الأربعاء، 15 يونيو 2011

لماذا نؤيد اللقاء المشترك؟

محمد العلائي 
alalaiy@yahoo.com 

إليكم هذه البديهية أولا: أحزاب المعارضة، لمن لا يعرف، هي مكون أصيل من مكونات النظام السياسي الذي نطالب بإسقاطه. وهي الآن تقوم بدورها الطبيعي في قيادة التحول والتغيير من داخل النظام نفسه وليس من خارجه. مع إن الإصلاحات التي من المنتظر إجراءها ستكون جوهرية على نحو لا جدال فيه، وربما ستؤدي إلى تبديل شبه كامل لشكل النظام القائم. 

وهي لا تلعب هذا الدور إلا لأنها القوة الوطنية المنظمة الوحيدة التي قاومت الفناء طيلة صراعها المديد مع السلطة الحاكمة، في حين أن الجماعات والفصائل المعارضة الأخرى، المسلحة والعزلاء، ليست ذات نفس ومنزع وطني. فهي تتبنى مطالب وترفع رايات فئوية أو طائفية أو جهوية، ونشاطها لا يغطي كل جغرافية البلاد. ولهذا أخفقت جهود اللقاء المشترك خلال السنوات القليلة الماضية، في بناء قواسم مشتركة متينة مع هذه القوى والجماعات، وبالذات الحراك الجنوبي والحوثيين، مثلما ستفشل معها أية سلطة وطنية عليا قد تنبثق مما يسمى بـ"الشرعية الثورية"، أي تلك السلطة التي من المتوقع نشوئها بعيد سقوط النظام الحالي، وحين تجد البلاد نفسها في لجة فراغ سياسي ودستوري وفوضى شاملة. 

وثنائية الفراغ والفوضى، هما الشيئان اللذان يتجنبهما اللقاء المشترك، ويحول دون تدحرج الأمور إلى هذا المآل المظلم، وكذلك المجتمع الدولي. وقد عبرت مرارا عن انحيازي التام لهذا التوجه، أي الانتقال عبر الدستور الحالي، الذي أراه ضمانة وحيدة لكيان الدولة من خطر التمزق والتلاشي في ظل غياب قوة وطنية تحكيمية محايدة تضبط إيقاع الصراع. إلا إذا حالفنا الحظ بتدخل عسكري خارجي، على غرار "فجر الاوديسة" في ليبيا، وهذا مستبعد طبعا. 

وحينما أقول أن اللقاء المشترك "قوة وطنية"، فأنا أشير تحديدا إلى الحيز المكاني لنشاطه الممتد على كامل مساحة اليمن، وأشير أيضا إلى التزامه، نظريا على الأقل، بالتعبير عن اليمنيين كمواطنين بغض النظر عن انتمائهم الجغرافي أو المذهبي أو الطبقي, وأشير كذلك إلى تقيده بمبدأ وحدة الأراضي اليمنية من خلال موقفه الثابت من مساعي التمزيق والتفكك. 

ولا يعني كل هذا عدم الاعتراف بمظلومية الجنوبيين أو شعور الحوثيين بالتمييز. فالمشترك يسعى لانجاز تسوية تاريخية لكل هذه النزاعات في إطار الوطن الواحد، بمعنى أنه يريد الاستجابة للمطالب ومعالجتها لكن بما لا يؤدي للتجزؤ والانقسام. من هذا المنطلق كان يرى أن جانبا كبيرا من هذه الاضطرابات والتمردات، له علاقة باختلال عميق في بنية النظام السياسي، وعدم ملائمته لتركيبة البلد ولسيرة حياة الدولة اليمنية حديثة العهد. 

أكتب عن اللقاء المشترك بحماسة قد يراها البعض غير مألوفة. وهذا غير صحيح، فلطالما كان هذا الكيان الكبير موضع رهاني الدائم. ليس لأنه تجسيد للكمال، بل لأنه الممكن والمتاح. أعطوني ائتلاف سياسي معارض بمثل مواصفاته في اليمن إذا أردتم لوجهة نظري أن تتغير. اللقاء المشترك يكتسب أهميته الحاسمة بالنسبة لمستقبل ومصير اليمن، من هذا الغياب المفزع لقوى معارضة وطنية بديلة. 

