الاثنين، 31 مارس 2014

اليمن لا يزال على مفترق طرق: ميدان السياسة أم ميدان السلاح؟

محمد العلائي
يحاجج المتحدثون الحوثيون أن الرؤى السياسية، التي دفع بها ممثلو جماعة الحوثي إلى مؤتمر الحوار حول عدد من القضايا، تعطي فكرة كافية عن التوجه العام لهذه الجماعة؛ وبالتالي لسنا بحاجة للبحث في المضمر والنوايا، ولا نفض الغبار عن مقولة الإمامة واستدعاء ميراثها ومدولالتها، ولسنا بحاجة لمحاكمة جماعة الحوثي بالنظر إلى الشكل الذي تفصح فيه عن نفسها على الأرض، ولا حتى الالتفات إلى المضمون العقائدي لأفرادها أو تحليل خطاب زعيمها وأدبيات مؤسسها.
حسناً، إذا قبلنا بهذا المنهج في مقاربة الجماعات والأحزاب؛ فعلينا ألا نستثني منه أحزاب الإصلاح والمؤتمر والاشتراكي وغيرها. وهذا قد يعني، مثلا، أن نعتمد في محاكمة الإصلاح ونقده وتقييمه والتعرف على شخصيته، أن نعتمد على برنامجه السياسي ورطانته المعلنة بشأن الديمقراطية وتداول السلطة والحريات والمواطنة المتساوية... الخ؛ أي أن نتوقف عن التعرف على الإصلاح من خلال ما هو عليه في الواقع، وأن نتوقف عن رصد تناقضاته وأوجه قصوره وتشوهاته وظروفه الذاتية، وأن نغض الطرف عن جامعة الإيمان والزنداني وحميد الأحمر والصبري، والحلقات التنظيمية والمواعظ والمرجعيات الداخلية!
كما أن هذا المنهج يضطرنا للتعامل مع ما يقوله الإصلاح عن أنه حزب سياسي وطني، وليس جزءا ولا فرعا لجماعة الإخوان المسلمين.
أتساءل حقاً: كم من الإصلاحيين يعرفون شيئا عن محتوى برنامج الحزب السياسي ووثائق مؤتمراته التأسيسية ومؤتمراته العامة؟ وهل جماعة الحوثي متسقة أو حتى متقاربة، حضورا وتعبئة وأساليب عمل، مع مضمون أوراقها في مؤتمر الحوار؟
هل يصبح الإصلاحي إصلاحيا من خلال تمثله لأدبيات الحزب الرسمية، أم أن منهجا عقائديا خفيا يشكل الشخصية الإصلاحية ويعطيها قوامها الخاص؟
الإصلاح -شأنه شأن غيره- يعيش قلق هوية، وينطوي على مستويات متفاوتة ومتناقضة بمعايير الانفتاح والانغلاق.
بالطبع، لا ننكر أن هذا منهج سليم؛ لكن في الأحوال الطبيعية، عندما تكون الفجوة قد تقلصت إلى أدنى مستوياتها بين ما هو معلن وما هو مضمر في الجماعات والتيارات السياسية. مازلنا مجتمعات محكومة بالرياء، ولا نقيم للكلمات والالتزامات العلنية وزنا.
لا أعرف ما الذي يجعل من الحوثي حوثيا أكثر من الملازم والصرخة، وهي ليست تعاليم في الديمقراطية وحقوق الإنسان ومزايا التمدن والعصرنة.
