الأحد، 29 يونيو 2014

الإصلاح والحوثيون ووزير الدفاع

محمد العلائي

ثمة صوت داخل تحالف "الإصلاح" يتهم وزير الدفاع هذه الأيام بـ "الخيانة"، في الوقت الذي لا يزال فيه خطاب الإصلاح وإعلامه يصف حروب صعدة السابقة بـ "العبثية"، ناهيك عن أن الإصلاح ساهم في الدفع باتجاه اعتذار حكومة الوفاق العام الماضي عن تلك الحروب، ووافق على النقاط العشرين التي تنص النقطة الـ15 منها على: "توجيه اعتذار رسمي لأبناء صعدة وحرف سفيان والمناطق المتضررة الأخرى من قبل الأطراف المشاركة في تلك الحروب، واعتبار تلك الحروب خطأ تاريخيا لا يجوز تكراره".
بهذا المعيار، إذا كان وزير الدفاع خائناً فأنتم عباقرة الخيانة ومؤسسوها!
...
عسكريا، يمكن القول بأن مسلحي الإصلاح المسنودين من لواء القشيبي في مدينة عمران حققوا حتى الآن صمودا فاق التوقعات بالقياس إلى السرعة التي سقطت بها معاقل آل الأحمر وغيرها من المناطق؛ لكنه صمود في ظل انكشاف سياسي ورسمي بدأت حلقاته في وقت مبكر جدا، وكان الأداء السياسي للإصلاح سيد هذا الانكشاف وصانع مادته الأولية، وبالتالي في ظني لن يكون لهذا الصمود معنى كبير على مستوى المحصلة النهائية للصراع، التي قد تذهب لحساب الحوثي وأطراف أخرى ليس من بينها الإصلاح على ما يبدو.
لقد أصبح الإصلاح يخوض حرباً للبقاء، أكثر مما هي حرب للنفوذ.
...
صحيح أن الإصلاح أخطأ بعمق وبلا هوادة، ويواصل الوقوع في الخطأ، وهو يجني على نفسه أولا وعلى البلاد ثانيا؛ لكن لا تعني إدانة الإصلاح بالضرورة أن الحوثي يفعل الصواب، وأنه هو الآخر لا يجني على نفسه مستقبلا وعلى البلاد، ولا تعني خسارات الإصلاح أن مكاسب الحوثي المترتبة عليها راسخة بالقدر الذي تبدو عليه.
وصحيح أن الحوثي يستفيد حاليا من وقوع الإصلاح في طريقه، ويستفيد من اللبس الناجم عن تشكل هذه المعادلة الصراعية المعقدة، ويستفيد من سهولة تعريف أي شخص أو مركز اجتماعي يعترض طريقه بأنه إصلاحي، بصرف النظر عن دقة وصدقية هذا التعريف؛ غير أن هذه المعادلة لن تدوم إلى ما لا نهاية.
أريد القول إن التركيز بكثافة على إدانة الإصلاح الآن لا يعني مباركة للحوثي وقبولا بأنشطته المسلحة ومحتوى رسالته.
...
الانقلاب علكة بنكهة النعناع الثورية. قبل أن يلقي هادي خطابه الرمضاني، كنت أحرر خبرا عن تصريحات باسندوة المخزية لقناة "دبي"، التي قال فيها إن الرئيس السابق كان يخطط لاعتقال الرئيس هادي واعتقال رئيس الحكومة في 11 يونيو الجاري.
كتبت في سياق الخبر هذا التعقيب: "ومن المتوقع أن يثير هذا التصريح استياء هادي"، وفكرت أن أضيف: وربما يتصل لتوبيخ باسندوة.
غير أن مضمون خطاب رئيس الجمهورية بجلالة قدره جاء ليصادق على هراء باسندوة بشأن الانقلاب المزعوم. فاكتملت العلكة وطاب مذاقها.
...
الانقلابات العسكرية تحدث في الدول المتعافية التي لم يغدُ وجودها ذاته محل شك.
في الدول المنهارة تأتي انقلابات من نوع آخر على شكل طالبان أفغانستان أو المحاكم الإسلامية في الصومال أو داعش وجبهة النصرة في سوريا والعراق أو حركة العدل والمساواة في السودان أو جماعة الحوثي وأنصار الشريعة في اليمن، على سبيل المثال لا الحصر.

لهذا يستحسن أن نخجل كثيرا ونحن نردد كلمة "انقلاب" بالمعنى الشائع، فالأوعية المحطمة لا تصلح لشيء كهذا.

الثلاثاء، 24 يونيو 2014

لمن أخلت السعودية مكانها في اليمن؟

محمد العلائي

تبدو السعودية، في الأعوام الأخيرة، وكأنها زاهدة في اليمن كساحة للمواجهة المحتدمة مع إيران التي تتحرك من دون إعاقة.
من السهل ملاحظة أن تركيز الرياض منصرف إلى تدعيم وحماية نفوذها في ساحات أخرى متأججة. لقد بدأت تتخلى عن أبرز وكلائها في اليمن بعد 2011، ثم تركتهم مكشوفين تحت ضربات الحوثي، الذي يمكن القول بأنه رجل إيران الأول هنا.
هل هو عزوف من قبل المملكة محسوب ومقدر؟ الحوثي يتمدد في حيز النفوذ التاريخي الذي كانت السعودية تشغله بمفردها تقريبا عبر وكلاء محليين سيئي السمعة، وكان لهم اليد الطولى في إهدار فرص تقوية مركز الدولة اليمنية على مدى عقود.
في تفسيرها للمكاسب الكبيرة التي يحققها الحوثيون، ذكرت مجموعة الأزمات الدولية في أحدث تقاريرها حول شمال اليمن، الموقف السعودي المتغير باعتباره أحد العوامل التي صبت في مصلحة الحوثي. وبحسب نص التقرير، فقد "حافظت السعودية على مسافة من جميع الأطراف في الجولات الأخيرة من القتال؛ إلا أن نتائج هذا الحياد لم تكن حيادية. حرمان حلفائها السابقين من الدعم أعطى ميزة للحوثيين".
ويضيف التقرير: "بعد الإطاحة بالرئيس المصري الإخواني محمد مرسي، أصبح الإصلاح وآل الأحمر أكثر وعيا بهشاشتهم على الصعيدين المحلي والإقليمي".
تشير الدلائل إلى أن المواجهة مع إيران في اليمن لم تعد أولوية سعودية. بالطبع لا يزال للمملكة أصدقاء في اليمن؛ لكنهم موزعون على كتل متناقضة.
في الأشهر الأولى لرئاسة هادي، كان الأخير يواظب على إطلاق التصريحات العدائية ضد طهران. بدا وكأنه يخطب ود المملكة ويكسب ثقتها؛ لكن الرياض لم تقابله بالتشجيع والحماسة، وما لبثت تلك النغمة لدى الرئيس اليمني الجديد أن تلاشت في ظروف غامضة.
ورغم أن الرياض أعلنت الحوثيين، إضافة إلى جماعة الإخوان والقاعدة، جماعات إرهابية؛ فقد كان الاعتقاد السائد أن جماعة الإخوان هي المعنية بتلك الخطوة السعودية. أما ما يخص الحوثيين فقد كان لا يتجاوز الإدانة اللفظية.
يقال إن السعودية مغتاظة من تكثيف واشنطن اتصالاتها مع صنعاء بشكل مباشر، دون المرور عليها كما جرت العادة. هناك تحليلات تفترض أن هادي بات أكثر اعتمادا على التقديرات الأمريكية بشأن عدد من الملفات، ومنها ملف النزاع في شمال اليمن. وسياسة واشنطن حيال جماعة الحوثي ليست على توافق كامل مع سياسة الرياض. (في 2010 كشفت "واشنطن بوست" أن الحكومة الأمريكية رفضت تقديم الدعم للسعودية في حربها مع الحوثيين، وأن فرنسا هي التي وافقت على تزويد المملكة بتقنيات اتصال ذكية).
وتحدثت معلومات العام الماضي عن رضا أمريكي إزاء نتائج الحرب التي شنها الحوثي على مراكز للسلفيين في صعدة، لاسيما مركز كتاف.
الرئيس السابق حافظ على علاقة جيدة مع السعوديين، ووثق علاقاته مع القيادة الإماراتية. وقد يكون أكثر المؤهلين للعب دور حليف الرياض على أرضية العداء للإخوان وحلفائهم حاليا، ولاحقا ربما على أرضية العداء للحوثي، حليف إيران.
هل تلقت السعودية تطمينات من طرف الحوثي لكي تظهر على هذا القدر من اللا اكتراث؟ لا أحد يدري. ما يبدو واضحا وأكيدا هو أن السعودية أصبحت تقف موقف المشدوه الحائر إزاء الوضع الانشطاري في اليمن برمته، مكتفية بالعمل من خلال منظمة مجلس التعاون الخليجي؛ مع أنها ضخت فعليا عدداً من مليارات الدولارات للخزينة العامة، ويقال إنها ساهمت في تمويل الحرب على القاعدة في أبين وشبوة قبل شهرين.
من الصعب معرفة ما إن كان ثمة تقديرات وحسابات لا نعلمها تختفي وراء السياسة السعودية الأخيرة، أو أنها تعكس فقط العجز المحض وقلة الحيلة!


الاثنين، 23 يونيو 2014

عن أحداث الجراف وجنوبية هادي وعقائدية هبرة

محمد العلائي

قبل ثلاثة أيام، اندلعت اشتباكات في حي الجراف بالعاصمة صنعاء بين مسلحي الحوثي، المنتشرين في محيط مقر المكتب السياسي لـ"أنصار الله"، ودوريات الأمن. وقد جاءت المواقف وردود الفعل على النحو التالي:
-هادي سارع إلى إرسال مبعوثين جنوبيين إلى المكتب السياسي للحوثيين، للاعتذار واحتواء الموقف وإنجاز اتفاق تبادل أسرى.
-اللجنة الأمنية الخاصة بأمانة العاصمة حملت الحوثيين المسؤولية عن أحداث الجراف، وقالت إن مسلحين حوثيين بدؤوا بإطلاق النار على دوريات الأمن.
-بيان المكتب السياسي لأنصار الله اتهم "وحدات وزارة الداخلية الإقطاعية الإصلاحية مسنودة بعدد من التكفيريين وعناصر ما يسمى القاعدة الفارة من كتاف وأبين، بمداهمة مقر المجلس السياسي لأنصار الله في حي الجراف بصنعاء".
-صالح هبرة، رئيس المجلس السياسي لأنصار الله، كتب في صفحته الشخصية منشور يتضمن اتهاما صريحا للرئيس هادي ووزير الدفاع بمحاولة اقتحام مقر المجلس السياسي، واتهمهما بالسعي إلى نقل المعارك إلى صنعاء وتدمير الجيش، والعمل على "تطهير الجنوب من التكفيريين ونقلهم للشمال"، واتهمهما بنقل أسلحة إلى الجنوب بالتنسيق مع الأمريكيين الذين قال إنهم يسعون "لفصل الجنوب واحتلاله".
-حزب المؤتمر أصدر بيانا دان فيه ما وصفه "استهداف" مقر أنصار الله في العاصمة.
-لم يصدر أي تعليق من الإصلاح وحلفائه ولا من المشترك ولا من باقي الأطراف.
...
من جملة هذه المواقف يمكن ملاحظة التعارض بين مضمون منشور صالح هبرة ومحتوى بيان المكتب السياسي للحوثيين، الذي يوحي أن القيادات الشابة البراجماتية في جماعة الحوثي هي من تولت كتابته ضمن سعيها لإضفاء مسحة سياسية واقعية على خطاب الجماعة ومحاولة الانخراط في ألاعيب السياسة والتخفف من الميراث العقائدي للمؤسس حسين الحوثي.
في منشور هبرة شيء من روح الحوثية الأصلية، التي تحاول أن تبقى على شيء من الاتساق مع عقائدها العابرة للحدود والمبنية على العداء لأمريكا، وافتراض وجود الأصابع الأمريكية في كل الأحداث المحلية.
الطريقة التي تصرف بها هادي، بغض النظر عن صوابها أو خطأها، إلا أنها تبدو أكثر تناغما مع بيان المكتب السياسي لأنصار الله وروايته للأحداث، وبعيدة كل البعد عن بيان اللجنة الأمنية.
السؤال هو: من الطرف الذي يرى أن فوائده مضمونة من نقل القتال إلى العاصمة؟
...
على سبيل التحليل، أفكر أن جنوبية هادي تفعل فعلها في حراسته ضد النقد والملامة ومراقبة سياسته، وربما أن جنوبيته تمنحه قوة إضافية في مواجهة مراكز قوى الشمال، وبالذات المتضررين من طريقة حكمه (حتى الحوثيون عمدوا إلى تحييد هادي نوعا ما في منابرهم الإعلامية رغم تدخل الطيران لضرب مواقع لهم في عمران، ناهيك عن أن غالبية مشاعر السخط والنقمة يتم تصريفها باتجاه الإصلاح وعلي محسن وبيت الاحمر والحوثي وعلي عبد الله صالح، إضافة الى جمال بن عمر).
إذ ما يلبث التصعيد الإعلامي والسياسي ضد هادي أن يستثير شمالاً وجنوبا حساسيات وتضامنات متعددة، وهويات وعصبيات ومظالم تاريخية، لعل أبرزها الحساسية الجنوبية التي ساهم الحراك في إحيائها.
الغريب أن جنوبية باسندوة تبدو خاملة، غير نشطة؛ أي أنها لا تفعل الشيء نفسه. لماذا؟ لا أملك تفسيرا جاهزا.
...
لدي سؤال آخر: هل صعد عبدربه منصور هادي للرئاسة لأن ازمة 2011 حدثت وهو في منصبه السابق، كنائب لرئيس الجمهورية ونائب لرئيس حزب المؤتمر، فوقع الاختيار عليه ضمن آلية انتقال دستورية مدعومة باتفاق سياسي؟ أم أنه صعد لاعتبارات أخرى أكثر أهمية، على رأسها انتماؤه إلى محافظة جنوبية؟
...
هناك من كان يقاوم المنطق الذي كان يرهن بقاء الوحدة اليمنية ببقاء صالح في الحكم. وفي الأعوام الأخيرة، استسلم هؤلاء لمنطق مشابه يرهن بقاء الوحدة ببقاء هادي في الرئاسة.



