الاثنين، 28 نوفمبر 2011

مسارات الحل.. لا مجال للتفكير أحادي الاتجاه

كنت أفكر أن على الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وضع خطة خروج من الأزمة اليمنية تدرأ عن البلاد ويلات الفوضى والتفكك والعنف، اتخاذ مسارين أو ثلاثة: الأول يعالج، بعمق وبعد نظر، الجانب الوطني في الأزمة بعناصره وتفرعاته الكثيرة والمتنافرة، في حين يركز الثاني على الشق العائلي والشخصي في الأزمة حيث تكمن معظم اسباب الغرق في حوض التناحر اللانهائي.
من الواضح ان جمال بن عمر يبلى حسنا في صنعاء، ومفاوضي القوى السياسية الوطنية ممثلة بالمشترك وشركائه والمؤتمر وحلفائه يحرزون تقدما ملحوظا في جدول اعمالهم، لكن ستكون مساعيهم مهدورة في الأخير إذا لم تتزامن مع تقدم إيجابي في المسار الآخر، شريطة ألا يكون على حساب الهم الوطني العام وأولوياته، والمساران مترابطان عضويا ودورهما معطل أو مساند كل منهما بالنسبة للآخر. 

لا أزعم أنني أعرف ماهية الصيغة الملائمة والعادلة للتسوية المتعلقة بالمسار الثاني، وهو مسار مسكوت عنه لأنه يتصل بقضايا دون وطنية متنكرة بالستار الوردي للشعارات الوطنية. 
أفكر في مسار ثالث مستقل يتصل بالجيش وما يكتنف هذا الملف من صعوبات ومشاق وحساسيات لمؤسسة وطنية بنيتها لا وطنية على نحو سافر. لكن هذا المسار مدرج ضمن جدول أعمال القوى السياسية الوطنية. طبعا يحتوي بالضرورة كل مسار على مسارات ثانوية متشابكة ويتصل بعضها بالأخر. 
على ان جميع الجهود تنصب بشكل متكامل ومتناغم في اتجاه واحد هو تحقيق التغيير الشامل الذي يتطلع إليه اليمنيون، ينتهي بإعادة صياغة متدرجة للأمة اليمنية، وبناء دولتها على قواعد جديدة.
إن أي تجاهل للبعد الشخصي والعائلي في الأزمة يعني تعطيل بقية المسارات. 

على الاصلاحيين والحوثيين أن يبادروا من الآن إلى فتح قنوات تواصل لتفويت الفرصة على محاولات بذر الشقاق بين الطرفين والزج بهما في مواجهة مكلفة. لا بد من التفكير من الآن وبصدق ومسؤولية عالية في صيغة لتنظيم علاقة الطرفين خلال هذه الفترة وما يليها. بدلا من النفور المتبادل والارتياب والشحن والتطييف، جربوا الانفتاح والتعايش، ابحثوا عن نقاط الالتقاء اخترعوها اذا لم تجدوا أي نقطة التقاء، رغم انها تفوق نقاط الافتراق لو اقتسطنا في الاوهام والرهاب المبنيان على افكار نمطية مسبقة سلبية.

لا مجال للتفكير أحادي الاتجاه، لا متسع هنا للتبسيط والاختباء وراء التعميمات والكليشيهات، اليمن تحتاج نظرة مستنيرة مركبة تتماشى مع حجم تعقيداته ومركبات أزمته الوجودية. لا نماذج جاهزة ولا محاكاة عمياء.
روح الابتكار هي التي ينبغي ان تسود الآن مع وعي عميق متبصر. وليس روح "النرفزة" وردات الفعل والنعيق البائس.

