محمد العلائي
لو كنا ذهبنا
إلى انتخابات، لكان من الممكن لمشاعر الاستياء وخيبة الأمل الشعبية، التي استثارها
الإصلاح ضد نفسه وضد تحالفاته، أن تترجم إلى هزيمة انتخابية نكراء.
بالنسبة للبلد، وحتى
للحزب، كان هذا سيكون أكثر الطرق سلامة وأقلها كلفة، مقارنة بالمنحى الكابوسي الذي
تأخذه الامور الآن في شمال الشمال ومحيط العاصمة.
كان الإصلاح يخوض
سباقات انتخابية مع المؤتمر في مناطق شمال الشمال، ويحصد هزائم غالبا، ولم تكن هذه
السباقات تحمل طابعا طائفيا.
بدلا من السباق الانتخابي، أصبح على الإصلاح الآن
أن يخوض سباقا مسلحا، وفوق ذلك بمضمون طائفي. الإصلاح يقف في هذا السباق مكتوف اليدين
ومشتت التركيز، وحركته غير منضبطة بإيقاع موحد، على عكس الحركة الحوثية. الإصلاح مقيد
إلى علاقته المتذبذبة بالرئيس هادي وما تبقى من دولة، وهو مقيد إلى دعوى أنه حزب، ومثقل
بحسابات ومعارك وتقديرات تحالفاته القبلية والعسكرية الفاسدة المحروقة شعبياً.
الحوثية حركة مسلحة
صاعدة؛ لكنها في الأخير رثة المحتوى وخاوية، ومكاسبها التي تحرزها بسلاسة وسرعة هي
مكاسب مؤقتة، وأساسها سطحي مهما بلغ شأنها.
إذا كان لحركة الحوثي
من بريق فهو يأتي من أنها راحت تكيل الضربات للإصلاح وحلفائه، نيابة عن كل النفوس المغتاظة
والمجروحة على مدى ثلاثة أعوام. بيد أن هذا البريق زائل، يطول الزمن أو يقصر.
ثم إن فشل الدولة
مصدر قوة لا ينضب. علاوة على أن جماعة الحوثي مدينة بالفضل لسرب طويل من أخطاء الإصلاح
الاستراتيجية التي ساهمت في تذليل العقبات أمام الحوثي على هذا النحو.
ما يبدو أنه رضا
أو صمت شعبي يحظى به الحوثيون، ليس سوى خذلان مرير وقاسٍ يتجرعه الإصلاح. الحوثيون
يستثيرون مشاعر وردود فعل وأسئلة وحساسيات اجتماعية وتاريخية كثيرة، لكنها لا تزال
كامنة وسيأتي الوقت الذي تفصح فيه عن نفسها كليا.
...
يهرب الإصلاح من
محاسبة الذات إلى تكريس أكثر لفرضية التحالف الحوثي العفاشي؛ وكأن هذا الطرح يجعل الأمور
أقل سوءا. أعرف جيدا أن الإصلاح لم يعد الإصلاح الذي كان؛ إذ يبدو الآن أشبه بتضاريس
مفككة عائمة، تفتقر للانسجام والتكافؤ؛ أي أنه لم يعد مؤهلا بما يكفي كحزب لإجراء المراجعات
المأمولة لأدائه وسياساته.
شخصيا، لطالما اعتقدت
أن التحالف الحوثي المؤتمري لم يكن له وجود وبتركيز عال إلا في ذهن الإصلاحيين. كان
يجري على ألسنتهم ليلا ونهارا، رغم أن الحصاد كان يجيء على شكل تدفق مستمر لقواعد المؤتمر
في شمال الشمال إلى أحضان الحوثي.
لقد سمح الإصلاح
لممارساته وخطابه بأن يتجليا كتهديد بالنسبة للمؤتمريين والحوثيين. وإذا أصبح هذا التحالف
المفترض حقيقة ماثلة ذات يوم، فهو من صنع الإصلاح وجنايته على نفسه قبل أي شيء آخر.
أظن أن الفوائد التي
قد يحصدها الحوثي من تحالف كهذا أكثر بكثير من فوائد حزب المؤتمر، الذي أصبحت رهاناته
بعد التوقيع على المبادرة الخليجية تتمحور بدرجة رئيسية حول العمل السياسي؛ بينما لا
تزال السياسة لدى الحوثيين قشرة رفيعة.
...
في حال نشوء تحالف
حوثي مؤتمري، فمن المتوقع أن تندفع قواعد المؤتمر إلى مزيد من التماهي مع مليشيا الحوثي
وأنشطتها، باعتبارها خيارا بديلا ومرهوب الجانب؛ في حين سيبدو المؤتمر مجرد مسمى سياسي
مستضعف وفي طريقه للأفول داخل هذه المناطق، حيث تموت السياسة وأدواتها على وقع ازدهار
الهمجية وصعود أمراء الحرب.
لكن الحوثي لا يبدي
حماسة كبيرة لإقامة تحالف سياسي مع المؤتمر في المركز، لأسباب كثيرة، منها أن أي تحالفا
سياسيا معلنا مع صالح والمؤتمر يجرد الحوثيين من دعوى الثورية ضد النظام السابق، التي
اكتسبوها من مشاركتهم في انتفاضة 2011. وهذه الدعوى يحتاجها الحوثي حاليا كأحد الأغطية
التي يتحرك في ظلالها، وهو غطاء يريد الإصلاح أن يحتكره لنفسه، مع أن فعالية هذا الغطاء
تناقصت إلى أدنى المستويات.
في الوقت الراهن،
الحوثي يكتفي بوقوف المؤتمريين في المجتمعات المحلية بشمال الشمال موقف الحياد، على
أمل أن يرث ولاءهم في أوقات لاحقة. ربما يفكر أن هذه المقاربة سوف تجنبه مساوئ التعامل
معهم كحلفاء، وبالتالي يحجب عنهم صفة الندية.
...
يخطر لي الآن هذا
السؤال: ماذا لو كان الإصلاحيون يقصدون بالتحالف تحالفا عسكريا يشمل عمليات تنسيق وتعاون
خفي وإمدادات بين صالح والحوثيين؟
لكن هذا التنسيق والتعاون المفترض يصعب إثباته حتى الآن، بالمقارنة مع
السهولة التي يمكن بها إثبات علميات التعاون والتنسيق العسكري بين أجنحة الإصلاح في
الجيش والمليشيات التي تقاتل الحوثي في مناطق أرحب وعمران وصنعاء والجوف وحجة.
بعد المبادرة التي
لم يكن الحوثي طرفا فيها، وجد الإصلاح نفسه مشوشا وعاجزا عن الاختيار بين حوافز وضرورات
السير بمصداقية في العملية السياسية، وبين مزايا وضمانات الدعوى الثورية. فور التوقيع
على التسوية، رفع الحوثيون الدعوى الثورية لمناهضة المبادرة وإدانة أطرافها؛ وهو الأمر
الذي اضطر الإصلاح إلى الوقوع في خطأ المزاوجة بين الاشتراك في العملية السياسية والالتزام
بفروضها في الغرف المغلقة، وبين الحفاظ علنا على أساليب الدعوى الثورية والتحكم في
ميادينها وطبقتها الصوتية.
في المحصلة، خرج
الإصلاح من لعبة المزاوجة المستحيلة بين الخيارات المتعارضة خاسرا أشد الخسارة، والوقائع
التي نشهدها الآن تبرهن على ذلك.
كان عليه فقط التحلي
بالحساسية اللازمة والشجاعة لإنجاز انعطافة حادة وعلى درجة من الصعوبة، والانهماك في
تشييد تحالف سياسي عريض، لا يستثني حتى الرئيس السابق، على أرضية المبادرة الخليجية
وآليتها التنفيذية التي تحظى برعاية وإشراف دولي.
(على الأقل كان
بوسع الإصلاح الاستفادة من التسوية السياسية في تحييد حزب الرئيس السابق لمصلحته،
بدلا من الحوثي؛ لكنه وبطريقة مجنونة قرر أن صالح والمؤتمر والحرس الجمهوري
والحوثي شيء واحد، وأخذ إعلام الإصلاح يستثير عداء قوات الحرس الجمهوري، ويلصق بها
اتهامات، من بينها الارتباط بالحوثي وإمداده بالسلاح والمقاتلين).
بالطبع، كنا ندرك
تماما أنه من المتعذر على الإصلاح إنجاز انعطافة تاريخية حادة كتلك، بعد أن ساهم شأنه
شأن غيره من الفاعلين في خلق مناخ وطني مسموم ومعقد، تعاظمت خلاله التحديات وأصبحت
الحوادث أكبر من الرجال.
إذا كان لا يزال
من الممكن نشوء تحالفات سياسية، فهذا يعني أننا مازلنا في المنطقة الآمنة؛ لكن حتى
هذا أصبح محل شك. وإذا واصلت الأمور انحدارها على هذه الشاكلة، فالتحالفات كلها ستكون
تحالفات سلاح وخنادق.
في كل الأحوال، السيناريوهات
مخيفة، والورطة لم تعد ورطة الإصلاح بمفرده؛ بل هي ورطة بلد منذور للفشل والضياع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق