محمد العلائي
alalaiy@yahoo.com
لم نفقد الأمل بعد. الخليجيون لم يخيبوا الظنون، عندما أعلنوا استمرار مساعيهم لإنهاء الأزمة اليمنية. من شبه المؤكد أن جهودهم سوف تتوج بالتوقيع على الخطة التي أخضعت لسلسلة من التعديلات والإضافات والمساومات.
لكن التوقيع ليس نهاية المطاف. فالمرحلة التي تليه ستكون مشحونة بالقلق والترقب ومفتوحة على المصادفات. هذا يعني أننا بحاجة إلى الزعماء الشجعان الذين تحدث عنهم توماس فريدمان، زعماء من طراز نيلسون مانديلا، ذلك النوع من الرجال الأفذاذ الذين يتمتعون بضبط النفس ونفاذ البصيرة والجرأة والصبر.
على أن بوسعنا تلخيص المأزق اليمني الراهن في النقطة الجوهرية التالية: من يلقي سلاحه أولا؟ فالمعارضة المتسلحة بشارع غاضب مندفع وجريح، تخشى لو عاد الناس إلى بيوتهم، من الانقضاض عليها والإجهاز على حالة ثورية شبه ناجزة. في المقابل يتمسك الرئيس بسلاحه المتمثل في الجزء الأكبر من الجيش والسلطة وتوابعهما، وهو الآخر يخشى لو استقال ومضى إلى بيته من المطاردة والفتك به على طريقة المصريين, فخصومه لا حصر لهم، وسجله غير مطمئن.
هنا بالضبط تكمن ورطة اليمنيين، وربما فرصتهم.
في ظني أن الخليجيين، بمساعدة ودعم من الغرب، سبروا أغوار المأزق اليمني جيدا، وأخذوا بالاعتبار حسابات ومخاوف كل طرف على حده، ليبلوروا خطة خروج متميزة إلى حد ما استوعبت معظم عناصر الأزمة.
المبادرة الخليجية لا تلبي تطلعات اليمنيين في التغيير والتحول الديمقراطي فحسب، بل هي تعبير لا شك فيه عن رغبة دولية مشتركة في إسدال الستار على حكم الرئيس صالح. ولهذا يعمل الوسطاء بكد على عدم توفير أية فرص للتملص.
شخصيا اعتقد أن الخطة الخليجية سهلة التنفيذ من قبل الرئيس، لأن جبهته موحدة ناهيك عن أنها تمنحه امتياز الخروج الكريم والآمن. لعل أصعب شيء فيها بالنسبة له هو استقالته. غير أن قيادات في الحزب الحاكم تطرح سؤالا مهما وحاسما لنجاح المبادرة، والسؤال هو: المعارضة ستوقع نيابة عمن، إذا كانت الساحات أعلنت موقف رافض لأي تفاوض؟
وكأنهم يشيرون، بطريقة أو بأخرى، إلى أن أمام المعارضة خياران: إما أن تتماهى مع الساحات في خطها المعاكس للتفاوض، أو أن تضبط إيقاع الساحات لكي تتماهى مع الجهد السياسي، وإلا فحديث المبادرات مجرد لغو لا قيمة له.
في الواقع، ينظر العالم إلى تكتل المعارضة بوصفه الجانب المضيء في البلد. فكل ما يقوم به محسوب وهو محل تمحيص من الجميع، إذ أن الرئيس وأركان حكمه قد اختبروا كفاية ليدرك العالم كم هم محتالون وعديمي مصداقية.
لا ينبغي على المعارضة أن تقطع على نفسها تعهدات تتخطى قدرتها على التنفيذ. نثق أنها لن تتنصل عن التزاماتها، لكن ثمة شكوك تراود الكثيرين تتعلق بعجز تكتل المشترك عن الحصول على تفويض من كافة الفصائل والمكونات التي تشترك معها في معارضتها لحكم الرئيس صالح.
من هذا المنطلق، يفترض بالمعارضة أن تتحلى بقدر من الوضوح، وأن لا تتصرف خارج حدود إمكاناتها. يجب أن تعلن صراحة ما تستطيع وما لا تستطيع، ثم تسعى في سبيل إقناع الوسطاء بأمور مثل أن رفع الاعتصامات ليس ضمن الشروط.
فضلا عن أن المعارضة بالذات معنية بالكشف عن مكوناتها وشركاءها، أي كل من تنوي التوقيع نيابة عنهم. لماذا؟ لكي تتجنب تحميلها مسؤولية تصرفات قد تقوم بها جهات ليست منضوية في حلفها، فيتخذ الرئيس من ذلك سببا للنكث بالتعهدات، والتشويش على الوسطاء وعلى الرأي العام المحلي.
الكثير من الشفافية مطلوب. فإذا تملص الرئيس، فالمتوخى أن تكسب الثورة والمعارضة موقفا مؤيدا حازما من قبل المجتمع الدولي.
المرحلة القادمة عصيبة ومليئة بالكيد المتبادل وتصيد الأخطاء. وسلوك الرئيس صالح وأداء أجهزته الإعلامية، علاوة على عمليات التسليح واسعة النطاق، كلها تسير في الجهة المعاكسة للحلول السياسية.
بيد أن هذا ينسحب أيضا على أداء المعارضة. فهناك فجوة كبيرة بين التعبئة التي تجري في الساحات وعبر وسائل الإعلام، وبين العملية السياسية. هذا يجعل الأمر أكثر تعقيدا، ويخلق من أسباب سوء الفهم أكثر مما يخلق من أسباب الاتفاق. ولا بد أن المعارضة مضطرة في علمها السياسي للموائمة بين كل تلك التصورات التي يقترحها شارع متهور لنهايات فعله الثوري, النهايات التي يرى أن عليه بلوغها بعيدا عن أي عملية سياسية، وبين التزاماتها إزاء جهود المصالحة.
