الاثنين، 20 أغسطس 2012

النقاط العشرين.. التكاذب أصل السياسة اليمنية وفصلها

محمد العلائي
(أغسطس 2012)

غصة وما يشبه الكرب الهائل يدوس على صدري وقنوط.
انتهيت من قراءة البلاغ الصادر عن اللجنة الفنية المكلفة بالتحضير للحوار الوطني، وتساءلت إن كان لديهم أي فكرة عما قالوا أنها لائحة لاجراءات ضرورية من شأنها التهيئة للحوار الوطني؟ هل كانوا يعنون ما قالوه كليا؟
أعرف أنهم استوعبوا في ما يخص القضية الجنوبية النقاط العشر التي أعلنها الحزب الآشتراكي، وأضافوا جملة نقاط تتعلق بقضية صعدة لا أدري إن كان لممثلي الحوثي بصفته وكيل القضية، صلة بطرح بعضها أو كلها، وأنا هنا لا أسجل اعتراضي على محتوى تلك النقاط وإن كان بعضها مدعاة للتحفظ، إن اعتراضي يتركز على تعذر وضع كثير منها موضع التنفيذ في الظروف الحالية ناهيك عن افتقارها للتحديد الأمثل وجنوحها في كثير من الأحيان للإنشاء من قبيل "إلغاء ثقافة تمجيد الحروب"، كإجراء يهيئ للحوار الوطني! فضلا عما يشي بأنه التزام بتفسيرات أحادية للأحداث التي أنتجت قضيتي الجنوب وصعدة على سبيل المثال.
على أن كثير من النقاط يقتضي خلية عمل كل بند بمفرده، هنالك ملفات كبرى ثم الملفات الصغرى التي يتألف منها الملف الكبير، بنود تستدعي الاتفاق على  تفسير مشترك وإلى جانب التفسير لا بد من وجود تقارير ودراسات لحصر وتقدير الحالة، والانتهاء أخيرا بتقديم صورة واضحة يرتكز عليها تحديد السياسة المناسبة والجدول الزمني والجهة المعنية.
حتى بالنسبة للإعتذارين المقترحين عن حرب 94 وحروب صعدة، أتساءل عمن يفترض به تسمية الجهات أو الشخصيات التي يتعين عليها الاعتذار. الدكتور ياسين سعيد نعمان قال إن كافة الأطراف المشاركة في تلك الحروب يتوجب عليها الاعتذار وأن الترتيبات تسير في هذا الاتجاه.
والمعنى من ظاهر كلامه يمكن أن يتسع ليشمل الإشتراكي وجماعة الحوثي كطرفين مشاركين في الحروب تلك.
غير أن محمد اليدومي قال في مقابلته مع قناة سهيل، قبل أكثر من شهر تقريبا، ما يوحي بأن الإصلاح لا يرى في اشتراكه في حرب 94 خطيئة توجب الإعتذار. فهل تغيرت وجهة نظر الإصلاح وملحقاته بهذه السرعة؟ هذا جيد إذا كان الأمر كذلك.
خطر لي أن أسأل عن صوت المؤتمر في النقاط. ليس له أثر كما يبدو! أقصد ذلك الجانب من المؤتمر الذي يمثله علي عبدالله صالح الذي لم يتوقف حتى هذه اللحظة عن وضع حرب 94 على رأس مآثره!
ثم كم من الزمن يستغرقه القيام بتلك الأمور؟ مع الأخذ بالإعتبار أن معظم النقاط يتصل بوقائع تاريخية مثيرة للإلتباس، ويختلف النظر إليها والحكم على مجمل تفاصيلها بين طرف سياسي وآخر، هذا في حال سلمنا أنها شروط لا مهرب منها قبل الشروع في الحوار الوطني. وما الذي سيتبقى من وظيفة للحوار الوطني المنتظر إذا جرى الحسم في الخلافات حيال القضايا المركزية على النحو الذي تظهره رسالة اللجنة الفنية لرئيس الجمهورية؟
لا أعلم في الحقيقة مدى تعارض رفع هذه المقترحات للرئيس مع المهمة الأساسية المناطة بهذه اللجنة، الأمر لا يحتاج أكثر من العودة إلى نص القرار الرئاسي الذي قضى بتشكيل اللجنة والتعريف بصلاحياتها. قد تكون من صميم عملها. من يدري.
ما الذي يحدث؟ بودي لو أفرح في حال تأكدت أن الموقف من قضيتين مركزيتين حساستين بات على هذه الدرجة من الإنسجام بين الفرقاء. بودي لو أتأكد أنهما نالتها ما يكفي من البحث والنقاش والتفاهم وأن النقاط العشرين هي خلاصة الخلاصة، وأن الأمر ليس ضربا من التكاذب المسايرة والمكر بما هو أصل السياسة في اليمن وفصلها، أو المزايدة أو من قبيل التأني وكسب الوقت حتى يتضح المنحى الذي ستأخذه الحوادث والتفاعلات المرتجلة.
بودي لو أبارك النقاط العشرين بلا تحفظ لو لم تكن وظيفتها مقيدة بالتهيئة فقط ومقيدة بزمن التهيئة، وهو ما يجعل من انتظار تطبيقها الآن برهان على موت الحس السليم بالواقع.


الأحد، 12 أغسطس 2012

المؤتمر المقسوم على اثنين


محمد العلائي:
...
مستقبل المؤتمر الشعبي العام موضع شك؛ لكنه يؤجل سؤال المصير ويتصرف وكأنه في مأمن.
قليلون اكترثوا لتشاورات حزب المؤتمر الذي يكافح للمواءمة بين رأسين يتنازعان قمته. ففي المخيلة السياسية اليمنية لا يزال المؤتمر حزب السلطة، حتى لو لم يعد كذلك إلا لماماً. معايير الحكم على الوقائع وقياس أهميتها خبريا لم تتغير، لدى وسائل الإعلام المستقلة، تبعا لتقلبات الأحوال في اليمن.
لقد انطلقت، نهاية الأسبوع الماضي، لقاءات تشاورية لفروع المؤتمر الشعبي العام في المحافظات التي تم تقسيمها إلى مجموعات؛ غير أن الحدث لم ينجح في جذب الانظار لينال حقه من التقييم والتحليل واستخلاص الدلالات.
هناك مسافة لم يعبرها الذهن العام ليلقي نظرة مختلفة على حركة الحوادث واتجاهاتها. لا يزال المنهج القديم راسخا، والسيطرة لا تزال لميراث الأحكام التالفة من فرط الاستعمال، والمقولات عتيقة الطراز. قلما نجد من يتناول البنى الاجتماعية والتنظيمات السياسية استنادا إلى تغيرات الموقع والوزن والسياق.
كان الإعلام المستقل قبل الثورة على مسافة قريبة بالضرورة من أحزاب وجماعات المعارضة، كانت الصحافة تضطلع بدور سياسي نضالي يقوي شوكة المعارضة ويخلخل بنيان الحكم. كانت تقاتل في الخطوط الأمامية، وكانت المخاطر أكثر من أن تحصى؛ لكن بالمقابل كان الصحفي يحصل على مكافأة لا تقدر بثمن: شعور بالرضا واكتساب صفة المناضل المنحاز للحريات وحقوق الإنسان والمناهض اللامع لانحرافات السلطة.
الآن أصبحت أحزاب المعارضة شريكة في الحكم، ويجمع بعضها تحالف مصير مع أعمدة السلطة القديمة؛ غير أن هذه الأحزاب لا تزال هي القصة وهي المتن، والضوء لا يلاحق غالبا إلا حركتها وتصريحات زعمائها وأنشطتهم.
انتقل المؤتمر إلى طور جديد نسبيا وحافل بالاحتمالات؛ لكن انتقلت معه في المخيلة العامة خصائص قوة سياسية واجتماعية لوثتها السلطة. حاليا يتدرب هذا الحزب على التنفس والحركة في ظروف غير مألوفة بالنسبة لـ "تنظيم سياسي" نشأ ملحقا للسلطة المركزية، ومصمما طبقا لاحتياجاتها، وهو اطمأن كليا إلى هذه الوظيفة، ولم يحتاط للمستقبل بما يكفي.
حراك المؤتمر الشعبي العام يشبه برنامج العلاج الطبيعي للمصابين بالبدانة أو الشلل، وهو يعيد إلى الذاكرة فعاليات التشاور الوطني التي نظمها تحالف اللقاء المشترك في مرحلتها الأولى خلال العامين 2008 و2009، كمسار احتياطي في حال باءت بالفشل الجهود التي كان التحالف يبذلها لفرض رؤية لإصلاح النظام السياسي والانتخابي على الرئيس السابق وحزب المؤتمر.
كانت المفاوضات مع "صالح" تنتهي إلى طريق مسدود. أبرم العديد من الاتفاقيات السياسية، كان آخرها اتفاق فبراير 2009، وهي خطوط عريضة عائمة قضت بتأجيل الانتخابات النيابية عامين، إلا أن مسار التسوية تعطل من أول وهلة؛ مع أنه شكليا واصل التقدم إلى أن تأسست ما سميت بـ "اللجنة الرباعية"، والتي تألفت من الدكتور ياسين والآنسي ممثلين للمشترك، وعبد ربه منصور هادي والإرياني مفوضين عن "صالح" والمؤتمر. اللجنة خرجت في الأخير بمجموعة مقترحات يقال إن الرئيس السابق رفض الموافقة عليها، مأخوذا بأبهة النجاح الذي أصابه "خليجي 20" في عدن 2010. وتقول الأسطورة إن "صالح" رفض المقترحات لأنها لم تأت على مناقشة وضعه الخاص، مستقبله كرئيس ومستقبل عائلته.
الثابت أن "صالح" كان مولعا بالمماطلة والمكر. وبحلول العام 2011 حدث ما لم يكن في الحسبان. تفجر الغضب من كل مسامات البلد؛ مشاعر مكبوتة وطموحات وأحلام وضغائن، وسالت دماء، واكتوى الرجل بالنار، وقد تمخض كل شيء في نهاية المطاف عن مشهد من الفوضى العارمة، مشهد لم يعد فيه صالح "المخلص العظيم" بالنسبة للمؤتمر، ولا "شمشون الجبار" بالنسبة للمشترك.
يستأنف المؤتمر حركته وهيئاته القيادية مسكونة بسؤال المصير؛ لكن الحركة بحد ذاتها مؤشر عافية تمنحه أفضلية في محيط سياسي حزبي متحجر؛ فالماكينة الحزبية للقاء المشترك أصابها الشلل؛ إذ لا يكاد المراقب يلحظ ما يدل على فاعلية حزبية ونقاشات أو جاهزية من أي نوع لاستيعاب ما كان على الأرض وما سيكون.
وفي حين انتهت ثورتا تونس ومصر بحل الحزبين الحاكمين بكلمة الثورة، فقد منحت كلمة السياسة في اليمن المؤتمر الحاكم السابق نهاية سعيدة وكتبت له عمرا جديدا. لقد كانت هذه النهاية استجابة لضرورات وطنية وهروبا من هول الفراغ الذي لا يزال رغم كل شيء تهديدا ماثلا، ففي المناطق التي انكمش فيها المؤتمر أو اختفى ضمن أحداث 2011، برز إلى السطح مجال استقطاب يحمل طابعا مذهبيا عنيفا.
والراجح أن هذه النهاية التي أعفت المؤتمر من مصير الحزبين الحاكمين في مصر وتونس، لم تكن سوى اعتراف بأن طبيعة الحالة اليمنية إجمالا لا تحتمل غير هذا المآل. فالمؤتمر لا يعزو الفضل في استمراره إلى رحمة وكرم الثورة والمشترك، بل إلى عجزهما أمام فاعليته في المواجهة واستعصائه وقدرته على الفعل.
المؤتمر حافظ -اسميا، وبموجب المبادرة الخليجية- على نصيب وافر من السلطة؛ إلا أن الأشياء في اليمن ليست ما تبدو عليه؛ ذلك أن حساب نصيب المؤتمر في السلطة شديد التضارب، وربما التناقض. فثمة من يبالغ لدرجة اعتبار المؤتمر حزبا حاكما، وذلك اعتمادا على حيثيات سطحية تأخذ بالاعتبار انتماء الرئيس هادي للمؤتمر، وكذلك بقية رجال الدولة الذين كانوا يتمتعون بمواقع في الحزب بحكم المناصب التي يشغلونها. وثمة من يبالغ لدرجة الحديث عن أن المؤتمر تجرد من السلطة، ولم يعد له من وزن أو تأثير فعلي في المجرى العام.
حتى المؤتمريون أنفسهم يعيشون قلق المصير، واضطراب هوية، ودرجة من التخبط في تقديرهم لحجمهم والنقطة التي يقف حزبهم عليها؛ هل لا يزال حاكما أم أنه يزحف باتجاه مواقع المعارضة ويمارس أدوارا مزدوجة؟ فهو من ناحية يلزم الصمت إزاء سياسات الرئيس أو يسجل اعتراضا خجولا، ومن ناحية أخرى يذهب بعيدا في ممارسات خليقة بحزب معارض ليس له موطئ قدم عريض في الجهاز البيروقراطي للدولة.
مصير المؤتمر الآن معلق على احتمالات علاقة الرئيس هادي برئيس المؤتمر ومؤسسه؛ فكل ما يمكن أن يشوب هذه العلاقة يعكس نفسه تلقائيا على علاقة هادي بالمؤتمر. فالاستقطاب الرئيسي في صفوف المؤتمر يجري على أساس من يؤيد استمرار "صالح" في رئاسة المؤتمر ومن يؤيد انتقال قيادة الحزب إلى رئيس الجمهورية. وفي الحقيقة، من المستحيل التنبؤ بالكيفية التي ستذهب بها الأمور، ولا ما يدور في خلد الرجلين.
في اللقاءات التشاورية تلي خطاب موحد باسم رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي، نائب رئيس المؤتمر الأمين العام. وليس مهما ما احتواه الخطاب، المهم أن العلاقة الملتبسة بين الرئيس وحزبه تراوح في منطقة الالتباس ذاتها حتى اشعار آخر.
المؤتمر قسم الجنوب إلى إقليمين حزبيين: إقليم يضم عدن وأبين ولحج وشبوة والضالع، وإقليم يضم حضرموت والمهرة. في ما يتعلق بالقضية الجنوبية فقد جاءت مخرجات اللقاءات التشاورية في هذين الإقليمين متسقة مع أي مخرجات قد تخلص إليها لقاءات تشاورية لفروع حزب الإصلاح.
البيانات الختامية لمشاورات المؤتمر تثبت أن وجهة نظر المؤتمر تلتقي -في ما يخص الجنوب- مع وجهة نظر الإصلاح على نحو مدهش: التأكيد على عدالة القضية، وأن الحوار الوطني هو السبيل الوحيد لمعالجتها، وشجب نزوع الحراك إلى احتكار تمثيل القضية والجنوب، والموقف الموارب من حرب صيف 94، وتصورات الحزبين متقاربة لشكل الدولة.
...

صحيفة الشارع- السبت

الخميس، 22 مارس 2012

إفادة إلى الرئيس هادي

محمد العلائي alalaiy@yahoo.com

فخامة الرئيس: أتمنى من أعماقي أن تبادر إلى التفاهم مع قيادات حزبك من أجل التوصل إلى قرار مشترك بشأن وضع أحمد علي عبدالله صالح كقائد لقوات الحرس الجمهوري، لديك ما يمكنك المحاججة به، كأن تقول بأن بقاءه سيظل عامل تحفيز واستياء لمجموعات ضغط ومراكز قوى في صفوف المشترك وشركاءه، بذريعة أنه يثير خوفها أو تريد أن تعتقد بأنه يثير خوفها وربما ضيقها ونقمتها، ناهيك عن أن بقاءه على رأس الحرس سوف يستخدم للتحريض ضدك وإدانتك بالمحاباة، وهذا يفرز أصوات معارضة داخل المشترك الأمر الذي يقلل من استجابتهم لسلطاتك وقد ينتهي كل شيء إلى تمرد متعدد الأشكال.

باختصار لا بأس من امتلاك الجرأة اللازمة لإقالة أحمد علي وعلي محسن وحتى يحيى محمد، أي أن تنأى ولو جزئيا بمؤسسات الدولة من أن تكون ساحة للتنافس بين طبقة الحكم المنقسمة على الجانبين لدرجة أن المكونات السياسية المدنية لتبدو وكأنها مجرد واجهات وكيلة لإدارة خصام خاص شرس، مستتر أحيانا وبارز في أحايين أخرى. هكذا نكون قد نقلنا هذا النوع من الصراع إلى رحابة المجتمع، هناك حيث سيكون بمقدورهم ممارسة أدوار عبر المؤسسات الحزبية أو بواسطة تأسيس كيانات سياسية واجتماعية جديدة.

