الأربعاء، 25 مايو 2011

من يوميات الحرب البمن

أخيرا وصلت البيت بعد رحلة مضنية دامت أكثر من ساعة ونصف من جنوب صنعاء الى منطقة دارس اجتزت خلالها حوالي عشر نقاط تفتيش. في البداية تم قطع خط الستين امام بيت نائب الرئيس. نزلت من التاكس ودخلت الشوارع الفرعية ومن هناك استقليت تاكس آخر واتفقت معه على ان نبحث عن طريق سالك. وبالفعل التفينا على نقاط تفتيش الستين وخرجنا الى قبالة مستشفى جامعة العلوم وشعرت بالارتياح واصلنا السير إلى نقطة تبعد حولي كيلومتر عن جامعة الايمان وفجأة شاهدنا السيارات تقفل راجعة نزلت من التاكس وقررت ان اقطع المسافة بين هذا المكان وجولة عمران حيث تتمركز قوات النجدة والحرس الجمهوري، مشيا على الاقدام.

تجاوزت نقطة التفتيش باتجاه جولة عمران بالفعل. كنت ارى بضعة اشخاص يفعلون الشيء نفسه، لكن بعد برهة قصيرة وجدت نفسي في فراغ مظلم والصمت يخيم على المكان وعلى مقربة مني شابان يغذان الخطى ويتبادلان احاديث لا معنى لها فقط من قبيل تبديد الخوف الذي يبدو انه كان ينتابهم في تلك اللحظة. اقتربت منهم وحاولت ان اتخذ منهما رفيقين.

تحدثت معهما وسرنا معا. كلما مشينا اكثر وجدنا انفسنا اكثر عزلة والمكان يصبح اكثر سكونا. كانت اصوات المدافع في الحصبة ولمع الضوء وصفير القذائف تفاقم من شعورنا بالخطر والذعر. بدأنا نهرول لكن المسافة كانت تبدو اطول مما هي عليه في الواقع، فقررنا ان نعدو عدوا.

اجتزنا المنحدر الذي يقع على بعد قرابة واحد او اثنين كيلو متر من جولة عمران. وعلى جانب الطريق رأينا طقم يتبع الفرقة كامن خلف مترس ونصحونا الجنود على ان نسرع لان الموقف سينفجر في اي لحظة.

تعرفت على الرفيقان وهما من شباب ساحة التغيير احدهم اسمه صدام وكان يؤنب صديقه مازحا "انت قلت تشتي ثورة".

كنا نلهث وترتعد فرائصنا كلما سمعنا صوت رصاص. والخوف يأتي من كوننا نسير في مكان يفصل قوتين متأهبتين ولم يغب عن اذهاننا حقيقة ان هذا المكان شهد معركة ضارية قبل نحو شهر ونصف بمختلف انواع الاسلحة بين قوات النجدة والفرقة.

قبل جولة عمران بثلاثمئة متر تقريبا حذرنا مسلحون من ان الوضع سينفجر في اي لحظة، وان الاحرى بنا ان نفكر ماذا نفعل؟ أعلينا أن نكف عن السير باتجاه الجولة وندخل غربا باتجاه ذهبان وجدر؟ لكننا قررنا ان نصل الى الجولة وشاءت الاقدار ان يصل تاكس ضل طريقه وتوقف يسأل والهلع يرتسم على ملامح وجهه، اقتحمنا سيارته اقتحام وهو يرجونا ان ننزل، قلت له وصلني الى دارس وادفع لك ثلاثة الف، كان العرض مغريا وبالفعل اقلني الى مكان قريب من الحي الذي اقطن فيه وهناك جرى قطع الطريق ايضا. ترجلت من التاكس ودفعت له واجتزت بقية المسافة سيرا على الاقدام.

تفاصيل مملة تخلو من التشويق والبطولة، أليس كذلك؟ انا ايضا اعتبرها كذلك وحتى تافهة، لكن ليس قبل أن أصل إلى البيت وأرى هشام يغط في نومه، والمصادفة انه كان يتحدث بكلام غير مفهوم وهو نائم!

ماذا لو...؟

محمد العلائي 
alalaiy@yahoo.com 

لعلي أمر بأكثر الظروف سوءا وقسوة. وأفكر أحيانا أن هذه الأزمة تمسني بشكل مباشر أكثر من أي شخص آخر، بل إنها توشك على تعطيل حياتي تماما. ومع ذلك سأسمح لنفسي مرة أخرى بممارسة نوع مما كان يطلق عليه نيتشه "التفكير التجريبي"، إثارة أسئلة، إيماءات، فتح ثغرات، بحثا عن منظور جديد للأشياء والأحداث. أي تلك الطريقة في النظر إلى الأمور لا تروق المزاج الثوري الميال غالبا لليقين. 

مثلا، دعونا نغمض أعيننا ونتخيل لوهلة -والخيال لا ينوب عن الواقع ولا يلغيه- أن صالح نكث بجميع التعهدات التي يخجل من الحديث عنها شباب الثورة، في الوقت الذي يضغط العالم بأسره في سبيل التوقيع عليها. ولنتخيل أيضا، وهذا مما يصعب تخيله، أن صالح استيقظ ذات صباح وإذا بالثورة التي أقضت مضجعه، قد تبخرت فجأة وعاد الناس أدراجهم... لكن رغم ذلك علي محسن لا يزال منشقا مع الفرقة، في حين لا يزال الحوثيون يحتفظون بما تحت أيديهم من أراضٍ وسلطان، ومحافظة الجوف محل شد وجذب خارج سلطة الدولة بين قوى قبلية ودينية تتبنى عقائد سياسية هجينة، وغالبية المحافظات الجنوبية مضطربة يبحث فيها الحراك أفكار الانتقال إلى المستوى التالي من النضال والاحتجاج، وعائلة الأحمر، ومعها أجزاء واسعة من قبيلة حاشد، باقية في نفس المربع الذي وضعت نفسها فيه حيث تشعر على الدوام أنها عرضة للانتقام ما جعلها تتخذ حزمة تدابير لحماية نفسها، واللقاء المشترك بالطبع يستأنف نشاطه المعارض بنفس وتيرة ما قبل فبراير، والاقتصاد ينحدر وأنابيب النفط في مأرب تظل كما هي هدفا دائما للقبائل، والقاعدة تلملم صفوفها وتتأهب للثأر لمقتل الزعيم. 

حيال واقع كهذا الواقع المتخيل، لنتساءل: كم بمقدور الرئيس صالح أن يحتفظ بالسلطة؟ 

هناك خرافة مفادها أن الثورة لو أجهضت عن طريق المبادرات والتفاوض التي يرجح الكثيرون ان صالح سيتنصل عنها، فإن صالح سيكمل الأربعين سنة! 

هواة الاستنتاجات الجاهزة، ذات الطابع الهزلي، يجادلون بأن الرجل على استعداد للبقاء في الحكم حتى على منطقة السبعين. وهذا يمكن التسليم به من قبيل التعريض الساخر بشخصية الرئيس المتعطشة للسلطة مهما كانت الظروف والأحوال, غير أن مسارات التاريخ هذا العام أخذت منحى لم يكن في الحسبان. 

