محمد العلائي
في المجتمعات الانتقالية التي تقف في المنطقة
الفاصلة بين الحالة التقليدية والحالة العصرية، حيث تكون المؤسسات السياسية هشة والبنى
الاجتماعية الحديثة غير فاعلة أو مشوهة، وآليات المشاركة السياسية مفقودة أو تفتقر
للكفاءة، في مجتمعات كهذه، ونحن في صميم هذه المجتمعات، يكون منهج تحدي السلطة هو الصيغة
السائدة للمشاركة السياسية والسبيل الوحيد لبلوغ السلطة.
في المحصلة تسقط السلطة تحت ضغط التحدي، فيتشاطر
الإمساك بزمامها رفاق التحدي، لكن يفعلون ذلك بمهارات التحدي، انفعال وحماسة من دون
مهارات الحكم. يشعر هؤلاء الرفاق بأنفسهم وجها لوجه أمام مهمة مختلفة تطرح اسئلة مختلفة
وتتطلب قابليات مختلفة وأداء مختلف وتفكير مختلف وطرق فهم مختلفة.
هذه الفكرة تخطر ببالي حينما أسمع
تنهدات خيبة الأمل التي تسيطر على أحاديث اليمنيين هذه الأيام جراء التعثر الذي
يظهر في أداء معظم وزراء المعارضة، وذلك النقص البين في مقدرة رئيس الحكومة على فعل
أي شيء يذكر عدا النحيب. وهذه الخيبة مفهومة وهي من سمات المراحل الانتقالية التي تعقب
فترة من الوعود والهذيان والخدر الثوري، يرتفع بسببها سقف التوقعات إلى أعلى مستوياته،
ثم ما يلبث هذا كله أن يرتطم بالواقع وجبروته وحقائقه وتشابك عناصره واستحقاقاته.
أخطأ المشترك في الحساب باختياره باسندوة
مع علمه بكبر الرجل مقارنة بما تفرضه اللحظة من تحديات، لقد كانت حيثيات اختيار باسندوة
كلها متعلقة بالشأن الداخلي للمشترك وحلفاؤه، ولم تأخذ بالاعتبار أن تولي المشترك للحكومة
يعني الجلوس على مقعد الاختبار، وأن الناس ليسوا على درجة من الإدراك بحيث يلتمسون
الأعذار ويتفهمون، إذ لن يتردد أحد في إطلاق تقييمات وأحكام قاسية بحق المشترك استنادا
إلى الفارق الذي انتظروا أن تحدثه حكومة المشترك في حياتهم.
على أن المستفيد الأكبر من دوام الحالة
هذه هو المؤتمر إن لم يتشظى مستقبلا، وسيجصل على الغلة في الانتخابات القادمة إن كتب
لها أن تجرى في موعدها.
في حين يبدو لي الاصلاح تحديدا الخاسر
الأكبر من فشل الحكومة إن فشلت. ذلك أن أغلب اليمنيين أصبحوا غالبا ينظرون إلى الاصلاح
الآن نظرتهم إلى لاعب قوي في ميدان خال من اللاعبين. أي أن النقاشات تأخذ مجراها باتجاه
واحد تقريبا يتلخص في القاء مسؤولية كل محتويات العملية التاريخية التي تجري حاليا
على أكتاف الاصلاح. حتى أن النقاش يكاد ينقسم إلى فريقين أحدهما يحمل أوزار اللحظة
كلها على كاهل الاصلاح الذي يظهر للناس بواسطة أكثر من قناع، فالثورة ليست اكثر من
زي تنكري للاصلاح بحسب البعض، والحكومة أيضا، والمشترك هو في جوهره لا يزيد عن أن يكون
الاصلاح.. وهكذا. وثانيهما ينسب مآثر المرحلة وأمجادها إلى الاصلاح مع إظهاره إذا لزم
الامر في ثوب المستهدف الذي تكالب عليه الاعداء كما يتكالبون عادة على قوى الخلاص والفضيلة.
والاصلاحيين لا يقاومون هذا الإنطباع
بل إنهم يسرون له، ربما لأنه يداعب خيلاؤهم من جهة ولأنهم على وشك
تصديق أن الاصلاح سيكون شأنه في اليمن شأن نهضة تونس واخوان مصر.