21 نوفمبر 2011

الثلاثاء، 8 نوفمبر 2011

ما يبدو أنها المواد الأولية للعهد الآتي

ليست ملاحظة لامعة أن يقول أحدنا بأن شيء من ملامح حقبة ما بعد حكم الرئيس صالح كان قد بدأ يتجلى بأشكال مختلفة منذ سنوات. وللتعبير عن الأحداث ذات القيمة التاريخية الحاسمة، نلجأ عادة الى تلك الاستعارة المتداولة بإسراف، أي كل ما يرتبط بجدث الولادة، ما يسبقه وما يصاحبه وما يليه، النمو الطبيعي، الاكتمال، الولادة في الوقت الطبيعي، الآلام والمضاعفات والمخاطر التي تصل أحيانا حد الوفاة، الوفاة للجنين أو للأم أو لهما معا.
لنتخيل هنا بان الثورة هي واحدة من الطرائق التي تستخدمها الأمم في سبيل إعادة خلق نفسها، وأن ما يحدث في اليمن الآن هو الزمن الطبيعي ليبصر عهد جديد النور.
إذن، فنحن شهود على لحظة فارقة بالمطلق، وأمامنا تنويعة من الاحتمالات الجيدة والسيئة، أي كل ما يمكن أن ينتظرنا بحكم طبيعة الاشياء. 
لا نزال حتى كتابة هذه السطور نملك القدرة على اختيار مستوى المخاطر. القليل فقط من الطيش وسوء التدبير قد يخنق المولود او يلحق به تشوهات عصية على الاصلاح، وقد يخرج غير مكتمل النمو، ولربما احتاج إلى وقت اضافي تحت الاشراف المستمر والرعاية الطبية الفائقة.
لننسى مشهد الولادة المؤلم، وننتقل إلى المشهد الأصلي. ثمة من يقول ان لا شيء يلوح في الأفق غير العبث والفوضى والحمق، لكن هذا ليس سوى نصف الحقيقة، فعندما يبذل المرء وقتا أطول في التأمل والتدقيق في كل العناصر التي تؤلف الحدث اليمني برمته، بوسعه تكوين صورة تقريبية عن العهد المرتقب. 
من المتوقع ان العهد الجديد لن يكون جديدا بالكامل كما يحلو لبعضنا أن يأمل. ليس هذا مما يستدعي القلق، فغالبا ما يتشكل المستقبل من المواد الأولية التي تظهر حاليا في صور شتى، الرشيد منها والسقيم والخبيث والنبيل والدنيء، وما يبدو الآن أنها مواد أولية، هي مصنوعة من مواد أولية سابقة لها، تشهد تعديلات وراثية هنا، وتعريضها لمؤثرات جديدة هناك، وربما زخرفة وتزويق وأدوات خداع. 
وهو "عهد جديد" رمزيا، ومن كونه يعبر عن رغبة جماعية في الانتقال ولو بشكل افتراضي إلى حالة تاريخية جديدة، فحتى لو اصطحبنا جميع محتويات العهد القديم، سيجد كل منا نفسه مضطرا لتحديث اغراضه بطريقة أو بأخرى، تحديث او تبديل منظم او تلميع كسول، والخاسر من يختار الوفاء لأغراضه البالية ويظن أن بمقدوره استخدامها لتقديم عروض ناجحة!
يكمن القلق في تلك الأحداث العرضية التي تتصل عادة بالولادات البيولوجية منها، أو بمعناها المجازي لأمة مستنزفة ومفتتة ومجتمعات محطمة خائرة القوى وممزقة الشرايين. 
طموحي يتخطى مجرد الحصول على ولادة سلسة وآمنة، لدي حلم بأن تؤثث هذه العناصر المتنافرة التي تؤلف مشهد الانتقال، لعهد مشرق وخلاق ومنفصل نفسيا وذهنيا عن كل العهود المظلمة المديدة.
هذه مجرد رغبات وأماني، لكن بدونها تتوقف الحياة عن ان تكون محتملة.

*من حائطي على الفيس بوك. 7-11-2011

للحوثي.. شرعية الصميل في طريقها إلى الزوال

إذا كان لدى الحوثي فكرة أو مشروع سياسي او ديني، وطني او طائفي، فله كامل الحق في التبشير به وعلينا ان نحترم حقه في اعتقاد ما يطيب له، لكن اولا عليه ان يفعل ذلك بأساليب التبشير المتعارف عليها، التي تقوم على المحاججة والاقناع والاستمالة، دون ان يمنع ممارسة هذا الحق عن غيره. 
اما اذا كان يريد غزو المجتمع واخضاعه بقوة السلاح، فهذا تفكير بائس ويعطي صورة عن نفسه عدوانية شمولية، وحتى لو نجح مؤقتا وجزئيا فإنه يحمل بذور فناءه في صميم هذا النوع من السياسة. 
الدنيا كلها عيون، وليس سهلا "ان يستفرد بضحاياه في الظلام". شرعية الصميل في طريقها إلى الزوال، إن كانت تحركه خبرة الاسلاف. 
اسمع عن تحركات مريبة في حجة، المقلق فيها هو أن عناصر محسوبة على الحوثي لا تكتفي بتسجيل حضورها الثقافي في المجتمعات المحلية، بل تتعدى ذلك إلى محاولة فرض وجود عسكري لا طائل من وراءه.
المطلوب من الحوثي تعريض بضاعته للنور، والذي ما يشتري يتفرج، سيكون على الجميع تمكين الجميع من عرض منتجاتهم الفكرية والسياسية وتسويقها في الفضاء العام المفتوح، هذه هي القاعدة الأساسية التي تجنبنا الانزلاق في التذابح والقتل المجاني. حرية الاعتقاد، تحييد المساجد والمرافق العامة، التعايش، تطويق كل حالة في اطارها بدون تهويل وفبركة وتلفيق ومكائد.
عديم الحجة البلطجي المجرم هو الذي يسمح ليده بأن تمتد اما لقسر شخص على اقتناء بضاعته أو منع شخص آخر من أن يعرض بضاعته هو ايضا. لا مجال لغيتوهات ولا مجتمعات نقية، لا للتطهير الممنهج تحت أي لافتة. جنبوا المساجد في مناطق التوتر او تقاسموها او ليبن كل منكم مسجده إذا كان لا بد من ذلك، اقصد هذه اجراءات مؤقته حتى ننتقل من الوضع الاستثنائي ويتسنى لنا طرح حلول اوسع وأكثر جذرية. 

لماذا لا نوفر الدماء والارواح والجروح من الآن، ونستبق الوقوع في المستنقع؟

*من حائطي على الفيس بوك.7-11-2011

الانشغال بما بعد التوقيع أهم مما قبله

الانباء التي تتحدث عن اقتراب التوقيع على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، لا تعني شيئا إذا استمر التناقض صارخ بين دنو موعد التوقيع وبين التحركات على الأرض وشكل الخطاب السياسي وكل التصرفات الأخرى التي تخفي نوايا سيئة يضمرها الجميع على ضفتي الصراع، أو بالأصح على ضفافه المتعددة.
في مناخ كهذا، يصبح التوقيع ذريعة أخرى من ذرائع المواجهة. ستضيع الحقيقة بين أكوام من قش الكيد السياسي المتبادل والدوعاوى والأكاذيب، وإذا كان مقدرا لمنتصر أن ينتصر، فإن أول ما سيبادر إلى فعله هو إعادة سرد الأحداث بما يؤدي إلى إدانة الخاسر وإلقاء اللوم التاريخي عليه.
ما الذي يتوجب على العالم فعله لتفادي هذا المسار شبه المحتوم؟ 
أعتقد ان على الامم المتحدة او دول الخليج الانشغال بما بعد التوقيع أكثر بكثير مما قبله. التفكير في الآليات والتدابير المناسبة لمواجهة هذه المرحلة الحساسة التي يتوقف عليها مستقبل بلد مريض ينشد النهوض من سرير المرض بكامل لياقته. من هذه التدابير ارسال مراقبين دوليين يشرفون على التنفيذ عن كثب، وتزويد الرأي العام بتقارير يومية شجاعة عن مستويات الانجاز، وتوجيه اصابع الاتهام صراحة لأي طرف يعيق العمل، او يتنصل ويرواغ وتحميله مسؤلية ما يترتب على تصرفاته.
وربما اقتضى الحال ارسال قوات حفظ سلام رمزية تقف على الخطوط الساخنة، وقد تضطلع بأنشطة من شأنها منع الاشتباكات المحتملة واحتوائها. إن اعادة هيكلة الجيش، أكثر من أي شيء آخر، ليست بالمهمة اليسيرة. انها تنطوي على قدر كبير من التعقيد والمشقة والمخاطر العظيمة. 

ستكون ثورة خالدة فيما لو جرت الأمور على النحو المأمول. ففي بلد محكوم باللاعقل، يصبح العقل فعل ثوري بامتياز، على اعتبار ان فكرة الثورية هي الرغبة في تجاوز واقع راكد وميئوس من اصلاحه وتأسيس واقع بديل. وفي بلد يحسم صراعاته بالعنف عبر تاريخه، يصبح الضغط لانجاز تحول او حسم صراع، بأساليب سلمية توافقية، هو الفعل الثوري وليس العكس. 
ليس اللاعقل قانون مطلق للثورة، ثم ان اللاعقل اخذ مداه في ثورتنا، غضب واندفاعه جبارة، وغليان، والسياسة هي تتويج لهذا الفعل حتى لا تكون الثمرة كارثة او اعادة لانتاج اساليب الماضي في حسم الصراعات، فتصبح الثورة طريقة لانتاج الواقع نفسه وليس لانتاج واقع مغاير، وبالاحرى واقع افضل.
علينا أن نكف قدر ما نستطيع عن التصرف بما يؤدي إلى الوقوع في المستنقع. 
لست متفائل بالنظر إلى المعطيات الراهنة، لكن لا يوجد خيار آخر.

8-11-2011

الأكثر مشاهدة