محمد
العلائي:
تكمن
المعضلة في أن اليمن عاجزة عن أن تكون شأناً يمنياً ولو بالحد المعقول. اليمن تتشكل
في ضوء ما يحدث في المنطقة بأسرها، على مستوى الخطاب والفعل.
حتى
أن فاعلية القوى والجماعات اليمنية تتعاظم أو تتضاءل، وحظوظها تتحسن أو تسوء، تبعا
لفاعلية وحظوظ القوى الاقليمية المرتبطة بها، طبعا بالتفاعل مع العوامل والظروف المحلية.
مثلا،
لولا صعود وسقوط إخوان مصر، والتداعيات الدولية والإقليمية التى ترتبت على ذلك، لما
تخلخلت سطوة تحالف إسلاميي اليمن ووهنت قوته بهذه السرعة.
الأمر
نفسه ينطبق على جماعة الحوثي، التي يصعب التنبؤ بما ستؤول إليه دون الأخذ بالاعتبار
التغيرات والانتقالات المتسارعة في هيكل النظام الدولي وحركة موازين القوة الإقليمية،
إلى جانب مسارات الأحداث في بلدان تمر بظروف مشابهة، مثل سوريا والعراق.
محلياً،
يمكن القول إن جماعة الحوثي تسير على خطى التحالف الذي شاركت في إلحاق الهزيمة به
مؤخرا. تركيبة الحوثية غير مستقرة، ورسالتها الأصلية مذهبية، وحركتها ارتدادية
بإفراط؛ وهذا يعني بالحسابات المحلية المحضة أن جماعة الحوثي لا تفعل سوى تهيئة
نفسها لهزيمة مشابهة ولو بعد حين.
لكن
المعطى الخارجي قد يأخذ الأحداث بعيداً عن هذا النوع من الحسابات. العالم يعيش ما
يمكن تسميته بـ"لحظة إخصاب" تاريخية على كل
المستويات.
ولحظة الإخصاب التي أقصدها هنا هي التي تحظى فيها الحماقة
والخطأ بالتثبيت كحالة دائمة، بطريقة أو بأخرى، وفي صورة كيانات مرتجلة تمتد على نطاق
يزيد أو ينقص.
وهي
دورات التحول الكبرى التي يشهدها العالم والعلاقات الدولية وموازين القوة والنفوذ.
قد تأتي لحظة الإخصاب على شكل حدث مهول، مثل الحرب العالمية الأولى، الحدث الذي كان
بمثابة لحظة الإخصاب التي حظي بها الإمام يحيى؛ إذ كان القوة الجاهزة للزحف على جزء من الفراغ الذي خلفته الإمبراطورية التركية بعد أن كتبت تلك الحرب نهايتها.
وهي اللحظة نفسها التي منحت بن سعود دولة مترامية الأطراف تغطي أغلب مساحة شمال
الجزيرة العربية.
فهل تراهن جماعة الحوثي، مثلا، أو "داعش" في
العراق وسوريا، أو "أنصار الشريعة"، أو حتى مشروع فك الارتباط في جنوب
اليمن، على لحظة إخصاب تشبه ما حظيت به حركة الإمام يحيى، أوائل القرن الماضي، وبن
سعود؟
التاريخ مخادع جدا، يعطي الوهم بإمكانية التكرار؛ لكنه
في جوهر الأمر لا يتكرر إلا على نحو هزلي.
والتاريخ سجال، سجال لا ينقطع.
إذا لم تكن على دراية كافية بقانون الزمن، فإن الكثير من
الخيبات والهزائم والمفاجآت المزعجة تنتظرك عند كل دفقة من دفقاته التي أصبحت في هذا
العصر تسير بإيقاع سريع سرعة تفوق القدرة على الاستيعاب، وبما لا تستطيع معها أن تلتقط
أنفاسك.
التاريخ ليس حليفا للمغفلين، قد يعطيهم بعض الأمل لبعض الوقت،
التاريخ يشبه ملاكما ذكيا يستدرج خصمه ويتماوت ويمنحه فرصة تسديد ضربات قوية، لكنه
ينجح في إبقاء وضعه قيد السيطرة، وفي اللحظة المناسبة يستجمع قواه وينقض على المغفل
ويمطره باللكمات المميتة قبل أن يطرحه أرضا.
...
وعليه، فإن
مستقبل جماعة الحوثي مرهون بنضجها السياسي وليس بصقل مهاراتها القتالية. فهي الآن لا
تبدو جيدة أو مأمونة بالنسبة لبعض الناس إلا عند مقارنتها بمساوئ تحالف الإصلاح.
وسواء كان الاصلاح هو الذي وضع نفسه طوعاً في مواجهة الحوثي،
أو أن الأخير استدرج الإصلاح وحلفاءه للمواجهة؛ إلا أن هذا لن يغير من كون الحوثي قد
كسب من حربه مع الاصلاح معادلة صراع نموذجية، لكن استمرارها مرتبط فقط "باستمرار"
الإصلاح في المواجهة.
وبقاء تحالف الإصلاح في المواجهة يعني "بقاء" الالتباس
والتشويش، والحيلولة دون تجلي جماعة الحوثي لليمنيين كافة بشكلها الكامل ومضمونها،
وتركيز الأنظار عليها، وأن توضع ادعاءاتها موضع الاختبار والملاحظة والتمحيص، على غرار
الإصلاح الذي تجلى بشكل كامل وبدون التباس، خلال الأعوام الأخيرة، نتيجة إزاحة صالح،
مصدر الالتباس، من الحكم؛ فقد كان الإصلاح يتكشف للناس خلال الأعوام الأخيرة كلما انسحب
صالح من المشهد كحاكم وتخلى عن نفوذه في مؤسسات الدولة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق