الأربعاء، 1 ديسمبر 2010

ما ينبغي لليمن أن تستفيده من نجاح خليجي 20

السياسة قبل وبعد البطولة كانت حاضرة بقوة ومعها التاريخ سواء داخل الغرف المغلقة أو على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة 

اليمن: 
ترك خليجي 20 بصمته على أمور كثيرة. لقد كان أكثر من مجرد حدث رياضي اعتيادي.

على سبيل المثال، فالمشهد السياسي اليمني أصبح يختلف بعد خليجي 20 عنه قبل خليجي 20. ثم إن نظرة خاطفة فقط على عناوين الصحف قد تساعدنا في معرفة كيف أن اليمن أخذ يسجل حضورا مختلفا في الإعلام الخارجي وفي أذهان العالم بعد هذا الحدث الكبير. ناهيك عن أن المزاج العام في الداخل يبدو الآن اقل حدة واعتلالا عما كان عليه قبل 22 نوفمبر الفائت.

ولا بد أن تقييمات مراكز البحوث العالمية لليمن كدولة، ستغدو أقل تشاؤما وقتامة من الآن فصاعدا.

هذا ليس استنتاجا ساذجا أو سابقا لأوانه، بقدر ما هو امتثال طبيعي لمنطق الأشياء بالنسبة لبلد بلغ به القنوط مبلغا عظيما. بلد كان قد بدأ يواظب على الحضور في وسائل الإعلام جنبا إلى جنب مع أفغانستان والعراق والصومال. وكان الأكثر تفاؤلا من المحللين والمهتمين بالشأن اليمني يبذلون جهدا مضنيا في سبيل الحصول على أسباب معقولة من شأنها إبقاء اليمن في خانات أقل سوداوية.

حتى إن السفير الأمريكي السابق لم يجد ما يجادل به، في مقال كتبه قبل شهر تقريبا، لإثبات أن اليمن لم تصبح دولة فاشلة بعد، سوى مؤشرات بسيطة من قبيل أن الأطفال لا يزالون يذهبون إلى المدارس كل صباح، وسيارات الأجرة تجوب الشوارع والمحلات مشرعة أبوابها.

يجدر بنا أن نتذكر الأشهر التي سبقت البطولة، عندما راهن الكثير من المراقبين، وبدأب منقطع النظير، على عدم أهلية اليمن لاستضافة حدث رياضي يضم ممالك النفط والعراق. وكانت الحوادث الأمنية اليومية تدعم ما يذهبون إليه، إلى اللحظات الأخيرة قبل انطلاق البطولة.

كانت الخيارات المطروحة تتراوح بين التأجيل والنقل والإلغاء. ولم تكن تتوقف الشائعات إلا لتبدأ من جديد. ومع كل حادثة تفجير أو أعمال عنف يخرج المراهنون ليذكروا الناس بعدم أهلية اليمن لاستضافة خليجي 20. وأثيرت سجالات وخلافات لا حصر لها بين ممثلي الدول المشاركة في البطولة. وتأرجحت مواقفهم بين تأييد اليمن في استضافة الفعالية وبين المعارضة، ولكل طرف أسبابه.

والسياسة، على أية حال، لم تكن بمنأى عن كل ما يجري، سواء داخل الغرف المغلقة أو على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة. كانت حاضرة بقوة ومعها التاريخ.

كان موعد البطولة يقترب فيزداد خفقان قلوب المسؤلين في الحكومة اليمنية. وكانت الثقة التي يظهرونها لوسائل الإعلام تخفي مزيجا من الخوف والشك. كانوا مثل تلاميذ شعروا أنهم قاموا بما عليهم لكن المعلم لم يقل كلمته بعد. اللجان الخليجية تروح وتجيء، فحص وتدقيق وأسئلة. تسجل العلامات وتمضي.

كانت العلامات جيدة فيما يخص المنشئات الرياضية والفنادق، لكن بقي أمر واحد يصعب التنبؤ به سلفا أو قياسه: الجانب الأمني. دفعت السلطات اليمنية بحوالي 30 ألف جندي لتأمين البطولة، وطمأنت الأشقاء أنها تتخذ تدابير أمنية استثنائية. ورغم ذلك بقي الأمل يراود المراهنون على الفشل، وبقي شيء من الخوف يعتمل في نفوس الخليجيين.

في الداخل، كانت المعارضة أكثر ميلا للتشاؤم والتشكيك. وراحت الصحف الحزبية تطارد الهفوات والأخطاء، وتتتبع بلا كلل الحوادث والمواقف بخليط من الشماتة والتشهير وأحيانا اللامبالاة. كانت تريد أن تقول باختصار: اليمن ليست جاهزة لحدث كهذا. من ناحية لأن المؤشرات بالفعل كانت تؤكد وجهات نظرهم، ومن ناحية لأنها كانت تخشى ولا تزال، من أن يحسب أي نجاح للسلطة التي ربما ستقوم بتوظيفه سياسيا فيما بعد.

في الأسبوع الذي سبق تدشين البطولة، أصدر التجمع اليمني للإصلاح بيانا رحب فيه بضيوف اليمن، ودعا أنصاره للمساهمة في إنجاح الفعالية. قبل ذلك، كان فرع الإصلاح في عدن قد أصدر بيانا يحمل مضمونا مشابها. كان هذا الموقف مفاجئا للبعض، وطبيعيا لآخرين. لكن اللقاء المشترك، والإصلاح يقف على رأس هذا التحالف، لم يصدر أي موقف موحد لأسباب غير معروفة.

بعد هذا الموقف، تغير أداء وسائل إعلام الإصلاح أو المقربة منه جذريا. ومن شبه المؤكد أن الرئيس علي عبدالله صالح كان يشير إلى الإصلاح بالذات، في كلمته التي ألقها بمناسبة 30 نوفمبر، حينما قال: "كما احيي كثير من القوى السياسية في المعارضة التي تعاونت مع جميع أبناء شعبنا ومع أجهزته الأمنية وقدمت لوحة جميلة ولم تقاطع أو تحرض أو تخرب كما كان مطلوب منها، بل قدمت هي الأخرى لوحة جميلة إلى جانب أمن واستقرار الوطن وأظهرت عدن العاصمة الاقتصادية والتجارية بمظهر حضاري".

وإذ اتخذ حزب رابطة أبناء اليمن "رأي" موقفا مشابها لموقف الإصلاح، فقد لاذت بقية أحزاب المعارضة بالصمت. والصمت حيال حدث كهذا هو موقف سلبي جدا بكل المعايير.

ومع ذلك، فقواعد الأحزاب التي فضلت الصمت، وحتى القيادات، تفاعلت بصدق مع أحداث البطولة، وتحمست للمنتخب الوطني، وأصيبت بخيبة أمل حينما خسر. وفي قرارة نفسها كانت فخورة بالانجاز، وإن حالت السياسة دون ظهور هذه المشاعر إلى العلن، سياسة النخب، العميقون والحانقون، الذين وصل بهم الحنق حدا لا يستطيعون معه التمييزـ أو لا يريدون معه التمييزـ بين السلطة والدولة. لكن، والحق يقال، حتى السلطة كانت تتصرف بطريقة تساعد على استشراء نزعة اللا تمييز هذه.

على أن السؤال المطروح الآن هو: إلى أي مدى سيؤثر نجاح خليجي عشرين على سير الحوار الوطني؟ لا يزال اللقاء المشترك يخشى أن تأخذ الحزب الحاكم نشوة خليجي عشرين فيذهب إلى الانتخابات منفردا. والمعارضة تراقب عن كثب تصرفات المؤتمر مؤخرا.

وإذا كان التكهن بالطريقة التي يفكر بها المؤتمر حاليا يتسم بالصعوبة، فإن ما من شك أن بطولة خليجي عشرين قد عززت موقعه التفاوضي وصار خيار الذهاب للانتخابات أقل خطرا مما كان يبدو عليه. هذا إذا أردا المؤتمر التفكير بروح براجماتية بسيطة وآنية وضيقة الأفق، لأن خليجي عشرين لم ينهي التحديات والمشكلات شديدة التعقيد المحدقة باليمن، بل غير نسبيا ومؤقتا من إحساسنا بها وإحساس العالم، وخلق مناخا ملائما لولادة انفراج سياسي ومصالحة وطنية.

الأرجح أن اليمنيون يفضلون أن يساهم نجاح خليجي عشرين في وضع حد للاحتقانات والأزمات، وأن يكون دافعا جيدا للتوافق السياسي الذي من شأنه نقل اليمن إلى مستويات أفضل. لكن على المعارضة أن تكون أقل تصلبا وأكثر واقعية. إذ لا يمكن أن تحدث التحولات دفعة واحدة.

في الواقع، يكتسب نجاح البطولة رمزية خاصة من كون عدن هي التي احتضنتها، إضافة إلى أبين. والأخيرة كانت مسرحا لمواجهات شرسة بين قوات الأمن اليمنية وخلايا تنظيم القاعدة، وقبل ذلك شهدت اضطرابات كان للحراك الجنوبي دور في ازدهارها. ولقد قوبل قرار بناء ملعب في أبين بمواصفات أوربية لإقامة نصف مباريات خليجي عشرين، قوبل بالاستغراب والسخرية أحيانا. غير أن المباريات في أبين مضت بسلام مثلما هو الحال في عدن بالطبع. وبدا ملعب الوحدة في أبين أكثر ضخامة وجمالا، وشهد حضورا جماهيريا نادرا.

في المحصلة، أحرزت اليمن نجاحا مشهودا، وكانت عدن بحق مدينة البدايات الجديدة لليمنيين.

هذا مكسب وطني نفيس لا ينبغي التفريط فيه. يجب أن تستفيد منه اليمن في المدى البعيد على صعيد ترسيخ الوحدة الوطنية والاندماج الاجتماعي والتوافق السياسي. رفرفت الأعلام الوطنية وتردد اسم اليمن على الألسن وانتعشت آمال الشعب اليمني بعد سنوات من اليأس والفزع والضياع.

ليست هناك تعليقات:

الأكثر مشاهدة