مع ان الحرس جيش نظامي حديث نسبيا، ويقال أنه يتميز بكفاءة عالية وتسليح ممتاز مقارنة ببقية مكونات الجيش، وحتى لو كنت تثق في أن أحمد علي خاضع لسلطتك ويأتمر بأمرك إلا أن استمراره على هذه الشاكلة سيكون له ما للفزاعة من تأثير داخل الشق المقابل من العملية السياسية، ويوفر المسوغ لتصعيد التعبئة المعادية لقوات الحرس الجمهوري نفسها، ويدفع الأطراف المقابلة إلى تطوير وضع خاص داخل الجيش وتوسيع النفوذ في وحداته، وبالتالي خروج جانب من القوات المسلحة عن دائرة سلطتك كقائد أعلى للقوات المسلحة. فالمسألة لا تتعلق بأحمد علي أو غيره بل بحجم الخطأ والتخريب الذي يمكن إلحاقهما بالبلد اتكاءً إلى ما يمثله وجود أحمد قائدا لأقوى قطاع داخل الجيش.

فخامة الرئيس: أنت على بينة كافية بالنقطة التي تتموضع فيها بين كتلتين سياسيتين رئيسيتين في صنعاء كل منها تمتلك امتدادات قبلية ونفوذ عسكري متفاوت، وكل منها يحتوي على تضارب لا حدود له في الأهواء والدوافع والإمكانات. واستمرارك رهينة للموقف المحايد من شأنه تقليص مجال حركتك علاوة على تعطيل فاعلية مؤسسة الرئاسة في وقت تحتاج البلد فيه لسلطة اتخاذ قرار قوية لمواجهة المخاطر التي تحيق بالدولة من كل الاتجاهات.

عموما أعرف أنك ترغب في الحفاظ على روح التوافق، وهذا جيدـ لكن هناك قرارات صعبة عليك اتخاذها الآن. لعلك تعلم أن عنصر من عناصر الأزمة له ملمح ومضمون عائلي قبلي يقف على طرفيه نخبة عسكرية وعشائرية كانت متحكمة في نظام الحكم السابق أو ضاغطة عليه وحظيت بامتيازات غير مشروعة ومضادة لفكرة الدولة من الأساس. مع الازمة ومن وقت سابق للازمة انقسمت إلى شقين. وكل شق منها راح يلعب دورا ضاغطا على المكون المدني بين أطراف العملية السياسية التي تضطر دائما إلى وضع حلفاءها المتنافسين في حساباتها وتحركاتها ومناوراتها.

وأنت تدرك كيف كان لترقية أحمد إلى هذه المرتبة دورا حساما في إثارة حنق جزء من طبقة الحكم وانتقالها إلى صفوف المعارضة ثم تأييد بعضها للانتفاضة الشعبية. بإمكانك استبدال أقارب الرئيس بقيادات عسكرية وطنية موثوقة ومطمئنة للمؤتمر وتمتثل لأوامرك. بهذه الطريقة يمكن حرمان بعض أطراف المشترك من أسباب الهجوم الإعلامي على الحرس الجمهوري وينزع الذرائع التي يغدو بها الحرس موضع استهداف، وكبح محاولات تأسيس كتل عسكرية موازية للحرس في مؤسسة الجيش ما يبقي على فرص المواجهة المسلحة في المستقبل.

بادر الآن قبل أن تتفاقم الأمور ويتعذر احتواءها، وفي سبيل تحرير نفسك من الابتزاز الذي يحول دون أن تتصرف كرئيس ناجز يستغل ما يمتلك من سلطة خارج التوافق إلى حدودها القصوى.

المصدر أونلاين

الخارج.. معيار التمييز بين الحميد والخبيث

محمد العلائيalalaiy@yahoo.com

في مقاربة الأحوال اليمنية، يطفو عادة على السطح اتجاهان، أو نزعتان، يقفان على طرفي نقيض ويشتركان في مجانبتهما الصواب مجانبة تخل بالنتائج التي تتوصلان إليها. يصدق هذا على كثير من البلدان ذات الدول الهشة صدقه على اليمن.

الأول، يحتل فيه الفاعل الخارجي الصدارة أثناء تفسيره لمعظم الحوادث المحلية واتجاه حركة الصراع ومحتواه، لكن مع إغفال شبه تام للمعطى المحلي وخلفيته وسياقه، وتصوير كل حركة أو سكون في ضوء معادلات الصراع الدولي والاستقطاب الاقليمي، ومجموعة المؤثرات الخارجية المحتمل حضورها على المسرح اليمني. وحتى أتفه الأحداث، يتم النظر إليها باعتبارها ترجمة حرفية لحاجة طرف إقليمي ما ضمن خطط المواجهة مع طرف إقليمي آخر. فأصحاب هذا الاتجاه يمكنهم مثلا ان يعزوا الاخبار التي تحدثت عن زواج حسين الاحمر من ابنة قيادي حوثي في صعدة إلى رغبة سعودية في اختراق خطوط إيران الأمامية، وقد يقرأ حدث شخصي جدا كهذا بالمقلوب، أي بأنه ترتيب ايراني يهدف إلى احتواء حسين الاحمر بوصفه أداة محلية من أدوات التأثير والنفوذ السعودي، واستمالته بالتالي إلى معسكر طهران.

ويتواجد معتنقي هذا الاتجاه على جميع التقسيمات الاجتماعية والسياسية والعقائدية، وبأعداد قوية وشديدة الفاعلية. وهم خاضعين غالبا لتحيزات جاهزة تصنف الاحداث وتوزعها على خانات القوى الدولية والأقليمية بعينين مغمضتين تبعا لمزاج الكيان السياسي والعقائدي الذي يصدر عنه وتفضيلاته وخطوط اتصاله الخارجية، مشفوعا بكسل ذهني وبائي وله مفعول الطاعون. بل وصل الأمر ببعض الجماعات المحلية درجة من الاعتماد الحصري على مردود موقفها من الخارج عموما، رفضا أو تأييدا، ممانعة أو تبعية.

الثاني، وهو اتجاه يشتهر بمغالاته في احتقار الفاعل الخارجي أثناء تحليل واستقراء الوقائع ومفاعيلها والعناصر المؤثرة فيها، وكيف أن العالم من حولنا لا يفعل أكثر من اتقاء شرورنا في حين أنه حقيقة لا يضمر لنا إلا أطيب النيات وأكثرها نبلا. أصحاب هذا الاتجاه يغضون الطرف كلية عن الأذرع الخارجية الخفية والمعلنة، وشبكات المصالح والحسابات ومعطيات الجغرافيا والتاريخ وما يترتب عليهما. ويسعون جاهدين لنزع الوقائع التي تدور في الداخل عن المناخ العام الدولي ومجالات الاستقطاب الإقليمي وقوانينه.

وهذان الاتجاهان من وجهة نظري لا يصح الركون إليهما لاستيعاب مضمون اللحظة واحتمالاتها.
ما هو طبيعي ومتعارف عليه في العالم المتقدم، هو أن تؤسس تحليلاتك وتفسيراتك للأمور على قاعدة متينة من الحقائق والحثيات، لا أن تعتمد على التهويمات والكليشهات السخيفة التي تطرح بأسلوب قطعي. على أن تأخذ القضية التي يقع الحدث في نطاقها، من جميع أطرافها ما وسعك إلى ذلك سبيلا، وأن تغطيها بقدر من التوازن بين المعطى المحلي وفرضياته وتعقيداته، وبين العنصر الخارجي إن وجد ومدى تأثيره، وهو لا يتوافر بالضرورة على صعيد كل ما يحدث.

أقول "لا يتوافر بالضرورة على صعيد كل ما يحدث"، لكن في النهاية هذه ليست حقيقة علمية، بمعنى ان نزع حرف النفي من الجملة لن يغير من كونها فرضية يصعب اثباتها أو دحضها كلية. ولعلي اردت هنا التمييز بين قضايا ذات منشأ محلي خالص لكنها تبحث عن رعاية خارجية، في حين تنشأ قضايا وظواهر من الصفر بتخطيط وتمويل خارجي، تُختلق اختلاقا، اي ان الدور الخارجي في هذه الحالة سابق على القضية ذاتها.

وبخصوص الحدث اليمني الراهن، فلقد جرى تطوير اجماع دولي يصادق على جملة المطالب التي رفعتها الثورة، وفق آلية سلسة لا تؤدي إلى تهدم الدولة وضياعها. وهو كما يحلو لي أن أتصور، يوازي التدخل العسكري الذي تبناه المجتمع الدولي في ليبيا وقام حلف الناتو بتنفيذه. فاليمن شأنه شأن ليبيا بلد يفتقر إلى المؤسسات التي يعتمد عليها في حماية الدولة من الانهيار لحظة الانتقال من مرحلة إلى أخرى، أي القوة التحكيمية التي تلعب دور ضابط ايقاع الصراع على غرار ما فعله الجيش المصري ومثيله في تونس.

وهذا الموقف لم تحظى به اليمن جنوبا وشمالا إزاء ثوراتها في ستينات القرن الماضي حيث اندلعت ثورتي سبتمبر واكتوبر في جو من التجاذب الحاد انقسم خلاله الكوكب إلى شقين. ولسوف تتحول اليمن إلى مساحة مفتوحة لصنوف من التدخلات أطالت أمد التناحر بين أبناء البلد إلى سنين طويلة.

ومع ذلك، فالأفق اليمني لا يزال مهيأ أكثر مما سواه، لاحتمالات خطيرة من التدخلات الخبيثة. فلدينا نافذتين أصليتين يمكن أن تتدفق منهما العواصف المهلكة، وهي جنوب اليمن، وصعدة. ولدينا في مقابلهما مؤثر إقليمي رئيسي تتسم نواياه بالغموض حيال الإجماع الدولي المشار إليه، أقصد هنا إيران، مضافا إليها مؤثر ثانوي وطارئ وسياسته أيضا يشوبها قدر متزايد من الضبابية.

في الفيس بوك قال نبيل الصوفي أن من ذهب للرياض عليه ان يتفهم ذهاب غيره لطهران. وكان ردي على هذا النحو: ليس الدور السعودي شيطاني في جوهره، ولا الدور الإيراني أيضا، إذ أن طبيعته هي التي تحدد موقفي منه.

حاليا أعتبر الدور السعودي، كما تقول ظواهر الأمور واستنادا الى معيار دعم بقاء الدولة والحاجة إلى استمرارها، دورا حميدا، لكن فيما لو صحت الفرضيات بشأن إيران، فتحركها في نظري سيكون خبيث. الأول متناغم مع الإجماع الدولي الذي يشدد على التوصل إلى انتقال ديمقراطي يستجيب لمطلب التغيير في إطار اليمن الموحد، بينما الثاني يتجه للامساك بأوراق مؤداها التقسيم والفوضى.

وفق هذا المعيار أحكم على طبيعة المؤثرات الخارجية، حاليا على الأقل.

الحوثي يريد دولة مدنية.. هذا جيد!

محمد العلائيalalaiy@yahoo.com

الحوثي يدعو لاقامة دولة مدنية. هذا مدعاة للثناء والتشجيع، لكن على أحدهم أن يوضح للحوثي ولغير الحوثي، أن السلطة التي يتمتع بها في صعدة هي سلطة سياسية مصدرها ديني لاهوتي، وهذا مصدر للسلطة يقع على تباين تام مع منطق الدولة المدنية التي كانت حصيلة البحث عن أساس عقلاني دنيوي للسلطة.
لن نتحدث عن نظام العنف وأداوته الذي نشأت الحوثية بمقتضاه وتتغذى على حسابه، مع أن منطق العنف بطبيعة الاشياء يتعارض تعارضا شاملا مع جوهر الدعوة إلى دولة مدنية.

من أعماقي أتمنى أن يكون الحوثي على درجة من الجدية والصدق بحيث يقبل أن يعيد النظر في نهجه الانعزلي ليغدو أكثر انفتاحا وتفاعلا مع المكونات الوطنية الأخرى، وأن يعيد النظر في أساليب عمله وخطابه لتكون أكثر تلاؤما مع روح الدعوة التي أطلقها أمس من صعدة.

بالطبع حزب الاصلاح ليس أحسن حالا فيما يخص التضارب المريع بين اتجاهه السياسي المعلن التقدمي والمدني، والذي يحرص على أن يبدو متناغما أكثر مع تطلعات الدولة المدنية وشروطها، وبين التثقيف العقائدي الديني لأفراده، وامتثاله المزعج لبنية معرفية تفتقد الوضوح وقابلة لضروب من التأويلات تتفاوت في ما بينها بشكل حاد.

لكن كما لو أن الاصلاح دون أن يدري يستخدم استراتيجية ليدل هارت، أي الاختراق والتقدم والتطويق، وترك الثغرات إلى أن يجد الفرصة لمحاصرتها وردمها. فهو من خلال تحالف المشترك يضيف إلى إناء عناصره "ملعقة علمانية"، والتعبير لقيادي اصلاحي رفيع، ملعقة يحصل من خلالها على صورة مطمئنة أكثر لا تعكس بالضرورة ما هو عليه، لكن لديها الاستعداد دائما لإزالة العيوب ومكامن الخطر والتشوهات التاريخية على مراحل.

وليس بالضرورة دائما ان نتذكر الاصلاح في مقابل الحوثية، فالفارق بينهما سحيق لمصلحة الاصلاح بالتأكيد، لكنني تذكرته هنا لأنه حزب اسلامي ينادي بدولة مدنية.

على أن الموقف الانعزالي للحوثي والحافل بالتخبط يبرهن على نزوع تفكيكي متأصل في عقل الحوثية وتسترشد به. يعتقد أنه سيكون أفضل فيما لو نادى بدولة مدنية، وسوف يحرم الاصلاح من الشعور بالتميز في هذا المضمار الذي يشهد موجة زحام مؤخرا.

وكان حسين الحوثي قد أسس مشروعه على محاولة حرمان القاعدة باعتباره ذراع الوهابية من ميزة كونه الشوكة الوحيدة التي تنغص عيش الامريكان واليهود.

ساعدوا اليمن لتكون تشيلي لا الصومال، وليكون بينوشيه لا سياد بري

محمد العلائي alalaiy@yahoo.com

كتبت في موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» إن اليمن كانت ولا تزال أمام تنويعة من الاحتمالات الخطرة والآمنة، وكان تقديري أن أهمها هي: إما أن تكون اليمن تشيلي وعلي صالح يواجه نهاية شبيهة بنهاية بينوشيه، أو أن تقسو عليها المقادير فتكون الصومال بينما يكون علي صالح سياد بري. وفي نظري أن الاحتمالين ممكنان جداً، مع أننا، كدولة وتشكل وطني، نمتلك من خصائص الصومال أكثر مما لدينا من خصائص تشيلي.

أتذكر أن «المصدر» نشرت في يناير 2011 ترجمة لمقالة نفيسة للغاية بتوقيع باحث وخبير أمريكي اسمه نيقولاوس ك كوسديف. وفيها راح كوسديف يستحضر دلالات الانتفاضة التونسية ومصير بن علي، ويستخلص ما يمكن استخلاصه من دروس، لينتهي بتقديم ما يشبه المشورة لصانع القرار الأمريكي بما يفترض به أن يفعل إزاء الحوادث التي من المتوقع اندلاعها في اليمن.

لقد أشار الرجل إلى أن التجربة التشيلية للانتقال الديمقراطي تلائم اليمن قدر ملاءمتها لمصالح بلاده واعتبارات الأمن في المنطقة، بعد أن فات العمل بهذه التجربة في تونس. ويبدو أن الأمريكيين عقدوا العزم حينها على استلهام تلك التجربة، وليس نسخها حرفياً، والاستفادة من فصولها في كتابة خاتمة بمخاطر أقل لقصة علي عبدالله صالح وبما يمنع الزج بالبلاد في الفوضى والعنف والتمزق.

ومعلوم أن تشيلي خضعت لديكتاتورية عسكرية منذ العام 1973 عندما أطاح بينوشيه المدعوم أمريكياً بسلفادور الليندي الرئيس اليساري المنتخب ديموقراطياً، ومن ثم قتله ضمن ظروف غامضة. وفي نهاية الثمانينات وصلت موجة الاحتجاجات ضد حكم بينوشيه ذروتها وتكتل المعارضون في إتلاف أطلقوا عليه «ائتلاف أحزاب اللا» الذي ضمّ الأحزاب المسيحيّة الديموقراطيّة والاشتراكيّة والراديكاليّة، وفي أكتوبر 1989 أجرى التشيليون استفتاءً على تمديد فترة بينوشيه إلى 1997 من عدمه، فصوّت 55 في المائة من جمهور الناخبين بالرفض. وفي 1990، سلّم أوغستو بينوشيه، السلطة لرئيس منتخب ديموقراطيّاً. وكانت التسوية تقضي ببقائه قائداً للجيش إلى 1998 واحتفاظه بعضوية شرفيّة لمدى الحياة في مجلس الشيوخ.

ظل بينوشيه شخصية مثيرة للجدل ومجالاً لا ينضب للاستقطاب في تشيلي وفي خارجها، حتى بعد مغادرته الحكم. وكان يتسبب في تحريك موجة من المشاعر المتناقضة بين مؤيد ومناوئ. في 1998 انتقل إلى بريطانيا للعلاج، وفي الأثناء فرضت عليه السلطات البريطانية نهاية التسعينات الإقامة الجبرية تمهيداً لإحالته للمحاكمة نتيجة ضغوط كثيفة كانت تمارسها منظمات حقوق الإنسان، واستجابة لطلب تقدمت به اسبانيا وفرنسا وسويسرا وبلجيكا.

وفي 2004 أخلت السلطات البريطانية سبيله معللة قرارها بتدهور حالته الصحية. ولسوف يعود إلى شيلي بعد ذلك، ويحظي باستقبال مزدوج، ففي حين احتشد أنصاره مرحبين بقدومه مطلقين قبلاتهم في الهواء ورقصاتهم، كان معارضيه يصرخون ضده معبرين عن سخطهم لعودته والمطالبة بخضوعه للمحاكمة. وفي 2006 وافته المنية وكان على تخوم التسعين عاماً.

ولقد ترك بينوشيه رسالة كتبها قبل وفاته دافع خلالها عن الانقلاب الذي نفذه في 1973 والطريقة التي فرض بها النظام خلال فترة حكمه الذي استمر 17 عاماً. وقال بينوشيه إنه قام بالانقلاب لمنع شيلي من الانزلاق إلى الحرب الأهلية بين خصوم الرئيس سلفادور اللندي ومؤيديه.

وجاء في رسالة بينوشيه أن «استخدام عدة سبل للسيطرة العسكرية بما في ذلك الإعدام عن طريق المحاكم العسكرية كان ضرورياً». وأضاف: «الصراعات الكبرى هي دوماً كذلك وستبقى كذلك، فهي تؤدي إلى الانتهاكات والمبالغات». «وبكل صراحة يمكنني أن أقول إني فخور بكل ما قمت به لمنع اللينينية الماركسية من الاستحواذ على السلطة، إلا أنني كنت لأتوخى المزيد من الحكمة لو وضعت في نفس الموقف ثانية». وقال بينوشيه إنه تصرف «بصرامة ولكن بمرونة أكبر مما يشهد له به أثناء حكمه».

الكاتبة الشيلية العظيمة ايزابيل الليندي، وهي ابنة شقيق الرئيس سلفادور ليندي، الذي أطاح به بينوشيه، عبرت عن أسفها لموت بينوشيه قبل أن يلقى عقاباً على جرائمه. لكنها عادت وأوضحت في رسالة إلكترونية: «لست من الذين يفرحون بوفاة أحد ما حتى لو كان من أعدائي. أعتقد أن بينوشيه كانت لديه عائلة وأبناء وأولاد أشقاء يكنون له الإعجاب والمحبة ومن غير اللائق أن ننتقد شخصاً متوفى في الصحف في حين أنهم يبكون غيابه».
...
أما سياد بري فيمكن تلخيص أبرز مراحل حياته السياسية والمصير الذي آل إليه في السطور التالية التي تستند إلى مقالة للكاتب والباحث الصومالي أنور أحمد ميو: بعد اغتيال الرئيس الصومالي الثاني عبدالرشيد شرماركي استغل سياد بري الفراغ السياسي بتنفيذ لانقلاب على الحكومة المدنية, ففي 21 أكتوبر 1969. في اليوم التالي لجنازة شرماركي، تزعم بري حركة عسكرية انقلابية غير دموية، ليصبح رئيساً للمجلس الثوري الأعلى، والذي تحول لاحقاً إلى الحزب الاشتراكي الثوري الصومالي. افتتح فترة حكمه بإلقاء القبض على أعضاء في الحكومة المدنية والأحزاب السياسية المحظورة وإلغاء الدستور وتعليق مهامه وحل البرلمان ومؤسسة الرئاسة، وتمت إعادة تسمية البلاد باسم جمهورية الصومال الديمقراطية الشعبية.

بحسب أنور ميو، فقد اتسمت فترة حكم الرئيس سياد بـري بالديكتاتورية القمعية بما في ذلك اضطهاد وسجن وتعذيب المعارضين السياسيين، ووصفت هيئة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن 21 سنة التي حكمها سياد برى كانت واحدة من أسوأ الحقب فيما يتعلق بسجلات لانتهاك حقوق الإنسان في أفريقيا.

كان بري حليفاً للاتحاد السوفيتي. «وفي عام 1977 اندلعت حرب تحرير الصومال الغربي، وعبرت القوات النظامية الصومالية الحدود وقاتلت جنباً إلى جنب مع قوات جبهة تحرير الصومال الغربي، وكان النصر في البداية من نصيب الصومال، ونجحوا في السيطرة على 90 بالمائة من أراضى الصومال الغربي، وانتشرت أفراح النصر في الصومال، لكن حدثت مفاجأة لم تكن متوقعة عندما تحول دعم الاتحاد السوفييتي من الصومال إلى إثيوبيا ومعه الدول الشيوعية مثل كوبا واليمن الجنوبي وليبيا وغيرها، واضطرت القوات الصومالية للانسحاب من كامل إقليم الصومال الغربي»، طبقا لميو.