ما حيلتنا إذا كانت المحتويات، التي تجعل من الحوثي حوثيا، ليست على اتساق مع البلاغة السياسية المعلنة؟ ناهيك عن أن أنشطة الحوثية وأدواتها تدل عليها أكثر مما تفعل أوراقها التي طرحتها في "موفنبيك".
ثم ما حيلتنا إذا كان الإصلاح غير ما يدعيه؟ تحضر في الدوائر الداخلية للإصلاح كلمة "الدعوة إلى الله"، وللحوثي مليشيا مسلحة نشطة يسميهم "المجاهدين!"
ربما، على سبيل التشجيع والتفهم، يمكنني فقط أن أقبل التظاهر بتصديق الدعاوى المعلنة، وآخذها على مأخذ الجد، والمساهمة في توريط هذه الجماعات أكثر في مقولاتها التي تطلقها بدافع من الرياء والتكتيك والمزايدة.
أقبل فكرة مساعدة هذه الجماعات على إعادة هيكلة وتعريف نفسها بطريقة تردم الهوة بين المرئي واللا مرئي.
قياسا إلى جماعة الحوثي، فالإصلاح كان أحسن حالاً في هذا المضمار. ورغم أن وقائع الأعوام الأخيرة جعلت هذه الأفضلية موضع شك؛ إلا أن الإصلاح شارك في جولات انتخابية وتبنى في العلن مواقف إيجابية تجاه فكرة الديمقراطية والتعدد السياسي والحريات العامة؛ بينما تقتصر تجربة الحوثي السياسية على المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني، ولم يشرع بشكل جاد في التحول إلى حزب، فضلا عن أن مواقفه غير واضحة تجاه فكرة الحزبية والتعدد والحريات والانتخابات.
البلد، وليس الإصلاح لوحده، على مفترق طرق: إما أن نتمكن من استدراج جماعات العنف بألوانها إلى ميدان السياسة، بما في ذلك المكونات المسلحة المتفرعة من حزب الإصلاح، أو تتمكن هذه الجماعات والمليشيات من استدراج الجميع إلى ميدان السلاح.
...
كتبت، الخميس الماضي، في صفحتي بـ"الفيس بوك": "أخشى أننا أصبحنا بحاجة الآن لتحذير الحوثيين من عواقب إضعاف وكسر تجمع الإصلاح، باعتباره خيارا سياسيا في مناطق شمال الشمال، بالقدر نفسه الذي كنا نحذر الإصلاح منذ 2011 من عواقب إضعاف وكسر حزب المؤتمر في هذه المناطق، وكيف أن سياسة كهذه تعود بالنفع على الحوثي أكثر من أي جهة أخرى. وكنا نشدد على أن الضرر الذي سوف يلحق بالمؤتمر سيلحق بالإصلاح بشكل أو بآخر.
لا أدري إذا كان من السابق لأوانه إثارة مثل هذه المخاوف؛ لكن يجدر بنا أن نتذكر بأن الإصلاح كان قد قطع شوطا بسيطا في مضمار الممارسة السياسية والتحزب، رغم أنه خسر الكثير خلال العامين.
المفارقة هي: حيث يكمن التفوق المحدود للإصلاح على مستوى الهيكل المؤسسي للحزب وخبرة المشاركة السياسية، يكمن ضعفه وخوره في مواجهة تحدي القوة والعنف مع جماعة الحوثي".

الاثنين، 24 مارس 2014

تحرير الجيش من مراكز الاستقطاب

محمد العلائي

منذ 2011، كان وجود أحمد علي عبد الله صالح على رأس الحرس الجمهوري، بالنسبة لإعلام الإصلاح وخطابه السياسي، سببا كافيا لاستهداف قوات الحرس والتحريض عليها، وشيطنتها وتخوينها بأوصاف لا تخلو من التعميم مثل "الحرس العائلي"، إضافة إلى الحديث المستمر عن ارتباطها بالحوثي.
كان الإصلاح لا يخفي رغبته في تفكيك هذه القوات، وهو المعنى الذي كانت تضمره كلمة "هيكلة".
ولما كانت أكثر الممارسات والمظاهر رداءة وتخلفا في تحالف الإصلاح الفضفاض هي المثال والنموذج الذي يسترشد به الحوثيون؛ فإنهم الآن يستلهمون نفس نهج الإصلاح الأحمق، لكن ضد جانب آخر من الجيش اليمني؛ أي تلك القوات التي كانت تحت قيادة علي محسن الأحمر والقادة الموالين له.
هذه القوات تصنف جزافا بأنها إخوانية، تحركاتها وعملياتها؛ مع أن الميول والمواقف السياسة للأفراد داخل هذه القطاعات العسكرية ليست مرتبطة وبشكل حصري بميول وموقف القادة. (حتى موجات التجنيد الجديدة لم تفد الإصلاح في شيء وهو يتلقى ضربات موجعة من الحوثي في أكثر من مكان؛ ذلك أن تحركاتها مقيدة بمواقف الرئيس هادي وتقديراته للأمور، إلا في حال قرر الإصلاح وعلي محسن الانشقاق بما لديهم من ولاءات في الجيش، على غرار ما فعل في 2011، وهذا متعذر).
بعد عزل أحمد علي، كان يمكن الحفاظ على كتلة الحرس الجمهوري التي كانت الأكثر انضباطا وفاعلية، قياسا إلى بقية قطاعات الجيش. وإذا كان الحرس الجمهوري مخترقا، فقد كان الإصلاح وحلفاؤه أكثر من بذلوا جهودا لتحقيق هذا الاختراق، وكان لهم موطئ قدم فيه أكثر مما كان للحوثي، مع أني لا أستبعد حاليا أن للحوثي ولاءات خفية داخل معسكرات ما كانت تعرف بالمنطقة الشمالية الغربية والفرقة الأولى مدرع، وأيضا داخل قوات الحرس الجمهوري المنحلة.
على أن جميع الولاءات السياسية في الجيش هي غير قانونية أساسا، وتتناقض مع التقاليد العسكرية.
لن نتوقع من الحوثي التحلي بالمسؤولية الوطنية وتجنب تكرار الحماقات؛ فهذه اللغة لن يفهمها، لإن رهاناته كلها في العنف وأدواته. ولن نتوقع من علي محسن أن ينأى بنفسه عن التدخل في شؤون الجيش.