شخصيا أرى أنه حتى لو التف على الاتفاقيات، حتى لو حزم الثوار أمتعتهم ورجعوا بيوتهم، لن يتمكن من إكمال ولايته إلى 2013. ولهذا، مع إيماني العميق بأن الرجل محتال ومتقلب المزاج، إلا أنني لست خائفا من الحلول السياسية ولا على الثورة، الثورة كانت تتويجا مميزا لسلسلة مقاومات وتمردات وانشقاقات، ولقد أنجزت مهمتها فيما يتعلق بتقويض ركائز حكم الرئيس صالح. بقي فقط كيف نوفر ممرا آمنا لرجل لم يحسب لهذه اللحظة حساب. وحين نشدد بحرص على توفير ممرا آمنا، ليس رأفة به، ولا خيانة للحالة الثورية، بل لتجنيب البلد المخاطر التي أعتقد أنه لم يفقد بعد القدرة على الزج به في أوتونها. 

لا يظنن أحد أن اللحظة التي يقال أن صالح تنصل فيها عن وثيقة "العهد والاتفاق"، هي نفسها التي نخاف فيها من أن الرجل لا يزال يمتلك فيها ترف التنصل عن خطة خروجه من الحكم الآن. أكيد الزمن وحقائقه ورجاله مختلف بما لا يقاس عن منتصف التسعينات. والراجح أن صالح يدرك ذلك وكيف أنه يقف وجها لوجه مع الحصيلة الإجمالية لفترة حكمه من الخصوم الذين تراكم بعضهم على بعض، وتجمعهم هذه الخصومة كأرضية مشتركة يقفون عليها ومعهم قطاعات واسعة من شعب مستاء وبائس وبلا أمل. 

يمكن القول أنه يتصرف حاليا على غرار لويس السادس عشر قبيل اندلاع الثورة الفرنسية، حينما كان يقدم الوعود مدفوعا بالخوف ثم ما يلبث أن يتراجع عنها مدفوعا بالأمل الكاذب، الفارق أن صاحبنا هذا في كلا الحالين هو مدفوع بالخوف أكثر مما هو مدفوع بأي شيء آخر. 

ثمة عنصر آخر كثيرا ما نغفله عند تناولنا وفهمنا للأزمة والتاريخ اليمني الحديث عموما: إنه الدور الكبير الذي يلعبه إرث العلاقات الشخصية في السياسة اليمنية. ذلك أن الطبقة السياسية التي يبدو أنها تقرر مصيرنا الآن يجمعها تاريخ شخصي زاخر بالمشاعر المتناقضة، الصداقات والعداوات، الذكريات والمكائد والمؤامرات والمنافسات الضارية، ومقايل القات. وهذا، من وجهة نظري، عامل آخر من عوامل ظهور الرئيس على هذا النحو المتقلب، بحيث يقدم حينا ويحجم حينا آخر، إذ تحضر في ذهنه كل التفاصيل الصغيرة التي تجمعه بأشخاص مثل علي محسن واليدومي وباسندوة وياسين سعيد والآنسي وآل الأحمر. 

بقي أن أطرح هذا السؤال وبكل صدق: هل كتب علينا حقا أن نترك للخرافات والأوهام البالية وفوبيا المبادرات "المغدورة"، الفرصة كي تقود بلدنا إلى حتفه؟

الأربعاء، 18 مايو 2011

النموذج اليمني المغدور

مسار الثورة يدعم مسار السياسة لكنه أبدا لا يلغيه 

محمد العلائي 
alalaiy@yahoo.com 

الكسل الذهني، والفقر المعرفي، وسوء الفهم والتعصب، معضلات اليمنيين الكبرى. لا شيء أصعب علينا من إخضاع ذواتنا، وتصرفاتنا، ومواقفنا، للنقد والتقييم المستمر، والتحلي بفضيلة الشك وحتى التناقض، عوضا عن هذا الرضا الدائم عن النفس والعناد والمكابرة على الخطأ. 

مثلا، لماذا لا نعيد النظر في موقفنا المناوئ للمساعي الخليجية، ولفكرة الحل السياسي والتفاوض من الأساس، طالما كان في مجمله يلبي تطلعات الشعب اليمني أيا كان مصدره؟ 

هناك اعتقاد سائد، لا سيما في أوساط التيارات التي يمكن وصفها بالمدنية والداعية إلى التحديث والانتقال الديمقراطي والمناهضة للدور السعودي، مفاده أن الحل السياسي سواء عبر المبادرة الخليجية أو عبر التفاوض المباشر، إلى جانب أنه يتنافى مع كلمة "ثورة"، سيؤدي إلى إعادة تمكين أدوات النفوذ السعودي والقوى البالية نفسها على حساب مكونات وقوى التحديث والمدنية. 

فمن وجهة نظر هؤلاء، أن التصعيد المتمثل في الزحف، هو السبيل الوحيد والأمثل لإجهاض المبادرات وقطع الطريق على أية مساعي وحلول سياسية، وبالتالي حسم الثورة وإسقاط النظام بمنأى عن أي عملية سياسية. 

مع تقديري لهذا النوع من الطرح، وهو بالمناسبة ليس جديدا بالمرة، إلا أنني أرى عكس ذلك تماما. تتلخص فكرتي في أن التصعيد الثوري الراديكالي المؤدي إلى خلق حالة من الانسداد السياسي التام، معناه أننا جعلنا من فكرة الصدام المسلح بين قوى ورموز النظام المنقسمة على الجانبين أمر حتمي، أي انتقال الكلمة الفصل إلى هذه القوى في الميدان الذي تبرع فيه وتمتلكه. 

ما الذي يترتب على ذلك؟ الجواب: مصادرة الثورة باختصار. 

الصدام المسلح قد ينعش نظام في طور الأفول. فمن شبه المؤكد أننا سنجد أنفسنا إزاء احتمالين: أن يتمكن أحد هذه الأطراف، وكلها تمتلك المال والسلاح والمهارة القتالية، من حسم الصراع المسلح لمصلحته، وليكن ذلك هو الطرف الموالي للثورة، لكن النتيجة هي إعادة تمكين القوى التقليدية المقربة من السعودية أي تلك التي كنا نقاوم تمكينها بعرقلة ورفض الحلول السياسية. 

الاحتمال الثاني: دخول اليمن في حرب مفتوحة، طويلة الأمد، وفوضى، قد لا تستطيع خلالها أية قوة أن تبسط سيطرتها على البلاد وكسب المعركة لحسابها. 

وفي رأيي أن المبادرة الخليجية -أو أي خطة سياسية تهدف للحيلولة دون وصول التوتر بين الجانبين التقليديين المدججين بالسلاح، إلى درجة الاقتتال- كفيلة بوضع النظام المنقسم بشقيه، المحتمي بالثورة والمعادي لها، في خانة واحدة تمهيدا لإزاحته دفعة واحدة، وبالسياسة أيضا. بكلمات أخرى: الخطة السياسية لا تكتفي فقط بنزع عوامل الصدام المسلح بين القوى القديمة وأمراء الحرب، بل إنها تهدف أساسا إلى توفير الظرف العادل للمشاركة السياسية عن طريق فرض إصلاحات جذرية في بنية النظام السياسي، والتشريعات، والنظام الانتخابي، ونمط الاقتصاد، إصلاحات جوهرية يفترض أن تساهم في بلورتها قوى التحديث والمدنية. 

صوت التيارات والقوى المدنية الحديثة خافت بين نعيق الجبابرة. رأس مال هذه التيارات، ومصدر تفوقها الأخلاقي، يتمحور في انحيازها الكامل لفكرة اللاعنف وقيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، ووسائلها تتوزع بين الكلمة والعمل السياسي والنشاط المدني الدءوب، لنيل ثقة مجتمع لن يدفع بها إلى الصدارة، إلا حينما تنجح تدريجيا في إحداث تحول نوعي، في الأفكار والعادات، ومستويات التعليم والخطاب الديني. 

في ربيع 1988، عقد اتحاد الديمقراطيين الشبان، الذي قاد عملية التحول الديمقراطي في المجر، مؤتمره الأول. وجاء في برنامجه السياسي: "أن حماية الديمقراطية، وأقصى ضمان لها، بل وضمانها الوحيد، بعيدا عن سيطرة الدولة، يتمثل في مجتمع ذي ثقافة ديمقراطية سياسية"، "وليس هناك هدف اجتماعي ذو قيمة أعظم من هدف ضمان حياة سلمية وحرة ومستقلة للمواطنين". 

لماذا لا ننهمك في إعداد استراتيجية ثورية ترتكز على فكرة الاستنزاف الذكي عبر النضال السلمي المفتوح وغير المقيد بزمن، مع السماح للعملية السياسية بأن تأخذ مجراها، تعرجاتها واخفاقاتها، في مواجهة رجل ارتبط اسمه على نحو لا ينفصم بالغدر والاحتيال والمكر. لكن لا ينبغي أن نسمح للأمور أن تصل إلى الانفجار الذي لا رجوع عنه. 

سأشرح فكرتي بقدر أكبر من الوضوح: أريد القول أنه بالسياسة وحدها، السياسة المسنودة بالنضال المدني والغليان الجماهيري الرائع والصبر، يمكننا بلوغ غايتين في وقت واحد: أولا، خلع أنياب الوحش شيئا فشيئا، ومحاصرته واستنزافه، والاستمرار في كشف ألاعيبه وحيله، حتى تخور قواه في نهاية المطاف، ويذعن لجميع المطالب وعلى رأسها تنحيه عن السلطة. ثانيا، بهذه الطريقة نضمن صون البلد من كافة الاحتمالات الخطيرة التي قد تنتهي إليها أي حالة فوضى وعنف. 

أعرف إلى أي مدى هو مغري الاندفاع والراديكالية الثورية، لأنهما يختصران المراحل ربما، وأعرف من حيث المبدأ أن اقتحام المقار الحكومية أسلوب من أساليب النضال اللاعنيف، غير أنني لا أؤيدهما لسببين كررتهما مرارا: لعدم وجود "قوة تحكيمية محايدة"، أقصد بالضبط جيش وطني يلعب دور ضاغط داخل القصر الرئاسي ويحول دون سير الأمور إلى التفكك والتناحر المسلح الذي لا احد بوسعه التحكم في مساراته ونتائجه. 

والسبب الثاني، أن حالة العنف التي من المحتمل حصولها إثر اقتحام المقار والمصالح الحكومية، ستنقل الفعل الثوري السلمي من أيدي المكونات المدنية في ساحات التغيير التواقة للديمقراطية والتحديث، إلى أيدي أمراء الحرب والعسكريين ورجال الدين (سنة وشيعة)، وكل الرموز البالية التي تتمتع بجهوزية من حيث التسليح والخبرة والمال، لخوض غمار العنف وحسمه لمصلحتها، بما يترتب على ذلك من استحقاقات لا تساعد إلا على إنتاج نظام سياسي من نفس طينة النظام المتداعي. 

بالطبع، إلى جانب أن هذا المسار باهظ الكلفة من حيث إراقة دماء اليمنيين وإزهاق آلاف الأرواح، ما يعمق من الصدوع الوطنية والاجتماعية لمدى بعيد. ناهيك عن أن العنف يرجح كفة النزعة الدينية الجهادية، على كفة النزعة المدنية الدنيوية في الثورة. وأن يكتسي الفعل الثوري بالمظهر الديني السافر، فالحصيلة لن تكون ولا شك إلا دولة دينية سافرة أو فوضى دينية سافرة. 

أكرر حتى لو عرضت نفسي للتخوين: السياسة والتدرج لا يعيبان الثورات بأي حال. حصل هذا في ثورة تشيكوسلوفاكيا سابقا عندما جلس زعيم المعارضة فيتسلاف هافيل مع سجانيه على طاولة المفاوضات حيث تمكن من انتزاع إصلاحات حقيقية أفضت إلى انتخابه رئيسا، وحصل هذا في جنوب أفريقيا والمجر وبولونيا. 

أقول دائما كم أننا بحاجة لزعماء سياسيين يتسمون بالجرأة والعمق، ونفاذ البصيرة، وقوة الحضور، والنبل والتسامي على الأحقاد، والنفس الطويل والذكاء. من سوء الحظ، أن العقل السياسي اليمني لا يحدد خياراته بناء على المعرفة والشغف بالمؤشرات والأرقام. إنه عقل بالغ الضحالة، يعتمد على الارتجال والأفكار المسبقة والانطباعات الشخصية، ومن السهل تأثره بالدعاية وتوريطه. 

في بلد كهذا البلد، يصبح الانصياع، بلا تحفظ، لأهواء ورغبات الجماهير مخاطرة خالصة. إذ أن الجماهير فريسة سهلة لشتى أنواع المؤثرات. الجماهير تحتاج عقل سياسي يحول نشاطها إلى مكاسب سياسية ووطنية. على سبيل المثال: ببساطة في مقدور قناة الجزيرة أن تقرر بأن شباب الثورة يرفضون المبادرات والتفاوض، حتى لو كان نصف هؤلاء الشباب مع الحل السياسي، فيجري توجيه الرأي العام داخل كل الساحات في هذا الاتجاه، فيجد السياسيين أنفسهم في موقف حرج. حتى أنني صرت اشك مؤخرا بأن لقناة الجزيرة تأثير على الساحات يفوق تأثير أحزاب المشترك. 

في اليمن، تصبح الأوهام حقائق ومسلمات. لكن لا تزال أمامنا فرصة للاقتناع بأننا توليفة من التونسة والمصرنة والصوملة والأفغنة والعرقنة، وشيء كثير من النموذجين السوري والليبي. لقد تحركت الاحتجاجات هنا مملوءة بسحر نموذجي مصر وتونس. وإلى جانب التقليد الحرفي للخطاب والشعارات، قمنا بمطابقة مخيلتنا وأشواقنا مع صيرورة هذين النموذجين، واحدهما لم يستغرق أكثر من 18 يوم. 

يتذرع دعاة التهور والسرعة في الحسم بأن الملل بدأ يتسلل إلى نفوس المحتجين في الساحات. وهذا صحيح ومؤلم، لكن توجد دائما طريقة لمعالجة مثل هذه الأمور عبر فهم أسبابها، وبالتالي خلق التوازن النفسي المطلوب. أظن أن الملل يأتي من كون الشباب تشربوا خطابا سياسيا مضللا مفاده أن الأمور لن تكون في اليمن مختلفة عما سارت عليه الأمور في مصر وتونس. كان ثمة اعتقاد راسخ بأن العملية كلها لن تستغرق سوى بضعة أسابيع تتخللها بضع "جمع" يتم تسميتها تصاعديا، وفجأة نرفع أنظارنا إلى السماء لمشاهدة طائرة الرئاسة متجهة إلى جدة أو شرم الحديدة. 

إن هذا هو السبب الكامن وراء تفاقم المزاج العنيف والسأم، وذلك الإحساس الخطير بطول المدة، ونفاد الصبر، الذي ينتهي بترجيح التفكير في الخيارات المتهورة أو حزم الأمتعة والعودة إلى البيوت. 

أظن أن الأوان لم يفت بعد لمحاصرة النتائج السلبية لهذه الظاهرة بوسائل عدة منها، على سبيل المثال: تنظيم برامج توعية سياسية مكثفة، داخل الساحات، تمزج بين الواقعية والمثالية، بين التعبئة والتثقيف، بين الحلم والإمكانية. ومثلما نؤكد فيها على أن النصر حليف الثورة حتما، علينا التشديد على حقيقة أن الحسم النهائي لن يكون إلا سياسي، وأن السيناريوهات التونسية والمصرية بعيدة المنال في اليمن، نظرا للتركيبة الاجتماعية المختلفة، والتكوين التاريخي والسياسي للبلد، وطبيعة الجيش والنظام السياسي. وتوضيح كيف أن السياسة مفاضلة بين إمكانية وإمكانية أخرى، وليست مفاضلة بين رغبة ورغبة، ولا بين حلم وحلم! 

لقد كان للثورتين المصرية والتونسية تأثير مزدوج: إيجابي من ناحية أنهما مثلتا مصدر الهام، أنعش الآمال وحرك الأنفس الميتة، ودفع بكثير من القانطين والميالين للعزلة والانكفاء إلى الساحات، متقدمين بذلك على قواعد أحزاب المعارضة، التي تتربع عليها قيادات اعتقد أنها كانت تدرك تماما حجم الفوارق بين اليمن وهذين البلدين، لكنها استسلمت في الأخير لإغواء الوهم وسحر الدعاية ورغبات الشارع الجارفة والمفعمة بمشهدين ساحرين جرت أحداثهما على مرأى ومسمع من الجميع. 

وإليكم الأثر السلبي للثورتين المصرية والتونسية: يتمثل هذا الأثر في كونهما صارتا نموجا ومعيارا يقاس من خلالهما كل تحرك واتجاهه ومداه الزمني. الدعاية تطغى على الواقع وتتغلب عليه وتخلق من نفسها واقعا مصطنعا. ولأن الفعل الجماهيري لا يقبل المحاججة والمنطق، فقد أخفقنا في الأخذ بيد الجماهير الغاضبة على تشكيل عواطفهم وإرادتهم بما يلائم واقع يمني أكثر تعقيدا مما يبدو عليه. 

وفي هذا الصدد أقترح التالي: أولا، يستحسن أن نعيد برمجة يقينياتنا، وتصوراتنا، وتوقعاتنا، وحماستنا الثورية، على أساس أن الزمن الذي تتطلبه ثورتنا سيكون بالضرورة أطول، إذا أردنا تجنب الفخ الليبي. ثانيا، لا بد من طرح خطاب ثوري يعكس روح مختلفة يستوحي مفرداته من الخصائص المشتركة للذهنية اليمنية ونظامها الاخلاقي، خطاب يحرص على تقليص الشعارات الاستفزازية التي تستدعي ردة فعل عكسية في مجتمع لا يزال بدائي يؤمن بمعايير مختلفة للخطأ والصواب فيما يتعلق بالحياة العامة، ومثل هذه الشعارات لا تفعل أكثر من مساعدة ما تبقى من أتباع النظام على تخندقهم نتيجة للشعور بالخوف أو التهديد. (الحديث الدائم عن المحاكمات والقوائم والسوداء، والتهديد بحبس رأس النظام وعائلته، كلها مفردات تؤخر الحسم وتجهض العبور الآمن إلى المستقبل). 

ثالثا، إعادة النظر في التقديرات الخاطئة للمشهد اليمني بعيدا عن التبسيط، وتقديم الأمل والطمأنينة والثقة لكل مكونات الشعب، بدلا من اللهجة المتعجرفة، الشامتة، المغرورة، الانتقامية، العدوانية. 

اقترح أحدهم في الفيس بوك خيار إسقاط المحافظات باعتباره التصعيد المثالي والمثمر. وبدوري رديت عليه هكذا: "نظريا ومن حيث المبدأ أنا أؤيد أي تصعيد سلمي لا يفضي إلى جر الثورة للعنف والاقتتال وانفلات الأمور من عقالها. إذا كان خيار إسقاط المحافظات آمن فليكن". 

وأضفت: "لكن اسمح لي أن أنقل ما خلص إليه الباحث عبدالناصر المودع بشأن هذا الخيار ضمن دراسة موسعة بداية الاحتجاجات: (يقوم هذا الخيار على تطوير حالة الاحتجاجات لتشمل الإضرابات وتوقف المصالح الحيوية وقطع الطرقات والسيطرة على المدن حتى الوصول للعاصمة. ورغم أن هذا الخيار يبدوا جذابا وممكنا إلا أنه يحمل الكثير من المخاطر المدمرة للدولة، يمكن إيضاحها فيما يلي: 1- لن تتم هذه العملية بسلام وسلاسة وسهولة كما يعتقد الكثيرون، فالسيطرة على المدن قد لا تتم في جميع المناطق، فتبقى مناطق تابعة للسلطة ومناطق للثوار وهو ما يعني نشوب حرب أهلية بشكل من الأشكال. إضافة إلى أن كثير من المدن لن يتم إسقاطها بدون عنف، وهو ما يعني سفك الكثير من الدماء ونشوب نزاعات قبلية وسياسية على نطاق المناطق التي تم إسقاطها. 2- عملية إسقاط المدن لن تتم من قبل جهة واحدة، حيث سنجد بعض المناطق ستسقط في أيدي قوى متعددة وذات أجندات متناقضة ومتصارعة. ومن ذلك سقوط بعض المناطق في أيدي الحراك الجنوبي وبعضها في أيدي الحوثيون ومناطق في أيدي حركات جهادية (القاعدة ومثيلاتها) وقوى أخرى ستنبثق أثناء السيطرة (قبلية ، حزبية ، مناطقية). وحدوث هذا الأمر يعني الفوضى والخراب. فحتى لو سقط النظام في نهاية الأمر فإن تخلي القوى المسيطرة على ما تحت يدها سلميا أمر غير متوقع. والنتيجة المزيد من الانقسام والفوضى. 3- قد تبقى الحكومة الحالية مسيطرة على العاصمة وبعض المناطق الأخرى، وهو ما يعني حرب أهلية وانقسام طويل الأجل. ووضع اليمن الاقتصادي والاجتماعي لن يحتمل حالة مثل هذه مما يعني تدمير للدولة وانهيار لمقوماتها)". 

عبثا، أكتب وأجادل عن أفضلية الحلول السياسية طويلة المدى، المدعومة بحالة السخط الجماهيري منقطع النظر. أكتب هذا وفي أعماقي شك لا حدود له بأننا ربما وصلنا منذ أسابيع إلى نقطة اللاعودة، وأن الحديث عن أن الفرص لا تزال سانحة لتلافي الأخطاء والانحرافات، بعد تقييم ما تم انجازه إلى الآن، أصبح نوع من الخداع المحبب للنفس لا أكثر ولا اقل. 

منذ بداية الانتفاضة الشعبية، كانت تدور نقاشات رائعة على صفحات الفيس بوك، وكنت اشعر بالحسرة والمرارة لأنها ظلت بمنأى عن الساحات، أو جرى إبعادها بشكل ممنهج، بحسن نية غالبا، من أجل حماية جدار السكينة الثورية والنقاء واليقين من الخدش والبلبلةـ بعد أن نصب البعض أنفسهم وكلاء بدون تفويض لتشكيل القناعات في الساحات وصناعة الرأي العام وشحذ العواطف وتوجيهها. 

أشعر أن كل ما اكتبه مجرد ثرثرة عديمة القيمة للأسف، لكني لا أملك إلا أن اكتب ولو على سبيل التسلية والعبث! 

المعركة الخاسرة

محمد العلائي 
alalaiy@yahoo.com 

ألا تلاحظون تنامي مستوى من التهافت المخزي لحيازة لقب "ثائر"؟ 
كيف يمكن قياس المسألة؟ عند من الترمومتر؟ ربما قريبا سيتم افتتاح مختبرات لفحص درجات الثورية! وربما يتم اكتشاف لقاحات لعلاج نقص الثورية الحاد والمتوسط! 

بالنسبة لي، وأنا مجرد نكرة لا وزن له، اعترف بأنني لست ثائر. لكم الحق في أن تسجلوني هكذا: أنا صحفي وكاتب اعتبر نفسي مستقل مع انحيازي الشديد للتغيير العميق والمتدرج على جميع الأصعدة. 

"من الناحية النفسانية، يمكن القول إن المنافق طموح جدا. إنه لا يريد أن يظهر بمظهر الفاضل أمام الآخر، وإنما يريد كذلك أن يقنع نفسه"، هكذا تتحدث حنة ارندت، في كتابها المدهش "في الثورة". وغرضي من اقتباس هذه العبارة هو الإشارة إلى ذلك المأزق العميق الذي وجدت الثورات الأوربية وبالذات الفرنسية والروسية، أنها عالقة فيه بدون سابق إنذار. 

والمسألة تتعلق بتدشين الحرب على "النفاق" الذي يعقب نجاح الثورة عادة، اللحظة التي يدخل فيها الثوار دوامة لا نهائية من التشكيك كل في الآخر، فتلتهم الثورة أبنائها. من هذا المنطلق جاءت مقولة "الثورة تأكل أبنائها". وهي تشير أساسا إلى مرحلة تراجيدية فظيعة من مراحل النماذج الثورية الكلاسيكية، تلك المرحلة التي يطلق عليها المؤرخون "الرعب الثوري" أو "الإرهاب الثوري". 

يقابل كلمة منافق في اللغة اليونانية "ممثل مسرحي". وإذا أصبح من الضروري أن يبرهن كل منا على وطنيته، فالأمر عندها يلزم قدر عال من البراعة المسرحية، وفي هذه الحالة لا بد أن يسحق ويدمغ بالخيانة واللاوطنية كل شخص لا يستطيع ردم الفجوة بين أناه الحقيقية، بين ما هو في صميمه، وبين ما يريد الجمهور أن يكون. ببساطة مجتمع مزيف عديم الرحمة. 

والولع المقيت بفضح النفاق والازدواجية، ميدان يفتقر لأدنى شروط العدالة الإنسانية. وتشرح ارندت كيف أن علم التاريخ الفرنسي يسجل على مدى مئة وخمسين عاما كل ما جرى فضحه "حتى لم يتبق من الفاعلين الرئيسيين في الثورة أحد إلا وكان مشتبها بفساد أو ازدواجية أو كذب". 

لقد راح روبيسبيار ينقل خصومات الروح، بحسب ارندت، وما قال به روسو إلى السياسة، "حيث أصبحت قتالة، لأنها غير قابلة للحل". وتضيف: "إن البحث عن المنافقين لا حدود له، ولا يمكن أن ينتج عنه سوى الفوضى". 

وإذا كانت "الوطنية من شؤون القلب"، كما يقول روبيسبيار نفسه، فالمعركة لاستكشاف المنافقين والخونة لا تنتهي إلا بالهزيمة، لسبب بسيط هو أنه من المستحيل التمييز بين الوطني الحق والوطني المزيف. 

لا أريد أن تنحدر الحالة الثورية في اليمن إلى هذا المآل القاسي والخطير. إننا بصدد طاقة فعل ثورية جبارة، نعلق عليها الآمال في أن تقودنا إلى تحول ديمقراطي، وتغيير شامل، أكثر مما نحن بصدد ثورة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. والتغيير كلمة أكثر شمولا وإيجابية من كلمة ثورة، مع أن الأسماء تبتعد مع مرور الوقت عن مسمياتها، ولهذا لا ضير أن نطلق على ما يجري بالثورة. 

هذه الأيام، يمارس بعض الشباب والناشطين السياسيين، بصلف، نوع مؤذي من الكيد الرخيص والدسيسة والتخوين المتبادل. وهذا شائن حقا. الاتهامات تطال صحفيين وكتاب أيضا، تحت الذريعة نفسها. لا نريد أن نشهد مصائر مأساوية ومشاهد من التطهير الثوري. "ذلك أن البحث عن الدوافع، والمطالبة أن يعرض كل فرد علنا دافعه الأعمق، سيحولان جميع الفاعلين إلى منافقين، لأنهما في الواقع يتطلبان المستحيل"، بحسب ارندت. 

السباق على الريادة المجانية والنجومية علتنا. ولا بد أن على من ينشد التغيير الابتعاد عن محاكاة ما ينوي تغييره، وان يتأنى في إصدار الأحكام على الآخرين، ذلك أن من يستبيح الحقوق الصغيرة الآن سيستبيح أي شيء عندما تؤول الأمور إليه أو إلى جماعته أو حزبه. 

استشهد هيكل في كتابه "بين الصحافة والسياسة" بعبارة منسوبة للصحفي الأمريكي جيمس رستون يقول فيها: "لو طبقت علينا (يقصد الصحفيين) معايير المكارثية والنظرة البوليسية على التصرفات والأفعال لأمكن أن يثبت على كل صحفي وبدون استثناء انه عميل لجهة ما". وفي الواقع يعود الفضل لهذه الثورة في تحفيز المواهب البوليسية وصقل خبرة هواة تفتيش الضمائر لدرجة تفوقوا فيها على محترفي النظام الذي يقوضون بنيانه الآن. 

الظلم مرير على الدوام. لكن أوووه من ذلك الظلم الذي يتخذ لنفسه رأس ملاك، الظلم الذي يمارسه الأوغاد بعد أن اتخذوا من أقمشة الفضيلة البراقة، أكانت وطنية أو دينية أو علمانية، أزياء التنكر. 

كم هو قاس على النفس وثقيل ومؤذ! 

الأحد، 8 مايو 2011

صورة أخرى لليمن من خارج الوهم الغنائي

محمد العلائي 
alalaiy@yahoo.com 

ليست الثورات فحسب، حتى الأديان والإيديولوجيات تأخذ طابع المجتمع الذي يعتنقها، بمعنى أن المجتمعات تعمد إلى تطويع الفكرة التي تؤمن بها لتتلاءم مع حقائق الحياة فيها بحيث لا تهدد بإلغاء تراكمها الإنساني وخبرتها الحضارية. 

ولا بد للفكرة التي تنشد الخلود قدر من المرونة وعدم الاكتمال اللازم. 

في الآونة الأخيرة، يتصرف البعض ويكتبون وكأننا في سويسرا. فكل مدع أحمق ومتعصب، يسمح لنفسه بالتعالى الفج على الواقع، بعد أن فرضت الدعاية نفسها واقعا بديلا. يتواجد هذا الصنف من الناس في كل أطياف وتيارات العمل السياسي. 

صحيح، التاريخ يتحرك الآن بسرعة تضاهي سرعة نيزك. وأننا بصدد لحظة تحول استثنائية، تغرب فيها شمس حقبة سياسية، فيما تستعد شمس حقبة جديدة للبزوغ، لكن ليس بمقدورنا تصور أشكال ومضامين واتجاهات المستقبل. 

بالطبع، لا يقتصر الغموض الذي يكتنف لحظات الانتقال عادة، على اليمن وحدها، فقد أدرك كارل ماركس ذلك، عندما لفت الأنظار إلى أن الوعي يتخلف عادة عن الواقع باستمرار، أي أن فهم التحول الاجتماعي السياسي يأتي متأخرا عن التحول، لا يتقدم عليه ولا يواكبه. 

