الجمعة، 26 أغسطس 2011

لا أستطيع الاقتناع بهذا المنطق لتبرير الانفصال

أعتقد أنه لا يمكن المجادلة بالتفاوت واللاتجانس الثقافي المزعوم من أجل تسويغ هدم أمة من الأمم. الفوارق بين البشر كأفراد وبين المجتمعات البشرية سمة أساسية ارتبطت بالحضارة الإنسانية منذ فجر التاريخ وليست حكرا على اليمن.

لا أستطيع الاقتناع بهذا المنطق (يا نبيل الصوفي) لتبرير الانفصال. وإلا فقريتي متباينة بشكل كبير عن قرية بني العصري التي لا تبعد عنا أكثر من كيلو متر. هناك اختلاف طفيف في اللهجة وفي نمط الحياة وبعض المظاهر والخصال والطباع. ثم إن أكثر الأمم قوة الآن هي تلك التي تتميز باللاتجانس العميق، وهي تلك التي تتألف من أعراق وأجناس وديانات ولغات مختلفة.

وبالتالي لا تنطلق من حقيقة أن قرية في عمران مختلفة عن قرية في لحج او حضرموت لكي تنتهي إلى القول بأن الوحدة لا تستند إلى أساس متين، وأنها باطلة لأن اليمن لا تمتلك مقومات وعناصر الدولة الأمة. هذا أسلوب مجاف تماما للمنطق والتجربة الإنسانية ولمفهوم الدولة الأمة نفسها.

أفكر أن اليمن كمجتمع تاريخي وجغرافي موغل في القدم لديها ركائز بناء دولة أمة بأكثر مما لدى سويسرا أو اسبانيا وايطاليا ونيجيريا وبلجيكا وأثيوبيا، ناهيك عن الولايات المتحدة الأمريكية. "ففرنسا سلتية وايبرية وجرمانية. وألمانيا جرمانية وسلتية وسلافية. أما ايطاليا فهي البلد الذي تتعر ض فيه الاتنوغرافيا لأشد حالات الارتباك. اذ تتقاطع فيها, داخل خليط متداخل, عناصر غولية وأتروسية وبيلازجية واغريقية, ناهيك عن العناصر الأخرى الكثيرة. كذلك الجزر البريطانية, فهي تقدم مزيجا من الدم السلتي والجرماني بحيث يصعب جدا تعريف المقادير والنسب"، بحسب المفكر الفرنسي ارنست رينان.

الدين كما يقول هنتنجتون هو أهم وأعمق فجوة يمكن أن تفصل الإنسان عن أخيه الإنسان، أكثر من اللغة والعرق أحيانا. اليمن وبكل بساطة وبعيدا عن الاختباء وراء العموميات يدين بديانة واحدة ويتكلم لغة واحدة ويملك ارث ثقافي واجتماعي مشترك هنا ومتفاوت هناك. في الجانب السياسي عاش اليمن انقطاعات تاريخية كثيرة واتصالات، ولقد تفاوتت الخبرات الإنسانية تبعا تفاوت المؤثرات الخارجية أحيانا.

تجنبا لأي لبس أسارع إلى القول انني إذا كان علي دعم خيار فك الارتباط فإن ذلك لن يكون الا لسبب واحد هو الفشل في بناء الدولة القائمة على المواطنة والقانون والمؤسسات والعدالة. يمكن للجنوبي ان يقول انه يشعر بالتمييز السياسي والاقتصادي والظلم الاجتماعي، وأنه غائب عن الفضاء العام كثقافة وشخصية، بوسعه أن يتحدث عن الصيغة غير الملائمة لدولة الوحدة، يتحدث عن التصرفات الهمجية للمتنفذين الشماليين المحتمون بهذا النظام الذي هو الآن كما نأمل في طور الأفول.

هذا المنطق أكثر تماسكا ومعقولية لتسويغ فك الارتباط من ذلك الحديث عن تفوق الإنسان الجنوبي عن الشمالي وأن الأخير مقضي عليه بالبقاء في مستوى الهمجي الذي لا علاج له.

على أن ثمة إصرار على تعريف روح الجنوبي من خلال منظومة القيم التي تمثلها مدينة عدن. وهذا تضليل ودجل لا تستقيم معه المعطيات الانثروبولوجية، وهو لا يستند إلى مؤشرات ومعايير واضحة، بقدر ما هو خلاصة وحكم مسبق مبني على الانطباع والتكرار. كما لا يمكن تعريف الشخصية الشمالية من خلال حاشد أو أرحب، المجتمعات في الأخير تتشكل من أفراد، وليسوا كتل بشرية وجدت هكذا منذ الأزل وستستمر هكذا إلى أبد الآبدين.

من ينكر أن هناك تفاوت بين الجنوبي والجنوبي، وتفاوت شمالي شمالي يأخذ طابع مذهبي أحيانا، لكن هناك قواسم مشتركة. أفكر أن ما يجمع رجل في تهامة بآخر في حضرموت أكثر بما لا يقاس من الأشياء والخصال والرموز الدينية والثقافية التي تجمع الرجل في حضرموت مع رجل في الضالع مثلا أو أبين.

لا تتحدثوا عن المدنية، لأنني سأطالب بتصوركم لماهية المدنية، أعطوني سلم قيم نستطيع من خلاله التعرف على جوهر وروح الشخصية الجنوبية في مقابل جوهر وروح الشخصية الشمالية؟

الاختلال الموجود سياسي بامتياز، الخطير هو أن تستغل هذه الفوارق في التقاليد الثقافية البسيطة سياسيا، وتغذى لأغراض ومقاصد سياسية، إذكاء الشعور بالتفوق والتمركز حول الذات، والاحساس بالاستهداف والارتياب والكراهية.

التفاوت موجود والتجانس موجود. نستطيع العثور على سمات وتقاليد ثقافية مشتركة كثيرة إن أردنا ذلك مثلما نستطيع العثور على نقاط اختلاف لا حصر لها، التافه منها والهام. لكن هذا التفاوت حقيقة يجب التعايش معها وتحويلها الى مصدر ثراء، ليس المطلوب تذويبها قسرا بل يفترض أن تؤخذ فقط بعين الاعتبار أثناء تصميم شكل الدولة ووضع القوانين وتنظيم حركة المصالح.

لسنا أكثر تعقيدا وتنوعا من بلجيكا. وقد كافح البلجيكيون للتوصل الى نظام فيدرالي شديد الغرابة التعقيد يلائم التعقيد الذي يطبع بلجيكا.

أما الصور النمطية السلبية المتبادلة فهي شائعة في كل دول العالم تقريبا. خذ مثلا ألمانيا، فالصور النمطية راسخة بشكل عميق: "الشرقيون" عنصريون، وكسالى، ومثيرون للشفقة على أنفسهم بأنفسهم، في حين أن الغربيين أنانيون، ومولعون بالمال، ومتعجرفون.

ومع ذلك لن نطلب من إخواننا في الجنوب الانتظار حتى نجرب ما إن كان بمقدورنا العيش في ظل صيغة مختلفة للوحدة من خلال تصميم نموذج ذكي يتلافى القصور والاخطاء التي تركت كل هذا الكم من الظلم والصراخ في الجنوب والشمال على حد سواء.

لندعهم يحددوا خياراتهم سواء جرى بناء هذه الخيارات على أوهام أو على حقائق.