الرئيس هادي وحده يستطيع تحرير الجيش من مراكز الاستقطاب السياسي والمناطقي، والقادة العسكريين المثيرين للجدل، مثل القشيبي في عمران، أو ضبعان في الضالع، لكي يجرد المليشيات من الذرائع التي تستخدم لاستهداف الجيش، ولكي يعطي اليمنيين والمؤسسة العسكرية انطباعا ايجابيا بأنه من يمتلك زمام السيطرة والقيادة، وأن كل تحركات الجيش لمواجهة المليشيات وجماعات التخريب منوطة به بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.
قبل أكثر من عام، كان هناك مركزا استقطاب داخل الجيش: أحمد علي وعلي محسن. حاليا لم يعد الأول يحضر كمركز استقطاب عسكري، والرئيس السابق أصبح نفوذه مشكوكا فيه داخل الجيش. وفيما تقلص نفوذ علي محسن العسكري إلى حد كبير، إلا أنه لا يزال يمتلك ارتباطات عسكرية، وهي ما ينبغي المسارعة إلى إيقافها نهائيا ونزع أسبابها.
غير أن الكتلة الأكبر في الجيش هي من تمتثل لأوامر الرئيس هادي.
باختصار، الجيش إما أن يكون على عقيدة قتالية وطنية موحدة، وهيكل تنظيمي منضبط ومتناغم، أو لن يكون جيشا على الإطلاق.
هل يروق الرئيس هادي مشهد تحلل الجيش على هذه الشاكلة؟
...

الناس يفتشون عن بنية "الصواب"، التي من المفترض أن جماعة الحوثي تحملها وتكافح من أجلها؛ لكن خطاب الحوثيين لا يقول سوى أنهم بنية من "الخطأ" الخالص، التي تطرح نفسها في موازاة جميع تعبيرات الخطأ والفشل العام.
مثلا، يقول الحوثيون: "السلاح خطأ، لكنه ليس خطأنا وحدنا. الطائفية خطيئة، لكن الآخرين ليسوا أحسن منا"!
وحين تسأل: ما هي جماعة الحوثي وما الذي ترمي إليه؟ ينغمس المتحدثون بلسان الحوثي فقط في إحصاء المظاهر الخاطئة لخصومهم، من أجل إضفاء شيء من الشرعية على أسلوبهم الخطأ ومنطقهم الخطأ.
...
ليس غريباً أن تحضر الإمامة كمصدر للقلق خلال محاولات تعريف جماعة الحوثي واستقراء مستقبلها، رغم أن الحوثيين يواظبون على الإنكار في خطابهم الرسمي.
لكن منهجهم الديني ومرجعياتهم وأدبياتهم عن الولاية الإلهية، وحتى أساليبهم، والمنصة الجغرافية التي ينطلقون منها، وخريطة انتقالاتهم، كلها تضمر الكثير مما يجري إنكاره علناً، وتستدعي ميراث قرابة الألف عام لنموذج حكم طويت صفحته قبل 50 عاما.
الأمر أبعد ما يكون عن محاكمة نوايا.
أظن، فيما يخص الحوثيين والتراث الزيدي، من الصعب فصل الديني عن السياسي. كما لا يمكن مقارنة الحوثيين بحزب الله؛ السياق هنا مختلف، والمجال الاجتماعي والتاريخي مختلف.

هذا لا يعني أن الحوثي سيصبح "إماما"؛ فهذا يبدو لي ضرب من المستحيل، مع أني أتفق مع وجهة النظر التي تقول إن الحوثي سيكون التجسيد الهزلي لفكرة الإمامة، وهي الفكرة التي تمارس حالياً نوعا من الإغواء السري في الأوساط الموالية للحوثي، حيث انتعشت آمال ورغبات دفينة وأوهام سيجد الحوثي نفسه مأسوراً لها، وقد تقود خطاه في الأخير إلى خسارة كل شيء.

الأحد، 16 مارس 2014

عن ورطة الإصلاح التي أصبحت ورطتنا جميعاً


محمد العلائي
لو كنا ذهبنا إلى انتخابات، لكان من الممكن لمشاعر الاستياء وخيبة الأمل الشعبية، التي استثارها الإصلاح ضد نفسه وضد تحالفاته، أن تترجم إلى هزيمة انتخابية نكراء.
بالنسبة للبلد، وحتى للحزب، كان هذا سيكون أكثر الطرق سلامة وأقلها كلفة، مقارنة بالمنحى الكابوسي الذي تأخذه الامور الآن في شمال الشمال ومحيط العاصمة.
كان الإصلاح يخوض سباقات انتخابية مع المؤتمر في مناطق شمال الشمال، ويحصد هزائم غالبا، ولم تكن هذه السباقات تحمل طابعا طائفيا.
 بدلا من السباق الانتخابي، أصبح على الإصلاح الآن أن يخوض سباقا مسلحا، وفوق ذلك بمضمون طائفي. الإصلاح يقف في هذا السباق مكتوف اليدين ومشتت التركيز، وحركته غير منضبطة بإيقاع موحد، على عكس الحركة الحوثية. الإصلاح مقيد إلى علاقته المتذبذبة بالرئيس هادي وما تبقى من دولة، وهو مقيد إلى دعوى أنه حزب، ومثقل بحسابات ومعارك وتقديرات تحالفاته القبلية والعسكرية الفاسدة المحروقة شعبياً.
الحوثية حركة مسلحة صاعدة؛ لكنها في الأخير رثة المحتوى وخاوية، ومكاسبها التي تحرزها بسلاسة وسرعة هي مكاسب مؤقتة، وأساسها سطحي مهما بلغ شأنها.
إذا كان لحركة الحوثي من بريق فهو يأتي من أنها راحت تكيل الضربات للإصلاح وحلفائه، نيابة عن كل النفوس المغتاظة والمجروحة على مدى ثلاثة أعوام. بيد أن هذا البريق زائل، يطول الزمن أو يقصر.
ثم إن فشل الدولة مصدر قوة لا ينضب. علاوة على أن جماعة الحوثي مدينة بالفضل لسرب طويل من أخطاء الإصلاح الاستراتيجية التي ساهمت في تذليل العقبات أمام الحوثي على هذا النحو.
ما يبدو أنه رضا أو صمت شعبي يحظى به الحوثيون، ليس سوى خذلان مرير وقاسٍ يتجرعه الإصلاح. الحوثيون يستثيرون مشاعر وردود فعل وأسئلة وحساسيات اجتماعية وتاريخية كثيرة، لكنها لا تزال كامنة وسيأتي الوقت الذي تفصح فيه عن نفسها كليا.
...
يهرب الإصلاح من محاسبة الذات إلى تكريس أكثر لفرضية التحالف الحوثي العفاشي؛ وكأن هذا الطرح يجعل الأمور أقل سوءا. أعرف جيدا أن الإصلاح لم يعد الإصلاح الذي كان؛ إذ يبدو الآن أشبه بتضاريس مفككة عائمة، تفتقر للانسجام والتكافؤ؛ أي أنه لم يعد مؤهلا بما يكفي كحزب لإجراء المراجعات المأمولة لأدائه وسياساته.
شخصيا، لطالما اعتقدت أن التحالف الحوثي المؤتمري لم يكن له وجود وبتركيز عال إلا في ذهن الإصلاحيين. كان يجري على ألسنتهم ليلا ونهارا، رغم أن الحصاد كان يجيء على شكل تدفق مستمر لقواعد المؤتمر في شمال الشمال إلى أحضان الحوثي.
لقد سمح الإصلاح لممارساته وخطابه بأن يتجليا كتهديد بالنسبة للمؤتمريين والحوثيين. وإذا أصبح هذا التحالف المفترض حقيقة ماثلة ذات يوم، فهو من صنع الإصلاح وجنايته على نفسه قبل أي شيء آخر.
أظن أن الفوائد التي قد يحصدها الحوثي من تحالف كهذا أكثر بكثير من فوائد حزب المؤتمر، الذي أصبحت رهاناته بعد التوقيع على المبادرة الخليجية تتمحور بدرجة رئيسية حول العمل السياسي؛ بينما لا تزال السياسة لدى الحوثيين قشرة رفيعة.
...
