محمد العلائي
يحاجج المتحدثون
الحوثيون أن الرؤى السياسية، التي دفع بها ممثلو جماعة الحوثي إلى مؤتمر الحوار
حول عدد من القضايا، تعطي فكرة كافية عن التوجه العام لهذه الجماعة؛ وبالتالي لسنا
بحاجة للبحث في المضمر والنوايا، ولا نفض الغبار عن مقولة الإمامة واستدعاء
ميراثها ومدولالتها، ولسنا بحاجة لمحاكمة جماعة الحوثي بالنظر إلى الشكل الذي تفصح
فيه عن نفسها على الأرض، ولا حتى الالتفات إلى المضمون العقائدي لأفرادها أو تحليل
خطاب زعيمها وأدبيات مؤسسها.
حسناً، إذا قبلنا
بهذا المنهج في مقاربة الجماعات والأحزاب؛ فعلينا ألا نستثني منه أحزاب الإصلاح
والمؤتمر والاشتراكي وغيرها. وهذا قد يعني، مثلا، أن نعتمد في محاكمة الإصلاح
ونقده وتقييمه والتعرف على شخصيته، أن نعتمد على برنامجه السياسي ورطانته المعلنة
بشأن الديمقراطية وتداول السلطة والحريات والمواطنة المتساوية... الخ؛ أي أن نتوقف
عن التعرف على الإصلاح من خلال ما هو عليه في الواقع، وأن نتوقف عن رصد تناقضاته
وأوجه قصوره وتشوهاته وظروفه الذاتية، وأن نغض الطرف عن جامعة الإيمان والزنداني
وحميد الأحمر والصبري، والحلقات التنظيمية والمواعظ والمرجعيات الداخلية!
كما أن هذا المنهج
يضطرنا للتعامل مع ما يقوله الإصلاح عن أنه حزب سياسي وطني، وليس جزءا ولا فرعا
لجماعة الإخوان المسلمين.
أتساءل حقاً: كم من
الإصلاحيين يعرفون شيئا عن محتوى برنامج الحزب السياسي ووثائق مؤتمراته التأسيسية
ومؤتمراته العامة؟ وهل جماعة الحوثي
متسقة أو حتى متقاربة، حضورا وتعبئة وأساليب عمل، مع مضمون أوراقها في مؤتمر الحوار؟
هل يصبح الإصلاحي
إصلاحيا من خلال تمثله لأدبيات الحزب الرسمية، أم أن منهجا عقائديا خفيا يشكل
الشخصية الإصلاحية ويعطيها قوامها الخاص؟
الإصلاح -شأنه شأن
غيره- يعيش قلق هوية، وينطوي على مستويات متفاوتة ومتناقضة بمعايير الانفتاح
والانغلاق.
بالطبع، لا ننكر أن
هذا منهج سليم؛ لكن في الأحوال الطبيعية، عندما تكون الفجوة قد تقلصت إلى أدنى
مستوياتها بين ما هو معلن وما هو مضمر في الجماعات والتيارات السياسية. مازلنا
مجتمعات محكومة بالرياء، ولا نقيم للكلمات والالتزامات العلنية وزنا.
لا أعرف ما الذي يجعل
من الحوثي حوثيا أكثر من الملازم والصرخة، وهي ليست تعاليم في الديمقراطية وحقوق
الإنسان ومزايا التمدن والعصرنة.
ما حيلتنا إذا كانت
المحتويات، التي تجعل من الحوثي حوثيا، ليست على اتساق مع البلاغة السياسية
المعلنة؟ ناهيك عن أن أنشطة الحوثية وأدواتها تدل عليها أكثر مما تفعل أوراقها
التي طرحتها في "موفنبيك".
ثم ما حيلتنا إذا كان
الإصلاح غير ما يدعيه؟ تحضر في الدوائر الداخلية للإصلاح كلمة "الدعوة إلى
الله"، وللحوثي مليشيا مسلحة نشطة يسميهم "المجاهدين!"
ربما، على سبيل
التشجيع والتفهم، يمكنني فقط أن أقبل التظاهر بتصديق الدعاوى المعلنة، وآخذها على
مأخذ الجد، والمساهمة في توريط هذه الجماعات أكثر في مقولاتها التي تطلقها بدافع
من الرياء والتكتيك والمزايدة.
أقبل فكرة مساعدة هذه
الجماعات على إعادة هيكلة وتعريف نفسها بطريقة تردم الهوة بين المرئي واللا مرئي.
قياسا إلى جماعة
الحوثي، فالإصلاح كان أحسن حالاً في هذا المضمار. ورغم أن وقائع الأعوام الأخيرة
جعلت هذه الأفضلية موضع شك؛ إلا أن الإصلاح شارك في جولات انتخابية وتبنى في العلن
مواقف إيجابية تجاه فكرة الديمقراطية والتعدد السياسي والحريات العامة؛ بينما
تقتصر تجربة الحوثي السياسية على المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني، ولم يشرع بشكل
جاد في التحول إلى حزب، فضلا عن أن مواقفه غير واضحة تجاه فكرة الحزبية والتعدد
والحريات والانتخابات.
البلد، وليس الإصلاح
لوحده، على مفترق طرق: إما أن نتمكن من استدراج جماعات العنف بألوانها إلى ميدان
السياسة، بما في ذلك المكونات المسلحة المتفرعة من حزب الإصلاح، أو تتمكن هذه
الجماعات والمليشيات من استدراج الجميع إلى ميدان السلاح.
...
كتبت، الخميس الماضي،
في صفحتي بـ"الفيس بوك": "أخشى أننا أصبحنا بحاجة الآن لتحذير
الحوثيين من عواقب إضعاف وكسر تجمع الإصلاح، باعتباره خيارا سياسيا في مناطق شمال
الشمال، بالقدر نفسه الذي كنا نحذر الإصلاح منذ 2011 من عواقب إضعاف وكسر حزب
المؤتمر في هذه المناطق، وكيف أن سياسة كهذه تعود بالنفع على الحوثي أكثر من أي
جهة أخرى. وكنا نشدد على أن الضرر الذي سوف يلحق بالمؤتمر سيلحق بالإصلاح بشكل أو
بآخر.
لا أدري إذا كان من
السابق لأوانه إثارة مثل هذه المخاوف؛ لكن يجدر بنا أن نتذكر بأن الإصلاح كان قد
قطع شوطا بسيطا في مضمار الممارسة السياسية والتحزب، رغم أنه خسر الكثير خلال
العامين.
المفارقة هي: حيث
يكمن التفوق المحدود للإصلاح على مستوى الهيكل المؤسسي للحزب وخبرة المشاركة
السياسية، يكمن ضعفه وخوره في مواجهة تحدي القوة والعنف مع جماعة الحوثي".