حتى كتابة هذه السطور، لا زلت مؤمنا بأن الطريقة التي ستنتقل بها السلطة هي التي سوف تتولى تحديد ملامح المستقبل. فإن هي انتقلت عن طريق العنف والفوضى، فأمامنا مستقبل قاتم، وإن هي انتقلت بشكل سلمي ومنظم وهادئ، فنحن قادمون على مستقبل واعد ومشرق ومتألق. (لا أقصد بالضرورة انتقالها من الحزب الحاكم إلى المعارضة، بل نقلها إلى الشعب مصدر السلطة ومالكها). 

وبديهي أن مسألة نقل السلطة ليست الغاية الأخيرة للثورة. يمكن فقط اعتبارها أول الانجازات لعملية تغيير شاملة ينتظر اليمنيون خلالها برنامج عمل حافل وشاق. 

وعلى غرار كل الثورات، تنطوي الثورة اليمنية الحالية على قدر كبير من "اليوتوبيا"، والأحلام، و"الوهم الغنائي"، بمعنى أنها وصلت بالجماهير إلى مستوى عال من إلغاء الواقع. وهذا مفهوم على أية حال, إذ "لم يسبق لثورة أن اندلعت باسم مستقبل مظلم أو باسم نبوءة قاتمة"، بحسب سيوران. فمع طول المدة، يقول سيوران، تصبح الحياة خانقة بدون يوتوبيا، على الأقل بالنسبة للجموع، "ولا بد للعالم من هذيان جديد كي لا يتحجر". 

لكن، وفي غمرة "هذيان المستقبل"، على أحدهم أن يكرس نفسه لكي يبقى الواقع على مرأى من الناس، حقائقه المريرة وتحدياته، قسوته المتراكمة وليونته، شحته وغناه. وهو بالتأكيد، إذ يقوم بذلك، لا يتطلع إلى مفاقمة الشعور بالقنوط، ولا من أجل رفد حالة الانحطاط المخزي بأسباب الديمومة، بقدر ما يتطلع إلى المشاركة الإيجابية في تحفيز روح الشجاعة والأمل والتفكير الخلاق، وفي التوجيه الأمثل للإرادة الجمعية كيما يتلمس اليمنيون دروب النجاة، وبالتالي العبور العظيم إلى المستقبل. 

على هذا الأساس فقط، تغدو كل الأصوات التي لا تنفك تطلق التحذيرات من احتمالات أن تفضي هذه الثورة إلى إعادة إنتاج قسري للنظام القديم، على درجة من الأهمية بحيث تتساوى مع أهمية التبشير الدءوب بالفردوس الموعود. 

يقول هؤلاء بأن إعادة إنتاج النظام القديم، أمر وارد أكثر من أي شيء آخر. والسبب بسيط: فالقوى التي تتمتع بالجاهزية الكاملة للحلول محل الرموز الآفلة للنظام نفسه، هي تلك القوى التي تمتلك كافة شروط وعناصر التغييرـ وفي صدارة ذلك المال. 

خلال الأعوام القليلة الماضية، أخذت تطفو على السطح، بين حين وآخر، شخصيات وكيانات وبنى سياسية، معارضة غالباً، وتشتغل من خارج الأنساق الحزبية والسياسية المألوفة وقد تتغذى منها أحيانا. 

في الحقيقة، كان أكثرها عنفواناً وفتكاً هي تلك المصنوعة من نفس طينة السلطة العائلية الحاكمة والمنبثقة عنها. وبالتالي فهي تحمل بعض صفاتها الجينية، إن لم يكن كلها. بكلمات أخرى: لقد راح ينتقل إلى صفوف المعارضة عدد كبير من القوى والعائلات السياسية، التي كانت ذات يوم في صلب نخبة الحكم أو قريبة منها، ورافقت صيرورتها التاريخية، كما ويسري عليها قانون الوراثة حيث تنتقل الأدوار والامتيازات نفسها من الآباء إلى الأبناء أوتوماتيكيا. 

باختصار، هي تلك المراكز المؤثرة التي لطالما ترعرعت ضمن الدائرة العصبية لنظام الحكم، ومارست أنشطتها المشروعة وغير المشروعة في كنفه وتحت إشرافه. 

بيد أن هذه الدائرة، حينما راحت تضيق شهراً بعد شهر، وسنة بعد أخرى، كانت تلفظ عند كل دورة ضمور وانكماش واحدا من عناصرها. وفيما يجد هذا نفسه خارج الدائرة، يفتش عن سلطة. فالفراغ لا يطاق، ومع مرور الوقت يجتاحه إحساس بالضياع والحرمان والجحود. فضلاً عن تناقص مطرد لامتيازاته ويتخلق في داخله شعور بالاستهداف. 

في الأثناء، يصبح ميالاً لسماع وتصديق وجهات النظر الساخطة من جملة ممارسات كل أولئك اللاعبين الذين لم يغادروا بعد دائرة النخبة التي لفظته قبل قليل. ولئلا يبدو سخطه ذا طابع شخصي مكشوف، يجد نفسه تلقائياً معنياً بتبنى وجهات النظر المتبرمة هذه، مستفيداً من سمعته وامتيازاته القديمة التي صارت رأسمال لا يكف عن النمو والتوسع. 

ولسوف تنشأ خارج السلطة مراكز متعددة للسلطة المضادة. بلغت هذه الظاهرة أوجها مع الثورة. ولسوف تصبح هذه الظاهرة عاملا أساسيا في إبطاء الثورة الحالية وقد تحرف مسارها وتقلل من جودة نتائجها ربما. 

نتناول مسألة الكيانات السياسية المعارضة الطارئة، ومراكز القوى المصنوعة من طينة النظام الحاكم، لأنها باتت الآن تتصدر العمل على تقويضه. فهي عادة من يمتلك المال، وللمال سلطته السحرية التي لا جدال فيها. وهي علاوة على ذلك تتمتع بقدرة جذب تتخطى قدرة أحزاب سياسية وطنية عريقة. إنهم ببساطة يمتلكون أبرز شروط التغيير لكن ليس التغيير الذي ننشده. 

هذا تفسير تقليدي ومتداول، لكنه ليس ساذجاً. فاحتكار المال ومصادره وآليات الوصول إليه من أشد المعوقات التي تعترض أي محاولة للتغيير الحقيقي العميق والخلاق. وطالما لا يزال عنصر المال بمنأى عن البنى والتكوينات الوطنية الحديثة، فإن أي تغيير قادم في اليمن لن يأتي إلا لإعادة إنتاج نموذج الحكم السائد الآن بوجوه جديدة، وتمكين كل تلك القيم السلبية التي ترسخت واختبرت على مدى عقود. 

للمسألة علاقة بالطبيعة الريعية، وليس الإنتاجية، للاقتصاد في اليمن. وبحسب ماركس أيضا، فما إن يسيطر هذا النموذج في مجتمع من المجتمعات حتى تطغى علاقات القرابة والعصبية، على عكس التشكيلات الاجتماعية الرأسمالية التي تسيطر فيها علاقات الإنتاج عادة. والريع يشمل الموارد النفطية مثلما يشمل الهبات والمنح التي تأخذ أكثر من شكل، كاللجنة الخاصة (ومصدرها المملكة العربية السعودية) على سبيل المثال. 

إلى جانب اختلال دورة المال، هناك أيضا التفاوت الحاد في مستويات الوعي بين منطقة يمنية وأخرى. الطبقة السياسية، موالاة ومعارضة، تصوغ خطابها السياسي وبرامجها وأولوياتها طبقا لاحتياجات الحضريين وأنصاف الحضريين. 

كم بودنا لو يضع رواد التغيير مسائل مثل التوزيع السكاني (130 ألف تجمع سكاني تقريبا)، والتخطيط الحضري، السياسة التعليمية، الخطاب الديني، الاندماج الاجتماعي، بعين الاعتبار. وأشدد هنا على فوضى التذرر السكاني التاريخية، هذه المعضلة الجوهرية التي تساهم في صناعة الفجوة الهائلة على صعيد الخدمات وأساليب الحياة والتعليم والعزلة الاجتماعية. 

لئن أسقط الثوار في ستينات القرن الفائت، شمال اليمن، نظاما ثيوقراطيا عتيق الطراز، فقد أقاموا على أنقاضه نظاما يأخذ مظهرا حديثا إنما بمضامين تقليدية بشكل شبه كامل. أتذكر هنا ما قاله غوستاف لوبون بأن "الشعوب تبقى محكومة بخصائصها وطباعها. وكل المؤسسات التي لم تتلبس كليا هذه الطباع لا تمثل إلا رداءا مستعارا، وقناعا مؤقتا". 

بعبارة أخرى، لا يتحقق التغيير المنشود عبر تصميم مؤسسات بمواصفات دولة مثل أمريكا أو السويد والنرويج، بل في كون هذه المؤسسات تلبي الاحتياجات الحقيقية لليمنيين وتتماشى مع تطلعاتهم. 

حاليا لا تكمن الصعوبة في رحيل الرئيس، بل في رحيل ما يمثله الرئيس وما يرمز إليه من خصال وأسلوب حياة. أخطاء الرئيس وألاعيبه واخفاقاته، هي التي تقاتل عنه الآن وبلا هوادة. لقد حافظ الرجل على بقاء الحالة الرخوة للدولة ونظام المحسوبية والفوضى. ولا يحق لنا أن نتفاجأ فيما لو انطلقت "الثورة المضادة" من أكثر المناطق بؤسا وحرمانا وجهلا، هناك حيث ينظرون إلى الخطاب الجديد بمفراداته الحديثة والمدنية بعين الريبة، يستفزهم وربما يظنونه نوع من المفاخرة التي تشعرهم بالضآلة وتهدد عادات التفكير ونظرتهم للحياة والعالم. 

في حين يجتذبهم الارتجال والفوضى الذي يميز تصرفات الرئيس، أي أنهم يرون فيه ما يشبههم، وبالذات أجزاء من شمال اليمن، وشمال الشمال. لم تمارس الدولة حضور في مناطقهم إلا لماما. وهم لا يعبرون عن احتياجهم الشديد لدولة، مجتمع محلي تقليدي محكوم بقوانينه الخاصة. هؤلاء هم أكثر المتعاطفين والمؤيدين للرئيس، وللأسف لا نستحضر هؤلاء أبدا، فيما تفرط الرطانة الثورية في الحديث عن التحول الكبير لليمن، التحول الذي نصبوا إليه. 

نهاية العام الفائت، كتبت أنه إذا كانت غالبية الريف اليمني تتألف من وحدات اجتماعية صغيرة موزعة على مساحات جغرافية مترامية الإطراف، وتقوم ذاتيا بتنظيم مصالحها وحمايتها، إلا أنها تاريخيا تتمتع بقابلية حقيقية لتواجد دولة، مشيرا إلى أن سجل هذه المجتمعات المحلية يحتوي على بروفات ونماذج أولية تثير الإعجاب. كنت أريد إثبات كيف أن هذه المجتمعات لم تكن يوما ضد الدولة نتيجة اختيار ثقافي واعٍ، لكنها أقل اكتراثا بالدولة عندما لا تجيء. 

ومهما يكن من أمر، فإن مهمة الاقتراب من هؤلاء، باعتبارهم جزء أصيل من واقعنا- تقع بدرجة أساسية، على عاتق النخبة السياسية التي قد تنبثق عن الحالة الثورية الراهنة. 

ما ذهبت إليه في هذه المقالة كان مجرد نظرة مختلسة لواقع لا يحب أن يراه أحد على هذا النحو، نظرة عابرة لصورة التقطت من خارج الأوهام الغنائية الثورية، الأوهام الضرورية رغم كل شيء، التي يفقد بدونها العالم معنى وجوده. 

الأربعاء، 4 مايو 2011

هنا تكمن ورطة اليمنيين وربما فرصتهم

محمد العلائي 
alalaiy@yahoo.com 

لم نفقد الأمل بعد. الخليجيون لم يخيبوا الظنون، عندما أعلنوا استمرار مساعيهم لإنهاء الأزمة اليمنية. من شبه المؤكد أن جهودهم سوف تتوج بالتوقيع على الخطة التي أخضعت لسلسلة من التعديلات والإضافات والمساومات. 

لكن التوقيع ليس نهاية المطاف. فالمرحلة التي تليه ستكون مشحونة بالقلق والترقب ومفتوحة على المصادفات. هذا يعني أننا بحاجة إلى الزعماء الشجعان الذين تحدث عنهم توماس فريدمان، زعماء من طراز نيلسون مانديلا، ذلك النوع من الرجال الأفذاذ الذين يتمتعون بضبط النفس ونفاذ البصيرة والجرأة والصبر. 

على أن بوسعنا تلخيص المأزق اليمني الراهن في النقطة الجوهرية التالية: من يلقي سلاحه أولا؟ فالمعارضة المتسلحة بشارع غاضب مندفع وجريح، تخشى لو عاد الناس إلى بيوتهم، من الانقضاض عليها والإجهاز على حالة ثورية شبه ناجزة. في المقابل يتمسك الرئيس بسلاحه المتمثل في الجزء الأكبر من الجيش والسلطة وتوابعهما، وهو الآخر يخشى لو استقال ومضى إلى بيته من المطاردة والفتك به على طريقة المصريين, فخصومه لا حصر لهم، وسجله غير مطمئن. 

هنا بالضبط تكمن ورطة اليمنيين، وربما فرصتهم. 

في ظني أن الخليجيين، بمساعدة ودعم من الغرب، سبروا أغوار المأزق اليمني جيدا، وأخذوا بالاعتبار حسابات ومخاوف كل طرف على حده، ليبلوروا خطة خروج متميزة إلى حد ما استوعبت معظم عناصر الأزمة. 

المبادرة الخليجية لا تلبي تطلعات اليمنيين في التغيير والتحول الديمقراطي فحسب، بل هي تعبير لا شك فيه عن رغبة دولية مشتركة في إسدال الستار على حكم الرئيس صالح. ولهذا يعمل الوسطاء بكد على عدم توفير أية فرص للتملص. 

شخصيا اعتقد أن الخطة الخليجية سهلة التنفيذ من قبل الرئيس، لأن جبهته موحدة ناهيك عن أنها تمنحه امتياز الخروج الكريم والآمن. لعل أصعب شيء فيها بالنسبة له هو استقالته. غير أن قيادات في الحزب الحاكم تطرح سؤالا مهما وحاسما لنجاح المبادرة، والسؤال هو: المعارضة ستوقع نيابة عمن، إذا كانت الساحات أعلنت موقف رافض لأي تفاوض؟ 

وكأنهم يشيرون، بطريقة أو بأخرى، إلى أن أمام المعارضة خياران: إما أن تتماهى مع الساحات في خطها المعاكس للتفاوض، أو أن تضبط إيقاع الساحات لكي تتماهى مع الجهد السياسي، وإلا فحديث المبادرات مجرد لغو لا قيمة له. 

في الواقع، ينظر العالم إلى تكتل المعارضة بوصفه الجانب المضيء في البلد. فكل ما يقوم به محسوب وهو محل تمحيص من الجميع، إذ أن الرئيس وأركان حكمه قد اختبروا كفاية ليدرك العالم كم هم محتالون وعديمي مصداقية. 

لا ينبغي على المعارضة أن تقطع على نفسها تعهدات تتخطى قدرتها على التنفيذ. نثق أنها لن تتنصل عن التزاماتها، لكن ثمة شكوك تراود الكثيرين تتعلق بعجز تكتل المشترك عن الحصول على تفويض من كافة الفصائل والمكونات التي تشترك معها في معارضتها لحكم الرئيس صالح. 

من هذا المنطلق، يفترض بالمعارضة أن تتحلى بقدر من الوضوح، وأن لا تتصرف خارج حدود إمكاناتها. يجب أن تعلن صراحة ما تستطيع وما لا تستطيع، ثم تسعى في سبيل إقناع الوسطاء بأمور مثل أن رفع الاعتصامات ليس ضمن الشروط. 

فضلا عن أن المعارضة بالذات معنية بالكشف عن مكوناتها وشركاءها، أي كل من تنوي التوقيع نيابة عنهم. لماذا؟ لكي تتجنب تحميلها مسؤولية تصرفات قد تقوم بها جهات ليست منضوية في حلفها، فيتخذ الرئيس من ذلك سببا للنكث بالتعهدات، والتشويش على الوسطاء وعلى الرأي العام المحلي. 

الكثير من الشفافية مطلوب. فإذا تملص الرئيس، فالمتوخى أن تكسب الثورة والمعارضة موقفا مؤيدا حازما من قبل المجتمع الدولي. 

المرحلة القادمة عصيبة ومليئة بالكيد المتبادل وتصيد الأخطاء. وسلوك الرئيس صالح وأداء أجهزته الإعلامية، علاوة على عمليات التسليح واسعة النطاق، كلها تسير في الجهة المعاكسة للحلول السياسية. 

بيد أن هذا ينسحب أيضا على أداء المعارضة. فهناك فجوة كبيرة بين التعبئة التي تجري في الساحات وعبر وسائل الإعلام، وبين العملية السياسية. هذا يجعل الأمر أكثر تعقيدا، ويخلق من أسباب سوء الفهم أكثر مما يخلق من أسباب الاتفاق. ولا بد أن المعارضة مضطرة في علمها السياسي للموائمة بين كل تلك التصورات التي يقترحها شارع متهور لنهايات فعله الثوري, النهايات التي يرى أن عليه بلوغها بعيدا عن أي عملية سياسية، وبين التزاماتها إزاء جهود المصالحة. 

يفكر البعض أنه ليس بالضرورة أن يكون الاتفاق ثنائي. ويتساءلون لماذا لا يتم تطوير خطة أوسع تشمل أبرز الأطراف التي تمثل قضايا ومشكلات سياسية أو جهوية أو تاريخية أو طائفية. في كل الحالات سيكون الرئيس طرفا بين كل هذه الأطراف، من أجل حلحلة اكبر قدر من المعضلات المزمنة التي كان الرئيس أحدها، إضافة إلى أنه كان عاملا لإذكاء الكثير منها أحيانا. 

طبعا هذه الفكرة حاضرة في حسبان المشترك، لكنه أرجأها إلى ما بعد انتخاب رئيس جديد. وهذا رأي سديد، لكن من يضمن ألا تبدأ قوى -مثل الحراك والحوثيين، وحتى كيانات نشأت مؤخرا في الساحات- بعيد توقيع المبادرة طبعا، نشاطا تصعيديا يوفر للرئيس من الذرائع ما يلزم لكي يغدر بالاتفاقية وبالتالي الزج بالبلد في ما لا يحمد عقباه. 

هناك أيضا من يأخذ على الخطة الخليجية افتراضها حسن نوايا القوى السياسية، وكونها مبنية على مثاليات. ثم إنها قلصت المدد الزمنية إلى أدنى مستوياتها في ظل تعقيدات وتناقضات يصعب القفز عليها. 

في كل الأحوال، لا زلت أميل إلى التأني مهما كانت الصعوبات، فالتسرع في إعلان فشل المساعي الخليجية هو تدشين لمستوى آخر من الثورة قد لا يكون للسلمية فيه نصيب. 

... 

الأسبوع الماضي كتبت مقالة بعنوان "مذكرة إلى حراس الثورة". لم تكن المقالة تتمحور حول فكرة مركزية واحدة، إلا أنني كنت أهدف بالأساس إلى التأكيد على أن تركيبة اليمن تقتضي انتهاء الحالة الثورية بعملية سياسية شبيهة بالطاولات المستديرة التي لجأت إليها بعض دول أوروبا الشرقية أثناء تحولها الديمقراطي، وتطرقت بالنقد للمواقف المرتابة أو الرافضة تماما للمساعي الخليجية. 

استسلمت لغواية الحكمة. وانتقدت بشدة التقليل المتعمد من شأن مشكلة بحجم انقسام الجيش، "الجيش بما فيه من اختلالات عميقة في تركيبته وفي تصوره لدوره الوطني، واختلالات في تصور اليمنيين لوظيفة الجيش بما يحتويه من قوة نارية ضاربة". 

كنت اعرف أن علي التحايل من أجل الوصول إلى عقل وقلب أكثر المحتجين حماسة وأكثرهم مغالاة بالذات في ساحات التغيير. لهذا افتتحت المقالة بالسخرية الفظة من الطريقة التي يظهر بها الرئيس صالح مؤخرا، وكيف أن غرائزه السياسية فقدت صلاحيتها بالكامل. 

بالطبع لم تكن مجرد حيلة. فقناعتي هي أن الرئيس سقط في وحل التخبط. ولم يكن على هذه الدرجة من الارتباك مثلما هو هذه الأيام. ثم إنها ليست المرة الأولى التي أتناوله بالسخرية أو النقد القاسي وأحيانا الهجاء الذي أصبح في الآونة الأخيرة ضربا من ضروب الابتذال والتفاهة. 

لكنني شعرت بالخيبة والمرارة عند قراءتي لردود الفعل والتعليقات. فالفكرة التي أردت تمريرها بين مواد حافظة وجملة مداهنات تقليدية، لم تصل كما يجب. فالثوريين المغالين اكتفوا بقراءة الديباجة واثنوا علي أيما ثناء، في حين فعل الغيورين على الرئيس نفس الشيء حتى إن صديقا من قيادات الحزب الحاكم عبر عن أسفه لأن كتاباتي صارت "مبتذلة"، وقال أحدهم مازحا "لقد أفرطت في الطٌعم". 

وحده الكاتب الكبير والصديق العزيز محمد ناجي احمد فطن لحيلتي. وكتب تعليقا مميزا يجدر بي إعادة نشره هنا: "محمد يا صديقي، أشعر بفرح وأنت تتحرر من هيمنة الساحات والإكراهات، حتى, وأنت تعلن إيمانك المطلق بـ"الثورة". تراوغها لتتحرر من إكراهاتها. وأنت تتحدث بشكل يغري الشعبويين عن مجمل خصال الشيطان، توجه خطابك لأوهام النقاء الثوري. وأنت تنتقد الاستبداد، تضع عينيك على إعادة الاستبداد من خلال إكراهات الساحات المحصنة بقدسية "الثورة" وقدريتها". 

ويتابع أحمد: "أتفق معك بأنه ليس هناك قدرية للثورة، وأنها ليست مأمورة بقوة، سوى قوة مكوناتها، فليس هناك متسع لبلاهة "دعوها فإنها مأمورة !"، لأنه ببساطة سيجعلنا نتساءل: مأمورة ممن؟ أشعر بمتعة ما تكتب، بل وأشاركك تفكيرك الواقعي الذي يحتكم للممكن، وإن عشق المستحيل". 

الأكثر مشاهدة