في حال نشوء تحالف حوثي مؤتمري، فمن المتوقع أن تندفع قواعد المؤتمر إلى مزيد من التماهي مع مليشيا الحوثي وأنشطتها، باعتبارها خيارا بديلا ومرهوب الجانب؛ في حين سيبدو المؤتمر مجرد مسمى سياسي مستضعف وفي طريقه للأفول داخل هذه المناطق، حيث تموت السياسة وأدواتها على وقع ازدهار الهمجية وصعود أمراء الحرب.
لكن الحوثي لا يبدي حماسة كبيرة لإقامة تحالف سياسي مع المؤتمر في المركز، لأسباب كثيرة، منها أن أي تحالفا سياسيا معلنا مع صالح والمؤتمر يجرد الحوثيين من دعوى الثورية ضد النظام السابق، التي اكتسبوها من مشاركتهم في انتفاضة 2011. وهذه الدعوى يحتاجها الحوثي حاليا كأحد الأغطية التي يتحرك في ظلالها، وهو غطاء يريد الإصلاح أن يحتكره لنفسه، مع أن فعالية هذا الغطاء تناقصت إلى أدنى المستويات.
في الوقت الراهن، الحوثي يكتفي بوقوف المؤتمريين في المجتمعات المحلية بشمال الشمال موقف الحياد، على أمل أن يرث ولاءهم في أوقات لاحقة. ربما يفكر أن هذه المقاربة سوف تجنبه مساوئ التعامل معهم كحلفاء، وبالتالي يحجب عنهم صفة الندية.
...
يخطر لي الآن هذا السؤال: ماذا لو كان الإصلاحيون يقصدون بالتحالف تحالفا عسكريا يشمل عمليات تنسيق وتعاون خفي وإمدادات بين صالح والحوثيين؟
 لكن هذا التنسيق والتعاون المفترض يصعب إثباته حتى الآن، بالمقارنة مع السهولة التي يمكن بها إثبات علميات التعاون والتنسيق العسكري بين أجنحة الإصلاح في الجيش والمليشيات التي تقاتل الحوثي في مناطق أرحب وعمران وصنعاء والجوف وحجة.
بعد المبادرة التي لم يكن الحوثي طرفا فيها، وجد الإصلاح نفسه مشوشا وعاجزا عن الاختيار بين حوافز وضرورات السير بمصداقية في العملية السياسية، وبين مزايا وضمانات الدعوى الثورية. فور التوقيع على التسوية، رفع الحوثيون الدعوى الثورية لمناهضة المبادرة وإدانة أطرافها؛ وهو الأمر الذي اضطر الإصلاح إلى الوقوع في خطأ المزاوجة بين الاشتراك في العملية السياسية والالتزام بفروضها في الغرف المغلقة، وبين الحفاظ علنا على أساليب الدعوى الثورية والتحكم في ميادينها وطبقتها الصوتية.
في المحصلة، خرج الإصلاح من لعبة المزاوجة المستحيلة بين الخيارات المتعارضة خاسرا أشد الخسارة، والوقائع التي نشهدها الآن تبرهن على ذلك.
كان عليه فقط التحلي بالحساسية اللازمة والشجاعة لإنجاز انعطافة حادة وعلى درجة من الصعوبة، والانهماك في تشييد تحالف سياسي عريض، لا يستثني حتى الرئيس السابق، على أرضية المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية التي تحظى برعاية وإشراف دولي.
(على الأقل كان بوسع الإصلاح الاستفادة من التسوية السياسية في تحييد حزب الرئيس السابق لمصلحته، بدلا من الحوثي؛ لكنه وبطريقة مجنونة قرر أن صالح والمؤتمر والحرس الجمهوري والحوثي شيء واحد، وأخذ إعلام الإصلاح يستثير عداء قوات الحرس الجمهوري، ويلصق بها اتهامات، من بينها الارتباط بالحوثي وإمداده بالسلاح والمقاتلين).
بالطبع، كنا ندرك تماما أنه من المتعذر على الإصلاح إنجاز انعطافة تاريخية حادة كتلك، بعد أن ساهم شأنه شأن غيره من الفاعلين في خلق مناخ وطني مسموم ومعقد، تعاظمت خلاله التحديات وأصبحت الحوادث أكبر من الرجال.
إذا كان لا يزال من الممكن نشوء تحالفات سياسية، فهذا يعني أننا مازلنا في المنطقة الآمنة؛ لكن حتى هذا أصبح محل شك. وإذا واصلت الأمور انحدارها على هذه الشاكلة، فالتحالفات كلها ستكون تحالفات سلاح وخنادق.
في كل الأحوال، السيناريوهات مخيفة، والورطة لم تعد ورطة الإصلاح بمفرده؛ بل هي ورطة بلد منذور للفشل والضياع.