مع أن تلك النظرة في المحصلة تلحق بالحزب
على المدى البعيد أضرار لا يسهل جبرها. فهي تضع الحزب الكبير على مقعد الاختبار في
الزمن غير المناسب، حيث يملأ الفضاء السياسي لاعبون كثر يتشاطرون مسؤولية تحريك الحوادث
فيه، وفي زمن يقضي بأن يتلاقى كل هؤلاء اللاعبين على ارضية مشتركة للاتفاق على قواعد
اجتماع سياسي جديدة يتأسس عليها نظام سياسي وآليات تنظم المشاركة السياسية..
يحلو للعقل الباطن الاصلاحي انتزاع
المؤتمر من الصورة. والمثقفين بمختلف أمزجتهم يعززون هذا التوجه فيتصرفون وكأن
المؤتمر غير موجود ويعتبرونه تشكيلا ميؤوسا منه ينتظر على مقاعد المغادرة. وبالتالي
يعفونه من الرقابة ويعفون انفسهم من التعويل عليه. وهذا كله ينطلق من تقديرات مبنية
على آمال وأحيانا مخاوف وتهويمات أكثر من استنادها إلى الحقائق. فالامور في اليمن لم
تكن ما كانت عليه في تونس ومصر ولن تكون ما اصبحت عليه هناك.
والراجح أن كلمة ثورة لعبت دورا أيضا في
تفضيل الامتناع عن الاعتراف بكون المؤتمر فاعل رئيسي وشريك -حاكم بموجب المعاهدة السياسية،
وحاضن مستقبلي لمعظم القوى والمصالح المتضررة والخائفة من الاصلاح.
من سيخبر الاصلاح ان زمن تحدي السلطة
انتهى؟ ومن سيخبره أن الوصول إلى الحكم عبر الانتخابات لا يقتضي تدمير المؤتمر ولا
غيابه من المشهد بل يقتضي أداء نوعي وانجاز والتزام بالحقيقة ما أمكن؟
ماذا لو يتوقف الاصلاح والمشترك وحتى المؤتمر
ويطرحون على أنفسهم هذا السؤال المفرط في بديهيته، لكن المنسي دوما: هل أولوياتنا متطابقة
أو متقاربة على الأقل مع أولويات السواد الأعظم من الناس وشواغلهم اليومية؟
من يخبر الاصلاحيين أن إقالة بقايا العائلة،
على أهمية ذلك، ليس أمرا من الأمور التي تتصدر الهم اليومي للناس العاديين، ثم إن العائلة
تعتاش وتتقوى من الرداءة المصاحبة لسيطرة مسألتها على جدول أعمال الجهد السياسي وتعبيراته،
حاصروا تأثير العائلات بتجاهلها، بالسير قدما عبر كسب ثقة الناس وإحداث فارق في حيواتهم
ومساندتهم وموافاتهم بالحقائق أولا بأول.
ومن سيخبر المؤتمريين أن إقالة علي محسن
أو تأمين عائلة صالح ومشاطرتها أعياد ميلادها وحفظ امتيازاتها لا يقع ضمن لائحة شواغل
السواد الأعظم من المواطنين.
أعيدوا التفكير في الرجل الطيب
باسندوة، من أجل البلد ومن أجل المشترك. فأداء الرئيس هادي رغم أنه نائب رئيس
المؤتمر، إلا أنه في الذهن العام لا تحسب جودته ولا رداءته على حزب المؤتمر،
فالرجل له وضع تاريخي خاص، بخلاف باسندوة الذي ليس منتميا لاي من أحزاب المشترك،
وهنا المفارقة، إلا أن الطريقة التي يدير بها الحكومة ومستوى الكفاءة أو
اللاكفاءة، تحسب على هذه الاحزاب وعلى وجه الخصوص الإصلاح.
ثم إنه ما كان على المشترك أن يدفع برجل مثل باسندوة في اليوم التالي لرحيل صالح عن السلطة.
ثم إنه ما كان على المشترك أن يدفع برجل مثل باسندوة في اليوم التالي لرحيل صالح عن السلطة.