الاثنين، 16 يونيو 2014

هادي يريد مؤتمراً بمحتوى ليس فيه

محمد العلائي
يقال إن الصراع بين هادي والرئيس السابق هو على "المؤتمر"، أكثر مما هو على جامع "الصالح".
لا أدري.
لكن "المؤتمر" ليس محفظة ينتظر هادي من يخطفها له من جيب صالح ويدسها في جيبه.
المؤتمر رابطة واسعة من البشر والمصالح والحسابات والمشاعر والانفعالات، وصالح ليس رئيس الحزب فقط؛ بل هو يتمتع بصفة المؤسس. وخلال أحداث الأعوام الأخيرة، ارتبط تعريف المؤتمري لنفسه بالتعاطف والمناصرة للرئيس السابق.
بالطبع، كان يمكن للرئيس هادي تحقيق هذه الغاية بطرق أخرى كثيرة، ليس من بينها محاصرة جامع الصالح أو اقتحام القناة.
...

ليست المشكلة في سعي الرئيس هادي لكي يحل محل صالح في رئاسة حزب المؤتمر؛ المشكلة هي أن الرجل لا يكتفي فقط بالرغبة في الحصول على مؤتمر لا يرأسه صالح؛ بل يريد مؤتمرا على عداء كامل مع صالح.
هادي يريد مؤتمرا بمحتوى لا يمكن أن يتوفر في المؤتمر. يريد مؤتمرا يتبنى فيما يخص صالح وعائلته أجندات ومشاعر وانفعالات "الثوار".
يريد مؤتمريين يعتنقون فجأة خصومة هادي لصالح، ويوافقون على شيطنته وعزله. وهذا بلا شك يتناقض مع أحد أهم العناصر التي تجعل من المؤتمري مؤتمريا حاليا؛ وهو الإعجاب بصالح والدفاع عن تاريخه، والانحياز له في مقابل المنشقين عن نظامه في 2011.
لا ينبغي أن يدور الحديث الآن عن الموافقة على هذا التوجه أو رفضه؛ بل عما إذا كان معقولا وممكنا.
لكي يصبح التوجه معقولا، كان لا بد أن يقف هادي من هذا الموضوع في منطقة وسط، لا مع غلاة شيعة صالح في المؤتمر ولا مع غلاة خصومته.
...

بصرف النظر عن الاختلاف حول الكيفية التي حكم بها؛ لكن قناعتي لم تتغير أن بقاء "صالح" وحزب المؤتمر مؤثرا وفاعلا يمثل ضمانة للحيلولة دون اختلال التوازن السياسي والاجتماعي، وخصوصا في مناطق شمال الشمال، وهو التوازن الضروري بالنسبة للبلد، وحتى بالنسبة لهؤلاء المغفلين العميان الذين يتأكد لهم كل يوم أن هناك قوى أخرى تكسب من الجهد الحثيث لإضعاف صالح.
كنت أفضل أن يتوقف التثوير ضده فور مغادرته السلطة وإنهاء نفوذه في الجيش والأمن، والسماح لخارطة تحالفات سياسية جديدة بأن تتشكل. لكن هذا لم يحدث.
...

الذهن العام اليمني لا يكف عن إحصاء مفارقات من هذا النوع:
-الفرحون بتفجير جامع دار الرئاسة في 2011 ومحاصرة جامع الصالح، اليوم، هم النائحون على تفجير المساجد والمنازل من قبل الحوثي.
-الفرحون بحصار وقتال ألوية الصمع في 2011، هم النائحون على حصار وقتال لواء القشيبي في عمران وهمدان
-الفرحون بما حصل في الحصبة والأحياء المجاورة في 2011، هم النائحون على ما حصل ويحصل في حاشد وعمران.
-الفرحون بالهجوم على مقرات حكومية وقطع شوارع في 2011 ودعوات الزحف وإسقاط محافظات، هم النائحون بسبب حرق إطارات في بعض شوارع صنعاء قبل أيام.
-الفرحون بتفكيك الحرس وإزاحة نفوذ صالح من الجيش، هم النائحون سراً وعلانية على أي خطوة لتفكيك ونزع قوة ونفوذ علي محسن.
...


عروض هزلية وحماقات. وكأن صنعاء لا تفعل أكثر من التبرج لإغواء أحد أكثر رسل الخراب جاهزية وقرباً، وكأنها تقول له: "هيت لك".

الأكثر مشاهدة