السبت، 20 أغسطس 2011

أحمد علي عبدالله صالح

إذا خطرت ببال أحمد علي فكرة خلافة أبيه في كرسي الرئاسة، فعليه أن يعيد النظر في مدى أهليته ليكون حارس بوابة في شركة سفريات وسياحة، وليس فقط في مدى أهليته ليكون قائد عسكري كبير. مجرد أن تخطر بباله تضعه في مصاف المغفلين.
التفكير في مسألة كهذه في ظل ظروف كهذه، يتطلب جرعة ضخمة من البلاهة وربما الوقاحة والسخف وخفة العقل، ليس لأنها تجوز او لا تجوز طبقا لتقاليد بلد جمهوري، وليس لأنها مستفزة ورجعية وتتصادم مع الشعارات التي زين بها ولده نظام حكمه، بل لأنها غير ممكنة. يسجل تاريخ اليمن الشمالي أن الإمام احمد وصل إلى الحكم محمولا على اكتاف الثأر لأبيه، كانت اليمن حينها ربع اليمن الآن، ناهيك عن متغيرات وعوامل أخرى يتميز بها هذا العصر عن حقبة الاربعينات.
قد يحلم أحمد علي بالاحتفاظ بموقع عسكري ما، أو أن يهجر العسكرية إلى الحياة المدنية ويمارس نشاط سياسي أو في أي حقل يرغب فيه، هذا أمر يمكن أن ناخذ فيه ونعطي، لكن الرئاسة، والآن الآن، هذا مروع من جهة ويبعث على الشعور بالرثاء من جهة أخرى. من الصعب تقييم شخصية هذا الرجل, لندرة ظهوره الاعلامي على الارجح. لكن كما يقال أنه أخفق في خوض العمل السياسي المدني عبر انتخابه عضوا في مجلس النواب نهاية التسعينات، ذلك أن هذا العمل يستلزم مهارات معينة وتدابير وملكات شخصية فطن الرئيس إلى أن ابنه يفتقر إليها، من قوة حضور وبراعة في الحديث وفهم.
لهذا سلك درب آخر، الدرب الذي سلكه والده وبلغ من خلاله ما بلغه. هذا الدرب سهل ويستدعي مهارات أقل، كل ما يحتاج إليه هو أن يكون عفط. ياأحمد علي، أعترف أن مشاعري نحوك كشخص محايدة، غير واضحة، لا أستطيع أن ازعم بأنني أكرهك أو أحقد عليك، ولا استطيع القول أنني أكن لك مودة أو إعجاب من أي نوع. لم تظهر بما يكفي لكي يبلور المرء ازاءك انطباع جيد، والأحاديث التي سمعتها عنك مؤخرا عن الطريقة التي تفكر بها تترك شعورا مقبضا.
لكنك في نهاية المطاف ابن علي عبدالله صالح الرجل الذي حكم اليمن 33 سنة، وهذا وحده سبب كاف لأقول لك ولعائلتك أن التطلع إلى خلافة أبيك بعد كل هذا الذي حدث ويحدث، سيعبر عن طيش وقلة حياء وصبيانية فظة. ليست جريمة بحد ذاتها كونك ابن الرئيس, فهذا أمر لم تشارك في اختياره، لكن الجريمة التي ستدفع ثمنها من فتوتك ومستقبلك هي أن تصغي لصوت المراهق في داخلك، الصوت الذي تلتقطه اسماع المحيطين بك من ابناء الطبقة الرفيعة ويطربون له، اولئك الشبان المدللين والشغوفين بالماركات أكثر من أي شيء آخر، لا كتب ولا معرفة ولا مؤشرات.

أسئلة محرمة (جدل على صفحات الفيس بوك بشأن الحوثية)

بوسع الحوثي أن يبتكر تعريف مختلف للصراع الذي يجد نفسه طرفا فيه. أقول هذا صادقا وحتى على سبيل النصح، ومن منطلق تقديري لحجم القاعدة الاجتماعية التي يتمتع بها في عدد من محافظات شمال الشمال، وإن كان قد انتزع شرعية وجوده المهيمن على مناطق صعدة وغيرها بالإكراه كنتيجة لحرب حمقاء انكسرت فيها جيوش الدولة، أو حملت على الإنكسار. فقوته العسكرية الجبارة لا تعكس قاعدته الاجتماعية بالضرورةـ لكنها تعكس هشاشة الدولة ممثلة بسلطة طائشة عمياء منقوصة الشرعية. 

أي أنه فيما لو كتب لليمنيين انتقال آمن للسلطة وتمكنوا من التوصل لاتفاقات ومواثيق من شأنها إعادة صياغة الدولة في ضوء عقد اجتماعي جديد، سيكون بحاجة لتحديث شرعيته هناك لتغدو شرعية انتخابية. 

إقحام الولايات المتحدة الامريكية في حوادث محلية صغيرة يتنافى مع منطق الاشياء. محض استخفاف. لا تصلح مادة مقنعة لعقيدة قتالية ولا برنامج عمل سياسي ولا عنصر مشوق في خطاب إعلامي ودعائي ذكي وجاد. 