الثلاثاء، 11 مارس 2014

الحوثي والإصلاح والسياسة والحرب

محمد العلائي
بدأت السياسة تحظى بمساحة كبيرة في خطب عبد الملك الحوثي الأخيرة، السياسة بوصفها انشغالا يتعلق بتدبير الشأن العام المحلي. هذا منحنى لافت بالنسبة لجماعة دينية مسلحة ليس لديها فكرة ثابتة حتى الآن عما تريده بالضبط أو ما ينبغي أن تكون عليه.
لم تكن حركة الحوثي تمتلك رؤية سياسية تجاه الداخل؛ فالسياسة كانت بالنسبة لها مجرد موقف معلن من الخارج، الأمريكي الصهيوني بالذات. ويندرج تحت هذا "الخارج" طيف واسع من العملاء والأدوات الصهيوامريكية، يضم السعودية وتنظيم القاعدة والإخوان المسلمين والتحالف الحاكم في صنعاء.
...
الحوثي أشار، يوم الأحد، إلى إعلان السعودية جماعته منظمة إرهابية، بطريقة تعتمد حذاقة السياسي أو تحاذقه، ومناوراته اللفظية.
لقد دعا السعودية إلى إعادة النظر في قرارها؛ "ولو فيما بعد إذا كانت محرجة الآن". العبارة الأخيرة تنطوي على تلميح إلى أن السعودية لم تدرج جماعته إلا خشية الوقوع في الحرج أمام أطراف يمنيين.
إلى جانب أن هذه النبرة توحي وكأن القرار السعودي كان مفاجئا للحوثي بعض الشيء، بالنظر ربما إلى تلك التحليلات والانطباعات التي كانت تفترض في الآونة الأخيرة أن تحولا من نوع ما قد طرأ في علاقة الحوثيين بالمملكة، أو على الأقل في نظرة الطرفين أحدهما إلى الآخر، ضمن تحول أشمل تشهده خارطة التحالفات في المنطقة ككل.
يتوجب على الحوثي الاقتراب أكثر من ميدان السياسة، وأن تبدأ جماعته بتسجيل نفسها كخيار سياسي وطني، وليس كخيار عسكري جهادي طائفي، وهو ما يستدعي التخفف شيئا فشيئا من شخصية رجل الدين والمحارب المحاصر داخل كبسولة العقيدة المشحونة بالتباسات التاريخ وأوهامه وضلالاته.
...
همدان لم تكن منطقة نفوذ خاصة بالإصلاح، وبالتالي فإن سقوطها في يد الحوثيين لا يعني بالدرجة الأولى أن خسارة فادحة لحقت بحزب الإصلاح وتحالفاته. للإصلاح تواجد ضعيف هناك مقارنة بحزب المؤتمر، الذي كان للإصلاح دور أساسي في إضعافه وخلخلة قواعده لمصلحة الحوثي. وهذا لا يعني أن سقوط همدان خسارة للمؤتمر؛ لأن المؤتمر مثخن بالجراح ولم يعد يأبه.
الحوثي يستفيد كثيرا من تلقي الذهن العام تلك الأحداث على أنها هزائم يسجلها ضد الإصلاح، وهذا المعنى يساهم الإصلاحيون كأفراد في إضفائه على الأحداث.
بالطبع يتصرف الإصلاحيون أو المحسوبون عليهم في تلك المناطق بطريقة توفر الذريعة لتحركات الحوثي العسكرية لإخضاعها.
يتصدر الإصلاحيون الموقف، وكأن منع تمدد الحوثي عسكريا شأن يخصهم أكثر من غيرهم؛ لكن حينما يفتك الحوثي بأنصارهم وحلفائهم القبليين، يعودون فيتذكرون أنهم حزب وأن الدولة هي المعنية.
على الإصلاحيين، إذا كانوا متمسكين بكونهم حزبا، أن يكفوا عن الشعور بالخزي، ذلك الشعور الذي يعتري المهزوم عادة، فالأحزاب هزائمها انتخابية وليست عسكرية.
لكن خلافا للعصيمات وحوث وبعض مناطق حاشد، فقد كان سقوطها يمثل ضربة قاسية لحلفاء الإصلاح القبليين، والمعنى نفسه قد يحمله سقوط أرحب مثلا.
غير أن المعنى لما يحدث إجمالا هو أن الدولة تلفظ أنفاسها، والساحة تتحضر لقتال أهلي شامل ليس مهما بعده من يكسب أو من يخسر.
...
ثمة حقائق تغيب عن الأذهان في دوامة الهستيريا الجماعية.
اليمن كبيرة ومنيعة على أوهام السيطرة والحكم بالقوة. هي منيعة بتمزقاتها العميقة، وتشوهاتها التاريخية وهوياتها المضطربة، منيعة بشحة مواردها وكثافة سكانها، منيعة بفشلها كدولة وطنية موحدة حديثة العهد...
أريد القول إن اليمن أكثر تعقيدا من أن تخضع لمنطق القوة، سواء قوة مليشيا أو جيش نظامي.
ليس الأمر متعلقا بسقوط صنعاء لكي تدين بقية اليمن بالولاء وتنتظم في مدار الطرف المنتصر. العاصمة لم تعد تعني شيئا بالنسبة إلى أغلب المناطق اليمنية.
اليمن الآن مهيأة للخراب وللمزيد من الدماء والأهوال والضياع؛ لكنها ليست مهيأة لمطامح الحكم والسيطرة والاستفراد.
هذا الكلام ليس موجها للحوثيين فقط، بل لخصوم الحوثيين أيضاً وبدرجة رئيسية.


