الثلاثاء، 25 يناير 2011

أنا خائن لكل هذا الجنون!

محمد العلائي 
alalaiy@yahoo.com 

اليمن في قبضة هستيريا المحاكاة الهزلية: فلطالما أراد علي صالح محاكاة التجربة المصرية والسورية والليبية، فيما أنور العولقي وتنظيم القاعدة يستلهمون التجربة الطالبانية، والبيض وباعوم والحراكيون التجربة السودانية وما شابهها، والحوثي يحاكي تجربة حزب الله والصدريين، وتوكل تريد إعادة تمثيل التجربة التونسية.. وهكذا دواليك! 

في مناخ كهذا، لا شيء يزدهر أكثر من الحماقة، الحماقة الضارية، الحماقة التي لا تأبه. حاملوا الرؤوس الناشفة، الرؤوس الخاوية مثل الطبيعة في كوكب زحل، وحدهم يملؤون سطح الفوضى. 

أنا خائن لكل هذا الجنون! سجلوني انهزامي وجبان. أنا كذلك بالفعل! 

تركت الانتفاضة التونسية حالة سعار في اليمن تملأ الأرجاء. لا احد يريد تصديق كم أننا لسنا تونسيون. إذا كان نظام صالح يلتقي في قواسم مشتركة معينة مع نظام بن علي، فإن المجتمع التونسي يختلف عن المجتمع اليمني جذريا. 

هذا الكلام يستفيد منه نظام صالح بالتأكيد لكن مع ذلك هو حقيقي جدا. لا ينبغي تجاهل الابتزاز بالحرب الأهلية "عندما يكون المبتز بلطجي قوي القلب"، بتعبير ياسين الحاج صالح. 

كانت شرعية بن علي تقوم على الرعب، الرعب الذي زرعه في نفوس التونسيين من خلال جهاز بوليسي لا يرحم. ولسوف يحطم التونسيون مشاعر الرعب بعد سيدي بوزيد فيلوذ بن علي بالفرار. بالنسبة لليمنيين نجحوا منذ سنوات في قهر خوفهم من الأدوات القمعية للسلطة، وخرج الناس في كل مكان، وكتب الكتاب، وتمرد المتمردون، وانشق المنشقون. وأفكر في كيف أن علي صالح بات يستمد شرعية استمراره من حالة الغموض التام حيال المستقبل، أو الوضوح التام. 

ولا بد أن النظام هو المستفيد الأكبر من تغذية مشاعر الخوف المصاحبة للرغبة في التغيير. يكمن مأزق الراغبون في التغيير، وأنا أحدهم، في أن المخاوف العظيمة التي يستدعيها التفكير في مستقبل اليمنيين بعد الإطاحة بالحكم، حقيقية بشكل لا يطاق. المعارضين المتحمسين يجادلون بأن تونسة اليمن ممكنة جدا، يتطلب الأمر تحريك طلاب جامعة صنعاء وعدن وسلسلة اعتصامات، وعلى الفور نستطيع تخيل طائرة الرئيس صالح تحلق في الأجواء باحثا عن مأوى على غرار زين العابدين بن علي. 

السلطة، أو الموالاة، تعتقد أن اليمن أقرب للعرقنة والأفغنة والصوملة منها إلى أي شيء آخر. في ظني، حتى لو كنت أجازف باقتراف خطيئة التطابق مع السلطة في هذا الأمر بالذات، فإن اليمن بالفعل هي أقرب للنماذج الثلاثة منها إلى تونس. والفوارق بين اليمن وتونس أوضح من أن تشرح. 

من سوء الحظ أن السيناريوهات التي يبشر بها النظام سهلة التصديق. 

الرهان الآن على من يمتلك أجوبة مختلفة بشأن المستقبل. من بوسعه تقديم ضمانات بأن اليمن ستظل يمنا، وليس أفضل أو أسوأ، يمنا فقط مثلما هي عليه الآن، من يضمن بقاءها أثناء وبعد تغيير هذا النظام على الطريقة التونسية أو سواها؟ 

من بمقدوره إقناعي؟ اقصد يمنحني الطمأنينة المفقودة! 

طبعا، قد يكون إسقاط السلطة سهل، رغم أن الرئيس بدا يوم الأحد وكأنه على استعداد لأن يقاتل إلى آخر قطرة دم وسيزج البلاد في قتال أهلي مرعب.. نتذكر أن طرد البدر من القصر الملكي استغرق ليلة واحدة فقط، لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟ 

ثورة 23 يوليو في مصر مثلا تمت بسلام ولم تسقط قطرة دم، تم تصديرها في حينه إلى اليمن وكان هذا أمرا جيدا بالنظر إلى السياق الذي تمت فيه وحجم التعقيدات، لكنها في اليمن استغرقت 8 سنوات من القتال الضاري والدماء والتناحر لا نزال ندفع ثمنها إلى الآن. لم يكن ثمة شيء اسمه قاعدة، وكان الجنوب لا يزال جنوبا، والزيدية زيدية، أما الآن فالوضع مرعب بحق وشديد التعقيد. 

أنا هنا في النهاية أتساءل أكثر مما أقرر حقائق. أي شخص يمتلك القدرة على التبشير بسيناريوهات أقل سوادا من هذه أنا سأكون غدا في ميدان التحرير.. مع العلم أن الاحتجاجات الجماهيرية مهمة وضرورية، لكن يجب أن يكون الهدف منها الضغط على النظام الحاكم ليقتنع بهندسة انتقال آمن للسلطة أقل كلفة.. لأنه وحده يملك ذلك حاليا. 

احترم من يختلف معي، كل شيء نسبي وغير مضمون، أنا ضد احتكار الحقيقة. المسألة تحتاج نقاش بصدق وليس مقامرة، والمحاكاة ليست أمرا معيبا على الدوام، لكن يجب الأخذ في الاعتبار ما نحن عليه وما هي عليه تونس. 

كان التونسيون ديمقراطيون يحكمهم ديكتاتور، أما نحن شعب لا ديمقراطي يحكمه نظام لا ديمقراطي. حتى لو تأخر ضبط الأمور بعد التغيير في تونس، لن يتخذ الصراع هناك طابعا طائفيا ولا عشائريا ولا عرقيا ولا جهويا. نحن في مأزق، بقاء السلطة على هذه الشاكلة كارثة وتغييرها قد يبدو سهلا في النهاية لكنه خيار مفتوح على احتمالات يقشعر لها البدن. 

بالعقل، مع أن اللاعقل هو الذي يفرض نفسه في أغلب الأحيان، جربوا إضافة أبطال المحاكاة الذين ذكرتهم مع العلل اليمنية التي لا تحصى، إلى التجربة التونسية، سنحصل على مركب مخيف بالنسبة لي على الأقل. 

طمأنينة، طمأنينة، طمأنينة، فطنت الآن أنها أكثر ما ينقص اليمنيين على الدوام! يخطر لي أحيانا بأن كسرة طمأنينة تكفي لانتشالنا من الوحل المميت للمنطق والعقلانية السخيفة والرهاب الشخصي حيال المستقبل. 

أم هل يجب أن يتمتع المرء بقدر من الجنون لكي يحظى بموطئ قدم في المستقل؟

الثلاثاء، 18 يناير 2011

صديقنا بن علي.. حكاية الجنرال المنبوذ!


محمد العلائي
alalaiy@yahoo.com


كان يخنق كل شيء، ويخنقه جيداً. وزين العابدين بن علي هو جنرال قبل أي شيء آخر، مخادع وغدار ومتآمر بارع. وعند الحديث عن أكثر الأنظمة العربية المرشحة للسقوط أولاً، لم يكن نظام بن علي ليخطر أبداً على بال الهواة الشغوفين بالتخمين.

لقد تمكن اليأس حتى من أشد خصومه عناداً وعزماً. لم يمتلك أحد منهم ترف التوقع بنهاية وشيكة للطاغية. خذوا مثلاً ما كتبه، سنة 2001، توفيق بن بريك، وهو صحفي تعرض للتعذيب والسجن بسبب انتقاده لنظام بن علي. ففي "مذكرات الواشي"، نقرأ فقرة تستحق نقلها حرفياً: "بن علي هنا (في السلطة) وسيبقى هنا، لأن الأمر متعلق بسلامته. لقد ذهب بعيدا، ولم يعد يستطيع التراجع، محكوم عليه أن يبقى رئيساً مدى الحياة. بن علي هنا وسيبقى هنا لأن أمامه طريقاً ممهدة، معارضة سخيفة مجزأة إلى مجموعات صغيرة لا جيش لها، ولا مشروع، زعماؤها هم شركاء سابقون، ومثقفون من نوعية غير جيدة".

ومساء الجمعة الماضية، بدا للعالم كم كانت هشاشة بن علي بالغة، وكم كانت غير ظاهرة للعيان.

على غرار نهايته، كانت بدايات "القائد" مرتبطة، نسبياً، بالحظ والقدر والنقلات الخاطفة. ففي غضون 4 سنوات فقط، تدرج زين العابدين بن علي من وزير معاون، فوزير للداخلية، ثم وزير للدولة، وأخيرا صار رئيسا للوزراء، قبل أن يقدم على الخطوة الأخيرة الحاسمة المتمثلة في عزل بورقيبة، بطل الاستقلال، بذريعة "الخرف".

في 2 نوفمبر 1987، أصدر الديكتاتور المريض، الحبيب بورقيبة، قرارا بتعيين الجنرال بن علي رئيسا للوزراء. لم تمض أكثر من 4 أيام حتى بدأت تراود بورقيبة شكوك جدية حيال رئيس حكومته الجديد. ولسوف يفضي الزعيم المتهالك لابنة أخيه سعيدة ساسي، المرأة التي نذرت نفسها لرعاية الأسد العجوز، والتي كان يطلق عليها التونسيون اسم "الضبعة"، يفضى إليها بما ينوي القيام به: إقالة بن علي وتعيين محمد الصياح رئيسا للوزراء.

إلى جانب "الضبعة"، كان وزير الإعلام حاضرا في تلك اللحظة ليقرأ الصحف لرئيس الدولة. لا أحد يعلم من أفشى السر للجنرال الطامح، بن علي، الذي اعتاد الاستماع لتوبيخ قاسٍ من مؤسس تونس الحديثة بورقيبة: "أنت لا تعرف من ذلك شيئا، أنت لست سوى رجل ثكنات". تقول بعض الروايات التاريخية أن بن علي كان أحد المقربين من "الضبعة".

لم يستغرق بن علي أكثر من ليلة ليعزل بورقيبة. أحضر 7 أطباء وأمرهم بتوقيع تقرير طبي عن أن الوضع الصحي والعقلي "لفخامة الرئيس بورقيبة" لم تعد تسمح له بالاستمرار في حكم البلاد. قطعت الاتصالات عن قصر قرطاج، واستيقظ بورقيبة في الصباح للاستماع إلى نشرة أخبار السادسة. فوجئ العجوز بالإعلان عن خطاب هام سيتم بثه على الأثير. يقال إنه التفت إلى ابنة أخيه قائلا بهدوء جم: "إن صديقك هو الذي قام بالانقلاب".

بوصول زين العابدين إلى الحكم، أسدلت تونس الستار على ثلاثة عقود من حكم "المجاهد الأكبر"، وهو اللقب الذي كان يرغب الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة أن يطلقه على نفسه لا سيما أثناء احتساءه عصير البرتقال في نهار رمضان.

فور استلامه مقاليد الحكم، أعطى بن علي إشارات انفتاح منقطعة النظير. أطلق وعوداً براقة ورأى فيه التونسيون مخلصاً عظيماً.

ولد زين العابدين بن علي في حمام سوسه عام 1936. لم يكمل "البكالوربا"، وهي مرحلة دراسية توازي الثانوية العامة في اليمن، لكنه كان ضمن 80 محظوظا التحقوا بدورة عسكرية من ستة أشهر في فرنسا، وفيما بعد التحق بالمدرسة العسكرية العليا للاستخبارات والأمن في بلتيمور في الولايات المتحدة الأمريكية لمدة 20 شهراً.

أخذ زين يطرح نفسه في أكثر من صورة، تنويعات تقتضيها المرحلة. فإذ شرع بملاطفة المعارضة، وإطلاق الإسلاميين من السجون، أشرف على صياغة "ميثاق وطني" توافقت عليه معظم الأطياف السياسية. كان يعد بديمقراطية تحدث قطيعة جذرية مع نظام بورقيبة. هتف التونسيون باسمه. بعد شهر أطلق سراح راشد الغنوشي الذي صرح للصحافة فور خروجه من السجن: "أثق بالله وببن علي".

راح بن علي يبدأ مداخلاته بالبسملة. وقال ذات مرة: "يتوجب على الدولة وحدها السهر على الإسلام وتألقه". لكن مستشارين للنظام في تلك الفترة قالوا للصحفيين: "إننا لا نعترف بذوي اللحى إلا لكي نكافحهم بشكل أفضل".

لاحقا، سوف يقوم الجنرال بإنشاء نظام بوليسي لا يقيم وزنا لأي شيء. ونقطة الارتكاز الأساسية ستكون: الاستفادة القصوى من مخاوف الغرب، ومجتمع الليبراليين واليساريين المحليين والعلمانيين، من خطر الإسلاميين.

حدثت الانعطافة الحادة بعيد اضطرابات الجزائر التي أعقبت فوز الإسلاميين في الانتخابات مطلع التسعينيات. التقى بن علي بشكل تكتيكي مع اليساريين على أرضية مشتركة: مكافحة الإسلاميين. وبعد بضع سنوات ذاق اليساريون مصيرا مشابها وإن أقل قسوة. والأرضية نفسها سوف تجمعه مع المعارضة العلمانية. بهذه الطريقة يعبر خميس الشماري عن القلق الذي كان ينتاب الأوساط التقدمية في تونس من الأصولية الإسلامية: "خوفا من الأصولية، كنا لنبتلع الأفاعي".

باختصار، لقد تكشفت الوعود "البنعلية" عن سراب خداع، منذ العام 1989 حينما أجريت الانتخابات تحت تأثير الآمال التي بعثها العهد الجديد في نفوس التونسيين. كانت مهزلة انتخابية بامتياز. تحرك حزب الرئيس في الولايات يحذر ويعد ويهدد. ومع ذلك أحرزت قوى المعارضة نتائج جيدة وفقا للنتائج الرسمية، 18% من مجموع الأصوات.

وفي نفس يوم الانتخابات التشريعية، تم انتخاب الرئيس ابن علي بنسبة 99.20%! يعلق مؤلفا كتاب "صديقنا بن علي" على النتيجة هكذا: إذن يوجد في تونس 0.80% من الجاحدين! طعنت حركة النهضة الإسلامية في نتائج الانتخابات. واستدعي راشد الغنوشي إلى وزارة الداخلية: "بيانك غير مسؤول، وقد غضب الرئيس جداً، ولن يتحمل غلطة ثانية".

لم يكن بن علي يمتلك عقيدة سياسية ما. ومنذ عام 1987 "أظهر بن علي بكل تأكيد حس مناورة لا يمكن إنكاره: الغريزة، الحيلة، الرياء، التصنع، كانت كلها أوراق اللعب التي استخدمها للاحتفاظ بالسلطة. لكنه عجز عن تحديد برنامج سياسي"، يقول مؤلفا كتاب "صديقنا بن علي".

كان زين العابدين بن علي عبقري البراغماتية الفجة بلا منازع. لقد جعل كل الأفكار والعقائد طوع إرادته، فهو اشتراكي وليبرالي، علماني متشدد لكنه إسلامي إذا لزم الأمر، يزور مكة ويرتاد المطاعم الرخيصة لليهود التونسيين في باريس. حتى أن سيرة حياته تحكي كيف أن الجنرال الجذاب افتتح عهده، في الرئاسة، برحلة عمرة تعلق خلالها بأستار الكعبة، وشاهده التونسيون وهو يذرف دموع الناسك.

وزين العابدين جزار. لمع نجمه من خلال ضربه بيد من حديد حركة احتجاجية عام 1978 قتل فيها 100 شخص وعشرات الجرحى، كان بن علي حينها قد تعين للتو قائدا للأمن الوطني ويعتبر اليوم الذي أطلق فيه النار على المحتجين بداية صعود الرجل. وفي 1984، تولى قمع ما سميت بانتفاضة الخبز.

لكن، ويا للمفارقة!، انطفأ نجمه من خلال إخفاق أجهزته البائس في إخماد حركة احتجاجية جبارة، تلك الحركة الجامحة التي أطلقت شرارتها الأولى اليد الناعمة لشرطية أرادت معاقبة محمد البوعزيزي، وهو جامعي كان قد فشل في الحصول على وظيفة، لأنه رفض إزالة طاولة لبيع الفواكه والخضار. لقد صفعته الشرطية فأحس بكرامته مجروحة، الأمر الذي دفعه للانتحار حرقا. لقد كان لهذه الحادثة مفعول الزلزال في ولاية سيدي بوزيد بأسرها، فخرجت في انتفاضة شعبية غاضبة لا تلوي على شيء.

وليست اليد الناعمة للشرطية هي اليد الوحيدة التي قوضت نظام بن علي، فهناك يد أخرى، إنما ناعمة أكثر وتخريبية أكثر وطويلة، ولم تكن هذه اليد سوى يد عشيقة الجنرال وزوجته، "الحلاقة" ليلى الطرابلسي، حاكمة قرطاج الجميلة إنما الجشعة جدا والعدوانية جدا والمتسلطة.

سجل بن علي في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان أسود فاحم مثل شعر الجنرال، وعابث عبثا يضعه في مستوى ديكتاتوريات اشتهرت في التاريخ المعاصر، مثل صدام حسين وسلوبودان مليسوفيتش وكاسترو وتشاوشيسكو. إعدامات موت تحت التعذيب، اعتداءات جنسية، حجز حريات، تلفيق تهم، ادوات تعذيب مبتكرة، واشتهرت منها: الفلقة، والأربوكة (صفع القفا براحة اليد)، والحمام (تعليق الضحية من قدميه مع ربط اليدين خلف الظهر، وتغطس عدة مرات في إناء مليء بالماء الوسخ)، والمشنقة الفلسطينية، وغيرها الكثير.

كان يحكم تونس بما يزيد على 130000 شرطي وعشرات الألوف من الخلايا الحزبية، و"لجان الأحياء" ومختلف بنى التنظيم الحزبي (أكثر من 7000 منظمة حكومية).

قضى زين العابدين على الحريات قضاء مبرما. أخرس النقاش العام، وقام بتعطيل المجتمع المدني والصحافة. لقد أحكم سيطرته على شعب يقارب العشرة ملايين نسمة وأحاله إلى سجن هائل. زاره المستشار الألماني الأسبق فيلي براندت للتوسط لصديق تونسي ينوي تأسيس حزب، لكن ديمقراطية بن علي التي تتيح له التنصت على المكالمات، أجابت على الوسيط هكذا: "لقد نعتني بالكلب في مكالمة مع صديقه، لن أتركه أبدا يعود للسياسة".

وبمقدور زين العابدين الظهور بمظهر ديمقراطي إذا أراد. وهو عسكري تلزمه ساعتين فقط لكي يبدل زيه العسكري إلى مدني. سأله رئيس الوزراء في أول أهم ترقية يحصل عليها بن علي: كم تحتاج من الوقت لتبديل زيك العسكري إلى مدني. بعد ساعتين عاد وقد ارتدى بدلة فاخرة ليتم إعلانه قائدا للأمن الوطني.

إنه، فوق هذا وذاك، المثال الحقيقي "للضحالة المفجعة لسوقي آتٍ من إحدى المديريات الفرعية"، بتعبير جيل بيرو في مقدمته لكتاب "صديقنا الجنرال زين العابدين بن علي، وجه المعجزة التونسية الحقيقي"، الكتاب المليء بالحقائق والإثارة والتشويق الذي ألفه الصحفيان الفرنسيان نيكولا بو وجان بيير توكوا.

وفي مقارنته بين الملك الراحل الحسن الثاني، ملك المغرب، وبين زين العابدين بن علي، يقول جيل بيرو: "كان للحسن رأس، وليس لزين العابدين بن علي سوى يدين". في إشارة إلى تميز الملك بالذكاء بينما لا يتميز زين العابدين سوى "بردود فعله المتعجلة التي يكتسبها المرء في الثكنات".

وزين العابدين علماني لا يهادن. وهو أخذ على عاتقة اجتثاث "مجانين الله" من تونس، حتى أن زوجته ليلى الطرابلسي قالت ذات يوم إن صوت الأذان يزعجها.

وهو صديق الصحافة. ولقد أتلف يوما جميع نسخ مجلة "لو نوفيل افريك آزي" لأنها نشرت له صورة تظهر شعر رأسه "وقد وخطه الشيب". ذلك أن الجنرال السبعيني لا يمكن له إلا أن يكون ذا شعر أسود داكن على الدوام ومتناسق.

وزين العابدين، الآن، ملك شريد بلا بلاط ولا حرس رئاسي، كأي ملك مخلوع (كان يسميه التونسيون "ملك البوب"، بعدما أقام حفلاً كبيراً لملك البوب الحقيقي مايكل جاكسون عام 1997). في نهاية المطاف، وجد نفسه غير مرحب به من أصدقائه الغربيين.

هل فكر يوما في هذا المآل الدرامي والحزين؟ لا أحد يعرف. إلا أن كتاب "صديقنا الجنرال بن علي" يسرد نكتة كان يرويها التونسيون المكبوتون. تقول النكتة: وجد بن علي يوما قمقما وفركه فخرج المارد وقال له: "شكرا لأنك حررتني من القمقم، ماذا تريد لقاء ذلك؟"، فيجيبه بن علي: "أريد طريقا كبيرة من الرخام تمتد من تونس إلى بيونس آيرس حيث يعيش صديقي الرئيس كارلوس منعم (رئيس الأرجنتين الأسبق)، وحيث أحب أن أقضي فترة التقاعد". فأجابه الجني: "من الصعب جداً تحقيق هذا المطلب، اطلب مني شيئا آخر". فيقترح عندئذ بن علي: "هل تستطيع تهدئة المحيطين بي الساخطين بشكل متزايد والذين يخلقون لي المتاعب؟". فيطلب الجني آسفا من الرئيس التونسي أن يجد فكرة أخرى أكثر سهولة. فيقول بن علي: "يجب على الصحفيين الأجانب أن يكتبوا عن أن تونس بلاد للديمقراطية". صمتٌ طويل، ثم يهمس الجني: "هذا مستحيل فعلاً، في نهاية الأمر أظن أننا سنبني الطريق الطويلة إلى الأرجنتين، بكم مسرب تريدها؟".
يبدو أن المارد شق الطريق بالفعل، لكن ليس إلى بيونس آيرس، ولم يكن طريقاً رخامياً.

الاثنين، 17 يناير 2011

لسنا على استعداد لأن نكون بلهاء

محمد العلائي 

2/9/2008 


نادي ضباط الشرطة ليس المكان الملائم لحسم مصير الأمة، هذا مؤكد. ودار الرئاسة لا يصلح منطلقاً لإطفاء حرائق البلد، وهذا بديهي. من الآن فصاعداً، لا يملك أحد حق التحدث باسم الجميع، وبلسان الكافة. على الكل أن يصمت، وهذا غير مكلف وفوائده مضمونة. 
على اللقاء المشترك أن يكف عن الكلام (وأحياناً عليه أن يكف عن الصمت في نفس الوقت!). والرئيس أيضاً، لماذا لا يصمت هو الآخر؟ لقد سئمنا ثرثرة لا طائل منها. ليس اللقاء المشترك حزب العمال البريطاني، ولا الرئيس إبراهام لنكولن. الشعب غافل ومُقال من فرصة تقرير ما يريد وما لا يريد، ما هو ضروري وما هو عبثي. إنه يغط في نومٍ عميق يقاوم أحلام الرعب. 
لا يصح أن نضع، في نادي ضباط الشرطة، التصاميم النهائية (المغشوشة) لقواعد اللعبة الديمقراطية. أصه لا أحد يسمع. الاثنين قبل الفائت، سدد المؤتمر لكمة جامدة على أنف اللقاء المشترك. كانت القبضة ضخمة تليق بحزب عملاق مهووس بتسديد اللكمات. كانت اللكمة فظيعة تليق بتحالف يعيش حالة وجدانية شخصية جداً، ورومانسية جداً، وعميقة جداً. 
البلد بعيد عن الكل. غير أن الرئيس يرى خلاف ذلك. 
يوم الثلاثاء، قال الرجل إن «الشارع بعيد عن المعارضة، بل أبعد من عين الشمس». والحق أن ما قاله عين الصواب. لكن ما هو بعيد من المشترك هو أكثر بعداً من الرئيس. وكما أن «الشارع» ليس في متناول المعارضة، فالمنطق يقول إنه ليس في متناول الرئيس أيضاً. وبعبارة أخرى: الشارع بعيد من الرئيس، بعيد من المعارضة، قريب من نفسه، قريب من الانفجار في وجه الكل. هل هناك معادلة أكثر وضوحاً من هذه؟ لطالما ردّدنا أننا يئسنا من الرئيس، ومن حزبه. لكننا الآن بتنا نردد أننا يائسين من المشترك أيضاً وأخيراً. 
إننا في النقطة الحرجة. مع ذلك، لا يبدو أن اللقاء المشترك يمكن أن يمثل مخرج طوارئ آمن (وهل هو مخرج أصلاً؟!).
لماذا يساعدنا المشترك على التنصل عنه؟ الديمقراطية مرادف الشفافية والوضوح والعلن. غير أن قيادة اللقاء المشترك تمارس نوعاً غير ذكي من التعتيم هي في غنى عنه. لا يحق لها إخفاء الحقائق. وإن فعلت فليس ذنبنا إن دمغنا تصرفاتها وحواراتها بالريبة والشك. المفارقة أن المؤتمر أصبح أكثر وضوحاً. وليس هذا عن قصد منه ورغبة، بل لأنه كلما زاد وزنه زادت الشروخ واتسعت المسامات التي تسمح بتسرب هذه المعلومة أو تلك. 
لسنا على استعداد أن نكون بلهاء إزاء ما يحصل. لابد أن نفسر كل شيء ونخضعه للشرح.. والشك كذلك. لا نملك من السذاجة ما يجعلنا نعتقد أن الغموض، الذي يكتنف أداء المشترك يلعب لصالحنا، أبداً. يجب أن نعرف كل شيء أولاً بأول. لا يوجد شيء يدعو للكتمان وصون الأسرار. الحشمة ليست هنا. ما الذي تخشى عليه قيادة المشترك حينما تتصرف على هذا النحو الكتوم؟ 
وعلى فكرة، حتى لو حققت مكاسب معينة وعلمنا عن طريق التسريب (وهو الامتياز الذي يمنح لقلة من الصحفيين المحظوظين) فإن ذلك سيكون مستفزاً ومدعاة للشك. 
البلد على آخر رمق. وبيانات السجال المصاغة بعناية لا تعني شيئاً. وهي، على أية حال، تحف أدبية بليغة وشاعرية. إلا أن عيبها الوحيد أنها إنشائية، رص كلام مرتفع النبرة من أولها إلى آخرها. هجاء وعويل العاجز، هذا كل ما في الأمر. لا تحمل معلومة، ولا تبين موقفاً جريئاً يرضي حماسة الجماهير. 
عندما تتسع الهوة بين ما هو معلن وما هو مسكوت عنه من المواقف، فإن اللاثقة واللايقين هما سيدا الموقف. لا يمكن ممارسة السياسة في نادي ضباط الشرطة، مثلما لا يمكن إطفاء حرائق البلد من دار الرئاسة. الأول مرفق رياضي ترفيهي لرجال البوليس، وهم ضد السياسة من الأساس، والثاني مركز إنتاج وتعليب حرائق معتبرة وشهيرة. 
ومن غير العادل أن يتحول هذان المكانان إلى مساحة لممارسة شعائر إنقاذ البلد.. ولقائل أن يقول: وما هو المطلوب؟ 
لم نعد نعرف ما هو المطلوب على وجه التحديد. مع ذلك نحن نعرف تماماً أن مشاركة المعارضة في الانتخابات القادمة، وفقاً للمعطيات القائمة، لا يفعل أكثر من مساعدتنا على فقدان الثقة (وقد بدأنا بالفعل) في المعارضة، وفي الديمقراطية، وفي أي شيء آخر.

الثلاثاء، 4 يناير 2011

هذا البلد لن يحظى بديكتاتور!


محمد العلائي

alalaiy@yahoo.com

ماذا لو حظينا بديكتاتور؟ أشعر بالأسى حقا. إذ لا يملك علي عبدالله صالح رفاهية أن يصبح ديكتاتورا بين ليلة وضحاها، ديكتاتور مثلما ينبغي للديكتاتور أن يكون عليه. هذا حلم بعيد المنال، بالنسبة للرئيس صالح كما بالنسبة لليمنيين. كان بوسع الرجل أن يكون كذلك في تسعينات القرن المنصرم. كانت الموارد لا تزال واعدة والتحديات أخف وطأة.

لكن ليس الآن. السبب بسيط: قدرة الدولة، بشقيها المدني والعسكري، باتت عمليا على درجة من الضعف بحيث يستحيل معها النظر إلى علي عبدالله صالح كديكتاتور للمستقبل. ناهيك عن الأسباب الأخرى، تلك التي لها علاقة بالنظام الاجتماعي المعقد ونمط الاقتصاد والتاريخ السياسي لليمن.

لا يظنن أحد بأنني أمزح. فعند مطالعتي للتصنيفات التي يشرحها تشارلز تيللي مؤلف كتاب "الديمقراطية" تبين لي أنه من المتعذر إدراج اليمن تحت أي من نماذج أنظمة الحكم التالية: غير الديمقراطي ذو القدرة العالية للدولة (كازاخستكان، إيران)، الديمقراطي ذو القدرة العالية للدولة (النرويج، اليابان)، الديمقراطي ذو القدرة الضعيفة للدولة (جامايكا، بلجيكا).

أفكر أن اليمن قد يصبح (لا أدري متى) أقرب إلى النموذج الرابع منه إلى أي شيء آخر: "غير الديمقراطي ذي القدرة الضعيفة"، جنبا إلى جنب مع الصومال والكونغو وكينشاسا. يتميز هذا النموذج، وفقا لـتشارلز تيللي، بأمراء حرب، وتكتلات إثنية، وتعبئة للقوى الدينية، وصراعات عنيفة متكررة، بما فيها الحروب الأهلية، عناصر سياسية متعددة، بما فيها مجرمون ينشرون قوى التدمير والموت.

لكن ماذا لو توخينا الدقة؟ لقد كتبت الفقرات السابقة على سبيل التعميم والجزم. وهذا خاطئ. فالأمور في اليمن أكثر تعقيدا مما تبدو عليه. وتعلمت من المفكر اللامع تيري انجلتون أن أي خطأ معرفي في تشخيص طبيعة نظام الحكم، قد يتسبب في حدوث آثار محرجة على الممارسات السياسية.

على سبيل المثال، اعتادت الطبقة السياسية في اليمن على الإشارة إلى نظام علي عبدالله صالح بمفاهيم سائدة من قبيل: ديمقراطي، ديكتاتور، شمولي، عسكري. وهذه مفاهيم خداعة وحمالة أوجه. ففي بلد آخر كان يمكن حسبان الفراغ الفوضوي الكبير الذي يتركه عجز وانكماش الدولة، مؤشرا ديمقراطيا. فالدولة في الديمقراطيات الليبرالية، تتسم عادة بمحدودية سلطاتها، كي لا أقول، على غرار فرانسيس فوكوياما، أنها تتسم "بالضعف". على النقيض منها تقع الأنظمة الشمولية التي تفرط في الارتكاز على القوة لتحجيم مجال الحريات الفردية.

لكن من السخف بمكان اعتبار العجز الذي تبدو عليه الدولة اليمنية، في ما يتعلق بالقيام بوظائفها البسيطة وفرض سلطاتها، سمة ديمقراطية ليبرالية. ذلك أن الضعف غير الواعي في اداءات الدول لا يرفعها إلى مصاف الديمقراطيات الليبرالية، بل يهوي بها إلى قاع الدول الفاشلة.

في الحقيقة ليس النظام في اليمن ديكتاتوريا، ولن يكون، ولا هو ديمقراطي ولا عسكري خالص ولا شمولي. إنه مزيج من هذا كله. وبالتالي، حتى لو خاض المؤتمر الانتخابات منفردا، وحتى لو تم التصويت على تعديلات دستورية تعطي الحق للرئيس صالح بالترشح بقية حياته، لا يعني أنه قد يصبح ديكتاتورا ناجزا، بقدر ما يعني (إلى جانب التآكل المحتم لشرعية حكمه بالطبع): الارتخاء الحاد والهدام لسلطته، استشراء المزيد من الحريات غير المنظمة، الحريات الغريزية المسلحة، تنامي الاستياء الاجتماعي بالتزامن مع غياب قوى سياسية من شأنها تحويل الاستياء إلى معارضة سياسية وطنية، انشقاقات بنيوية تطال معظم مكونات البلد، ثم الحرب الشاملة، الجميع ضد الجميع.

على أنني أميل إلى قراءة القياسات التي تقدمها مراكز البحوث بشأن الديمقراطية في اليمن بطريقة عكسية. مثلا، بقليل من التأمل في المؤشرات السنوية التي يقوم بإعدادها "بيت الحرية" يمكن ملاحظة كيف أن اليمن تأرجحت خلال العقد الأول من الألفية بين الحرية الجزئية واللاحرية الكاملة.

ففي الأعوام 2002 و 2003 و 2004 و 2010 تم تعبئة خريطة اليمن باللون الأزرق الذي يرمز إلى انعدام الحرية التام "NOT FREE"، لكن من العام 2005 إلى 2009 اكتست خارطة اليمن لدى "بيت الحرية" باللون الأصفر الذي يعني "PARTLY FREE"، أو حرية جزئية، وهو مستوى متقدم بالنسبة إلى دولة شرق أوسطية.

وفريدم هاوس Freedom House "بيت الحرية"، هي منظمة دولية غير حكومية مقرها واشنطن أنشأتها عام 1941، زوجة الرئيس الأمريكي الراحل روزفلت، السيدة ألينور روزفلت. والمنظمة متخصصة بإجراء بحوث وتقييمات مستمرة حول الديمقراطية، والحرية السياسية وحقوق الإنسان.

عندما ينتهي "بيت الحرية" في تقييمه لحالة بلد ما، إلى خلاصة مفادها أن الحريات منعدمة، فهو بلا شك يشير إلى أن قبضة الدولة متغلغلة أكثر من اللازم، وصلبة لدرجة الإجهاز شبه الكلي على الحريات المدنية والحقوق. لكني فيما يتصل باليمن، أحب الاعتقاد دائما بأن اللاحرية الكاملة، تعني الانفلات الكامل، الضعف الكامل لقدرة الدولة، المزيد من الحريات الفوضوية والتمردات وأعمال العنف.

في جميع الأحوال، لا مكان للطمأنينة. لا يمكن للبيت اليمني أن يكون بيتا للاحرية الكاملة ولا للحرية الكاملة. ليس لأن أحدا لا يريد بل لأن لا أحد باستطاعته أن يريد. ثم إن البيت اليمني من الهشاشة بحيث لا يمكن للحرية الكاملة أن تقطنه دون أن تحيله إلى رماد.

في يوم ما، قريب أو بعيد، قد يحظى اليمنيون بحرية، حرية لا حدود لها، لكنها حرية، ويا لتعاسة الحظ، بلا مأوى، بلا بيت، حرية براري لأناس بدائيين يهيمون على وجوههم والدماء تقطر.

من سخرية القدر أنه لا يمكن لهذا البلد أن يحظى بديكتاتور يوما، لكي يستمر بلدا على الأقل.

الأكثر مشاهدة