في عام 1978 وبعد انسحاب الجيش الصومالي مباشرة-يواصل ميو- دبَّر ملازم لقبه عرو (cirro) من القوات المسلحة انقلاباً فاشلاً: «وكان العقيد عبد الله يوسف في منطقة غدو على علم به، وقد هرب إلى كينيا ومعه وحدة عسكرية صغيرة ثم طلب اللجوء السياسي في إثيوبيا، وأسس أول حزب معارض مسلح، وقد تأسست أيضا جبهة (SNM) التي كانت تقاتل في شمال الصومال، ووجدت دعماً قوياً من إثيوبيا، وقامت حرب عصابات في هرجيسا وبرعو، وردت الحكومة بمزيد من القمع».

تعرض سياد بري لحادث انقلاب السيارة التي كانت تقلُّه عام 1986، ونقل بعد ذلك إلى السعودية للعلاج، وقد اجتمعت الصلاحيات بعد ذلك في يد زوجته خديجة وأفراد أسرته التي كانت تتحكم في الجيش والشرطة. في تلك الآونة «اتسع نطاق العمليات العسكرية التي قامت بها جبهات المعارضة الصومالية في أكثر من مكان، ومع أن سياد بري حاول في النهاية القيام ببعض الإصلاحات السياسية لاحتواء المعارضة وقام بتعيين عمر عرته غالب رئيساً للوزراء من الشمال، وأعلن العديد من الخطط الرامية إلى تحقيق إصلاحات واسعة في البلاد إلا أن الخطط لم تفلح كثيراً في التأثير على مسار الحرب الأهلية، ولم تفلح هذه الإجراءات في تهدئة الاضطرابات داخل مقديشو».

وبوسعنا تركيز الوقائع الأخيرة لحكم بري في الفقرات الثلاث التالية كما اقتبسناها حرفياً من مقالة ميو: «بحلول عام 1991 توغلت المليشيات التابعة لجبهة (USC) العاصمة، وبدأت الحرب في أحياء وشوارع مقديشو، وأطاحت أخيراً بسياد بري مساء يوم 26 يناير 1991، واتجه إلى الجنوب ومعه الدبابات والأسلحة الثقيلة».

«بعد خروجه من مقديشو عاش سياد برى مؤقتاً في إقليم غدو جنوب غرب الصومال حيث كانت تقع قاعدة قوية لعشيرته، ومن هناك أطلق حملة عسكرية قوية للعودة إلى السلطة، وحاول مرتين استعادة السيطرة على مقديشو، وكان في بعض الفترات في بيدو، واقتربت قواته إلى مقديشو في حرب الكرّ، ولكن في مايو 1991 هزمه تحالف تابع للجنرال محمد فارح عيديد حتى كسمايو ولوق وبلد حواء، وأجبر بعدها إلى الرحيل عن الصومال، وانتقل في البداية إلى نيروبي عاصمة كينيا، ولكن جماعات المعارضة هناك احتجت على وجوده وعارضت دعم الحكومة الكينية له واستجابت حكومة نيروبى للضغوط والأعمال العدائية، وانتقل بعد ذلك بأسبوعين إلى نيجيريا، وعاش سياد برى عدة سنوات في لاغوس عاصمة نيجيريا آنذاك».

«توفي سياد بري في لاغوس في 2 يناير 1995 إثـر تعرضه لنوبية قلبية، ومات عن عمر يناهز 76 سنة، بعد أن حكم الصومال مدة 21 عاماً، ونقل جثمانه بعد ذلك إلى الصومال حيث دفن في مدينة غربهاري (garbahaarey) عاصمة إقليم غذو».

على هذا النحو كانت نهاية سياد بري، غير أنه أرفق بنهايته نهاية الدولة الصومالية وأصاب شعب الصومال لعنة الشتات وعذابه.

في الوقت الذي يقول المراقبون فيه إن تشيلي تسير قدماً على مستوى الممارسة الديمقراطية، وهي تسجل حضوراً مميزاً في لائحة البلدان التي شهدت انتقالاً ديمقراطياً سلساً وسلمياً. (في الواقع النموذج اليمني هو مزيج من التشيلي والاندونيسي الذي تولى فيه بحر الدين يوسف حبيبي، الصديق المخلص لسوهارتو ونائبه الأمين، الرئاسة في المرحلة الانتقالية بعد أن أطاحت انتفاضة الطلبة بسوهارتو).

وإذا ما أرادنا مقارنة تشيلي باليمن، فالأولى تتفوق من حيث عراقة تجربتها الديمقراطية والتقاليد التي تمتد لقرنين، وأيضا تشكلها الوطني أكثر صلابة، إذ إنها نالت استقلالها في وقت مبكر، بينما اليمن لم يمضِ على عمر الدولة فيها بشكلها وامتدادها الحالي سوى 20 عاماً، وقبل ذلك كانت اليمن عرضة للتدخلات والانقسامات المتواترة. على أن هذا التفوق من جانب تشيلي يجعل من مسار الانتقال الديمقراطي المنظم في إطار عملية سياسية أكثر إلحاحاً بالنسبة لليمن من تشيلي.
...
أفكر أن الصورة في اليمن الآن غائمة بالنسبة لأطراف العملية السياسية مثلما بالنسبة لمن هم خارجها. وأفكر أن كل منهم يجلس الآن شارد الذهن مثل بائع قات في نهاية يوم طويل، يجري حساباته الخاصة ويهضم صخب نهاره بهدوء بال وتركيز، يقدر أرباحه وخسائره، مآزقه وورطاته، في أي نقطة يقف، مع استحضار متواتر لكل ما حدث له خلال يومه، يدرسه عن كثب ويحدد مخاوفه وآماله وفرصه وأولوياته ورفاقه ورأس ماله، ووجهته, والمنطق الذي يتسلح به.
هل الأمور على هذه الدرجة من الجدية والمنهجية، أم أنني أهذي؟

المصدر أونلاين

الأكثر مشاهدة