الأربعاء، 18 مايو 2011

المعركة الخاسرة

محمد العلائي 
alalaiy@yahoo.com 

ألا تلاحظون تنامي مستوى من التهافت المخزي لحيازة لقب "ثائر"؟ 
كيف يمكن قياس المسألة؟ عند من الترمومتر؟ ربما قريبا سيتم افتتاح مختبرات لفحص درجات الثورية! وربما يتم اكتشاف لقاحات لعلاج نقص الثورية الحاد والمتوسط! 

بالنسبة لي، وأنا مجرد نكرة لا وزن له، اعترف بأنني لست ثائر. لكم الحق في أن تسجلوني هكذا: أنا صحفي وكاتب اعتبر نفسي مستقل مع انحيازي الشديد للتغيير العميق والمتدرج على جميع الأصعدة. 

"من الناحية النفسانية، يمكن القول إن المنافق طموح جدا. إنه لا يريد أن يظهر بمظهر الفاضل أمام الآخر، وإنما يريد كذلك أن يقنع نفسه"، هكذا تتحدث حنة ارندت، في كتابها المدهش "في الثورة". وغرضي من اقتباس هذه العبارة هو الإشارة إلى ذلك المأزق العميق الذي وجدت الثورات الأوربية وبالذات الفرنسية والروسية، أنها عالقة فيه بدون سابق إنذار. 

والمسألة تتعلق بتدشين الحرب على "النفاق" الذي يعقب نجاح الثورة عادة، اللحظة التي يدخل فيها الثوار دوامة لا نهائية من التشكيك كل في الآخر، فتلتهم الثورة أبنائها. من هذا المنطلق جاءت مقولة "الثورة تأكل أبنائها". وهي تشير أساسا إلى مرحلة تراجيدية فظيعة من مراحل النماذج الثورية الكلاسيكية، تلك المرحلة التي يطلق عليها المؤرخون "الرعب الثوري" أو "الإرهاب الثوري". 

يقابل كلمة منافق في اللغة اليونانية "ممثل مسرحي". وإذا أصبح من الضروري أن يبرهن كل منا على وطنيته، فالأمر عندها يلزم قدر عال من البراعة المسرحية، وفي هذه الحالة لا بد أن يسحق ويدمغ بالخيانة واللاوطنية كل شخص لا يستطيع ردم الفجوة بين أناه الحقيقية، بين ما هو في صميمه، وبين ما يريد الجمهور أن يكون. ببساطة مجتمع مزيف عديم الرحمة. 

والولع المقيت بفضح النفاق والازدواجية، ميدان يفتقر لأدنى شروط العدالة الإنسانية. وتشرح ارندت كيف أن علم التاريخ الفرنسي يسجل على مدى مئة وخمسين عاما كل ما جرى فضحه "حتى لم يتبق من الفاعلين الرئيسيين في الثورة أحد إلا وكان مشتبها بفساد أو ازدواجية أو كذب". 

لقد راح روبيسبيار ينقل خصومات الروح، بحسب ارندت، وما قال به روسو إلى السياسة، "حيث أصبحت قتالة، لأنها غير قابلة للحل". وتضيف: "إن البحث عن المنافقين لا حدود له، ولا يمكن أن ينتج عنه سوى الفوضى". 

وإذا كانت "الوطنية من شؤون القلب"، كما يقول روبيسبيار نفسه، فالمعركة لاستكشاف المنافقين والخونة لا تنتهي إلا بالهزيمة، لسبب بسيط هو أنه من المستحيل التمييز بين الوطني الحق والوطني المزيف. 

لا أريد أن تنحدر الحالة الثورية في اليمن إلى هذا المآل القاسي والخطير. إننا بصدد طاقة فعل ثورية جبارة، نعلق عليها الآمال في أن تقودنا إلى تحول ديمقراطي، وتغيير شامل، أكثر مما نحن بصدد ثورة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. والتغيير كلمة أكثر شمولا وإيجابية من كلمة ثورة، مع أن الأسماء تبتعد مع مرور الوقت عن مسمياتها، ولهذا لا ضير أن نطلق على ما يجري بالثورة. 

هذه الأيام، يمارس بعض الشباب والناشطين السياسيين، بصلف، نوع مؤذي من الكيد الرخيص والدسيسة والتخوين المتبادل. وهذا شائن حقا. الاتهامات تطال صحفيين وكتاب أيضا، تحت الذريعة نفسها. لا نريد أن نشهد مصائر مأساوية ومشاهد من التطهير الثوري. "ذلك أن البحث عن الدوافع، والمطالبة أن يعرض كل فرد علنا دافعه الأعمق، سيحولان جميع الفاعلين إلى منافقين، لأنهما في الواقع يتطلبان المستحيل"، بحسب ارندت. 

السباق على الريادة المجانية والنجومية علتنا. ولا بد أن على من ينشد التغيير الابتعاد عن محاكاة ما ينوي تغييره، وان يتأنى في إصدار الأحكام على الآخرين، ذلك أن من يستبيح الحقوق الصغيرة الآن سيستبيح أي شيء عندما تؤول الأمور إليه أو إلى جماعته أو حزبه. 

استشهد هيكل في كتابه "بين الصحافة والسياسة" بعبارة منسوبة للصحفي الأمريكي جيمس رستون يقول فيها: "لو طبقت علينا (يقصد الصحفيين) معايير المكارثية والنظرة البوليسية على التصرفات والأفعال لأمكن أن يثبت على كل صحفي وبدون استثناء انه عميل لجهة ما". وفي الواقع يعود الفضل لهذه الثورة في تحفيز المواهب البوليسية وصقل خبرة هواة تفتيش الضمائر لدرجة تفوقوا فيها على محترفي النظام الذي يقوضون بنيانه الآن. 

الظلم مرير على الدوام. لكن أوووه من ذلك الظلم الذي يتخذ لنفسه رأس ملاك، الظلم الذي يمارسه الأوغاد بعد أن اتخذوا من أقمشة الفضيلة البراقة، أكانت وطنية أو دينية أو علمانية، أزياء التنكر. 

كم هو قاس على النفس وثقيل ومؤذ! 

ليست هناك تعليقات:

الأكثر مشاهدة