الثلاثاء، 12 أغسطس 2014

المنطق المفبرك

محمد العلائي:
من يقول إن حزب الإصلاح و"القاعدة" و"داعش" شيء واحد، هو مثل من قالوا إن عفاش و"القاعدة" شيء واحد، ثم قالوا إن عفاش والمؤتمر والحوثي شيء واحد، أو من ينكر وجود "القاعدة" والإرهاب عالميا ويسنده إلى ألاعيب أمريكا.
ويمكن سرد وقائع وقرائن اشتباه وتلفيقات لا حصر لها لكل واحدة من هذه الدعاوى والافتراضات، أو إن شئتم سموها الاتهامات.
المنطق المفبرك سهل، ذلك الذي يبحث لجماعة الإخوان عن قرابة مع الماسونية مثلا، أو يفتش عن قرائن تقول إن آل سعود من أصول يهودية أو يقول إن إيران والصهوينية العالمية شيء واحد، وقصص عبد الله بن سبأ اليهودي... وغيرها.
وفي خضم هذه الفوضى التي تجتاح كل شيء، يمكن سرد حتى قرائن عن دور الإصلاح والمشترك في تقوية جماعة الحوثي وتوفير غطاء سياسي لها خلال الحروب الست، والسعي المتكرر للتحالف معها. مثلما يمكن سرد وقائع وقرائن وتحريفات وأوهام تشير إلى وجود تحالف سري بين صالح والحوثيين.
ومثلما سمعنا وقرأنا عن إصلاحيين تحولوا إلى "القاعدة"، فأنا أعرف آخرين تحولوا إلى جماعة الحوثي، بصرف النظر عن تفاوت العدد، بحيث يكون عدد المتحولين إلى "القاعدة" أكثر من المتحولين إلى جماعة الحوثي. وهناك أصلاحيوين بينهم قيادات كبيرة، مثل باصرة، يعملون مع فصائل الحراك التي تنادي بفك الارتباط؛ فهل الإصلاح والحراك شيء واحد؟ وإصلاحيوين غيروا ولاءهم في الفترة الأخيرة للرئيس السابق.
وهناك اشتراكيوين قاتلوا في صفوف الحوثي بعمران، وهناك مؤتمريون؛ لكن ليس بصفتهم اشتراكيين أو مؤتمريين؛ بل لدوافع أخرى، قبيلة وسياسية وما شابه. لكني لا أؤمن ولم أؤمن يوما بوجود تحالف فعلي بين صالح والحوثيين، ولم أصدق حكاية دعمه للحوثيين بالنقود والسلاح، أو أن صالح والحوثيين شيء واحد.
والإخوان والرئيس السابق كانوا حلفاء، واشتركوا في تفويج الجهاديين إلى أفغانستان. كما أن إصلاحيين وقعوا في الخطأ نفسه وانخرطوا في الحدث السوري بطريقة هوجاء، وكرروا أخطاء مماثلة لأخطاء الحدث الأفغاني.
كان الإصلاحيون ينشرون فرضية التحالف الحوثي العفاشي بكثافة، وبأسس واهية. وفي الحقيقة، فإن صالح لم يشترك مع الحوثيين في "ثورة" وينصب معهم مخيمات في صنعاء، ولم يبارك سقوط صعدة في 2011 ويقول إنها عادت إلى حضن الوطن. وصالح لم يوفد وفودا للتباحث مع الحوثي ولا إشراكهم في قائمة الحوار الوطني السابق قبل 2011.
والإصلاح ارتكب، خلال الأعوام الأخيرة، أخطاء كارثية لطالما كتبنا عنها، وهي التي نسفت الجزء الأكبر من رصيده في العمل السياسي السلمي. وكانت وسائله الإعلامية نموذجا للهمجية.
الإصلاحيون كانوا ينكرون وجود "القاعدة"، وهذا كان يخدم "القاعدة" بالتأكيد؛ لكن هذا خطأ يقع فيه الحوثيون حتى الآن ويرفضون الاعتراف بشيء اسمه "القاعدة"، ويحيلونه إلى المخابرات الأمريكية، والآن إلى الإصلاح.
لكن لا يوجد من مكسب لأي أحد في دفع الإصلاحيين إلى الداعشية والقاعدية مثلا، ولا يوجد مكسب من احتجاز جماعة الحوثي داخل مربع طائفي وداخل ادوات العنف.
من الجيد أن الإصلاح سارع إلى إعلان إدانة لمذبحة الجنود، وأعلن مع المشترك تأييده للحرب في أبين وشبوة؛ في حين لم يصدر -حسب علمي- موقف رسمي عن جماعة الحوثي يؤيد تلك الحرب. من الجيد أن الإصلاح يتمسك بكونه حزبا، وإن كان يواجه تهديد وجودي، وإن كان عالقا في تحالفات وارتباطات تحتاج إلى هيكلة، وإلا ستلتهمه وتقضي عليه.
الانحرافات تأتي من استثمار الدين في المعترك السياسي، كما أن الإصلاح يلتقي مع "القاعدة" في البنية النظرية الجهادية التي تحتاج لمراجعة وإصلاح جذري. والإصلاح وجماعة الإخوان فعلا يستحقون اللوم على هذا، مثلما تستحق ملازم حسين الحوثي اللوم للأسباب نفسها.