قبل سنتين تقريبا، كتبت أن أحزاب اللقاء المشترك وحدها هي من يعتنق نهج اللاعنف كاستراتيجية مثلى وغير قابلة للاستبدال. كنت حينها أحض المشترك على مغادرة طاولة الحوار والنزول للشارع، وقلت أنه بقليل من التفكير، سيجد المرء أن حاجة النظام الحاكم للتفاوض تفوق حاجة المشترك. هكذا يقول منطق الأشياء. 

وأحسب أنني غني عن القول بأن المعارضة في أي ديمقراطية، أكانت حقيقية أم زائفة، تؤدي وظائف حساسة من شأنها الحيلولة دون اختلال موازين القوى الاجتماعية والسياسية في البلد، أي بلد. ففي مقالة نشرتها الاتحاد الإماراتية، يعترض برهان غليون على القائلين بأن المعارضة ليست أداة التغيير الرئيسية في النظم السياسية، وبشكل خاص الاستبدادية، "فهي (المعارضة) تستمد أهميتها من أنها الوسيلة الوحيدة للتغيير داخل النظم، وحفظها من الفساد والانحطاط، وبالتالي ضمان ألا يتحول الحكم السياسي، مهما كان نوعه، إلى حكم العصبية، والولاءات الشخصية المدمرة لروح القانون والعدالة، والمخربة للأوطان والأعمال". 

ويجادل غليون بأن المعارضة عادة لا تستمد شرعيتها من مقدرتها على التغيير وقلب نظم الحكم، وإنما من قيامها بوظائف أخرى ضرورية حتى من دون تغيير النظام. ومن هذه الوظائف التي يقترحها المفكر السوري، والأستاذ في جامعة باريس: "عقلنة حركات الاحتجاج، وترجمتها إلى مطالب سياسية يمكن النقاش فيها، والتفاهم من حولها. وإلغاء المعارضة أو تغييبها يخلق فراغا كبيرا لا يمكن لأي حزب حاكم مهما كان نوعه ملأه". 

والافتقار إلى المعارضات السياسية الشرعية والقانونية، يشرح غليون، يهدد بتحويل أي حركة احتجاج أو اعتراض أو نزاع، مهما كان حجمها، ومحدودية مطالبها، وضيق مجال انتشارها، إلى ما يشبه الثورة أو التمرد على النظام، بقدر ما يحرم المجتمع من آلية التوسط التي تمثلها المعارضة بين المصالح الخاصة والعامة. وبكلمات أخرى، المعارضة تعمل على "تحويل حركات الاحتجاج إلى مطالب سياسية، وتجنيبها الانخراط في منطق الانشقاق والتمرد والمواجهة"، بتعبير برهان غليون. 

تقف البلاد على مفترق طريقين لا ثالث لهما، إنها في النقطة التي يطلق عليها الكاتب السوري المعارض ياسين الحاج صالح "مرحلة الاستعصاء السياسي المديد المنهك للبلد، على نحو سبق أن رأينا نظائر له في لبنان، وبصورة ما، في العراق". وهذه المرحلة تتميز بنوع من توازن القوة السلبي، بحيث يصبح معها النظام عاجزا كل العجز عن تصفية الانتفاضة، والمضي قدما في تثبيت حكمه من جديد، في مقابل عجز الانتفاضة وقوى المعارضة عن إتمام الإطاحة بالحكم بشكل كامل، واستئصال أو إخضاع أجنحته وركائزه، والتأسيس على أنقاضه لسلطة انتقالية بديلة. 

بمعنى آخر: الحسم لا يمكن أن يكون من الآن فصاعدا إلا سياسي أو عسكري. المنطق الاستئصالي الراديكالي الذي ينبذ التسويات السياسية وكأنها وباء، يقود حتما إلى الصدام المسلح. وحتى لو نجحت العسكرية الثورية في إسقاط السلطة هنا في صنعاء، فلا شيء يضمن عدم نشوء سلطة مضادة، أو سلطات مضادة، تثير القلاقل وتقود الهجمات لمدى بعيد. 

من يتطيرون أو يتندرون من اللقاء الذي جمع قيادات المشترك أمس بالنائب، يعرفون جيدا ان المشترك لو رفض أي عملية سياسية وانحاز للحسم الثوري العسكري متجاهلا الضغوط والمخاوف الدولية، سيأتي من يلومه لأنه افقد الثورة سلميتها، ولأنه فضل العنف من اجل الدفع بالقيادات العسكرية إلى السلطة ضمن خطة مدبرة من الإصلاح، وثرثرة من هذا القبيل المؤامراتي الصرف. 

لكن لا أحد يطرح أفكار تتضمن مخارج عملية تصون البلاد، وتجنب الثورة غول السياسة، كما يعتقدون، وغول الخارج، مع أن محمد حسنين هيكل في حديثه للجزيرة، قبل يومين، عبر عن خوفه الشديد من اندلاع حرب أهلية دموية في اليمن، لكنه تمنى من السعودية ومصر أن تساعدا اليمن من اجل انتقال آمن. 

يقول ياسين الحاج صالح في سياق حديثة عن الاحتمالات التي تنتظر الانتفاضة السورية: "ربما يقال إن الوقائع العنيدة أقوى من الأفكار الطيبة، وإن الواقع المعاين هو عنف مطلق يمارسه النظام ضد احتجاجات سلمية، عادلة ومشروعة، فما جدوى الكلام على تسويات وحلول سياسية؟ هذا الكلام صحيح كتحليل، لكنه ليس مجدياً كعمل. السياسة منطق عملي غير حتمي، وفي العمل يمكن أن تظهر ممكنات جديدة في كل وقت، وأن تنفتح أبواب التسويات والحلول التفاوضية من حيث لا يتوقع أحد". 

الآن يا شباب الثورة، إما أن تعملوا من اجل أن تكلل انتفاضتكم نجاحها سياسيا عند هذه الكلفة المستحقة والبسيطة مقارنة بما يمكن أن يحدث، مع احتفاظها بطابعها السلمي الخالص، واقصد بالنصر السياسي تلك لحلول التفاوضية السياسية لكن الملبية لشرط التغيير الذي تتوقون إليه. وهذا ما يحاول القيام به اللقاء المشترك خطوة بخطوة. وإما أن تدخل الثورة مرحلة من العمل المسلح يكون جناحها العسكري وحلفائها من القبائل والجماعات المسلحة في صدارتها، ضد الجيش الموالي للحكم وحلفائه من القبائل المسلحين وأجهزته الأمنية. 

أظن أن زمن الساحات، كأداة حسم، أصبح من الماضي. لقد أنجزت مهمتها. فالحكم سقط، لكنه لم يموت. اتركوا المسار السياسي يأخذ نصيبه، وإلا فالأمور تلقائيا، إذا انسد هذا المسار، ستنحدر في طريق الحرب. ربما سنتحدث حينها عن مجلس انتقالي وما شابه. 

الخميس، 9 يونيو 2011

إلى المبشرين بالمجلس الانتقالي

محمد العلائي 
Alalaiy@yahoo.com 

أنا ممن يعارضون فكرة المجلس الانتقالي التي ينادي بها البعض هذه الأيام، لا لشيء إلا لأني أتصور أنها ستضع البلد أمام احتمالات مرعبة تتمثل في فوضى تعدد مراكز السلطة التي قد تسعى لملء فراغ القوة الرهيب عقب سقوط النظام بشكل كامل. 

للأسف، فمن يتباكون على الثورة، ويعبرون عن خشيتهم من إجهاضها والالتفاف عليها، لا يبدو أنهم يمتلكون أفكار واضحة وعملية تضع في حسبانها كل التعقيدات الماثلة والانقسامات والمخاطر والفرص. لا يتحملون مشقة طرح الأسئلة والفرضيات. 