يفكر البعض أنه ليس بالضرورة أن يكون الاتفاق ثنائي. ويتساءلون لماذا لا يتم تطوير خطة أوسع تشمل أبرز الأطراف التي تمثل قضايا ومشكلات سياسية أو جهوية أو تاريخية أو طائفية. في كل الحالات سيكون الرئيس طرفا بين كل هذه الأطراف، من أجل حلحلة اكبر قدر من المعضلات المزمنة التي كان الرئيس أحدها، إضافة إلى أنه كان عاملا لإذكاء الكثير منها أحيانا.
طبعا هذه الفكرة حاضرة في حسبان المشترك، لكنه أرجأها إلى ما بعد انتخاب رئيس جديد. وهذا رأي سديد، لكن من يضمن ألا تبدأ قوى -مثل الحراك والحوثيين، وحتى كيانات نشأت مؤخرا في الساحات- بعيد توقيع المبادرة طبعا، نشاطا تصعيديا يوفر للرئيس من الذرائع ما يلزم لكي يغدر بالاتفاقية وبالتالي الزج بالبلد في ما لا يحمد عقباه.
هناك أيضا من يأخذ على الخطة الخليجية افتراضها حسن نوايا القوى السياسية، وكونها مبنية على مثاليات. ثم إنها قلصت المدد الزمنية إلى أدنى مستوياتها في ظل تعقيدات وتناقضات يصعب القفز عليها.
في كل الأحوال، لا زلت أميل إلى التأني مهما كانت الصعوبات، فالتسرع في إعلان فشل المساعي الخليجية هو تدشين لمستوى آخر من الثورة قد لا يكون للسلمية فيه نصيب.
...
الأسبوع الماضي كتبت مقالة بعنوان "مذكرة إلى حراس الثورة". لم تكن المقالة تتمحور حول فكرة مركزية واحدة، إلا أنني كنت أهدف بالأساس إلى التأكيد على أن تركيبة اليمن تقتضي انتهاء الحالة الثورية بعملية سياسية شبيهة بالطاولات المستديرة التي لجأت إليها بعض دول أوروبا الشرقية أثناء تحولها الديمقراطي، وتطرقت بالنقد للمواقف المرتابة أو الرافضة تماما للمساعي الخليجية.
استسلمت لغواية الحكمة. وانتقدت بشدة التقليل المتعمد من شأن مشكلة بحجم انقسام الجيش، "الجيش بما فيه من اختلالات عميقة في تركيبته وفي تصوره لدوره الوطني، واختلالات في تصور اليمنيين لوظيفة الجيش بما يحتويه من قوة نارية ضاربة".
كنت اعرف أن علي التحايل من أجل الوصول إلى عقل وقلب أكثر المحتجين حماسة وأكثرهم مغالاة بالذات في ساحات التغيير. لهذا افتتحت المقالة بالسخرية الفظة من الطريقة التي يظهر بها الرئيس صالح مؤخرا، وكيف أن غرائزه السياسية فقدت صلاحيتها بالكامل.
بالطبع لم تكن مجرد حيلة. فقناعتي هي أن الرئيس سقط في وحل التخبط. ولم يكن على هذه الدرجة من الارتباك مثلما هو هذه الأيام. ثم إنها ليست المرة الأولى التي أتناوله بالسخرية أو النقد القاسي وأحيانا الهجاء الذي أصبح في الآونة الأخيرة ضربا من ضروب الابتذال والتفاهة.
لكنني شعرت بالخيبة والمرارة عند قراءتي لردود الفعل والتعليقات. فالفكرة التي أردت تمريرها بين مواد حافظة وجملة مداهنات تقليدية، لم تصل كما يجب. فالثوريين المغالين اكتفوا بقراءة الديباجة واثنوا علي أيما ثناء، في حين فعل الغيورين على الرئيس نفس الشيء حتى إن صديقا من قيادات الحزب الحاكم عبر عن أسفه لأن كتاباتي صارت "مبتذلة"، وقال أحدهم مازحا "لقد أفرطت في الطٌعم".
وحده الكاتب الكبير والصديق العزيز محمد ناجي احمد فطن لحيلتي. وكتب تعليقا مميزا يجدر بي إعادة نشره هنا: "محمد يا صديقي، أشعر بفرح وأنت تتحرر من هيمنة الساحات والإكراهات، حتى, وأنت تعلن إيمانك المطلق بـ"الثورة". تراوغها لتتحرر من إكراهاتها. وأنت تتحدث بشكل يغري الشعبويين عن مجمل خصال الشيطان، توجه خطابك لأوهام النقاء الثوري. وأنت تنتقد الاستبداد، تضع عينيك على إعادة الاستبداد من خلال إكراهات الساحات المحصنة بقدسية "الثورة" وقدريتها".
ويتابع أحمد: "أتفق معك بأنه ليس هناك قدرية للثورة، وأنها ليست مأمورة بقوة، سوى قوة مكوناتها، فليس هناك متسع لبلاهة "دعوها فإنها مأمورة !"، لأنه ببساطة سيجعلنا نتساءل: مأمورة ممن؟ أشعر بمتعة ما تكتب، بل وأشاركك تفكيرك الواقعي الذي يحتكم للممكن، وإن عشق المستحيل".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق