بوسع الحوثي أن يبتكر تعريف مختلف للصراع الذي يجد نفسه طرفا فيه. أقول هذا صادقا وحتى على سبيل النصح، ومن منطلق تقديري لحجم القاعدة الاجتماعية التي يتمتع بها في عدد من محافظات شمال الشمال، وإن كان قد انتزع شرعية وجوده المهيمن على مناطق صعدة وغيرها بالإكراه كنتيجة لحرب حمقاء انكسرت فيها جيوش الدولة، أو حملت على الإنكسار. فقوته العسكرية الجبارة لا تعكس قاعدته الاجتماعية بالضرورةـ لكنها تعكس هشاشة الدولة ممثلة بسلطة طائشة عمياء منقوصة الشرعية.
أي أنه فيما لو كتب لليمنيين انتقال آمن للسلطة وتمكنوا من التوصل لاتفاقات ومواثيق من شأنها إعادة صياغة الدولة في ضوء عقد اجتماعي جديد، سيكون بحاجة لتحديث شرعيته هناك لتغدو شرعية انتخابية.
إقحام الولايات المتحدة الامريكية في حوادث محلية صغيرة يتنافى مع منطق الاشياء. محض استخفاف. لا تصلح مادة مقنعة لعقيدة قتالية ولا برنامج عمل سياسي ولا عنصر مشوق في خطاب إعلامي ودعائي ذكي وجاد.
بإمكانه على الاقل أن يتبنى سردية المتعاطفين معه هنا في صنعاء والمحسوبين عليه، وجملة التفسيرات التي ينتجونها بأثر رجعي متخذين من التاريخ دليلا، لكنها في النهاية معقولة إلى درجة معينة، بغض النظر عن مدى دقتها، على شاكلة الدفاع عن الهوية الزيدية المهددة بالتلاشي، والحق في الاعتقاد الديني والتبشير به أسوة بغيرهم من الجماعات والمذاهب، وتعليم ما يؤمنون به، ومناهضة التمييز ضد الهاشميين وانحراف نظام الحكم، وشرعية البطنين، ومجابهة الزحف الوهابي، أو الشعور بالتهميش الاجتماعي والتضييق السياسي، والبحث عن العدالة المفقودة. كل هذه مفردات عامة يمكن تسويغ وجودهم من خلالها وإطلاق التفسيرات للحوادث في إطارها بدلا من إلصاق تهمة تفجير مركز صحي في الجوف بالامريكان والصهيونية العالمية.
اليمنيين صاروا ينظرون للحوثية كظاهرة تحمل وجه ثلاثي الأبعاد، سياسي ديني عسكري، وربما اجتماعي، ظاهرة صاعدة تحكمت في ولادتها عوامل وملابسات لا حصر لها بعضها غامض. هذه النظر تترافق مع طموح باختفاء الجانب العسكري من تكوينهم لمصلحة السياسي والاجتماعي الذي ينطوي على خلفية دينية ما.
ومع انطلاق الانتفاضة الشعبية الأخيرة صار الحوثيين في نظر الطبقة السياسية اليمنية رقم مهم في معادلة سياسية وطنية، ولا أحد يراها حركة مقاومة أو رأس حربة في صدام الحضارات.
لئن بدا هذا مفهوما من تنظيم عابر للحدود وليس له جذور اجتماعية ثابتة كالقاعدة، فمما يتعذر فهمه أن يتمسك الحوثيين بهوية سياسة تتناقض مع ما هم عليه فعلا، وما يفترض أن يكونوا عليه.
.........
اسئلة محرمة
الحوثية لم تطرح نفسها كحزب سياسي مدني، على اعتبار ان الحزب صيغة تنظيم اجتماعي حديثة، تقوم نظريا على مبدأ المواطنين الاحرار. وليس تحاملا إن جرى تعريف الحوثية بوصفها مجموعة دينية وعظية دون وطنية ولا عقلانية، تحركها الاوهام والخرافات والسرديات الكلية، وهي لا تنفتح إلا على قاعدة اجتماعية محدودة تتغذى من موروث تاريخي ضيق ومزيج من المؤثرات الدينية الوافدة والمحدثة.
كأي ظاهرة في طور التخلق والنمو، سنجد انفسنا في ورطة لو حاولنا الاتفاق على تعريف دقيق للحوثية, لكن يجب ان نتخلص فقط من النظرة الاحادية للاشياء ونتسلح بكل المعطيات والحقائق المتاحة من اجل فهم وتقييم اكثر موضوعية ونزاهة
الحرب اكسبتها طابعا سياسيا ربما. لكن مع الانتفاضة الشعبية الاخيرة، ومع بدء انحلال الروابط والفضاءات ذات البعد الوطني الاوسع، بدأ الكثيرون يهاجرون الى الروابط والتضامنات دون الوطنية. وانهمكت بلا كلل بعض النخب، ومنها من ينحدر من تيارات يسارية عريقة، في نسج الاواصر مع الحركة الحوثية، وراحت تعمل بشعور من الحنين أو الخوف على اكتشاف نقاط الالتقاء معها في التصورات والمثل. يفعلون ذلك، إما لعوامل تاريخية او جغرافية او سلالية، او لموقف ثقافي شخصي من جماعات وقوى اسلامية أخرى.
من يوم لآخر تختلف نظرة الحوثيين لانفسهم في صعدة وفي خارجها. لكنهم في صنعاء يحاولون الظهور بالمظهر الذي يلائم هذه النخب المتقاربة معهم، ويلائم نظرة هذه النخب للحوثية التي يحلمون بها. وهذا جيد في المحصلة، لكن تظل السردية الاسلامية الزيدية المتحولة هي ركيزتها حتى هذه اللحظة.
لست وحدي من تنبه الى طور جديد من الحوثية. لكن هل الامور مثلما توحي به المظاهر؟ وهل الفجوة ضيقة بين المعلن والمضمر من المواقف والرؤى والتوجهات؟ هل الحوثية تملك زمام نفسها وتمتلك حق تشكيل هويتها السياسية أم ان الاحداث والازمات اليمنية، كما درجت العادة، هي التي تشكلها من خلال الطريقة التي تتفاعل بها معها؟
ولماذا ينجح المثقفون في بناء الثقة مع اطياف الحوثية في حين يعجزون عن فعل ذلك عندما يتعلق الامر بحزب اسلامي مثل الاصلاح، يحظى بقاعدة اجتماعية اوسع نطاقا ونهج سياسي منفتح حينا ومنغلق حينا آخر، منفتح على مستوى القمة ومنغلق على مستوى القاعدة، منفتح على مستوى الخطاب منغلق ومتحفظ على مستوى الممارسة. حزب كبير امتداده وهمومه وطنية على طريقته طبعا، لكني اتفق مع النقاد بأن فيه من النقائص بقدر تلك التي قد تعتري اي جماعة تحركها من الداخل الايديولوجية الدينية فوق الوطنية او دون الوطنية؟ هل التصرفات الخشنة، وكنت انا احد ضحاياها، التي ارتكبها عناصر من الاصلاح في اللجان الامنية بصنعاء كافية للحكم على الاصلاح بعدم صلاحيته، ودمغه بالتالي بالارهاب والتخلف بدلا من مساعدته على تخطي عثراته ومواكبة التحول؟
وجد الحوثويون فرصة في الانتفاضة لاظهار الجانب الناعم في حركتهم، وغفر لهم المثقفون والحقوقيون تاريخهم العنيف وتفهموا حملهم السلاح، وهذا جيد، لكن هل هم ناعمون بقدر ما تقول المظاهر، في تلك المناطق التي اخضعوها لنفوذهم ويتمتعون فيها بالتفوق العسكري. كيف نحكم على جماعة او حزب؟ ما هي الحيثيات التي نستند اليها؟ الجماعات مثل الافراد بامكانها ان تتظاهر بخلاف ما هي عليه، للحكم على الاصلاح نستحضر فتوى الديلمي وتصرفات اليدومي في الامن الوطني، لكن هذه الطريقة في التفكير تفقد مفعولها عندما يتصل الامر بالحوثية. لماذا؟
ما هي دلالات أن يحصد الحوثيون نجاحا في ما اخفق فيه الاصلاح بخصوص تأسيس علاقة تفاهم براجماتية مع بعض المثقفين من بقايا اليسار بالذات؟
في ظني ليست الخشية من تدخل الاصلاح في الحياة الخاصة للشخص وفرض نمط أخلاقي وسلوكي معين، كافية لتفسر هذه الحالة، ثمة ما هو ابعد بكثير، والمسألة تحتاج بحث ونقاش اوسع.
للمسألة مثلما طرح الاصدقاء جذور تاريخية هذا من ناحية ومن ناحية اخرى لان الحوثية لا تفرض عادات سلوكية واخلاقية ذات طابع ديني طبعا هنا في صنعاء مش عارف كيف الوضع في صعدة موقفها من الفنون لا يزال مش واضح ايضا. وهناك دائما النكاية والخوف من الاصلاح والتيار السلفي اللذان تجمهما مع اليسار ماضي صراعي تجاوزه البعض ويعيد احيائه وانتاجه البعض الآخر.
قصدي أن التباس موقفهم من قضايا مثل المرأة والحريات الشخصية والفن يساعد في تقريب هذه التيارات مع الحوثيين في صنعاء. وقد يكون الالتباس متعمد او غير متعمد وقد يكون ملتبس بالنسبة لنا فقط. وقد يتصرفوا على هذه الشاكلة بغية تقديم نموذج نقيض للاصلاح والسلفيين من شأنه جذب العلمانيين واليسار مثلا.
هل يعاني الحوثيون من ازدواج واعي في الهوية وتعدد في الشخصية؟ أم ان المثقفين هم من يعانون ذلك؟ وهل حوثيو صنعاء حوثيون بما يكفي؟ اريد فهم ما اذا كانت الصورة التي يحملها الحوثيون عن انفسهم تنسجم مع الصورة التي يطورها لهم حوثيون موالون في صنعاء.
بقي السؤال الاخير: أن يكون المرء اصلاحيا وفهمنا، لكن ما معنى أن يكون المرء حوثيا؟
.......
إنه لمن المؤسف أن أرى مثقفا يقول انه يساريا وهو يفقد حسه النقدي ويطلق بحماسة خلاصات واستنتاجات وتعميمات مجندا طاقته في خدمة اهواءه وتحيزاته بدلا من الانحياز للعقل والمنطق الذي يميز الاتجاه اليساري عادة.
انا لست كاتبا جيدا، وهناك قضايا واشكاليات في هذه البلاد لا يمتلك احدنا الا ان يقف امامها حائرا متسائلا، ومنها ظاهرة الحوثية وعلاقتها الدافئة ببعض المحسوبين على اليسار.
حتى انني لم اكن بصدد ادانة هذه العلاقة ولا تجريمها، وأنا من أكثر من نادى الحوثيين بالتخلي عن السلاح وانتهاج نهج آخر لنيل حقوقهم المشروعة، ففي اليمن المثقلة بماض دموي وحاضر دموي، يصبح ابتكار اساليب نضالية جديدة اكثر عصرية تجنب سفك الدم، يصبح أي عمل يحول دون الاقتتال هو العمل الثوري والمدخل الجديد في سجل التاريخ اليمني.
ببساطة كنت احاول الفهم فقط ومعرفة الى اي مدى تكون المعايير مزدوجة في حكمنا على الاشياء والظواهر. لقد رسمت يابشير للحوثية صورة رومانسية تجعل من الحوثي مارتن لوثر كينج ومن الحوثية حركة الحقوق المدنية بفنونها وآدابها وأساليب عملها.
مستغرب كيف تتبنى مفهوما للثورية يجعل من كل ما يقوم به الحوثي في صعدة عملا ثوريا، وأن هذا المزاج هو الذي يقربها منك، بصراحة هل كل من يرفع سلاح وينشق ويقتل بداعي الدفاع عن النفس او عن الله او ضد اشباح الصهيونية واليهود والامريكان، هل هو ثوري؟ هل تقاس الثورية بالقضية التي ينادي بها تيار من التيارات او جماعة من الجماعات، أم بمجرد رفع السلاح وتسلق الجبال وتفجير المنازل يصبح اي شخص ثوريا يضعه على مقربة من مزاج اليسار؟
ما هي القضية المركزية للحوثي عندما انبثقت حركته، كيف كان يعبئ مليشياته وينمي فيها نزعة الاستشهاد والموت، هل هو امين معهم ومع مواطنيه في رسم العقيدة القتالية لهم، معلوم أنه يقنعهم بأنهم ينازلون اليهود في مران وضحيان وغير ذلك. انسى على عبدالله صالح هو مجرم وعلي محسن مجرم انسى فرضية من ابتدع الحرب، انسى الزنداني وتطرفه والوهابية وانحطاها، واسمح لنفسك بالقاء نظرة في عقل الحوثيين. بغض النظر عن عدالة قضيتهم او غير ذلك، اترك التفسيرات والتعريفات التي جاءت لاحقة لانطلاق الحوثية، بأثر رجعي، وحدثني عن شعاراتها وكيف انها تزعم انها تقتل الامريكان واليهود، أهذه قضية ثورية؟
لو استخدمنا مفهومك هذا للثورية، اذن فانور العولقي وابو جندل وتنظيم القاعدة جماعة ثورية يفترض ان تكون بمزاج يروق اليسار الذي تحدثت عنه، وليس اليسار الذي افهمه.
لا يمكن الحكم الحوثية من خلال شخص متعاطف معها في صنعاء أو تم دفعه ليتبنى وجهة نظرهم او لاسباب انتهازية محضة، حدثني عن فكرة الحوثية وبنيتها ونظرتها للآخر واجنداتها، اي تكن سواء جيدة او سيئة لكن ابني حجتك على اساس مش تلفيقات وأوهام وعواطف.
اتفهم سخطك من الاصلاح ونظرتك لهم ككهنوت ظلامي راديكالي لكني اطلب منك ان تعيد النظر في تقييمك للحوثية بأسلوب نقدي ثقافي يرتكز على معطيات وشواهد تؤكد ما ذهبت اليه. انسى الاصلاح لن ادحض او اؤكد حكمك عليه، كرس جهدك فقط لتبيان الطريقة التي توصلت من خلالها لهذا التصور الجذاب للحوثية.
على عكس الظاهرة الحوثية، من السهل التوصل الى تقييم منهجي شامل للاصلاح، أكانت نتائج هذا التقييم صورة باعثة على الخوف أو الاطمئنان أو الشعور المتأرجح بين الشك والثقة. والسبب في نظري هو أنه قدم نفسه منذ تأسيسه كفاعل مشارك في المجال اليمني العام، ولعب دورا اساسيا في الحراك السياسي الثقافي الذي شهدته البلاد في السنوات الأخيرة وهو يطرح مشاريعه ومواثيقه النظرية في الحقل السياسي، ويعترف ضمنيا وصراحة انها مستوحاة من المرجعية الدينية التي يقوم بتكييفها وفقا لمعايير القيم والمفاهيم ونظريات الاجتماع السياسي الحديثة. وهو كأي حزب اسلامي يرى نفسه ويرى الآخر من خلال هذه المرجعية.
...
يابشير بامكاني ان اصور الاصلاح بالطريقة التي صورت بها الحوثيين واكثر. بامكاني ان اقول انه ليبرالي مدني يحترم حقوق الانسان وينبذ العنف ويمتلك اجندة اقتصادية خلاقة ويحترم فردانية الفرد وووو لكن بدون ان اسندها بمعطيات ووقائع يصبح هذا النوع من الكتابة مجرد ثرثرة فارغة متأنقة. انت وصفت الحوثية حتى جعلتني اتلفت يمنة ويسرة اين انا عايش وما سمعت بهذا كله؟ الكاتب الذي لا يمتلك اجوبة جاهزة فعلى الاقل يثير اسئلة هذا الكاتب الجيد اما الانشاء المبني على دعاوى لا تقوم على اساس فهي وظيفة سهلة تقوم بها اجهزة الدعاية والتسويق. نريد اعادة تعريف اليسار وتعريف الحوثية اليسار ظاهرة في طور التلاشي والحوثية ظاهرة فتية غير واضحة المعالم وانت قد اسبغت عليها صفات استغرب من اين استقيتها وكيف توصلت اليها؟ قد نتفق معك في ما يخص توصيفك للاصلاح على ما فيه من تعميم ومن نظرة احادية لكن وصفك للحوثية على هذا النحو يوحي بانك تستلم لاهواءك اكثر من انصياعك للحقائق والمعطيات. الدعاوى شيء آخر يختلف عن الكتابة المحترمة
...
انا مستقل ولست محايد والمستقل لا بد ان يتناول كل القضايا والاطراف بجرأة وبدون محاباة لكن المحايد يضطر للمداهنة ونيل رضى كل الاطراف. من جهتي لطالما تناولت الاصلاح بالنقد وكذلك الحوثيين. ليس لدي موقف من عقائدهم انا اراقب المسار الموضوعي للاحداث ولدي تحيزاتي التي احاول قدر ما استطيع مقاومة ظهورها في ما اكتب.
الله يسامحك يااحمد شوف كيف جالس اكتب مرافعة عريضة طويلة لاثبات ما يتعذر اثباته اصلا. لان نظرتنا لبعض مشوشة محكومة بالاوهام والافكار المسبقة وجنون الارتياب احيانا، جو مسموم مفعم بالشك وانعدام الثقة.
يعني اي عملية نقد وتحليل للحركة الحوثية يقرأ على انه فوبيا مصدره الاخوان وما شابه؟ لماذا لا نفسر موقف المثقفين المناوئ للاصلاح على انه فوبيا وليس من منطلق معرفي وموضوعي يتحرى الانصاف. أنا لم اذكر امامة ولا نذرت نفسي للدفاع عن الثورة. ردة فعلك يااحمد تشير الى احتقان شديد يعكس نفسه في كل كلمة كتبتها, تكتب شيء وتريد شيء آخر, احضر في ذهنك وكأني عبدالله صعتر تقوم بتمرير رسائلك بشكل افهمه جيدا.