته، ثم عرج على «النداء» بعدئذ.

لدى وصوله مقر الصحيفة، ظل مبتهجاً أكثر من أي وقت آخر. لأنه التقى برفيق سجن آخر أفرج عنه قبل 24 ساعة: سام أبو أصبع.

يقول شهود العيان إن قرابة 6 أشخاص على متن السيارة التي تربصت بالخيواني، كانوا ينتظرونه منذ دخل إلى مكتب «النداء».

ووفق روايته، فإنهم فور أن تحركت السيارة، طرحوه تحت أقدامهم معصوب العينين، وبدأوا، بوقاحة، في تسديد الرفسات واللكمات والشتائم. قالوا له: نريد أن نذيقك أخلاق ما قبل الدولة.

الأسبوع قبل الفائت نشرت «النداء» للخيواني مقالاً مطولاً، هو عبارة عن نقل لبضع مشاهدات من داخل السجن المركزي، (الذي قضى فيه نحو شهر في يوليو الفائت) بعنوان: «ما قبل الدولة، وطن خلف القضبان».

يعرف الخيواني، بالتأكيد، كيف يسيطر على نفسه، في الأوقات الحرجة. فعلاوة على صنوف التنكيل التي وجد نفسه يرزح تحت وطأتها، كان يجهل أين سينتهي به المطاف، ومع ذلك لم يتضعضع.

أمروه بلهجة متعالية أن يتعلم كيف يحب «الثورة». ينبغي لأي أحد أن يكون بربرياً كفاية، كي يحب الثورة جيداً، أن يكون فظ القلب، يستطيع أن يقصقص أعضاء البشر بشكيمة عالية.

على الدوام، لا يكف الحكم عن الاعتقاد بأن مقابلة الأجانب ليست أكثر من دسائس ومؤامرات، ودولارات أيضاً، لذا فقد راح الخاطفون يتحسسون جيوب الخيواني لعلهم يظفرون برزمة من «اليورو» الأوروبي.

كان في حوزته ساعتذاك 1500 ريال يمني. الأمر الذي أصابهم بخيبة أمل. تلفظ أحدهم بسؤال لا ينقصه الغباء: أي حين صرفت؟. قهقه الخيواني بصوت عالٍ، ومتهكم، ساعة كان يروي لنا هذا المشهد.

لم يكن يعرف إلى أين ستنتهي به الطريق. وظل يتلقى الضربه تلو الأخرى. لقد كانوا يجرعونه «أخلاق ما قبل الدولة».

ولئن أصابوا أضلاعه بكدمات بالغة، فقد عمدوا أيضاً الى تهشيم نظارته على جفنيه حتى أدميا.

نصف ساعة، هي المسافة الزمنية التي تفصل أمانة العاصمة عن منطقة خولان، لكن «القراصنة» استغرقوا 3 أضعاف المدة. إنه زمن بالغ الصعوبة.

قبيل وصولهم مكان اسمه «محالين»، كانوا قد استوفوا فقرات المهمة بأكثر مما يجب من النذالة، عدا فقرة واحدة ظلت موضع خلاف: «بتر إصبع من يده اليسرى»، كمرحلة أولى، على أن يستكملوا تقطيع بقية الأعضاء متى ما عاود الكتابة مجدداً عن «أخلاق ما قبل الدولة».

لا بد أن أحدهم كان أكثر تلهفاً لفصل أصبع الخيواني عن جسده، إذ إنه شرع في القطع بـــــ«كلبتين» حادة، غير أن رفقائه نهروه، وأخذوا على يده. «ليست الأوامر هكذا» قالوا له. كان متشوقاً ولا يلوي على شيئ. ولما طفح كيلهم أومأوا له: «انتظر حتى نتصل».

أجروا مكالمة مقتضبة مع آمرهم، فجاء قراره قاطعاً - وليس باتراً- : قال(...) لا تقطعوش أصبعه، ما نشتيش حاجة ظاهرة.

نزل القرار كالصاعقة على «المتشوق للبتر». فتذمر وثار غيظة. قبل أن يشفي غليله كاسراً الأصبع الناجية من البتر.