بإمكانه على الاقل أن يتبنى سردية المتعاطفين معه هنا في صنعاء والمحسوبين عليه، وجملة التفسيرات التي ينتجونها بأثر رجعي متخذين من التاريخ دليلا، لكنها في النهاية معقولة إلى درجة معينة، بغض النظر عن مدى دقتها، على شاكلة الدفاع عن الهوية الزيدية المهددة بالتلاشي، والحق في الاعتقاد الديني والتبشير به أسوة بغيرهم من الجماعات والمذاهب، وتعليم ما يؤمنون به، ومناهضة التمييز ضد الهاشميين وانحراف نظام الحكم، وشرعية البطنين، ومجابهة الزحف الوهابي، أو الشعور بالتهميش الاجتماعي والتضييق السياسي، والبحث عن العدالة المفقودة. كل هذه مفردات عامة يمكن تسويغ وجودهم من خلالها وإطلاق التفسيرات للحوادث في إطارها بدلا من إلصاق تهمة تفجير مركز صحي في الجوف بالامريكان والصهيونية العالمية. 

اليمنيين صاروا ينظرون للحوثية كظاهرة تحمل وجه ثلاثي الأبعاد، سياسي ديني عسكري، وربما اجتماعي، ظاهرة صاعدة تحكمت في ولادتها عوامل وملابسات لا حصر لها بعضها غامض. هذه النظر تترافق مع طموح باختفاء الجانب العسكري من تكوينهم لمصلحة السياسي والاجتماعي الذي ينطوي على خلفية دينية ما. 

ومع انطلاق الانتفاضة الشعبية الأخيرة صار الحوثيين في نظر الطبقة السياسية اليمنية رقم مهم في معادلة سياسية وطنية، ولا أحد يراها حركة مقاومة أو رأس حربة في صدام الحضارات. 

لئن بدا هذا مفهوما من تنظيم عابر للحدود وليس له جذور اجتماعية ثابتة كالقاعدة، فمما يتعذر فهمه أن يتمسك الحوثيين بهوية سياسة تتناقض مع ما هم عليه فعلا، وما يفترض أن يكونوا عليه. 

......... 

اسئلة محرمة 



الحوثية لم تطرح نفسها كحزب سياسي مدني، على اعتبار ان الحزب صيغة تنظيم اجتماعي حديثة، تقوم نظريا على مبدأ المواطنين الاحرار. وليس تحاملا إن جرى تعريف الحوثية بوصفها مجموعة دينية وعظية دون وطنية ولا عقلانية، تحركها الاوهام والخرافات والسرديات الكلية، وهي لا تنفتح إلا على قاعدة اجتماعية محدودة تتغذى من موروث تاريخي ضيق ومزيج من المؤثرات الدينية الوافدة والمحدثة. 

كأي ظاهرة في طور التخلق والنمو، سنجد انفسنا في ورطة لو حاولنا الاتفاق على تعريف دقيق للحوثية, لكن يجب ان نتخلص فقط من النظرة الاحادية للاشياء ونتسلح بكل المعطيات والحقائق المتاحة من اجل فهم وتقييم اكثر موضوعية ونزاهة 

الحرب اكسبتها طابعا سياسيا ربما. لكن مع الانتفاضة الشعبية الاخيرة، ومع بدء انحلال الروابط والفضاءات ذات البعد الوطني الاوسع، بدأ الكثيرون يهاجرون الى الروابط والتضامنات دون الوطنية. وانهمكت بلا كلل بعض النخب، ومنها من ينحدر من تيارات يسارية عريقة، في نسج الاواصر مع الحركة الحوثية، وراحت تعمل بشعور من الحنين أو الخوف على اكتشاف نقاط الالتقاء معها في التصورات والمثل. يفعلون ذلك، إما لعوامل تاريخية او جغرافية او سلالية، او لموقف ثقافي شخصي من جماعات وقوى اسلامية أخرى. 

من يوم لآخر تختلف نظرة الحوثيين لانفسهم في صعدة وفي خارجها. لكنهم في صنعاء يحاولون الظهور بالمظهر الذي يلائم هذه النخب المتقاربة معهم، ويلائم نظرة هذه النخب للحوثية التي يحلمون بها. وهذا جيد في المحصلة، لكن تظل السردية الاسلامية الزيدية المتحولة هي ركيزتها حتى هذه اللحظة. 

لست وحدي من تنبه الى طور جديد من الحوثية. لكن هل الامور مثلما توحي به المظاهر؟ وهل الفجوة ضيقة بين المعلن والمضمر من المواقف والرؤى والتوجهات؟ هل الحوثية تملك زمام نفسها وتمتلك حق تشكيل هويتها السياسية أم ان الاحداث والازمات اليمنية، كما درجت العادة، هي التي تشكلها من خلال الطريقة التي تتفاعل بها معها؟ 

ولماذا ينجح المثقفون في بناء الثقة مع اطياف الحوثية في حين يعجزون عن فعل ذلك عندما يتعلق الامر بحزب اسلامي مثل الاصلاح، يحظى بقاعدة اجتماعية اوسع نطاقا ونهج سياسي منفتح حينا ومنغلق حينا آخر، منفتح على مستوى القمة ومنغلق على مستوى القاعدة، منفتح على مستوى الخطاب منغلق ومتحفظ على مستوى الممارسة. حزب كبير امتداده وهمومه وطنية على طريقته طبعا، لكني اتفق مع النقاد بأن فيه من النقائص بقدر تلك التي قد تعتري اي جماعة تحركها من الداخل الايديولوجية الدينية فوق الوطنية او دون الوطنية؟ هل التصرفات الخشنة، وكنت انا احد ضحاياها، التي ارتكبها عناصر من الاصلاح في اللجان الامنية بصنعاء كافية للحكم على الاصلاح بعدم صلاحيته، ودمغه بالتالي بالارهاب والتخلف بدلا من مساعدته على تخطي عثراته ومواكبة التحول؟ 

وجد الحوثويون فرصة في الانتفاضة لاظهار الجانب الناعم في حركتهم، وغفر لهم المثقفون والحقوقيون تاريخهم العنيف وتفهموا حملهم السلاح، وهذا جيد، لكن هل هم ناعمون بقدر ما تقول المظاهر، في تلك المناطق التي اخضعوها لنفوذهم ويتمتعون فيها بالتفوق العسكري. كيف نحكم على جماعة او حزب؟ ما هي الحيثيات التي نستند اليها؟ الجماعات مثل الافراد بامكانها ان تتظاهر بخلاف ما هي عليه، للحكم على الاصلاح نستحضر فتوى الديلمي وتصرفات اليدومي في الامن الوطني، لكن هذه الطريقة في التفكير تفقد مفعولها عندما يتصل الامر بالحوثية. لماذا؟ 

ما هي دلالات أن يحصد الحوثيون نجاحا في ما اخفق فيه الاصلاح بخصوص تأسيس علاقة تفاهم براجماتية مع بعض المثقفين من بقايا اليسار بالذات؟ 

في ظني ليست الخشية من تدخل الاصلاح في الحياة الخاصة للشخص وفرض نمط أخلاقي وسلوكي معين، كافية لتفسر هذه الحالة، ثمة ما هو ابعد بكثير، والمسألة تحتاج بحث ونقاش اوسع. 

للمسألة مثلما طرح الاصدقاء جذور تاريخية هذا من ناحية ومن ناحية اخرى لان الحوثية لا تفرض عادات سلوكية واخلاقية ذات طابع ديني طبعا هنا في صنعاء مش عارف كيف الوضع في صعدة موقفها من الفنون لا يزال مش واضح ايضا. وهناك دائما النكاية والخوف من الاصلاح والتيار السلفي اللذان تجمهما مع اليسار ماضي صراعي تجاوزه البعض ويعيد احيائه وانتاجه البعض الآخر. 

قصدي أن التباس موقفهم من قضايا مثل المرأة والحريات الشخصية والفن يساعد في تقريب هذه التيارات مع الحوثيين في صنعاء. وقد يكون الالتباس متعمد او غير متعمد وقد يكون ملتبس بالنسبة لنا فقط. وقد يتصرفوا على هذه الشاكلة بغية تقديم نموذج نقيض للاصلاح والسلفيين من شأنه جذب العلمانيين واليسار مثلا. 

هل يعاني الحوثيون من ازدواج واعي في الهوية وتعدد في الشخصية؟ أم ان المثقفين هم من يعانون ذلك؟ وهل حوثيو صنعاء حوثيون بما يكفي؟ اريد فهم ما اذا كانت الصورة التي يحملها الحوثيون عن انفسهم تنسجم مع الصورة التي يطورها لهم حوثيون موالون في صنعاء. 

بقي السؤال الاخير: أن يكون المرء اصلاحيا وفهمنا، لكن ما معنى أن يكون المرء حوثيا؟ 

....... 

إنه لمن المؤسف أن أرى مثقفا يقول انه يساريا وهو يفقد حسه النقدي ويطلق بحماسة خلاصات واستنتاجات وتعميمات مجندا طاقته في خدمة اهواءه وتحيزاته بدلا من الانحياز للعقل والمنطق الذي يميز الاتجاه اليساري عادة. 

انا لست كاتبا جيدا، وهناك قضايا واشكاليات في هذه البلاد لا يمتلك احدنا الا ان يقف امامها حائرا متسائلا، ومنها ظاهرة الحوثية وعلاقتها الدافئة ببعض المحسوبين على اليسار. 

حتى انني لم اكن بصدد ادانة هذه العلاقة ولا تجريمها، وأنا من أكثر من نادى الحوثيين بالتخلي عن السلاح وانتهاج نهج آخر لنيل حقوقهم المشروعة، ففي اليمن المثقلة بماض دموي وحاضر دموي، يصبح ابتكار اساليب نضالية جديدة اكثر عصرية تجنب سفك الدم، يصبح أي عمل يحول دون الاقتتال هو العمل الثوري والمدخل الجديد في سجل التاريخ اليمني. 

ببساطة كنت احاول الفهم فقط ومعرفة الى اي مدى تكون المعايير مزدوجة في حكمنا على الاشياء والظواهر. لقد رسمت يابشير للحوثية صورة رومانسية تجعل من الحوثي مارتن لوثر كينج ومن الحوثية حركة الحقوق المدنية بفنونها وآدابها وأساليب عملها. 

مستغرب كيف تتبنى مفهوما للثورية يجعل من كل ما يقوم به الحوثي في صعدة عملا ثوريا، وأن هذا المزاج هو الذي يقربها منك، بصراحة هل كل من يرفع سلاح وينشق ويقتل بداعي الدفاع عن النفس او عن الله او ضد اشباح الصهيونية واليهود والامريكان، هل هو ثوري؟ هل تقاس الثورية بالقضية التي ينادي بها تيار من التيارات او جماعة من الجماعات، أم بمجرد رفع السلاح وتسلق الجبال وتفجير المنازل يصبح اي شخص ثوريا يضعه على مقربة من مزاج اليسار؟ 

ما هي القضية المركزية للحوثي عندما انبثقت حركته، كيف كان يعبئ مليشياته وينمي فيها نزعة الاستشهاد والموت، هل هو امين معهم ومع مواطنيه في رسم العقيدة القتالية لهم، معلوم أنه يقنعهم بأنهم ينازلون اليهود في مران وضحيان وغير ذلك. انسى على عبدالله صالح هو مجرم وعلي محسن مجرم انسى فرضية من ابتدع الحرب، انسى الزنداني وتطرفه والوهابية وانحطاها، واسمح لنفسك بالقاء نظرة في عقل الحوثيين. بغض النظر عن عدالة قضيتهم او غير ذلك، اترك التفسيرات والتعريفات التي جاءت لاحقة لانطلاق الحوثية، بأثر رجعي، وحدثني عن شعاراتها وكيف انها تزعم انها تقتل الامريكان واليهود، أهذه قضية ثورية؟ 

لو استخدمنا مفهومك هذا للثورية، اذن فانور العولقي وابو جندل وتنظيم القاعدة جماعة ثورية يفترض ان تكون بمزاج يروق اليسار الذي تحدثت عنه، وليس اليسار الذي افهمه. 

لا يمكن الحكم الحوثية من خلال شخص متعاطف معها في صنعاء أو تم دفعه ليتبنى وجهة نظرهم او لاسباب انتهازية محضة، حدثني عن فكرة الحوثية وبنيتها ونظرتها للآخر واجنداتها، اي تكن سواء جيدة او سيئة لكن ابني حجتك على اساس مش تلفيقات وأوهام وعواطف. 

اتفهم سخطك من الاصلاح ونظرتك لهم ككهنوت ظلامي راديكالي لكني اطلب منك ان تعيد النظر في تقييمك للحوثية بأسلوب نقدي ثقافي يرتكز على معطيات وشواهد تؤكد ما ذهبت اليه. انسى الاصلاح لن ادحض او اؤكد حكمك عليه، كرس جهدك فقط لتبيان الطريقة التي توصلت من خلالها لهذا التصور الجذاب للحوثية. 

على عكس الظاهرة الحوثية، من السهل التوصل الى تقييم منهجي شامل للاصلاح، أكانت نتائج هذا التقييم صورة باعثة على الخوف أو الاطمئنان أو الشعور المتأرجح بين الشك والثقة. والسبب في نظري هو أنه قدم نفسه منذ تأسيسه كفاعل مشارك في المجال اليمني العام، ولعب دورا اساسيا في الحراك السياسي الثقافي الذي شهدته البلاد في السنوات الأخيرة وهو يطرح مشاريعه ومواثيقه النظرية في الحقل السياسي، ويعترف ضمنيا وصراحة انها مستوحاة من المرجعية الدينية التي يقوم بتكييفها وفقا لمعايير القيم والمفاهيم ونظريات الاجتماع السياسي الحديثة. وهو كأي حزب اسلامي يرى نفسه ويرى الآخر من خلال هذه المرجعية. 

... 

يابشير بامكاني ان اصور الاصلاح بالطريقة التي صورت بها الحوثيين واكثر. بامكاني ان اقول انه ليبرالي مدني يحترم حقوق الانسان وينبذ العنف ويمتلك اجندة اقتصادية خلاقة ويحترم فردانية الفرد وووو لكن بدون ان اسندها بمعطيات ووقائع يصبح هذا النوع من الكتابة مجرد ثرثرة فارغة متأنقة. انت وصفت الحوثية حتى جعلتني اتلفت يمنة ويسرة اين انا عايش وما سمعت بهذا كله؟ الكاتب الذي لا يمتلك اجوبة جاهزة فعلى الاقل يثير اسئلة هذا الكاتب الجيد اما الانشاء المبني على دعاوى لا تقوم على اساس فهي وظيفة سهلة تقوم بها اجهزة الدعاية والتسويق. نريد اعادة تعريف اليسار وتعريف الحوثية اليسار ظاهرة في طور التلاشي والحوثية ظاهرة فتية غير واضحة المعالم وانت قد اسبغت عليها صفات استغرب من اين استقيتها وكيف توصلت اليها؟ قد نتفق معك في ما يخص توصيفك للاصلاح على ما فيه من تعميم ومن نظرة احادية لكن وصفك للحوثية على هذا النحو يوحي بانك تستلم لاهواءك اكثر من انصياعك للحقائق والمعطيات. الدعاوى شيء آخر يختلف عن الكتابة المحترمة 

... 

انا مستقل ولست محايد والمستقل لا بد ان يتناول كل القضايا والاطراف بجرأة وبدون محاباة لكن المحايد يضطر للمداهنة ونيل رضى كل الاطراف. من جهتي لطالما تناولت الاصلاح بالنقد وكذلك الحوثيين. ليس لدي موقف من عقائدهم انا اراقب المسار الموضوعي للاحداث ولدي تحيزاتي التي احاول قدر ما استطيع مقاومة ظهورها في ما اكتب. 

الله يسامحك يااحمد شوف كيف جالس اكتب مرافعة عريضة طويلة لاثبات ما يتعذر اثباته اصلا. لان نظرتنا لبعض مشوشة محكومة بالاوهام والافكار المسبقة وجنون الارتياب احيانا، جو مسموم مفعم بالشك وانعدام الثقة. 

يعني اي عملية نقد وتحليل للحركة الحوثية يقرأ على انه فوبيا مصدره الاخوان وما شابه؟ لماذا لا نفسر موقف المثقفين المناوئ للاصلاح على انه فوبيا وليس من منطلق معرفي وموضوعي يتحرى الانصاف. أنا لم اذكر امامة ولا نذرت نفسي للدفاع عن الثورة. ردة فعلك يااحمد تشير الى احتقان شديد يعكس نفسه في كل كلمة كتبتها, تكتب شيء وتريد شيء آخر, احضر في ذهنك وكأني عبدالله صعتر تقوم بتمرير رسائلك بشكل افهمه جيدا.

في طور اليمن الخام

يتفق لي أن أفكر بأن القضية الجنوبية ذات بعدين مركزيين: الأول بعد سياسي يتصل بالطريقة التي تمت بها الوحدة وإفرازاتها، ثم حرب 94 ومضاعفاتها من إحساس عميق بالاقصاء والحرمان، والاغتراب، ونهب أراضي وسلب حقوق وتسريح ضباط وموظفين وغياب الهويات الجنوبية عن الفضاء العام المشترك. 
الثاني: بعد تاريخي حضاري يتعلق بسيرة حياة جنوب اليمن في مقابل سيرة حياة شمال اليمن, إلى أن انتهت حركة التاريخ بالشطرين أن يصبحا كيانين مستقلين كل منهما يتمتع بالسيادة، وفي لحظة ما اتفق الكيانين على الاندماج والذوبان أحدهما في الآخر استنادا إلى خلفيات وقواسم مشتركة تاريخية وثقافية وجيوسياسية. 
حقق شمال اليمن وحدته مطلع القرن العشرين عن طريق الغزو والضم والالحاق، وفي ستينات القرن الفائت هندس البريطانيون وحدة اختيارية سلمية لكانتونات صغيرة مستقلة شكلت ما اطلق عليه الجنوب العربي، احتوى على بعض السلطنات والامارات وليس كلها، إذ حافظت سلطنتي حضرموت مثلا على استقلالهما. لكن ضمن احدث ثورة اكتوبر جرى أخيرا ضم بقية السلطنات بالغزو والضم والالحاق أيضا وتأسست جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبيةـ بلا استفتاء ولا تفويض.
هذا بعني أن وحدتي الجانبين كل منهما على حده، وحدتي نخب فوقية فرضت خياراتها بدون استفتاء أو تراض, لكن عندما اندمج الشطرين انطوى الاتفاق على مستوى من التراضي النسبي، وإن كان للطبقة السياسية العليا الكلمة الفصل. وفي أعقاب أول انتخابات كان يفترض ان تنهي مرحلة التقاسم والمناصفة ليصبح الاندماج كامل وعلى أسس وطنية، اندلعت ازمة انتهت بحرب، تم فيها اجتياح الجنوب عسكريا، لكن بمشاركة فصائل جنوبية كانت ضحية التهجير منذ ستينات القرن الماضي وحتى نهاية ثمانيناته.
عمليا تلاشت دولة الجنوب، مثلما تلاشت مؤخرا دولة الشمال وإن بقي بعض من مظاهرها الا أنها تهدمت في العمق. الباقي سلطة تحكم بهياكل وبنى دولة خداج رخوة هجينة تلبي حاجة الحاكم، بلا ملامح ولا خصال. 
وفي الطريق العكسي الى وضع ما قبل الوحدة، أصبح الجنوبيون يعانون أزمة تمثيل لقضيتهم، أي حامل سياسي يلعب دور الشريك في أي عملية سياسية تفاوضية. الحزب تفكك والدولة ذابت، والحراك متشرذم، والاختلالات التي طبعت عملية توحيد الجنوب في حقبة الستينات تلقي بظلالها حاليا في وقت يتطلع فيها الجنوبيون لفك الارتباط مع الشمال وأحيانا فك الارتباط بعضهم تجاه الآخر، وهذا الوضع يرفع من وتيرة تعقيد المسألة، ويجعل من فكرة الانفصال مستحيلة لكن فكرة التمزق الشامل تفرض نفسها بقوة. 
الشمال ايضا لا يمتلك الآن حامل سياسي موحد، لا يوجد من يمكنه لعب دور الشريك مع الجنوبيون، لتوقيع الاتفاقات أو نقضها. بنشوء جماعة الحوثي، لقد انهارت وحدة الشمال ايضا وعاد الشمال إلى ماقبل 1918، أي إلي مرحلة شبيهة بصلح دعان.
الآن نحن اقرب إلى اليمن الخام، يمن ما قبل الدولة المركزية، وأمامنا خياران: إما أن نبدأ فورا في العمل على اعادة بناء الدولة بالتوافق وبصيغة تتلافى كل أخطاء وهفوات التاريخ، أو أن ندخل في حالة صومالية مزمنة، تنشأ كيانات صغيرة هنا وهناك، يحالف الحظ بعضها وقد يمنى البعض الآخر بالفشل، تتناحر جماعات وعشائر وتسود الفوضى إلى الابد. حينها مثلما قال الدكتور ياسين سعيد نعمان لن نجد يمنا نختلف عليه لا جنوبيون ولا شماليون.
مبدأ تقرير المصير يشمل الآن كل اليمنيين بلا استثناء، فلا يصح أن تمنح هذا الحق منطقة معينة وتمنعه عن منطقة أخرى. 
هذا كلام بديهي جدا ولا ازعم أنني جئت بجديد، لكنه من وجهة نظري السيناريو الأقرب إلى ما يمكن أن يحدث في ضوء المعطيات والمؤشرات الماثلة أمامنا.

الأكثر مشاهدة