الأربعاء، 5 مارس 2014

أصدقاء قطر في اليمن


محمد العلائي:

لوهلة تبدو قطر وكأنها وميض شاشة عملاقة، طفرة هائلة سجلت حضورا كبيرا، ربما أكبر مما يسمح به منطق الأشياء في ساحة تموج بالتعقيدات والمخاطر.
لكن من الحكمة التريث قبل إطلاق التوقعات، فاللعبة لم تصل بعد إلى نهايتها. قد تكسب قطر وقد تخسر، قد تزدهر وقد تأفل. ليس لدينا فكرة عن المنحى الذي ستأخذه الأمور.
إما أن تكون قطر فقاعة في طريق الأفول، أو أنها ستتمكن من إدارة أزمتها الوجودية بنجاح وسط محيط معادٍ من الممالك القلقة الشائخة التي تموج بالمخاطر من داخلها ومن خارجها.
ومع ذلك، ألم يكن من الأفضل أن يسبق سحب السفراء من قطر إجراءات تصاعدية من الأقل حدة إلى الأكثر، قبل الانتقال المتهور إلى الأقاصي؟
بالنسبة للسعودية، فإن قطر ذهبت بعيدا، ومارست اللعب في مناطق وعرة وغير مألوفة، وحاولت السيطرة على مساحات النفوذ التقليدية للمملكة، ولا بد أن حكام الدوحة قصيرو نظر إذا لم يكونوا قد أجروا حسابات الكلفة والمخاطر الناجمة عن طموحات جيوسياسية من العيار الثقيل.
وفي ردها الرسمي قالت قطر، أمس، إنه لا علاقة لسحب السفراء بمصالح شعوب الخليج، بل باختلاف في المواقف حول قضايا واقعة خارج دول مجلس التعاون، في إشارة ربما إلى تناقض السياسة القطرية مع المملكة العربية السعودية في بلدان مضطربة، منها سوريا ومصر.
في نهاية المطاف، أظن أن مستقبل نفوذ قطر وتأثيرها ومكانتها المكتسبة سيكون مرهونا بكيفية استجابتها للخطوة التأديبية القاسية ضدها من قبل الدول الثلاث اليوم.
ذلك أن سحب السفراء خطوة ربما تتجاوز التأديب إلى الكسر.
...

ورد في تقرير نشره موقع "العربية نت" الليلة أن قطر تقدم دعما ماليا ولوجستيا للحوثيين في شمال اليمن. وقال التقرير إن هذا في صدارة الأسباب التي أدت إلى سحب سفراء السعودية والبحرين والإمارات من الدوحة.
إن صحت المعلومة، فهذا يعني أن قطر، التي يشاع في اليمن أنها صديقة للإخوان، هي في الوقت نفسه صديقة للحوثيين. لكن هل هي صديقة لهما بالقدر نفسه، أقصد للطرفين اليمنيين المتناحرين: الإخوان والحوثيين؟
يعتريني بعض الشك بشأن علاقة قطر بالحوثيين، لاسيما في العامين الأخيرين، ومع ذلك لا يمكن استبعاد ما أورده موقع "العربية نت". لا شيء يمكن استبعاده حاليا.

لكن ما يعزز لديّ الشك هو أنني لم ألاحظ اليوم تعاطفا من جانب الحوثيين الأفراد مع قطر أو أي درجة من درجات الامتنان، على اعتبار أن موقف الأخيرة في سوريا ليس مريحا للحوثيين، إضافة إلى استيائهم من انحياز يقولون إن قناة "الجزيرة" تمارسه لمصلحة الإخوان.
بالمقابل، لاحظت كثافة امتنان وتضامن من جانب إخوان اليمن كأفراد مع قطر لاعتبارات منها أن الأخيرة تؤوي الشيخ القرضاوي، كما أنها تحفظت على عزل مرسي، وهي تدعم إسقاط الأسد في سوريا، ناهيك عن أحاديث متداولة هنا تشير إلى علاقة وثيقة تربط اللواء علي محسن الأحمر بحكام قطر.
بصراحة، لم أعد قادرا على الفهم؛ وكيف لأحدنا أن يفهم ونحن إزاء وضع تاريخي سيال، غير منضبط بمنطق من أي نوع، وعصي على الوصف؟!


الأكثر مشاهدة