كنت أفكر أن على الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وضع خطة خروج من الأزمة اليمنية تدرأ عن البلاد ويلات الفوضى والتفكك والعنف، اتخاذ مسارين أو ثلاثة: الأول يعالج، بعمق وبعد نظر، الجانب الوطني في الأزمة بعناصره وتفرعاته الكثيرة والمتنافرة، في حين يركز الثاني على الشق العائلي والشخصي في الأزمة حيث تكمن معظم اسباب الغرق في حوض التناحر اللانهائي.
من الواضح ان جمال بن عمر يبلى حسنا في صنعاء، ومفاوضي القوى السياسية الوطنية ممثلة بالمشترك وشركائه والمؤتمر وحلفائه يحرزون تقدما ملحوظا في جدول اعمالهم، لكن ستكون مساعيهم مهدورة في الأخير إذا لم تتزامن مع تقدم إيجابي في المسار الآخر، شريطة ألا يكون على حساب الهم الوطني العام وأولوياته، والمساران مترابطان عضويا ودورهما معطل أو مساند كل منهما بالنسبة للآخر.
لا أزعم أنني أعرف ماهية الصيغة الملائمة والعادلة للتسوية المتعلقة بالمسار الثاني، وهو مسار مسكوت عنه لأنه يتصل بقضايا دون وطنية متنكرة بالستار الوردي للشعارات الوطنية.
أفكر في مسار ثالث مستقل يتصل بالجيش وما يكتنف هذا الملف من صعوبات ومشاق وحساسيات لمؤسسة وطنية بنيتها لا وطنية على نحو سافر. لكن هذا المسار مدرج ضمن جدول أعمال القوى السياسية الوطنية. طبعا يحتوي بالضرورة كل مسار على مسارات ثانوية متشابكة ويتصل بعضها بالأخر.
على ان جميع الجهود تنصب بشكل متكامل ومتناغم في اتجاه واحد هو تحقيق التغيير الشامل الذي يتطلع إليه اليمنيون، ينتهي بإعادة صياغة متدرجة للأمة اليمنية، وبناء دولتها على قواعد جديدة.
إن أي تجاهل للبعد الشخصي والعائلي في الأزمة يعني تعطيل بقية المسارات.
على الاصلاحيين والحوثيين أن يبادروا من الآن إلى فتح قنوات تواصل لتفويت الفرصة على محاولات بذر الشقاق بين الطرفين والزج بهما في مواجهة مكلفة. لا بد من التفكير من الآن وبصدق ومسؤولية عالية في صيغة لتنظيم علاقة الطرفين خلال هذه الفترة وما يليها. بدلا من النفور المتبادل والارتياب والشحن والتطييف، جربوا الانفتاح والتعايش، ابحثوا عن نقاط الالتقاء اخترعوها اذا لم تجدوا أي نقطة التقاء، رغم انها تفوق نقاط الافتراق لو اقتسطنا في الاوهام والرهاب المبنيان على افكار نمطية مسبقة سلبية.
لا مجال للتفكير أحادي الاتجاه، لا متسع هنا للتبسيط والاختباء وراء التعميمات والكليشيهات، اليمن تحتاج نظرة مستنيرة مركبة تتماشى مع حجم تعقيداته ومركبات أزمته الوجودية. لا نماذج جاهزة ولا محاكاة عمياء.
روح الابتكار هي التي ينبغي ان تسود الآن مع وعي عميق متبصر. وليس روح "النرفزة" وردات الفعل والنعيق البائس.
21 نوفمبر 2011