إنهم يكتبون فقط كلمات إنشائية متكلفة طافحة بالمشاعر، تلهب الحماسة بالتأكيد، وتنعش طاقات الفعل لدى الجماهير، وهي إذ تحفز حس التغيير، فإنها لا تنطوي على وعي تنويري بنوع التغيير الذي تتحرق شوقا لبلوغه، كلمات تهيج الجماهير صحيح لتتدفق إلى الساحات والشوارع، لكنها لا تخبرهم شيئا عن الدروب التي ينبغي أن يسلكوها ولا تنير لهم الخطى. 

ذلك النوع من الكتابات والأسلوب الدعائي، يخلق ثورة لكن خالية من الثورة، أو ثورة ناقصة. ولقد حاول البردوني تفسير الأسباب الكامنة وراء عدم الاكتمال الملازم للثورات العربية، وتوصل إلى أن للمسألة علاقة بتأخر الوعي بنوع التغيير عن الرغبة في التغيير. 

أتذكر عبارة لصموئيل هنتنجتون ربما تؤكد على ما أردت قوله: "لتصبح النظرية مقبولة كنموذج، لا بد أن تبدو أفضل من النظريات التي تنافسها. ولكي يشق المرء طريقه عبر ارض غير مألوفة، فإن ذلك يتطلب وجود خريطة ما، توضيح ضروري يجعلنا نرى موقعنا ووجهتنا". 

تساءلت في أحد تعليقاتي بشأن موضوع المجلس الانتقالي، هل سيكون على طريقة ليبيا أم انقسام البلد بين سلطتين تتنازعان الشرعية على طريقة ساحل العاج؟ أم على طريقة ثورة سبتمبر في شمال اليمن، عندما استمرت حرب الشرعيات المتنافرة بين سلطة ثورة وسلطة مضادة، اقتضت تدخل المصريين لإنقاذ الثورة من هجمات الملكيين. ولئن كانت الثورات المسلحة منها والعزلاء في بقية العالم تنتهي بإعلان البيان رقم واحد والسيطرة على الإذاعة مثلا، ففي اليمن كان البيان رقم واحد بداية ثورة وحرب. (بالمناسبة في ثورة سبتمبر كانت الحرب تدور بين رايتين ملكية وجمهورية لكن هذه الأيام سترتفع عشرات الرايات والرغبات والأهواء). 

في اليمن، حتى لو جرى تشكيل مجلس انتقالي، فلن يكون أكثر من كيان سياسي مثله مثل تكتل المشترك واللجنة التحضيرية، وهو سيجد نفسه، إذا قمنا بتأسيسه، أمام خيارين: إما أن يستخدم ما يمتلك من أدوات قهر وإكراه لبسط نفوذه بالقوة وإزاحة ما تبقى من الحكم وهو كثير، وهذه عملية طويلة ومعقدة ومكلفة ومدمرة، وإما أن ينتهي به الأمر إلى التفاوض مع السلطة الموازية له، بحيث يكون حزبها الحاكم شريكا في المرحلة الانتقالية مثلما سيكون الجانب العسكري من المجلس المفترض مضطرا لمد جسور التواصل من الشق العسكري الموالي للحكم من اجل لملمة وتوحيد صفوف الجيش. 

لدينا مراكز كثيرة للسلطة والقوة عدا هذه السلطة التي تقوض الانتفاضة بنيانها في صنعاء. ولن تقتصر مهمة السلطة الوطنية العليا، التي يزمع بعض المتحمسين تأسيسها بصبيانية من طرف واحد أو من كل طرف على حده، مثلما أتوقع، دمج سلطة علي عبدالله صالح والحزب الحاكم أو سحقها، بل تنتظرها قائمة كبيرة من المراكز المؤثرة الخاملة الآن والمتأهبة للوثوب، وهي ذات تطلعات واتجاهات مختلفة كليا عن تطلعات الثورة وأشواقها وطوباويتها. 

من وجهة نظري، حتى لو مات الرئيس، فالانتقال الأمثل لليمن يجب أن يكون وفقا للدستور الحالي إلى النائب، الذي سيقود بدوره مع المعارضة وشباب الثورة حوارا وطنيا يفضي إلى إصلاحات في النظام السياسي، أكان ذلك بعد الانتخابات الرئاسية المبكرة أو أن يجري التوافق على تمديد فترة النائب إلى أن تستكمل جولات الحوار الوطني، وينجز كتابة الدستور الجديد وجملة الإصلاحات اللازمة، بحيث تجري الانتخابات في ظلها. 

لكني في نفس الوقت أطلب صادقا من المتحمسين لفكرة المجلس الانتقالي أن يشرحوا وجهة نظرهم للناس، والكيفية التي توصلوا بها إليها، وطرائق تنفيذها والزمن الذي تستغرقه. غالبية الشعب متعطشون بشدة لمعرفة الخطوة التالية، مثلما قال هيكل للأهرام قبل شهر أن ما يوفر الاطمئنان والاستقرار والشعور بالأمن والراحة أن يعرف الناس معرفة كاملة ومرضية ما ينتظرهم. أن يعرفوا بالضبط: ماذا؟! أن يعرفوا بالضبط: متي؟! أن يعرفوا بالضبط: كيف؟! خطوة بعد خطوة. 

ويضيف: "من بين المشاكل الرئيسية التي تعاني منها السياسة المصرية وجود نوع من خيال الظل, تخلط الخيال بالواقع, حيث لا ترابط بين التمني والحقيقة, وبين الإرادة والفعل, بحيث يبدو الكلام في مجال يجمح بالتصورات إلي حيث يريد, وتبقي الوقائع علي الأرض تمشي بدوافع حركتها الذاتية, دون ربط بين الاثنين, وهذه حالة فصام غريبة في الفعل العربي عامة". 

أعرف أناسا يحلمون بمجلس انتقالي، لكن دون أن يجشموا أنفسهم عناء تبيان ماهية هذا المجلس، ووظيفته وحيثيات تفضيلهم لهذا الخيار، والضرورات التي يستجيب لها. جدل سياسي فوقي فقير وخاو لأنه يستوحي مضامينه من نشرات الأخبار، لكنه لا يرتكز على ضرورات المحكومين. قلت لصديقي عبدالله دوبلة مازحا: عادي انتظر بس وستسمع سبعمائة ألف مجلس انتقالي، حتى أنا أفكر أروح أنشئ لي مجلس انتقالي، ولو سبرت الأمور ممكن افتح لي مجلس نواب على شارعين! (أتذكر أن أحد أصدقائي كان يردد دعابة مفادها انه يرغب في افتتاح مجلس نواب). 

من أين جاءت فكرة المجلس الوطني الانتقالي؟ 

أظن من ليبيا تحديدا، هناك حيث كانت المساحة التي يفترض أنها تفصل سلطة القذافي عن الليبيين مملوءة بالفراغ. لا قوى معارضة من أي نوع، ولا مجتمع مدني ولا صحافة حرة ولا مقاومات، ولا تقاليد حكم حتى ولو شكلية من دستور وعلم وطني وما شابه. لهذا فرضت الحاجة الماسة فور انطلاق الانتفاضة فكرة تأليف كيان سياسي وعسكري معارض يضم قوى وتيارات المعارضة، ويوحدها تحت راية ومشروع واحد، متخذا من بنغازي منطلقا له. وقد نحج حتى الآن في نيل اعتراف دول عظمى. 

في اليمن، وبدلا من شطحات المجالس الرئاسية والانتقالية، لماذا لا نبدأ أولا في توجيه طاقة الفعل الثوري والجدل لتوحيد جبهة المعارضة بأنواعها، من مشترك إلى حراك وحوثيين وكيانات شبابية ومجتمع مدني وقبائل وعسكر، في إطار واحد على قاعدة التنوع والتعدد يقفون جميعا على أرضية الثورة المشتركة من أجل إدارة التواصل مع الخارج والداخل، وتهيئة الظروف للمرحلة الانتقالية عبر رؤى ومقاربات تخضع للجدل العام لكي تكون مستوعبة للعراقيل والضرورات، التحديات والفرص، الممكنات والرغبات. 

يحلو لي الاعتقاد أن الأولوية الآن هي في الانغماس بكل جوارحنا لترجمة مفهومنا الغامض والانفعالي للتغيير إلى تصورات وسلوك وبرامج عمل تصاغ بروح من التسوية، وبما يعكس أشواق وتطلعات اليمنيين بمختلف انتماءاتهم ومشاربهم. 

لنتخفف قدر ما نستطيع من المحاكاة اللاواعية لنماذج لا تتناسب مع تركيبة النظام السياسي والاجتماعي والتكوين التاريخي للدولة في اليمن، من اجل الحفاظ على الهياكل الأساسية لدولة في الرمق الأخير، والبناء عليها تجنبا للفراغ والفوضى وحروب الشرعيات. 

وإذا كان لا بد من المحاكاة، فالانتقال الدستوري الذي أنحاز إليه هنا له ما يشبهه في العالم. ففي تونس، لم يقلل من شأن الثورة كون الانتقال تم طبقا للدستور. وفي اندونيسيا أطاحت انتفاضة الطلبة بسوهارتو، فتولى بحر الدين يوسف حبيبي – الصديق المخلص لسوهارتو ونائبه الأمين، المرحلة الانتقالية والتحول الديمقراطي الذي يشهد له العالم الآن. 

ربما هذا أجدى نفعا من ذلك التخبط الذي نبدو فيه مثل تلميذ فاشل يتلصص على إجابة زميله المجاور في قاعة الامتحان، فمع كل التفاتة يختلس النظر لكلمة أو حرف ثم يكتشف في الأخير أن التلميذ الجالس بجواره ليس من صفه والسؤال ليس سؤاله والجواب ليس جوابه. 

باختصار، يجب أن نعثر على مفاتيح الانتقال الملائم والمبصر.

الثورة ترقص.. أنا خائف

محمد العلائي 

قمت مساء اليوم بزيارة الشيخ ياسر العواضي عضو اللجنة العامة للموئمر الشعبي العام الى المستشفى حيث يرقد بعد إصابته بجروح متفرقة نتيجة الهجوم على مسجد دار الرئاسة. 

كان يتكلم بصعوبة, ولقد شعرت بغصة وأنا أرى صديقي يتألم والجروح تملأ رأسه ووجهه وإصابة بالغة في ركبته. قال انه تأخر عن السفر للعلاج انتظارا لأمه لأنها ستجن، كما قال، لو سافر قبل ان تجيء من القرية. 

بغض النظر عن أي شيء، ياسر شخص ودود ودافئ وشهم، وهو يرى الصداقة أكبر من الانتماء ومن الموقف السياسي، يحتفظ بعلاقات إنسانية عميقة مع أشخاص من كل الأطياف السياسية. 

آخر مقيل جمعني به في بيته كان بحضور النائب صخر الوجيه والنائب علي العنسي قبل أسبوع تقريبا. 

لن أخوض في حيثيات ومبررات التزامه جانب الرئيس فهذا أمر يخصه، ومواقفه تلزمه وحده. 

لكنه في الأول والأخير صديق عزيز. ومن الصعب ألا احزن وأتألم لأجله مثلما احزن وأتألم لكل من يقتل أو يجرح في ساحات التغيير. كان جان مارك، وهو أحد الشخصيات المركزية في رواية "الهوية" لميلان كونديرا، يحب أن يقول لنفسه: بين الحقيقة والصديق أختار الصديق دائما. 

وذات يوم أخذ مارك يشرح لعشيقته كيف أن الصداقة كانت في نظره هي البرهان على وجود شي أقوى من الإيديولوجية ومن الدين ومن الأمة، مستشهدا بقصة الأصدقاء في رواية الكسندر دوماس الشهيرة: "الفرسان الثلاثة"، الذين تقاطعت مصائرهم بين معسكرين متعارضين غالبا، ووجدوا أنفسهم مرغمين على أن يقاتلوا بعضهم بعضا، وكيف أن ذلك لم يعكر صفو صداقتهم. ولم يتوقفوا قط عن مساعدة بعضهم سرا، بدهاء، ساخرين من حقيقة معسكر كل منهم. "لقد وضعوا الصداقة، فوق الحقيقة، فوق القضية، فوق أوامر الرؤساء، فوق الملك، وفوق الملكة، وفوق كل شيء" بتعبير كونديرا على لسان جان مارك. 

الاحتفال بحادثة النهدين على هذا النحو في ساحات التغيير هو إقرار مؤسف لمبدأ العنف بعد إن أحرزنا مكسبا كبيرا وارثا حضارايا راقيا يتمثل في أساليب العمل والنضال السلمي المدني للتعبير عن الرأي والاعتراض وفرض المطالب. اي اننا قد نجازف بإعادة اليمن إلى ما كانت عليه قبل 3 فبراير. 

من يفرحون لأنهم يرون في الحادث قصاصا للشهداء، لا يقيمون وزنا للشعارات التي تلخص مبادئ ومفاهيم للعدالة والقانون، يفترض انهم سيعملون بمقتضاها ويحكمون على الامور من خلالها. 

إن لم يجري تلافي تداعيات هذه الحادثة المثقلة بالدلالات الخطيرة وإدانتها، فإننا على عتبات مرحلة جديدة من التصفيات والاغتيالات لا نهاية لها. 

حكم الرئيس صالح شبه منتهي بهذه الحادثة وبدونها، والساحات حققت مآثرها العظيمة بأخلاق عالية وسمو ورشد وحكمة، وليس من المفيد أن تهلل لجريمة كهذه وترقص. أستطيع أن أتخيل الأثر القاسي والمستفز الذي تتركه هذه الاحتفالات السابقة لأوانها في نفوس الموالين للرئيس صالح الجريح، الأمر الذي يدفعهم لخيارات وردود فعل عنفية انتحارية متخذين من حادثة النهدين ذريعة. 

في هذه اللحظة الدقيقة من تاريخ اليمن، اكرر ما كتبه توماس فريدمان عن حاجتنا "لقيادة استثنائية تصر على دفن الماضى، بدلا من أن يدفنها. والعالم العربى فى أمس الحاجة لزعماء على غرار زعيمى جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا وديكليرك؛ عمالقة من الجماعات المتعارضة يسمون فوق الأحقاد القبلية والسنية ـ الشيعية من أجل صياغة عقد اجتماعى جديد. وقد فاجأتنا الجماهير العربية ببطولتها. ونحن الآن بحاجة إلى قادة عرب يفاجئوننا بشجاعتهم وبصيرتهم. وهو ما لم يتحقق حتى الآن". 

أشرت في فبراير الفائت إلى أننا في لحظة ينقسم فيها التاريخ إلى قيمتين: الثورة والثورة المضادة. وأعرف أن من شيم الثورات الفرز والاستقطاب والتصنيف والوشاية والشك والتناقض والتخندق واستباحة حق الفرد في أن يكون ما يريد، وقد ينتهي كل شيء بانتكاسة ومأساة. لكن حينما كان علي أن اختار، اتخذت جانب الثورة متجاهلا كل المخاوف التي تطرقت إليها في مقالات سابقة. 

اوجه حديثي غالبا لشباب التغيير وقوى المعارضة لأنها هي من يفترض بالجميع اختباره الآن كنموذج بصورة مستمرة: أخلاق ومٌثل وسلوكيات شباب التغيير وأنماط تفكيرهم وتصورهم للحريات العامة وحقوق الإنسان وقيم العدالة والحب والصداقة والتسامح والرحمة والجمال. شباب التغيير هم من يديرون عجلة قيادة التاريخ حاليا وليس النظام المتداعي الذي برهن طيلة ثلاثة عقود على همجيته وفشله وفوضويته، وبالتالي فالمستقبل يتمظهر في كل ما يبدر عن الشباب من تصرفات ومواقف وشعارات. 

أكتب هذا وأنا اعرف أنه باسم الثورة، لا شيء أسهل من تلبيس احدهم تهمة او نفي تهمة عن آخر لأنه موال للثورة. الثورة كرنفال لتلفيق التهم وإصدار الصكوك، جحيم وماء مقدس. لن أكلف نفسي عناء دفع التهم والأوهام والكيد والمزايدات والتهريج والعدوانية.

الأكثر مشاهدة