الأمور أكثر تعقيدا من التبسيطات المستخدمة للمناكفة السياسية وتسجيل النقاط والبحث عن النجومية المجانية. يجب أن نعترف أن الفوضى عمت جميع الكيانات والتشكيلات، ويجب أن نتحلى بالمسؤولية الكافية لمقارعة الخطأ، أيا كان مصدره. هناك سيولة وتحلل وقلق هوية وارتباك وتمزق أصاب الإصلاح مثلما أصاب غيره.

الجمعة، 8 أغسطس 2014

سؤال عمران ولعبة الحوثيين المعقدة

محمد العلائي:

يحرص الحوثيون على تمييز أنفسهم عن جماعة "أنصار الشريعة" مثلًا، ويباركون عمليات الجيش لاستعادة مناطق في جنوب اليمن سقطت بقوة السلاح.
يقول الحوثيون إن ما يميزهم هو أنهم يتحركون في نطاق فردوسهم المفقود (بين أهلهم وناسهم مذهبياً)، وأنهم لا يمارسون اغتيالات، وأن تفجيراتهم وحروبهم علنية، ولرد العدوان، والعالم لا يصنفهم جماعة إرهابية، وشاركوا في الحوار الوطني، وأعلنوا موقفا رافضا للجرعة ونظموا مسيرات في العاصمة.
عموماً، بالنسبة لي لا أساوي بين الحوثيين و"القاعدة". هناك فروقات، وهناك أوجه شبه بالتأكيد، كأي حركات ذات مرجعية دينية.
لكن إذا لم ينتقل الحوثيون خطوات إلى الأمام لتوسيع الفوارق مع الجماعات المسلحة المصنفة إرهابية، أو غير المصنفة؛ فإن المسألة مسألة وقت قبل أن يتقن تنظيم القاعدة، أو غيره، لعبة الحوثيين المعقدة، لإسقاط مناطق يمنية أخرى بأسلوب موارب يشبه أسلوب الحوثيين، حيث لا يعلنون أي عداء للدولة وهم يقوضونها، وينشطون بمضمون طائفي وينكرون طائفيتهم، ويسجلون حضورا مزدوجاً يجمع بين السياسي والعسكري، ويتحدثون بإيجابية عن قضايا مثل الدولة المدنية والانتخابات، في الوقت الذي يفرضون فيه واقعاً يتناقض مع ما يعلنون، ويتوقفون عن الاغتيالات والعمليات الوحشية ويستميلون المجتمعات المحلية.
يقول هوبز في اللفياثان: "وأما عن بلوغ السيادة عن طريق التمرد، فمن الجلي أن محاولة فعل ذلك منافية للعقل، لأنها حتى لو تلاها نجاح، إلا أنه نجاح لا يمكن توقعه عقلانياً، بل بالأحرى يمكن توقع نقيضه، ولأن المرء إذا ربح بهذه الطريقة، يعلم الآخرين أن يربحوا بشكل مماثل".
هل في هذا ما يقلق الحوثيين؟
لا أعتقد. هو سيناريو كابوسي فقط بالنسبة لأغلبية اليمنيين غير المرتبطين بهذه المجموعات الهدامة.
...
كان الحوثيون ومناصروهم يرددون في رمضان أن الذي سقط في عمران هي دولة بيت الأحمر وعلي محسن فقط، وليست دولة الرئيس هادي، وأن الأمور ستعود إلى وضعها الطبيعي، أي إلى شرعية الدولة التي يرمز لها الرئيس هادي.
الآن، ما هي الدولة التي قامت في عمران على أنقاض دولة محسن وبيت الأحمر، في حال لم تكن دولة الحوثي وقائد فتوحاته أبو علي الحاكم؟! هل المحافظ شملان يمارس عمله في مكتبه أم أبو علي الحاكم؟! وما هي شرعية تحركات الأخير إذا كانت حركة أولاد الأحمر توصف بأنها غير قانونية ومضادة لفكرة الدولة؟!
أسأل بجدية، متعمداً أخذ دعاوى وتفسيرات الحوثيين على محمل الجد، وحتى ولو كنت أرى واقعا مختلفا.
...
في اليوم التالي لزيارة هادي لمحافظة عمران طرحت هذه التساؤلات:
ما الذي حدث في عمران بالضبط؟
زيارة هادي للمحافظة (في 23 يوليو الماضي) جعلت المشهد يبدو براقاً ومريحاً؛ لكنه ناقص ويصعب تصديقه. إجمالاً هكذا بدت الأمور:
أولاً: الحوثي تطوع لإسقاط معاقل قوى النفوذ القبلي والعسكري التي كانت تثقل كاهل الدولة وتشكل عبئا وخطرا على سلطة الرئيس هادي، وربما أمنه الشخصي. أي أن الحوثي فعل ما كان هادي عاجزا عن فعله.
ثانياً: الحوثي أنجز المهمة على أكمل وجه. وبتواضع جم، ونكران ذات، دعا الرئيس هادي ودولته لاستلام مفاتيح عمران بعد تخليصها من مراكز التحكم التاريخية وتجريد هذه المراكز من سلاحها ومهابتها.
وهذا يعني أن الحوثي لا يريد أن يقبض أي ثمن لقاء ما فعل، لا يريد أن يملأ الفراغ الذي تركته قوى الهيمنة المهزومة، ولن يفرض نمط صعدة على عمران، فاستدعى مؤسسات الدولة لتملأ الفراغ عن طيب خاطر.
تخطر ببالي أسئلة كثيرة، منها: هل الأمور فعلاً على هذا القدر من البساطة التي تُظهر أن الدولة خرجت ظافرة على الرغم من كل شيء؟! أم أن هناك تفاهمات خفية نزل بموجبها الرئيس لاستلام المحافظة أمام الكاميرات لإعطاء الانطباع بأن الحوثي أسدى للدولة معروفاً وأعاد الأمور إلى نصابها؟!
هل سيكتفي الحوثي مثلاً برأس القشيبي والاحتفاظ بالأسلحة الثقيلة والآليات التي نهبها مقاتلوه من اللواء 310؟! هل سيكتفي بالنشاط السلمي "الثقافي" ولن يغلق تلك المناطق في وجه التيارات والجماعات الأخرى؟!

هل رفع الحوثي نقاطه ودورياته ومتاريسه من عمران؟!

الأربعاء، 6 أغسطس 2014

كيف يحظى الخطأ بالتثبيت كحالة دائمة؟

 محمد العلائي:
تكمن المعضلة في أن اليمن عاجزة عن أن تكون شأناً يمنياً ولو بالحد المعقول. اليمن تتشكل في ضوء ما يحدث في المنطقة بأسرها، على مستوى الخطاب والفعل.
حتى أن فاعلية القوى والجماعات اليمنية تتعاظم أو تتضاءل، وحظوظها تتحسن أو تسوء، تبعا لفاعلية وحظوظ القوى الاقليمية المرتبطة بها، طبعا بالتفاعل مع العوامل والظروف المحلية.
مثلا، لولا صعود وسقوط إخوان مصر، والتداعيات الدولية والإقليمية التى ترتبت على ذلك، لما تخلخلت سطوة تحالف إسلاميي اليمن ووهنت قوته بهذه السرعة.
الأمر نفسه ينطبق على جماعة الحوثي، التي يصعب التنبؤ بما ستؤول إليه دون الأخذ بالاعتبار التغيرات والانتقالات المتسارعة في هيكل النظام الدولي وحركة موازين القوة الإقليمية، إلى جانب مسارات الأحداث في بلدان تمر بظروف مشابهة، مثل سوريا والعراق.
محلياً، يمكن القول إن جماعة الحوثي تسير على خطى التحالف الذي شاركت في إلحاق الهزيمة به مؤخرا. تركيبة الحوثية غير مستقرة، ورسالتها الأصلية مذهبية، وحركتها ارتدادية بإفراط؛ وهذا يعني بالحسابات المحلية المحضة أن جماعة الحوثي لا تفعل سوى تهيئة نفسها لهزيمة مشابهة ولو بعد حين.
لكن المعطى الخارجي قد يأخذ الأحداث بعيداً عن هذا النوع من الحسابات. العالم يعيش ما يمكن تسميته بـ"لحظة إخصاب" تاريخية على كل المستويات.
ولحظة الإخصاب التي أقصدها هنا هي التي تحظى فيها الحماقة والخطأ بالتثبيت كحالة دائمة، بطريقة أو بأخرى، وفي صورة كيانات مرتجلة تمتد على نطاق يزيد أو ينقص.
وهي دورات التحول الكبرى التي يشهدها العالم والعلاقات الدولية وموازين القوة والنفوذ. قد تأتي لحظة الإخصاب على شكل حدث مهول، مثل الحرب العالمية الأولى، الحدث الذي كان بمثابة لحظة الإخصاب التي حظي بها الإمام يحيى؛ إذ كان القوة الجاهزة للزحف على جزء من الفراغ الذي خلفته الإمبراطورية التركية بعد أن كتبت تلك الحرب نهايتها. وهي اللحظة نفسها التي منحت بن سعود دولة مترامية الأطراف تغطي أغلب مساحة شمال الجزيرة العربية.
فهل تراهن جماعة الحوثي، مثلا، أو "داعش" في العراق وسوريا، أو "أنصار الشريعة"، أو حتى مشروع فك الارتباط في جنوب اليمن، على لحظة إخصاب تشبه ما حظيت به حركة الإمام يحيى، أوائل القرن الماضي، وبن سعود؟
التاريخ مخادع جدا، يعطي الوهم بإمكانية التكرار؛ لكنه في جوهر الأمر لا يتكرر إلا على نحو هزلي.
والتاريخ سجال، سجال لا ينقطع.
إذا لم تكن على دراية كافية بقانون الزمن، فإن الكثير من الخيبات والهزائم والمفاجآت المزعجة تنتظرك عند كل دفقة من دفقاته التي أصبحت في هذا العصر تسير بإيقاع سريع سرعة تفوق القدرة على الاستيعاب، وبما لا تستطيع معها أن تلتقط أنفاسك.
التاريخ ليس حليفا للمغفلين، قد يعطيهم بعض الأمل لبعض الوقت، التاريخ يشبه ملاكما ذكيا يستدرج خصمه ويتماوت ويمنحه فرصة تسديد ضربات قوية، لكنه ينجح في إبقاء وضعه قيد السيطرة، وفي اللحظة المناسبة يستجمع قواه وينقض على المغفل ويمطره باللكمات المميتة قبل أن يطرحه أرضا.
...
 وعليه، فإن مستقبل جماعة الحوثي مرهون بنضجها السياسي وليس بصقل مهاراتها القتالية. فهي الآن لا تبدو جيدة أو مأمونة بالنسبة لبعض الناس إلا عند مقارنتها بمساوئ تحالف الإصلاح.
وسواء كان الاصلاح هو الذي وضع نفسه طوعاً في مواجهة الحوثي، أو أن الأخير استدرج الإصلاح وحلفاءه للمواجهة؛ إلا أن هذا لن يغير من كون الحوثي قد كسب من حربه مع الاصلاح معادلة صراع نموذجية، لكن استمرارها مرتبط فقط "باستمرار" الإصلاح في المواجهة.
وبقاء تحالف الإصلاح في المواجهة يعني "بقاء" الالتباس والتشويش، والحيلولة دون تجلي جماعة الحوثي لليمنيين كافة بشكلها الكامل ومضمونها، وتركيز الأنظار عليها، وأن توضع ادعاءاتها موضع الاختبار والملاحظة والتمحيص، على غرار الإصلاح الذي تجلى بشكل كامل وبدون التباس، خلال الأعوام الأخيرة، نتيجة إزاحة صالح، مصدر الالتباس، من الحكم؛ فقد كان الإصلاح يتكشف للناس خلال الأعوام الأخيرة كلما انسحب صالح من المشهد كحاكم وتخلى عن نفوذه في مؤسسات الدولة.


الأكثر مشاهدة