إلى هنا، باتت المهمة شبه منتهية، ولم يتبق إلا البحث عن أنسب الأماكن ملائمة لإلقائه فيه.

بدوا خبثاء في اختيار مكان الإنزال: بقعة قافرة، مأهولة بالسكون.

المشهد الأخير: «جثم أحدهم بخشونة على صدر الخيواني وأخذ يقول له: اقسم لنا أنك ما عد تكتب على أسيادك»، لكن الخيواني لزم الصمت. في تلك الأثناء، أطلق واحد منهم جملة متوعدة، لكأنها عصارة «القرضة رقم (3)» : «هذا آخر إنذار لك، قسماً بالله لو زد تكتب مرة ثانية لا نقتلك أنت وأطفالك وزوجتك».

قبل أن ينصرفوا، أنزلوه إلى الأرض، وهو ما يزال معصوب العينين بشماغ بنَّي اللون، تجشموا عناء شرائه خصيصاً لغرض دنيئ (الشماغ موجود الآن، وهو الشاهد الوحيد على تلك البشاعة).

بالطبع، كان لا يدرك في أي أرض هو الآن، حين فك الرباط عن عينيه. لا ريب، إنها لعبة «غميضة» باهظة الكلفة.

عندما كنا، نحن في «النداء»، نتشاطر الحيرة والتكهنات، عصر ذلك اليوم، كان قد انقضى على اختفاء الخيواني، من الوقت 3 ساعات، شديدة الوطأة.

في الساعة الــــ5:30 قبيل الغروب، رن هاتف الزميل سامي غالب. تناهى إلى سمعه صوت متهدج. أصغينا بشدة، إلا أن سامي نهض من مجلسه، واستكمل الرد على المكالمة في الرواق، ونحن لا نكف عن التلصص. وحين تيقنا أنه الخيواني انفرجت أساريرنا.

كادت الفرحة تكتمل، لولا أن سامي قال هامساً إن الزميل تلقى ضرباً مُبرحاً.

استقلينا، بشير السيد وعلي الضبيبي وأنا، سيارة، وانطلقنا صوب «دار سلم»، حيث كان الخيواني يتلقى علاجاً إسعافياً في مستوصف طبي هناك.

الساعة الــــ6:00 كنا، ثلاثتنا، في حضرة الرجل. كان يتأوه تارة، ويئن تارة أخرى، لدى معانقتنا له، لكنه على الرغم من كل ذلك، كان لا يسعه إلا أن يتبسم. بدأ يروي لنا التفاصيل. وضحك من أعماق قلبه عندما تذكر أنهم كانوا يتوقعون العثور على «دولارات» في جيوبه.إنها القرصنة رقم (3)، قرصنة ما قبل التصفية ربما. ففي 2004 اقتحموا مقر «الشورى»، واعتقلوه بطريقة لا تنم عن أخلاق «دولة القانون». وقبل شهرين هجموا عليه في غرفة نومه بطريقة لا تقل بشاعة. وهذه المرة كان الشارع مسرحاً مفتوحاً لباتري أصابع الصحفيين.

حديث مع عبدالملك الحوثي 2

عبد الملك الحوثي لـ"لغد":إذا كنا نحن المبتدئين، مستعدون تحمل أي مسئولية واطالب بلجنة منصفة للتحقيق في من بدأ الحرب


 محمد العلائي 2007


كان عبدالملك الحوثي، مساء الأربعاء الفائت يتحدث لـ"الغـد" ( في الحوار التالي) عن صعوبة التواصل مع لجنة الوساطة مباشرة. وبعد نحو 48 ساعة كان أعضاء اللجنة يمضون نهار الجمعة إلى جواره في مكان تواجده.
الحوثي في حديثه لـ"الغـد" أفصح عن اتصالات غير مباشرة، أجراها مع رئيس الجمهورية.وقال أن هناك مسألتين تعقيان الاتفاق هي : طريقة التنفيذ، والأولويات.
وجدد مطالبته بلجنة "من العدول وتعتمد المنهجية الإسلامية والقانونية" للتحقيق في من بدأ الحرب، مؤكداً، أنه في حال ثبت أنهم المبتدئون، استعدادهم تحمل أي مسئولية.
وتحدث عن كنه العراقيل التي حالت دون الإسراع في تنفيذ بنود الاتفاق، مجدداً تمسكه بحل المشكلة سلمياً. وأعرب عن تفاؤله بأن "تصير الأمور إلى خير"، لكنه رفض تأكيد ما إذا كان سيغادر إلى الدوحة، فيما لو نجحت الوساطة، مكتفياً بالقول: "قدمنا للجنة بشأن هذه الموضوع، باعتبارها المعنية". فإلي نص الحديث:


** تحدثت أخبار, مطلع الأسبوع الفائت, عن لغة فظة وقاسية، بدرت منك تجاه الوساطة القطرية، ما أدى إلى إثارة حفيظة الدوحة وسحب موفديها للتشاور. ما مدى صحتها؟ 
* أعتقد أنه لم يحدث منا أي إساءة نحو الأخوة القطريين. منذ البداية كنا نقدر ما يقومون به من جهد إنساني ومشرف, ونحن نكن لهم كل الاحترام, ونعتبر ما يقومون به من جهد هو خدمة لكل اليمنيين. عندما سافر الأخوة القطريون اتصلنا بهم, وأبلغونا أنه تم استدعاؤهم للتشاور وتقييم العملية، على أساس أن لديهم الكثير من الوثائق وما تم تبادله ونقاشه، وهم يريدون دراسة ما تم إنجازه وتقييم العملية برمتها.

** يعني ليس ثمة رسالة منك شخصياً أغضبتهم؟ 
*لم يحصل من قبلنا ما يسيء إليهم على الإطلاق, كنا دائماً, سواء في الرسائل, أو الاتصالات, نؤكد احترامنا الكبير لهم، وفي نفس الوقت حين اتصلنا بهم أثناء سفرهم لم نعرف, من خلال الاتصال, أنه موقف على أساس إساءة صدرت من جانبنا, لأنه لم تحصل أصلاً إساءة، وأبلغونا أنه تم استدعاؤهم لتقييم الخطوات التي قُطعت.

** هناك اتصالات مباشرة جرت مع الرئيس، أليس كذلك؟ 
* هناك بعض الرسائل التي بعثناها إليه, واتصالات غير مباشرة، كنا نتواصل مع بعض الأخوة في صنعاء، وهم بدورهم يوصلون الصوت.

** أفهم أنه لم تجرَ اتصالات مباشرة؟ 
* لا. لم يتم اتصال تلفوني مباشر. إنما رسائل مكتوبة فقط، أو تواصل عبر بعض الأخوة في صنعاء.

** ما دمت وقعت على بنود الاتفاق، لماذا لم تلتزم بها؟ 
* المشكلة ليست في الاتفاق. هناك مسألتان: طريقة تنفيذ الاتفاق، والأولويات.

** لكن البنود لا غبار عليها...؟ 
* نعم. الإشكالية هي الأولويات وطريقة التنفيذ، المسألة الثانية: هناك بعض التفاهمات الهامة غير المعلنة، تساعد على نجاح الاتفاق. البعض يقدم طرق تنفيذ معقدة، رغم أن هناك طرقاً كثيرة غير معقدة.

** تحدثت عن تفاهمات، متى تمت؟ 
* التفاهمات من قبل إعلان الاتفاق ووقف إطلاق النار. المسألة الأخرى، أنه تم تطبيق جانب كبير من الاتفاق، لكن كنا نطالب أن يُلحظ أثناء التطبيق، ما لنا وما علينا، وليس ما علينا فقط. ونستاء عندما يركز بعض أعضاء اللجنة على ما علينا فقط. يبذلون كل الجهد لتطبيق ما علينا.

** لكن تصريحات كل أعضاء اللجنة تكاد تجمع على أن هناك عراقيل تضعونها، أو بعض أتباعكم، في طريق المفاوضات؟ 
* يا أخي هناك عراقيل وضعت، وكان المفترض أن لا تكون عراقيل. مثلاً هناك الاتفاق على مسألة خروج الجيش من بيوت الناس ومزارعهم.

** هل هو بند من بنود الاتفاق؟ 
* هذه قضية تم التفاهم عليها. خروج الجيش من بيوت الناس وقراهم. لكن اللجنة لم تلق لها أي اهتمام, رغم أهميتها الكبيرة بالنسبة للعائدين, أو بالنسبة للنازحين.

في نفس الوقت، هي حق مشروع لم يكن ينبغي التعصي عليها. ورغم صدور أمر من الرئيس بذلك، لم نلحظ التجاوب بالشكل المطلوب. لا يزال هناك أكثر من 300 بيت مسكون بالجيش، بينما الأهـالي مشردون.

وهناك الاختلاف في مسألة الأولويات، مثلاً من جانبنا، رأينا أن يوضع بعين الاعتبار الجانب الإنساني، فالمناطق السكنية يكون لها أولوية في إنهاء التوتر والتمترس فيها، وعودة الحياة إلى طبيعتها، وهناك مناطق كثيرة، افترضنا أن يكون لها أولوية، باعتبارها مناطق مسكونة، وسيستفيد كثير, ليس نحن فقط, أو الطرف الأخر.

** بالتأكيد مطالب مشروعة، لكن هناك نقاط اتفاق يجب الخلوص منها، وتنفيذها كاملة, وبعد ذلك أظن أن الجيش سيخرج تلقائياً من هذه القرى والبيوت؟ 
* نحن قمنا بتنفيذ جزء كبير من الاتفاق، أطلقنا الأسرى وأخلينا الجبال في 7 مديريات، أضف إلى ذلك تسليم المديريات والمناطق التي فيها إدارات أمن, ومنشآت حكومية. وعودة الموظفين إلى أماكنهم, في قطابر، وباقم، كتاف، مجز، غمر، وطالبنا أن تستمر العملية في بقية المديريات. نقول للجنة هناك مناطق أكثر أهمية, والحل فيها يمثل إيجابية.

** من يحدد أن هذه المناطق أكثر أهمية؟ 
* نحن نلحظ الجانب الإنساني، وهذه المناطق مهمة لأنها مسكونة، كذلك الجانب الاستراتيجي. المناطق التي توجد فيها الخطوط العامة, المنافذ، المنشآت الحكومية، كل توابع الحياة، النازحون. ليس تعصياً من جانبنا في تنفيذ الاتفاق، نحن نقوم بتنفيذه، ونختلف في بعض الأمور, مثلاً نطالب بوقف الحرب، على شعلل وذويب ولا يتم التجاوب، ونحن نعمل على التفاهم إيجابياً لخلق الثقة والطمأنينة، وفي نفس الوقت، هذا من ضمن الاتفاق. في الفترة الأخيرة حصلت جملة من الاعتقالات، وهذه المسألة تتنافى مع الجهود المبذولة لحل المشكلة. أيضاً يوجد انتشار عسكري مكثف جداً، بطريقة أقلقت المواطنين، وإطلاق النار، كما حصل في مديرية حيدان، مما تسبب في إصابة طفلة. وهكذا تحصل تصرفات كثيرة.

** هم يتحدثون عن خروقات من قبلكم...؟ 
* التقارير التي تتحدث عن خروقات منا، غير صحيحة على الإطلاق، كنا ومازلنا نؤكد على أهمية وجود رقابة لديها المصداقية في النقل, ولجنة لتقصي الحقائق تعتمد على المنهجية الإسلامية الشرعية للإطلاع على الواقع.

** يقول البعض أن هناك إقحاماً للجنة الوساطة في تفاوض مع أتباعك، كالرزامي, وأنت وقعت عنهم أساساً. وهو ما اعتبرته اللجنة توزيع أدوار لكسب الزمن؟ 
* نحن لا نعمل لكسب مزيد من الوقت لأغراض مشبوهة. هناك عوائق ومشاكل موجودة، هي بحاجة إلى حل، ولا يمكن تجاهلها، فهي تسبب تذمر الكثير من الأخوة، فعندما نطالب بحل بعض المشكلات التي تسبب في إبطاء العملية، لا يعني كسب المزيد من الوقت.

** طيب هذه إشكالات ثانوية، وطبيعي أنها تبرز؟ 
* العوائق التي توسع الفجوة، وتسلب الاطمئنان والثقة، الصحيح أن تعالج، وهي قابلة للعلاج.

** هي من الطرفين, ومنبعها الجانبان، وبالتالي تحتاج إلى معالجة، مع المضي في التنفيذ؟ 
* التركيز على ما علينا، وتجاهل مالنا، يسبب مشاكل, ويثير مخاوف بعض الأخوة بعدم المصداقية.

** باعتبار أنك وقعت على الاتفاق، وأصدرت البيان, لماذا لا تتفاوض مع لجنة الوساطة مباشرة، بدل المراسلات مع الرئاسة؟ 
* بالنسبة للجنة الموجودة في صعدة, ولصعوبة اللقاءات, فنحن في العادة نكلف من يذهب إلى اللجنة، ويتحاور معها، في كثير من القضايا، لكن هناك قضايا، نلحظ أن اللجنة بمفردها، لا تستطيع أن تبت فيها, ولا بد من مساعدة من "فوق". وقد لاحظنا إيجابية تدخل القيادة السياسية في كثير من الأمور.

** الأسلحة الثقيلة, هل ما زلتم متمسكين بتسليمها، سيما وأنكم ستسلمون المواقع والجبال، فلم التشبث بها، هل تدخرونها لجولات قادمة؟ 
*الاتفاق لم يتضمن عبارة "ثقيلة"، ليس لدينا ترسانة رهيبة.

** المتوسطة أقصد...؟ 
*نحن لم نكن نمتلك الأسلحة كتنظيم.

** إذاً من مدكم بكل هذه الأسلحة، التي استطاعت الصمود كل هذه المدة؟ 
* ليست المسألة من مدنا، السلاح الذي كان يتوفر لدينا، هو نفسه الموجود لدى كل يمني, لا توجد ترسانة حربية مختلفة, هي أسلحة عادية...

** ما رأيك في استخدام السلاح لتحقيق المطالب أياً كانت؟ 
*دائماً لم نستخدم السلاح لتحقيق المكاسب، أبداً، الأساسية, ولا غيرها. فقط في حالة واحدة: الدفاع المشروع عن النفس, عندما يتم العدوان علينا، ونحن دائماً نؤكد على الحوار، لحل الكثير من القضايا، أو هناك طرق غير طريق الكفاح المسلح، لتحقيق المطالب أو لمواجهة المظالم. وهناك شواهد كثيرة: كانت تتم الكثير من الاعتقالات قبل 2004, على مدى عام, في صعدة, وكان المطلوب تستلمه السلطة وتزج به في السجن. وصبرنا على ذلك.

** في سبيل ماذا. ما هي القضية التي تستميتون في سبيلها؟ 
* أعتقد أنه عندما تشن الحرب علينا، نصبح في موقف الدفاع.

** هذه دولة تريد تأدية وظائفها المعروفة وبسط نفوذها؟ 
* ليست بحاجة لأن تشن حرباً. دائماً نحن نحاور ونتفاهم، وليست في حاجة لشن حرب.

فمثلاً عندما يفرض علينا نشاط ثقافي، أو يفرض علينا توجه سياسي معين ثم نرفض، هنا تعتبر قضية الحرية لنا حق مشروع. الحرية المكفولة بموجب الشرع والدستور والقانون، هذه قضية أساسية لدينا. وعندما نُمنع من نشاط ثقافي, أو يفرض علينا توجه سياسي, ثم لا نقبل به، وتُشن الحرب علينا, نكون في موقع الدفاع.

** أنت تعترف بالدستور والقانون، وتوجد قنوات رسمية يلجأ إليها المواطن في حال تعرض لهضم أو ظلم، أو قمع: القضاء، النضال السلمي, وأشياء كثيرة، غير رفع السلاح في وجه دولة, مهما كان رأيك فيها؟ 
* في كثير من المظالم إما نتغاضى عن البعض، أو نتحدث, أو نشكو, أو ما شابه, أما عند الهجوم العسكري المسلح فهذه مسألة أخرى. ففي الحرب الأخيرة استمرينا, على مدى 3 أيام, نتعرض للضرب الصاروخي والمدفعي, ونحن نصدر بيانات, سواء موجهة إلى السلطة أو للأحرار الشرفاء. وكنا حاضرين للتفاهم والحـوار.

** لكن نحن كمتابعين لا نعرف من البادئ كي نقول أن الدولة شنت حرباً عليكم أو العكس؟ 
* عندما فرضوا التعتيم الإعلامي المطبق على المنطقة كان, بالدرجة الأولى, لتغطية كثير من الأمور، فلذلك هم كانوا محتاجين للتعتيم الإعلامي في المنطقة, ولم يفتحوا المجال للآخرين لمعرفة الحقيقة، وترك المجال للوسائل الإعلامية المتحيزة لتنقل الواقع.

المواجهة الأولى في الحرب الأخيرة كانت في مذاب, وأرسلنا رسالة للرئيس على أساس لجنة تحقيق تصل إلى نتيجة من هو المبتدئ, وما إذا كنا نحن المبتدئين نحن مستعدون أن نتحمل أي مسئولية.

** هل تجاوبوا إزاء هذا الأمـر؟ 
*لا، لا, لم يتجاوبوا. كان هناك حتى ترتيبات إعلامية لشن الحرب, على مدى شهر كامل. وكثير من المراقبين والإعلاميين لا يهتمون بالأحداث, إلا عندما تصل إلى ذروتها.

** حتى خطابكم لا يحمل الكثير من المعلومات, هو في أغلب الأحوال شعارات لتأجيج العواطف، ولا يستطيع المتابع القبض على حقيقة أو معلومة؟ 
*قلنا التعتيم الإعلامي هو لغرض حجب حقيقة من المبتدئ، وحجب المظالم في الميدان. وكنا، ومازلنا، في بداية الحرب, وأثناء الحرب, نؤكد على أهمية تشكيل لجنة تحقيق من عدول اليمن, وعلى أن تعتمد المنهجية الإسلامية والقانونية, للوصول إلى الحقيقة. الأمر الآخر في صعدة أناس كثيرون يعرفون الكثير من الحقائق, إنما كيف ترفع حالة الخوف ليقول الكل الواقع, ويكونوا بمثابة الشهود. نحن، ليست لدينا مشاريع حربية وقتالية. نحن نأسف لما يحصل...

** لكن ما يجري على الأرض هو أنكم تُخضعون مناطق تحت سيطرتكم ونفوذكم؟ 
* المشكلة, المشكلة ليست من جانبنا, نحن ضحية بالدرجة الأولى.

** ما يحصل هو إخضاع مساحات لهيمنتكم؟ 
* لا, هو يحصل نتيجة الحرب, لكن ما حدث بعد الحرب، هو تسليم المناطق ورد الحقوق وإخلاء المديريات, وتسليم الخطوط والمنافذ الرئيسية إلى المملكة العربية السعودية, وما شابه.

** حينما تأتي الدولة بكل قيمتها السياسية والأخلاقية لتحاوركم، بوصفكم جماعة مسلحة، هل هذا مدعاة لأن تكونوا أكثر ليونة وانصياعاً لجهود السلام؟ 
* نحن لم نكن جماعة مسلحة. ومسألة السلاح ليست قضية أساسية، فهو ليس وسيلة أساسية لدينا، هو لضرورة الدفاع فقط, ونؤكد دائماً أننا مستعدون للتحاور والتفاهم، وعلى الأسس المقبولة لدى الكل.

** كل مواطن يُحجر عليه التعبير الثقافي يحمل السلاح...؟ 
* المسألة عندما يُعتدى على الإنسان، عندما يهاجم، يضطر للدفاع.

** قبل فكرة "الحوثية" كانت النبرة المذهبية معدومة, أو لنقل خافتة, فلماذا بعثتموها مجدداً بهذا الزخم؟ 
* أول من بدأ استخدام هذا الخطاب, هو الإعلام المحسوب على السلطة. الصحف المحسوبة على السلطة، هي بدأت الحديث بهذه النبرة. ثم في الواقع نفسه حصلت بعض التصرفات، فمثلاً في محافظة صعدة_ شيء معروف ومؤكد لا يمكن إنكاره من عاقل أو فاهم_ تم إغلاق المدارس التي كانت تدرس الفكر الزيدي بشكل عام, حتى غير المحسوبة علينا, توزيع المنشورات التكفيرية في المحافظات. نحن لسنا مع إثارة النعرات المذهبية، لكن هناك جهات تتحرك في الميدان تحت عمائم مذهبية.

** أنتم تستخدمون التكفير أيضاً...؟ 
نحن ضحية مثل هذه الأمور، ولا نعتمد الخطاب التكفيري. هناك جهات تستخدم الخطاب الديني ضدنا, وهذا معروف حتى أثناء الحرب, أنت تعرف وغيرك أنه تم تغيير الخطاب الديني والفتاوى ضدنا.

** أنتم أيضاً تستخدمون الفتوى لشحذ حماسة المقاتلين؟ 
*ليست مسألة فتاوى, في الواقع عندما يُعتدى على الناس، هم أنفسهم تلقائياً يعرفون أن لهم حقاً مشروعاً في الدفاع عن النفس, أي ليس على أساس تكفير، ولكن على أساس مواجهة عدوان. أنت تعرف اجتماع جمعية علماء اليمن, وتعرف الفتاوى التي صدرت ضدنا.

** لو دولة معينة، ليس اليمن فحسب، أرادت إلقاء القبض على رمز سياسي أو ديني, بتهمة قد لا تكون صحيحة، هل هذا يجوّز له الممانعة والمواجهة بالسلاح, أم عليه أن يذعن, ولو كانت الدولة تعتقد خطأً أنه مذنب؟ 
* قلنا منذ البداية، نحن كنا نؤكد أننا مستعدون للإنصاف من أنفسنا. لكن عندما كانت هناك تعاملات حتى غير قانونية, وهي استهداف عسكري بالدرجة الأولى, كانت تتم الأمور على هذا النحـو.

ونحن نأمل إن شاء الله أن تصير الأمور إلى خير، نحن لا نريد تسخين بعض الأمور, نحن في مرحلة حوار، وأملنا كبير. ونؤكد تمسكنا بالاتفاق, وأن يتم تنفيذ ما لنا وما علينا, وأن تحل بعض الأمور بالتفاهم بشأنها. وأملنا كبير بأن يتحقق السلام.

** يعني أن الوساطة القطرية ستستمر، ولم تفشل بعد؟ 
* لا. لا ( لم تفشل). وإن شاء الله يتم الاتفاق إلى خير.

** إذا تم الاتفاق هل ستغادر إلى الدوحة؟ 
* الآن المسألة المطروحة هي القضايا الأساسية.

** لكن هل ستغادر, هذا هو سؤالنا؟ 
*قدمنا للجنة بشأن هذا الموضوع, باعتبارها المعنية.

** هل حسمت هذه المسألة؟ 
* نحن مهتمون ببعض الأمور الأولية.

** لكن هل في اعتقادك أنك ستغادر إلى الدوحة, نريد أن نعرف؟ 
*كما أكدت تم إيضاح المسألة للجنة.

** لماذا لا توضح لنا نحن أيضاً؟ 
*(يصمت).. شكراً ، شكراً.

** نسمع أن الرزامي يختلف معك في بعض وجهات النظر، حيال الاتفاق، وأن اللجنة تتوسط بك عنده؟ 
* الأخ الرزامي يتذمر من بعض الأمور غير الإيجابية في الواقع. هي مسألة تذمر من أمور تحدث على الأرض, مثل زيادة الحشود العسكرية, وتواجد الجيش في القرى والمدارس والوحدات الصحية، والاعتقالات، الكثير من الأخوة يتذمرون.

** ما يزال هذا التذمر قائماً حتى اللحظة؟ 
* التغيرات الإيجابية على الأرض سيكون لها التأثير الكبير من الاطمئنان لدى الجميع.

** ماذا تود أن تضيف؟ 
*نحن نؤكد على أهمية القيادة السياسية في الدفع بالأمور نحو الاتجاه الصحيح. عندما تتوفر الإرادة, كل الأمور قابلة للحل, وكل المشاكل يمكن حلها.

** وسنسمع قريباً اتصالات مباشرة بينك وبين الرئيس؟ 
* هذه مسألة لا يوجد فيها ممانعة من جانبنا
................

الأكثر مشاهدة