الأحد، 12 أغسطس 2012

المؤتمر المقسوم على اثنين


محمد العلائي:
...
مستقبل المؤتمر الشعبي العام موضع شك؛ لكنه يؤجل سؤال المصير ويتصرف وكأنه في مأمن.
قليلون اكترثوا لتشاورات حزب المؤتمر الذي يكافح للمواءمة بين رأسين يتنازعان قمته. ففي المخيلة السياسية اليمنية لا يزال المؤتمر حزب السلطة، حتى لو لم يعد كذلك إلا لماماً. معايير الحكم على الوقائع وقياس أهميتها خبريا لم تتغير، لدى وسائل الإعلام المستقلة، تبعا لتقلبات الأحوال في اليمن.
لقد انطلقت، نهاية الأسبوع الماضي، لقاءات تشاورية لفروع المؤتمر الشعبي العام في المحافظات التي تم تقسيمها إلى مجموعات؛ غير أن الحدث لم ينجح في جذب الانظار لينال حقه من التقييم والتحليل واستخلاص الدلالات.
هناك مسافة لم يعبرها الذهن العام ليلقي نظرة مختلفة على حركة الحوادث واتجاهاتها. لا يزال المنهج القديم راسخا، والسيطرة لا تزال لميراث الأحكام التالفة من فرط الاستعمال، والمقولات عتيقة الطراز. قلما نجد من يتناول البنى الاجتماعية والتنظيمات السياسية استنادا إلى تغيرات الموقع والوزن والسياق.
كان الإعلام المستقل قبل الثورة على مسافة قريبة بالضرورة من أحزاب وجماعات المعارضة، كانت الصحافة تضطلع بدور سياسي نضالي يقوي شوكة المعارضة ويخلخل بنيان الحكم. كانت تقاتل في الخطوط الأمامية، وكانت المخاطر أكثر من أن تحصى؛ لكن بالمقابل كان الصحفي يحصل على مكافأة لا تقدر بثمن: شعور بالرضا واكتساب صفة المناضل المنحاز للحريات وحقوق الإنسان والمناهض اللامع لانحرافات السلطة.
الآن أصبحت أحزاب المعارضة شريكة في الحكم، ويجمع بعضها تحالف مصير مع أعمدة السلطة القديمة؛ غير أن هذه الأحزاب لا تزال هي القصة وهي المتن، والضوء لا يلاحق غالبا إلا حركتها وتصريحات زعمائها وأنشطتهم.
انتقل المؤتمر إلى طور جديد نسبيا وحافل بالاحتمالات؛ لكن انتقلت معه في المخيلة العامة خصائص قوة سياسية واجتماعية لوثتها السلطة. حاليا يتدرب هذا الحزب على التنفس والحركة في ظروف غير مألوفة بالنسبة لـ "تنظيم سياسي" نشأ ملحقا للسلطة المركزية، ومصمما طبقا لاحتياجاتها، وهو اطمأن كليا إلى هذه الوظيفة، ولم يحتاط للمستقبل بما يكفي.
حراك المؤتمر الشعبي العام يشبه برنامج العلاج الطبيعي للمصابين بالبدانة أو الشلل، وهو يعيد إلى الذاكرة فعاليات التشاور الوطني التي نظمها تحالف اللقاء المشترك في مرحلتها الأولى خلال العامين 2008 و2009، كمسار احتياطي في حال باءت بالفشل الجهود التي كان التحالف يبذلها لفرض رؤية لإصلاح النظام السياسي والانتخابي على الرئيس السابق وحزب المؤتمر.
كانت المفاوضات مع "صالح" تنتهي إلى طريق مسدود. أبرم العديد من الاتفاقيات السياسية، كان آخرها اتفاق فبراير 2009، وهي خطوط عريضة عائمة قضت بتأجيل الانتخابات النيابية عامين، إلا أن مسار التسوية تعطل من أول وهلة؛ مع أنه شكليا واصل التقدم إلى أن تأسست ما سميت بـ "اللجنة الرباعية"، والتي تألفت من الدكتور ياسين والآنسي ممثلين للمشترك، وعبد ربه منصور هادي والإرياني مفوضين عن "صالح" والمؤتمر. اللجنة خرجت في الأخير بمجموعة مقترحات يقال إن الرئيس السابق رفض الموافقة عليها، مأخوذا بأبهة النجاح الذي أصابه "خليجي 20" في عدن 2010. وتقول الأسطورة إن "صالح" رفض المقترحات لأنها لم تأت على مناقشة وضعه الخاص، مستقبله كرئيس ومستقبل عائلته.
الثابت أن "صالح" كان مولعا بالمماطلة والمكر. وبحلول العام 2011 حدث ما لم يكن في الحسبان. تفجر الغضب من كل مسامات البلد؛ مشاعر مكبوتة وطموحات وأحلام وضغائن، وسالت دماء، واكتوى الرجل بالنار، وقد تمخض كل شيء في نهاية المطاف عن مشهد من الفوضى العارمة، مشهد لم يعد فيه صالح "المخلص العظيم" بالنسبة للمؤتمر، ولا "شمشون الجبار" بالنسبة للمشترك.
يستأنف المؤتمر حركته وهيئاته القيادية مسكونة بسؤال المصير؛ لكن الحركة بحد ذاتها مؤشر عافية تمنحه أفضلية في محيط سياسي حزبي متحجر؛ فالماكينة الحزبية للقاء المشترك أصابها الشلل؛ إذ لا يكاد المراقب يلحظ ما يدل على فاعلية حزبية ونقاشات أو جاهزية من أي نوع لاستيعاب ما كان على الأرض وما سيكون.
وفي حين انتهت ثورتا تونس ومصر بحل الحزبين الحاكمين بكلمة الثورة، فقد منحت كلمة السياسة في اليمن المؤتمر الحاكم السابق نهاية سعيدة وكتبت له عمرا جديدا. لقد كانت هذه النهاية استجابة لضرورات وطنية وهروبا من هول الفراغ الذي لا يزال رغم كل شيء تهديدا ماثلا، ففي المناطق التي انكمش فيها المؤتمر أو اختفى ضمن أحداث 2011، برز إلى السطح مجال استقطاب يحمل طابعا مذهبيا عنيفا.
والراجح أن هذه النهاية التي أعفت المؤتمر من مصير الحزبين الحاكمين في مصر وتونس، لم تكن سوى اعتراف بأن طبيعة الحالة اليمنية إجمالا لا تحتمل غير هذا المآل. فالمؤتمر لا يعزو الفضل في استمراره إلى رحمة وكرم الثورة والمشترك، بل إلى عجزهما أمام فاعليته في المواجهة واستعصائه وقدرته على الفعل.
المؤتمر حافظ -اسميا، وبموجب المبادرة الخليجية- على نصيب وافر من السلطة؛ إلا أن الأشياء في اليمن ليست ما تبدو عليه؛ ذلك أن حساب نصيب المؤتمر في السلطة شديد التضارب، وربما التناقض. فثمة من يبالغ لدرجة اعتبار المؤتمر حزبا حاكما، وذلك اعتمادا على حيثيات سطحية تأخذ بالاعتبار انتماء الرئيس هادي للمؤتمر، وكذلك بقية رجال الدولة الذين كانوا يتمتعون بمواقع في الحزب بحكم المناصب التي يشغلونها. وثمة من يبالغ لدرجة الحديث عن أن المؤتمر تجرد من السلطة، ولم يعد له من وزن أو تأثير فعلي في المجرى العام.
حتى المؤتمريون أنفسهم يعيشون قلق المصير، واضطراب هوية، ودرجة من التخبط في تقديرهم لحجمهم والنقطة التي يقف حزبهم عليها؛ هل لا يزال حاكما أم أنه يزحف باتجاه مواقع المعارضة ويمارس أدوارا مزدوجة؟ فهو من ناحية يلزم الصمت إزاء سياسات الرئيس أو يسجل اعتراضا خجولا، ومن ناحية أخرى يذهب بعيدا في ممارسات خليقة بحزب معارض ليس له موطئ قدم عريض في الجهاز البيروقراطي للدولة.
مصير المؤتمر الآن معلق على احتمالات علاقة الرئيس هادي برئيس المؤتمر ومؤسسه؛ فكل ما يمكن أن يشوب هذه العلاقة يعكس نفسه تلقائيا على علاقة هادي بالمؤتمر. فالاستقطاب الرئيسي في صفوف المؤتمر يجري على أساس من يؤيد استمرار "صالح" في رئاسة المؤتمر ومن يؤيد انتقال قيادة الحزب إلى رئيس الجمهورية. وفي الحقيقة، من المستحيل التنبؤ بالكيفية التي ستذهب بها الأمور، ولا ما يدور في خلد الرجلين.
في اللقاءات التشاورية تلي خطاب موحد باسم رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي، نائب رئيس المؤتمر الأمين العام. وليس مهما ما احتواه الخطاب، المهم أن العلاقة الملتبسة بين الرئيس وحزبه تراوح في منطقة الالتباس ذاتها حتى اشعار آخر.
المؤتمر قسم الجنوب إلى إقليمين حزبيين: إقليم يضم عدن وأبين ولحج وشبوة والضالع، وإقليم يضم حضرموت والمهرة. في ما يتعلق بالقضية الجنوبية فقد جاءت مخرجات اللقاءات التشاورية في هذين الإقليمين متسقة مع أي مخرجات قد تخلص إليها لقاءات تشاورية لفروع حزب الإصلاح.
البيانات الختامية لمشاورات المؤتمر تثبت أن وجهة نظر المؤتمر تلتقي -في ما يخص الجنوب- مع وجهة نظر الإصلاح على نحو مدهش: التأكيد على عدالة القضية، وأن الحوار الوطني هو السبيل الوحيد لمعالجتها، وشجب نزوع الحراك إلى احتكار تمثيل القضية والجنوب، والموقف الموارب من حرب صيف 94، وتصورات الحزبين متقاربة لشكل الدولة.
...

صحيفة الشارع- السبت

ليست هناك تعليقات:

الأكثر مشاهدة