الخميس، 9 يونيو 2011

الثورة ترقص.. أنا خائف

محمد العلائي 

قمت مساء اليوم بزيارة الشيخ ياسر العواضي عضو اللجنة العامة للموئمر الشعبي العام الى المستشفى حيث يرقد بعد إصابته بجروح متفرقة نتيجة الهجوم على مسجد دار الرئاسة. 

كان يتكلم بصعوبة, ولقد شعرت بغصة وأنا أرى صديقي يتألم والجروح تملأ رأسه ووجهه وإصابة بالغة في ركبته. قال انه تأخر عن السفر للعلاج انتظارا لأمه لأنها ستجن، كما قال، لو سافر قبل ان تجيء من القرية. 

بغض النظر عن أي شيء، ياسر شخص ودود ودافئ وشهم، وهو يرى الصداقة أكبر من الانتماء ومن الموقف السياسي، يحتفظ بعلاقات إنسانية عميقة مع أشخاص من كل الأطياف السياسية. 

آخر مقيل جمعني به في بيته كان بحضور النائب صخر الوجيه والنائب علي العنسي قبل أسبوع تقريبا. 

لن أخوض في حيثيات ومبررات التزامه جانب الرئيس فهذا أمر يخصه، ومواقفه تلزمه وحده. 

لكنه في الأول والأخير صديق عزيز. ومن الصعب ألا احزن وأتألم لأجله مثلما احزن وأتألم لكل من يقتل أو يجرح في ساحات التغيير. كان جان مارك، وهو أحد الشخصيات المركزية في رواية "الهوية" لميلان كونديرا، يحب أن يقول لنفسه: بين الحقيقة والصديق أختار الصديق دائما. 

وذات يوم أخذ مارك يشرح لعشيقته كيف أن الصداقة كانت في نظره هي البرهان على وجود شي أقوى من الإيديولوجية ومن الدين ومن الأمة، مستشهدا بقصة الأصدقاء في رواية الكسندر دوماس الشهيرة: "الفرسان الثلاثة"، الذين تقاطعت مصائرهم بين معسكرين متعارضين غالبا، ووجدوا أنفسهم مرغمين على أن يقاتلوا بعضهم بعضا، وكيف أن ذلك لم يعكر صفو صداقتهم. ولم يتوقفوا قط عن مساعدة بعضهم سرا، بدهاء، ساخرين من حقيقة معسكر كل منهم. "لقد وضعوا الصداقة، فوق الحقيقة، فوق القضية، فوق أوامر الرؤساء، فوق الملك، وفوق الملكة، وفوق كل شيء" بتعبير كونديرا على لسان جان مارك. 

الاحتفال بحادثة النهدين على هذا النحو في ساحات التغيير هو إقرار مؤسف لمبدأ العنف بعد إن أحرزنا مكسبا كبيرا وارثا حضارايا راقيا يتمثل في أساليب العمل والنضال السلمي المدني للتعبير عن الرأي والاعتراض وفرض المطالب. اي اننا قد نجازف بإعادة اليمن إلى ما كانت عليه قبل 3 فبراير. 

من يفرحون لأنهم يرون في الحادث قصاصا للشهداء، لا يقيمون وزنا للشعارات التي تلخص مبادئ ومفاهيم للعدالة والقانون، يفترض انهم سيعملون بمقتضاها ويحكمون على الامور من خلالها. 

إن لم يجري تلافي تداعيات هذه الحادثة المثقلة بالدلالات الخطيرة وإدانتها، فإننا على عتبات مرحلة جديدة من التصفيات والاغتيالات لا نهاية لها. 

حكم الرئيس صالح شبه منتهي بهذه الحادثة وبدونها، والساحات حققت مآثرها العظيمة بأخلاق عالية وسمو ورشد وحكمة، وليس من المفيد أن تهلل لجريمة كهذه وترقص. أستطيع أن أتخيل الأثر القاسي والمستفز الذي تتركه هذه الاحتفالات السابقة لأوانها في نفوس الموالين للرئيس صالح الجريح، الأمر الذي يدفعهم لخيارات وردود فعل عنفية انتحارية متخذين من حادثة النهدين ذريعة. 

في هذه اللحظة الدقيقة من تاريخ اليمن، اكرر ما كتبه توماس فريدمان عن حاجتنا "لقيادة استثنائية تصر على دفن الماضى، بدلا من أن يدفنها. والعالم العربى فى أمس الحاجة لزعماء على غرار زعيمى جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا وديكليرك؛ عمالقة من الجماعات المتعارضة يسمون فوق الأحقاد القبلية والسنية ـ الشيعية من أجل صياغة عقد اجتماعى جديد. وقد فاجأتنا الجماهير العربية ببطولتها. ونحن الآن بحاجة إلى قادة عرب يفاجئوننا بشجاعتهم وبصيرتهم. وهو ما لم يتحقق حتى الآن". 

أشرت في فبراير الفائت إلى أننا في لحظة ينقسم فيها التاريخ إلى قيمتين: الثورة والثورة المضادة. وأعرف أن من شيم الثورات الفرز والاستقطاب والتصنيف والوشاية والشك والتناقض والتخندق واستباحة حق الفرد في أن يكون ما يريد، وقد ينتهي كل شيء بانتكاسة ومأساة. لكن حينما كان علي أن اختار، اتخذت جانب الثورة متجاهلا كل المخاوف التي تطرقت إليها في مقالات سابقة. 

اوجه حديثي غالبا لشباب التغيير وقوى المعارضة لأنها هي من يفترض بالجميع اختباره الآن كنموذج بصورة مستمرة: أخلاق ومٌثل وسلوكيات شباب التغيير وأنماط تفكيرهم وتصورهم للحريات العامة وحقوق الإنسان وقيم العدالة والحب والصداقة والتسامح والرحمة والجمال. شباب التغيير هم من يديرون عجلة قيادة التاريخ حاليا وليس النظام المتداعي الذي برهن طيلة ثلاثة عقود على همجيته وفشله وفوضويته، وبالتالي فالمستقبل يتمظهر في كل ما يبدر عن الشباب من تصرفات ومواقف وشعارات. 

أكتب هذا وأنا اعرف أنه باسم الثورة، لا شيء أسهل من تلبيس احدهم تهمة او نفي تهمة عن آخر لأنه موال للثورة. الثورة كرنفال لتلفيق التهم وإصدار الصكوك، جحيم وماء مقدس. لن أكلف نفسي عناء دفع التهم والأوهام والكيد والمزايدات والتهريج والعدوانية.

ليست هناك تعليقات:

الأكثر مشاهدة