الأحد، 16 فبراير 2014

خسارات الإصلاح من الأداء الباهت لحكومة باسندوة


محمد العلائي
في المجتمعات الانتقالية التي تقف في المنطقة الفاصلة بين الحالة التقليدية والحالة العصرية، حيث تكون المؤسسات السياسية هشة والبنى الاجتماعية الحديثة غير فاعلة أو مشوهة، وآليات المشاركة السياسية مفقودة أو تفتقر للكفاءة، في مجتمعات كهذه، ونحن في صميم هذه المجتمعات، يكون منهج تحدي السلطة هو الصيغة السائدة للمشاركة السياسية والسبيل الوحيد لبلوغ السلطة.
في المحصلة تسقط السلطة تحت ضغط التحدي، فيتشاطر الإمساك بزمامها رفاق التحدي، لكن يفعلون ذلك بمهارات التحدي، انفعال وحماسة من دون مهارات الحكم. يشعر هؤلاء الرفاق بأنفسهم وجها لوجه أمام مهمة مختلفة تطرح اسئلة مختلفة وتتطلب قابليات مختلفة وأداء مختلف وتفكير مختلف وطرق فهم مختلفة.
هذه الفكرة تخطر ببالي حينما أسمع تنهدات خيبة الأمل التي تسيطر على أحاديث اليمنيين هذه الأيام جراء التعثر الذي يظهر في أداء معظم وزراء المعارضة، وذلك النقص البين في مقدرة رئيس الحكومة على فعل أي شيء يذكر عدا النحيب. وهذه الخيبة مفهومة وهي من سمات المراحل الانتقالية التي تعقب فترة من الوعود والهذيان والخدر الثوري، يرتفع بسببها سقف التوقعات إلى أعلى مستوياته، ثم ما يلبث هذا كله أن يرتطم بالواقع وجبروته وحقائقه وتشابك عناصره واستحقاقاته.
أخطأ المشترك في الحساب باختياره باسندوة مع علمه بكبر الرجل مقارنة بما تفرضه اللحظة من تحديات، لقد كانت حيثيات اختيار باسندوة كلها متعلقة بالشأن الداخلي للمشترك وحلفاؤه، ولم تأخذ بالاعتبار أن تولي المشترك للحكومة يعني الجلوس على مقعد الاختبار، وأن الناس ليسوا على درجة من الإدراك بحيث يلتمسون الأعذار ويتفهمون، إذ لن يتردد أحد في إطلاق تقييمات وأحكام قاسية بحق المشترك استنادا إلى الفارق الذي انتظروا أن تحدثه حكومة المشترك في حياتهم.
على أن المستفيد الأكبر من دوام الحالة هذه هو المؤتمر إن لم يتشظى مستقبلا، وسيجصل على الغلة في الانتخابات القادمة إن كتب لها أن تجرى في موعدها.
في حين يبدو لي الاصلاح تحديدا الخاسر الأكبر من فشل الحكومة إن فشلت. ذلك أن أغلب اليمنيين أصبحوا غالبا ينظرون إلى الاصلاح الآن نظرتهم إلى لاعب قوي في ميدان خال من اللاعبين. أي أن النقاشات تأخذ مجراها باتجاه واحد تقريبا يتلخص في القاء مسؤولية كل محتويات العملية التاريخية التي تجري حاليا على أكتاف الاصلاح. حتى أن النقاش يكاد ينقسم إلى فريقين أحدهما يحمل أوزار اللحظة كلها على كاهل الاصلاح الذي يظهر للناس بواسطة أكثر من قناع، فالثورة ليست اكثر من زي تنكري للاصلاح بحسب البعض، والحكومة أيضا، والمشترك هو في جوهره لا يزيد عن أن يكون الاصلاح.. وهكذا. وثانيهما ينسب مآثر المرحلة وأمجادها إلى الاصلاح مع إظهاره إذا لزم الامر في ثوب المستهدف الذي تكالب عليه الاعداء كما يتكالبون عادة على قوى الخلاص والفضيلة.
والاصلاحيين لا يقاومون هذا الإنطباع بل إنهم يسرون له، ربما لأنه يداعب خيلاؤهم من جهة ولأنهم على وشك تصديق أن الاصلاح سيكون شأنه في اليمن شأن نهضة تونس واخوان مصر.
مع أن تلك النظرة في المحصلة تلحق بالحزب على المدى البعيد أضرار لا يسهل جبرها. فهي تضع الحزب الكبير على مقعد الاختبار في الزمن غير المناسب، حيث يملأ الفضاء السياسي لاعبون كثر يتشاطرون مسؤولية تحريك الحوادث فيه، وفي زمن يقضي بأن يتلاقى كل هؤلاء اللاعبين على ارضية مشتركة للاتفاق على قواعد اجتماع سياسي جديدة يتأسس عليها نظام سياسي وآليات تنظم المشاركة السياسية..
يحلو للعقل الباطن الاصلاحي انتزاع المؤتمر من الصورة. والمثقفين بمختلف أمزجتهم يعززون هذا التوجه فيتصرفون وكأن المؤتمر غير موجود ويعتبرونه تشكيلا ميؤوسا منه ينتظر على مقاعد المغادرة. وبالتالي يعفونه من الرقابة ويعفون انفسهم من التعويل عليه. وهذا كله ينطلق من تقديرات مبنية على آمال وأحيانا مخاوف وتهويمات أكثر من استنادها إلى الحقائق. فالامور في اليمن لم تكن ما كانت عليه في تونس ومصر ولن تكون ما اصبحت عليه هناك.
والراجح أن كلمة ثورة لعبت دورا أيضا في تفضيل الامتناع عن الاعتراف بكون المؤتمر فاعل رئيسي وشريك -حاكم بموجب المعاهدة السياسية، وحاضن مستقبلي لمعظم القوى والمصالح المتضررة والخائفة من الاصلاح.
من سيخبر الاصلاح ان زمن تحدي السلطة انتهى؟ ومن سيخبره أن الوصول إلى الحكم عبر الانتخابات لا يقتضي تدمير المؤتمر ولا غيابه من المشهد بل يقتضي أداء نوعي وانجاز والتزام بالحقيقة ما أمكن؟
ماذا لو يتوقف الاصلاح والمشترك وحتى المؤتمر ويطرحون على أنفسهم هذا السؤال المفرط في بديهيته، لكن المنسي دوما: هل أولوياتنا متطابقة أو متقاربة على الأقل مع أولويات السواد الأعظم من الناس وشواغلهم اليومية؟
من يخبر الاصلاحيين أن إقالة بقايا العائلة، على أهمية ذلك، ليس أمرا من الأمور التي تتصدر الهم اليومي للناس العاديين، ثم إن العائلة تعتاش وتتقوى من الرداءة المصاحبة لسيطرة مسألتها على جدول أعمال الجهد السياسي وتعبيراته، حاصروا تأثير العائلات بتجاهلها، بالسير قدما عبر كسب ثقة الناس وإحداث فارق في حيواتهم ومساندتهم وموافاتهم بالحقائق أولا بأول.
ومن سيخبر المؤتمريين أن إقالة علي محسن أو تأمين عائلة صالح ومشاطرتها أعياد ميلادها وحفظ امتيازاتها لا يقع ضمن لائحة شواغل السواد الأعظم من المواطنين.

أعيدوا التفكير في الرجل الطيب باسندوة، من أجل البلد ومن أجل المشترك. فأداء الرئيس هادي رغم أنه نائب رئيس المؤتمر، إلا أنه في الذهن العام لا تحسب جودته ولا رداءته على حزب المؤتمر، فالرجل له وضع تاريخي خاص، بخلاف باسندوة الذي ليس منتميا لاي من أحزاب المشترك، وهنا المفارقة، إلا أن الطريقة التي يدير بها الحكومة ومستوى الكفاءة أو اللاكفاءة، تحسب على هذه الاحزاب وعلى وجه الخصوص الإصلاح.
ثم إنه ما كان على المشترك أن يدفع برجل مثل باسندوة في اليوم التالي لرحيل صالح عن السلطة. 

في العالم.. أن تكون صحفيا لا يعني أن تمتلك صحيفة


محمد العلائي
alalaiy@yahoo.cim
نقرأ على الدوام، عن صحفيين في العالم يوقعون عقودا بالأحرف الأولى، وعن الصراعات التي تحتدم بين صالات التحرير ومجالس الإدارة، وأن فريد زكريا انتقل إلى التايم بعد أن باعت الواشنطن بوست مجلة نيوزويك، التي انخفضت مبيعاتها إلى 3 مليون نسخة، من رجل أعمال أمريكي يدير مجموعة إعلامية ضخمة ويقع على عاتقه ضمان معاشات التقاعد لنحو 300 موظف في النيوزويك.
يجوب توماس فريدمان العالم، يكتب زاويته من كابول وصنعاء وبنغلور جنوبي الهند. يؤلف الكتب، ويقال أن "نيويورك تايمز" خصصت له رصيدا مفتوحا لتمويل تنقلاته، علاوة على الأجر الكبير الذي يتقاضاه احد أكثر الصحفيين الأمريكيين تأثيرا ونفوذا وشهرة.
قلما نسمع أن صحفيا قرر بمفرده تأسيس جريدة. ربما يحدث أن يكون صحفيا ما شريكا مساهما في مجموعة إعلامية وعضوا في مجلس إدارتها. لا أستطيع الجزم، لكني قرأت أن 2 من بين 3 صحف أمريكية تعود ملكيتها لمجموعات تجارية عملاقة.
ثمة قانون غير مكتوب يميز في العمق بين الصحافة كصناعة وتجارة وبين الصحافة والإعلام كمهنة، مثلها مثل الطب والمحاماة وبيع الأحذية وتربية الدواجن. حتى إن أحدهم كتب عن كيف يعتقد الصحفيون في أمريكا أنه ينبغي الفصل بينهم وبين ملاك الصحف بنفس الطريقة التي ينص فيها الدستور على الفصل بين الكنيسة والدولة. فضلا عن أن عميد سابق بجامعة كولومبيا اقترح على طلابه الذين سيصبحون صحفيين بادخار احتياطي مالي صغير، بحيث يمكنهم أن يقولوا لملاك صحفهم متقلبي المزاج: اذهبوا إلى الجحيم.
للعمل التجاري قواعده وطقوسه. وعادة ما تنشأ علاقة من نوع ما بين جودة التحرير وبين تصاعد مبيعات الصحيفة وارتفاع أسهمها في البورصة وتهافت المعلنين. وحين تنتكس صحيفة معينة يلجأ ناشروها إلى جملة تدابير من شأنها إنعاش المبيعات أو حتى تقليل الخسائر عبر خفض ميزانية صالة الأخبار.
بالنسبة للصحفي في اليمن، تبدو احتمالات الحياة محدودة للغاية. لا احتياطي مالي ولا عقود بالأحرف الأولى، ولا تأمين.
ومن بين أكثر الاحتمالات سهولة إصدار صحيفة خاصة بإمكانات بسيطة يتولى تحريرها شبان هواة بأجور لا تصدق، ثم ما يلبث هؤلاء الهواة أن ينشقوا بدورهم عن هذه الصحيفة الواحد تلو الآخر، ينشقون وهم مملوؤن بإهانات صغيرة وكبرياء جريح وتوق مفعم بالوجل والشك لتحقيق أناهم من خلال امتلاك صحيفة يمارسون فيها وجودهم كاملا، حتى إن بعضهم يسمح لنفسه بتعريض طاقم الهواة لديه للظروف غير العادلة والمشاعر نفسها التي اختبرها ذات يوم.
بعضهم سيعمل بلا بوصلة، ويمارس تحيزات مجانية تبعا لحالته المزاجية وصداقاته الشخصية، وليس استجابة لأقسام الإعلان مثلا. أما ملاك الصحف الآتين من تنظيمات سياسية فإنهم مناضلون "طليعيون" أكثر منهم تجار أو حتى صحفيون مستقلون. إنهم متقشفون جدا ولا يعطون مسألة الربحية الاهتمام الذي يليق برجل أعمال. إذ تلعب القضايا التي يؤمنون بها دورا ضاغطا يضاهي دور المعلنين في أمريكا. والمحصلة: فقدان استقلالية صحفهم شبه الكلي. ومعلوم أن الاستقلالية مبدأ مقدس في حرفة الصحافة مثلما الحرية.
والتحيز لمصلحة الايدولوجيا الشخصية شائن، مهنيا، بنفس القدر الذي يبدو عليه التحيز لحساب شركة معلنة.
أعرف أن الصحافة غير المنحازة حلم، لكنها ليست فكرة طوباوية بالكامل. يمكن للمرء أن يتمتع بقدر عال من الموضوعية والأمانة والصدق ويكون في الوقت نفسه رائد تغيير، وحتى مناضلا.
لكن يقتضي الإنصاف عدم الاكتفاء بإلقاء اللائمة على الصحفيين فقط، ذلك النوع المميز من الرجال الذين يفترض أنهم أيدي عاملة تكد بمهنية واحتراف لحساب مجموعات تجارية هائلة بأجور محترمة وظروف آمنة. في اليمن أرباب المال عازفون تماما عن الاستثمار في حقل الإعلام، إضافة إلى أن فكرة الصحافة المستقلة طارئة وتشتغل في محيط اجتماعي متخلف ومحكومة بنظام سياسي وقوانين لا تشجع على المخاطرة والتوسع.



ليس بإظهار شناعة الحوثي يتوهج الإصلاح


محمد العلائي
خلال الأيام القليلة الماضية امتلأت الصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات على صور لرجال يقال أنهم من صعدة عليهم آثار تعذيب. ولقد احتشد ناشطوا الاصلاح والسلفيين أكثر من غيرهم لنشر الصور والتنديد بها بأساليب متنوعة بعضها مشوب بالطائفية.
التفاصيل شحيحة عما حدث لهؤلاء الأشخاص، فالانفعالات تحضر على حساب الحدث.
وإذ هم منغمسون في مقت طائفية الحوثي يتورطون في فخ الطائفية دون أن يدرون.
لكن من قال إن الحوثيين أيقونة العصرية والمدنية لكي تنفقون كل هذه الجهود للبرهنة على مدى السوء الذي هم عليه؟ الحوثية تكوين طائفي لا يضمر هذه الحقيقة ولا يداريها, وأنتم نظريا تكوين حزبي مدني تقع عليه إلى جانب عناصر النظام السياسي الانتقالي الأخرى، مسؤولية التعامل مع المعضلة الحوثية، ومعالجة ظروفها وروافدها ومضاعفاتها، بأدوات السياسة، والمساهمة بسعة صد في توفير حوافز دمج الجماعة الحوثية في النظام السياسي واستيعاب مخاوفها ومساعدتها على إعادة تعريف نفسها وصياغة بناها بجرعة طائفية أقل، وإن كان طموحنا هو أن تختفي التعبيرات الطائفية لمصلحة تعبيرات سياسية مدنية ديمقراطية تؤمن بالمواطنة المتساوية وحقوق الانسان والتنوع وحرية الإعتقاد.
كونوا أنتم جيدين فحسب وأكثر إنسانية وعصرية وتسامح وديمقراطية وانفتاح، البلد تعقد عليكم آمال واسعة لتجنيبها أهوال السقوط في مستنقع التناحر الطائفي العفن، لا أن تستنفروا طاقتكم لتوجيه البلد الوجهة التى لا رجوع منها.
جماعة الحوثي تمارس انتهاكات في صعدة، هذا مؤكد، غير أن من الأفضل ألا تتصدر منابر الاصلاح أو المحسوبة عليه وناشطيه كشفها وترقية لهجة طائفية مضادة لشجبها واستثمارها لأبعد مدى في تهييج المشاعر وتوجيهها.
الإصلاح مستمر في التسخين على كل الجبهات، وهو يدفع الحوثيين بلا هوادة إلى خندق الرئيس السابق. موقف الحوثي ملتبس، يقدم باتجاه العملية السياسية بخطى متثاقلة، بينما عيناه مفتحوتان على احتمالات الصراع في صنعاء.
على قيادات الاصلاح أن تستأنف اتصالاتها بقيادة جماعة الحوثي، وتمضي معهم في مسارات تفاوض تنتهي بالاتفاق على أسس مشتركة تنظم علاقة هذين المكونين في مناطق التماس. لا تسمحوا للعناد والكبرياء بأن يقود إلى أوخم العواقب.

ليس بإظهار شناعة الحوثي يتوهج الإصلاح.
*صحيفة الشارع

ليجعلوها تشبه حتى أرخبيل الملايو


محمد العلائي
قال محمد علي أحمد أمس ما معناه أن من الضروري إجراء حوار جنوبي جنوبي بالتوازي مع حوار شمالي شمالي، يتمخض عن كل منهما قيادتين موحدتين تعبران عن إرادة الشطرين وتمثلانهما.
وهذا الطرح ليس جديدا، إذ لطالما نادت به قيادات من الحراك الجنوبي، وأشار إليه الرئيس علي ناصر محمد في كلمته التي ألقاها خلال لقاء معارضة الخارج بلجنة الاتصال في القاهرة الاسبوع الماضي.
الجديد في كلام محمد علي أحمد، والرجل ينتمي إلى الفصيل التاريخي المهزوم في أحداث 1986 (الزمرة)، ويصنف منذ عودته من المنفى على أنه ممن تربطهم بالرئيس عبدربه منصور هادي علاقة وثيقة وتنسيق، الجديد يتمثل في إضافته فكرة حوار شمالي شمالي يتزامن مع الحوار الجنوبي.
الفكرة إجمالا تفصح عن إدارك متأخر لحقيقة أنه لا الجنوب على ما يرام ولا الشمال كذلك.
وإذا أضفنا تصريحات محمد علي أحمد إلى الشروط التي أعلنتها القيادات الجنوبية في القاهرة، وهي على درجة من الصعوبة يغدو معها الحوار فكرة مستحيلة، فإن الجهد الذي تبذله لجان التواصل سيذهب سدى.
ما المانع أن نختبر المضي في المسارين اللذين اقترحهما محمد علي أحمد بدلا من هدر الوقت والجهد فيما لا طائل من وراءه؟ سينطلق الحوار الوطني على مستويين، شمالي شمالي وجنوبي جنوبي، ينتهيان بحوار شمالي جنوبي يقرر مصير الدولة.
وسيكون المحك في ما إن كان الشماليون قادرون على تشكيل تكتل موحد وقيادة موحدة تتفاوض نيابة عنهم، وما إن كان الجنوبيون قادرون على الأمر نفسه، وكم يستغرقنا ذلك من الوقت؟
مع أني لا أستسيغ هذا المنطق، وأراه مجاف للحقائق الماثلة والتعقيدات والتي نتجاهل التوقف أمامها، لكن ما حيلتنا إذا كان مقدر لهذا البلد أن يكون حقل تجارب للأشباح نفسها التي ورطتنا في الوحدة شمالا وجنوبا، فلنمنحها فرصة التجريب من جديد.
دعوهم يصنعوا من اليمن أي شيء يحلو لهم، ليجعلوها تشبه حتى أرخبيل الملايو.
...
ياسادة، كانت اليمن تتألف من شطرين قبل 1990، وكانت الوحدة تعني زوال حدود دولتي الشطرين واندماجهما في كيان واحد، وكان النقيض من الوحدة بهذا المعنى هو عودة التشطير، اي انفصال الشطرين واستعادة دولة كل شطر لاستقلالها.
من يقول أن حرب 94 أنهت الوحدة السلمية الاندماجية يغيب عنهم أنها أيضا وبنفس المستوى أنهت، بما ترتب عليها، الانفصال بوصفه عودة شطري ما قبل 90.
وأتصور ان المتاح والآمن هو الانتقال عبر هذه الدولة المرتكزة على أسس مغشوشة، إلى صيغة لوحدة يمنية لا مركزية على قواعد جديدة تشترك في بناءها اجزاء اليمن وقواه الفاعلة ومواطنيه شمالا وجنوبا وبالتراضي. اقول عبر هذه الدولة او ما تبقى منها وفي ذهني صورة الحجر الزلقة التي تستخدم للانتقال الى الضفة الاخرى لمجرى يفيض بالماء.
إن أخفق هذا المسلك فلا ينتظرن أحد دولتين وعلمين يرفرفان بل دويلات وامارات واعلام وإخفاقات ومآس عظيمة.
لا الشمال حاليا يملك من يفاوض بلسانه مقابل الجنوب، ولن يملك، ولم يخول الجنوبيين حسب علمي جهة واحدة او شخص للتصرف بالوكالة عنهم في تقرير مصائرهم. الحوار الوطني او المائدة المستديرة المقرر انعقادها في المرحلة الثانية من الفترة الانتقالية هو الآلية المثلى والوحيدة ليلتقي كل اليمنيون بلا استثناء للاتفاق على شكل للدولة يضمن تحقيق المصلحة للجميع.
شخصيا بهذه الطريقة أصبحت افهم الوحدة الآن، وأفهم نقيضها.


أن تكون إصلاحيا في أيامنا هذه


محمد العلائي
alalaiy@yahoo.com
ازدهرت التيارات الإسلامية في تونس ومصر في بيئة سياسية بالغة القسوة، لم تكن تحظى بمنابر إعلامية مفتوحة ولا هيئات قانونية تنظم علاقتها بالناس. ولسوف تكشف الثورات الأخيرة كيف أن السياسات القمعية الخانقة هي بمثابة السماد بالنسبة للإيديولوجيات. وها هي الآن تلوح وكأنها على مشارف حيازة ثقة مجتمعاتها كما تقول بعض التوقعات المشوبة بالقلق.

وفي مقالة ثمينة ونافذة، يفسر الصحفي الأمريكي فريد زكريا القوة التي يظهر بها الإخوان عقب الثورة، بالطبيعة المجحفة لنظام الحكم الذي واظب على تقليص ومحاصرة كلّ نوع من أنواع النشاط السياسي. "المكان الوحيد الذي لم يكن بمقدوره إقفاله هو المسجد، الذي تحوّل بسبب ذلك إلى أن يكون مركز التحرّكات السياسية، وأن يكون الإسلام لغة الرفض والمعارضة"، يقول زكريا.

فريد زكريا يؤيد الفرضية التي تعزو المكانة التي تحتلها جماعة الإخوان في المجتمع المصري إلى كونها حُظّرت وقُمعت طوال عقود. "لكن حين يتعلّق الأمر بالمنافسة في سوق الأفكار يمكن للناس أن يخلصوا، كما هو الحال في عدد من الدول الإسلاميّة، إلى التفكير في مسائل من قبيل الفساد وأهلية الحكم والتطوّر الاجتماعي بدلا من الأحكام الإيديولوجية الكبيرة"، هكذا يستنتج زكريا.
على أن محنة إسلاميو اليمن مع المجتمع والثورة تبدو على العكس من ذلك تماما. كانت فكرتهم متداولة في سوق الأفكار بوضوح تام، وأتيحت لهم فرص التبشير بها، واختبارها. لقد ترعرع الإسلاميون هنا ضمن أجواء وسياقات سياسية تميزت بقدر جيد من الحريات السياسية لا سيما بعد الوحدة اليمنية، وامتلكوا منذ عقود إمكانية الوصول إلى عمق المجتمع وملامسته عن كثب بصورة معلنة أو خفية.
لكن من خلال ملاحظتي لأداءهم مؤخرا أوشكت على الاقتناع بأنهم لم يستثمروا امتياز التحرك شبه السلس الذي كانوا يتمتعون به كما يجب، وبما من شأنه نيل ثقة الناس وتأييدهم.

صحيح هم لا يزالون أخطبوط سياسي واجتماعي ضخم، وهو في نظري حتى هذه اللحظة أحد الضمانات القليلة المتبقية لاستمرار اليمن موحدا، لكنه اكتفى بالتغلغل على مستوى فئات وقطاعات معينة أكثر من غيرها، وهم بلغوا ما بلغوه استنادا إلى نشاط تنظيمي حركي يحاكي تجارب إسلاميو مصر السرية وينجحون، لكنهم أخفقوا في تقديم نموذج جذاب في حقل العمل المعلن بحيث ينتعش في الضواحي والأرياف ويعبر عن آمال وتطلعات المواطن العادي عبر خطاب مختلف واضح ومدروس يبتعد عن العموميات والسرديات الكلية، وبدون فرض قواعد أخلاقية عقائدية مصاحبة لهذا الخطاب. وصياغة معايير حزبية جديدة ترتكز على المواطنة بدرجة أساسية والكفاءة والموهبة، معايير دنيوية خالصة لا تحكم على الفرد من مراقبة المواظبة على صلاة الفجر مثلا أو التقيد الأعمى بسلم تنظيمي أرساه على الأرجح حسن البنا في ظروف لا تشبهنا في شيء.

يجب أن يكون الإصلاح حزب اليمنيين، لا حزب اليمنيين السنة ولا حزب الإخوان المسلمين حصريا، وأن يقوم ببلورة أجندة سياسية وطنية جامعة ومثل عليا تتخطى الانتماء المذهبي والجهوي. متى يأتي اليوم الذي نرى في الإصلاح قيادي من الجماعة الصوفية أو من الزيدية أو من الحوثية أو من التبليغ، يلتفون حول أفكار وبرامج وتصورات سياسية واقتصادية.
حزب المواطنين الأحرار باختصار.

لقد ولى إلى غير رجعة ربما زمن تصادم الإيديولوجيات الكبرى. لقد تحركت موجات التحول الديمقراطي من الأبخرة المتصاعدة من بين أنقاض صراع النظريات الكلية، إنما وبالتزمن تحركت موجات الهويات الدينية والعرقيات وتفتحت أحلام الأقليات.
في اليمن، صعد الإسلاميون إلى واجهة المشهد السياسي على كاهل التنافس الذي احتدم مع المد الماركسي القادم من الجنوب. بعد حرب 1994 أهيل على هذا التنافس التراب. ووجد الإصلاح نفسه القوة الايديولجية الوحيدة النابضة بالحياة في البلد بأسره. كان هذا يعني أن وظيفة الإصلاح لم تعد ذات طابع عقائدي تجريدي، لقد عم البلاد نهاية التسعينيات فيض من التدين، واكتظت المساجد بالمصلين.
تغير مضمون الصراع، وكان يفترض أن يتغير معه تصور الفرد الإصلاحي لنفسه ورسالته وأولوياته. كانت الصلاة ومظاهر التدين البسيط تحدد هوية الإصلاحي وشخصيته وتمنحه الشعور بالتميز عمن سواه. حتى أنني أعلنت انحيازي عندما كنت طفلا في انتخابات 1993 لمرشح الإصلاح لمجرد أنه كان يظهر في الصور بلحية داكنة السواد ووجه بشوش، في مقابل الصورة المكفهرة والشعر المكتسي بالبياض لمرشح حزب البعث.

مضت عقدين منذ ذلك الحين. وليس من الصواب في شيء أن تظل نظرة الإصلاحي إلى الأمور والحكم على الأشخاص بهذه الطريقة الخاوية والمتخلفة. الآن ليس المواطن الصالح هو الذي يلهج بذكر الله وينشج بالبكاء، فهذا النوع من التدين لم يعد حكرا على الإصلاح، ففي الساحة اليمنية جماعات دينية متنوعة تنشط بلا كلل، وتفرط في العناية بالعبادات. المواطن الصالح هو الذي يسهر على رعاية مصالح الناس في بلدته، المستقيم في تعاملاته والمتفوق في مضماره. الرجل الصالح هو النزيه والذكي والمنفتح على الأفكار والجماعات، المنضبط المتسامح والعميق.  

من الآن فصاعدا أصبحت المهمة الملقاة على عاتق الإصلاحي تتمثل في المساهمة الدءوبة في بناء وطنه وليس "الدعوة إلى الله" بمعناها المباشر الذي ينقلك إلى أجواء مكة والأوس والخزرج.
الحق يقال، ألمس بعض التطير من الإصلاح في أوساط الناس البسطاء. لا يقع اللوم عليهم بالطبع، لكن على الإصلاح الذي يفضل التفسيرات والأجوبة الجاهزة بينما يغض الطرف عن الأسباب الفعلية مدفوعا برهبة الوقوف على الحقيقة. ينبغي دراسة هذا الأمر بكل صدق وجرأة. 

ثم إننا ننتظر من الإصلاح على وجه الخصوص الشروع الفوري في التخفف من رواسب سنوات التحالف الطويلة مع الحكم، تلك التركة الثقيلة من العلاقات والتحالفات وما تمثله من تصورات وأنماط عمل وطرائق تفكير. وهي إن كانت تضفي على الإصلاح لأول وهلة صورة القوة التي لا تقهر، إلا أنها تضعفه في الصميم. فإلى جانب المآزق الأخلاقية التي يضع نفسه فيها بسبب إرث هذه الأطراف والعائلات، هناك أيضا الشعور بالركون والاسترخاء والتفسخ الذي يتركه وجود هذه الأطراف في نفوس كثير من أفراد الإصلاح.

ليس المطلوب من الإصلاح أن ينقض عرى هذه التحالفات بكل فظاظة ودفعة واحدة، كل ما عليه التخطيط له هو التقليص المتواصل من اعتماده على هذه الجهات لمصلحة اعتماده على قوته الذاتية، بالتوازي مع محاولة حمل هؤلاء على اعتناق قيمه وتصوراته التي يتوخى أنها على قطيعة شبه تامة مع نظام علي عبدالله صالح، بكلمات أخرى: على الإصلاح أن يسعى بشكل حثيث وملموس لمعالجة الظروف المنتجة لهذه الظواهر القبيحة والأنساق، والتي تتجلى في تلك الامتيازات غير المشروعة والوجود الاستثنائي لهذه المراكز والجهات.
تناولي للإصلاح في هذه السطور مرتبط بمتابعتي مؤخرا للمشهدين المصري والتونسي، مع أنني اتفق مع فريد زكريا بأنه "لن يخلو من تسرع وطيش كل توقع واثق لمآل الأمور". غير أن سؤالي كان بالغ البساطة: لماذا ينكمش إسلاميو اليمن في حين كان عليهم أن يتمددوا؟ وأي فصيل منهم مرشح لتسجيل أقوى حضور في المستقبل، هل الفصيل المنفتح والأكثر حداثة أم المنغلق؟
وحده انسحاب النائب محسن باصرة رئيس الإصلاح في حضرموت، من المجلس الوطني قبل أسبوعين، كان أكثر الأخبار إثارة للاهتمام بالنسبة لي. لا أدري لماذا رأيت فيه علامة هشاشة واختلال، ربما لأنني كنت واحد ممن يتخيلون أن الإصلاح محصن من الانقسام إلى حد كبير. بمعنى أن تصرف باصرة جعلني أعيد النظر في تصوري التقليدي عن البناء التنظيمي الذي لطالما ظننته غاية في الصلابة! ومع ذلك يمكن رؤية الأمر من زاوية مختلفة، واعتباره مؤشر عافية وليس مؤشر مرض, طالما أن باصرة مارس حقه في الاختلاف من داخل الحزب ولم يقرر الانشقاق في حين لم يسارع الحزب إلى فصله.

شخصيا أدرك أن الإصلاح ينجز تحولات لا بأس بها من سنة لأخرى، بيد أنها تسير بخطوات متكاسلة وجلة في عالم مندفع لا يكف عن التقدم والتغير على كل المستويات. فيما مضى كانت الخلية التنظيمية هي الوسيط شبه الوحيد الذي يحصل من خلالها الفرد الإصلاحي على مادته التثقيفية السياسية والدينية. لم يكن يتعرض لهذا الكم من المؤثرات ومصادر المعرفة والمعلومات، مع جرعات من التوجيه والتحليل. كانت السيطرة والتحكم في الماضي سهلة، لقد تغير كل شيء، وبات الإصلاحي مثل غيره من اليمنيين عرضة للتأثيرات الخارجية، يسمع ويشاهد ليل نهار، ويحاكم بعقله ما يسمعه ويخضعه للتمحيص. في حال كهذه تصبح مهمة بناء قالب ذهني وفكري يحمل لون واحد أصعب مما يتخيل المرء.

ربما هذا يفسر التنوع الكبير والتفاوت في وجهات النظر والمواقف الذي يبدو عليه الإصلاحيون في السنوات الأخيرة بين شخص وآخر ومنطقة وأخرى وبين درجة تنظيمية وأخرى. لكن هذا التنوع الرائع قد يغدو مقدمة للتحلل والانقسام، إن لم يسارع الاصلاحيون إلى تحديث الهياكل والمعايير واللوائح التنظيمية للحزب بما يستوعب هذا التنوع ويعترف به لكي لا يكون الإصلاح حزب مزدوج الشخصية، يعاني هوة سحيقة بين صورته كما تبدو من خارجه وبين صورته من الداخل.
أظنني في غنى عن الإشارة إلى أنني أكتب هذا وأنا لا زلت أعتبر نفسي أقرب إلى الإصلاح من أي حزب أو جماعة أخرى، مع أني أضع تحيزاتي وتفضيلاتي السياسية والعقائدية جانبا أثناء الكتابة. وأعرف أن ثمة من سيعتبر هذه المقالة إساءة للإصلاح، وسيردد البعض محفوظات بائسة في سبيل تفنيد ما كتبته. لكني يشهد الله لم أنوي قط التحامل على حزب نشأت في كنفه، أريد فقط أن أساهم في تقييم ونقد هذا الكيان الكبير، وتحفيز الجدل وإثراءه.

غير أن الإصلاح في الأخير ليس قبيلة ولا عصبة. الإصلاح كما ينبغي أن يقدم نفسه هو: خيار سياسي واقتصادي واجتماعي، ضمن خيارات ومكونات كثيرة، وليس مطلق. إن منطق وأخلاق القبائل لا تلائم حزب على الإطلاق.


الأكثر مشاهدة