محمد العلائي
2/9/2008
نادي ضباط الشرطة ليس المكان الملائم لحسم مصير الأمة، هذا مؤكد. ودار الرئاسة لا يصلح منطلقاً لإطفاء حرائق البلد، وهذا بديهي. من الآن فصاعداً، لا يملك أحد حق التحدث باسم الجميع، وبلسان الكافة. على الكل أن يصمت، وهذا غير مكلف وفوائده مضمونة.
على اللقاء المشترك أن يكف عن الكلام (وأحياناً عليه أن يكف عن الصمت في نفس الوقت!). والرئيس أيضاً، لماذا لا يصمت هو الآخر؟ لقد سئمنا ثرثرة لا طائل منها. ليس اللقاء المشترك حزب العمال البريطاني، ولا الرئيس إبراهام لنكولن. الشعب غافل ومُقال من فرصة تقرير ما يريد وما لا يريد، ما هو ضروري وما هو عبثي. إنه يغط في نومٍ عميق يقاوم أحلام الرعب.
لا يصح أن نضع، في نادي ضباط الشرطة، التصاميم النهائية (المغشوشة) لقواعد اللعبة الديمقراطية. أصه لا أحد يسمع. الاثنين قبل الفائت، سدد المؤتمر لكمة جامدة على أنف اللقاء المشترك. كانت القبضة ضخمة تليق بحزب عملاق مهووس بتسديد اللكمات. كانت اللكمة فظيعة تليق بتحالف يعيش حالة وجدانية شخصية جداً، ورومانسية جداً، وعميقة جداً.
البلد بعيد عن الكل. غير أن الرئيس يرى خلاف ذلك.
يوم الثلاثاء، قال الرجل إن «الشارع بعيد عن المعارضة، بل أبعد من عين الشمس». والحق أن ما قاله عين الصواب. لكن ما هو بعيد من المشترك هو أكثر بعداً من الرئيس. وكما أن «الشارع» ليس في متناول المعارضة، فالمنطق يقول إنه ليس في متناول الرئيس أيضاً. وبعبارة أخرى: الشارع بعيد من الرئيس، بعيد من المعارضة، قريب من نفسه، قريب من الانفجار في وجه الكل. هل هناك معادلة أكثر وضوحاً من هذه؟ لطالما ردّدنا أننا يئسنا من الرئيس، ومن حزبه. لكننا الآن بتنا نردد أننا يائسين من المشترك أيضاً وأخيراً.
إننا في النقطة الحرجة. مع ذلك، لا يبدو أن اللقاء المشترك يمكن أن يمثل مخرج طوارئ آمن (وهل هو مخرج أصلاً؟!).
لماذا يساعدنا المشترك على التنصل عنه؟ الديمقراطية مرادف الشفافية والوضوح والعلن. غير أن قيادة اللقاء المشترك تمارس نوعاً غير ذكي من التعتيم هي في غنى عنه. لا يحق لها إخفاء الحقائق. وإن فعلت فليس ذنبنا إن دمغنا تصرفاتها وحواراتها بالريبة والشك. المفارقة أن المؤتمر أصبح أكثر وضوحاً. وليس هذا عن قصد منه ورغبة، بل لأنه كلما زاد وزنه زادت الشروخ واتسعت المسامات التي تسمح بتسرب هذه المعلومة أو تلك.
لسنا على استعداد أن نكون بلهاء إزاء ما يحصل. لابد أن نفسر كل شيء ونخضعه للشرح.. والشك كذلك. لا نملك من السذاجة ما يجعلنا نعتقد أن الغموض، الذي يكتنف أداء المشترك يلعب لصالحنا، أبداً. يجب أن نعرف كل شيء أولاً بأول. لا يوجد شيء يدعو للكتمان وصون الأسرار. الحشمة ليست هنا. ما الذي تخشى عليه قيادة المشترك حينما تتصرف على هذا النحو الكتوم؟
وعلى فكرة، حتى لو حققت مكاسب معينة وعلمنا عن طريق التسريب (وهو الامتياز الذي يمنح لقلة من الصحفيين المحظوظين) فإن ذلك سيكون مستفزاً ومدعاة للشك.
البلد على آخر رمق. وبيانات السجال المصاغة بعناية لا تعني شيئاً. وهي، على أية حال، تحف أدبية بليغة وشاعرية. إلا أن عيبها الوحيد أنها إنشائية، رص كلام مرتفع النبرة من أولها إلى آخرها. هجاء وعويل العاجز، هذا كل ما في الأمر. لا تحمل معلومة، ولا تبين موقفاً جريئاً يرضي حماسة الجماهير.
عندما تتسع الهوة بين ما هو معلن وما هو مسكوت عنه من المواقف، فإن اللاثقة واللايقين هما سيدا الموقف. لا يمكن ممارسة السياسة في نادي ضباط الشرطة، مثلما لا يمكن إطفاء حرائق البلد من دار الرئاسة. الأول مرفق رياضي ترفيهي لرجال البوليس، وهم ضد السياسة من الأساس، والثاني مركز إنتاج وتعليب حرائق معتبرة وشهيرة.
ومن غير العادل أن يتحول هذان المكانان إلى مساحة لممارسة شعائر إنقاذ البلد.. ولقائل أن يقول: وما هو المطلوب؟
لم نعد نعرف ما هو المطلوب على وجه التحديد. مع ذلك نحن نعرف تماماً أن مشاركة المعارضة في الانتخابات القادمة، وفقاً للمعطيات القائمة، لا يفعل أكثر من مساعدتنا على فقدان الثقة (وقد بدأنا بالفعل) في المعارضة، وفي الديمقراطية، وفي أي شيء آخر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق