الثلاثاء، 28 ديسمبر 2010

لا يمكن للحياة أن تكون أقسى

محمد العلائي
alalaiy@yahoo.com 


أعترف أنني أكتب الآن لكي أبرهن فقط لنفسي أنني لست امرأً عديم النفع وفاشلاً. عندما أشعر بنفسي منسياً أكثر، تتملكني الرغبة في قول شيء ما. لكن سرعان ما أتذكر أن ما أريد قوله قد قلته بطريقة أو بأخرى لأحدهم عبر شبكة الانترنت، أو في مقيل ما، أو أنني ناقشته في مقال سابق، أو قاله ما لا يحصى من الناس بما لا يحصى من الأشكال والكلمات. 

في أوقات كثيرة تصبح الكتابة نشاطاً مفتعلاً يحول بين الإنسان وبين أن يغدو "نفاية اجتماعية" لا يؤبه له. وهي طريقة أخرى لمقاومة الشعور بـ"تهديدات العجز"، بحسب الروائي البوليفي يوسا، الحاصل على نوبل 2010، ذلك الشعور الموهن جدا الذي يتفق انه يعتري الكاتب في لحظة معينة من لحظات حياته. 

الرغبة الدائمة في قول شيء! إنها آفة البشرية لكي لا أعتقد أنها آفتي الشخصية فحسب. 

"ففي عالم من المخاطر غير المتوازية، المجهولية أمر بالغ الخطورة"، هكذا قال اريك شميدت رئيس شركة غوغل قبل بضعة أشهر. لهذا لا شيء يهزمني أكثر من المجهولية هذه التي أشار إليها شميدت. على الدوام، أرغب (الجميع يرغب) في فعل ما يمنحني الإحساس بالوجود، الوجود اللائق. أكره العزلة والصمت والنسيان وليل القرية، نباح الكلاب والغناء الكئيب للجداجد، أكره النعيق الذي يشرخ سكون الليالي الظلماء، أكره الظهيرة الميتة في حيد علي احسين، ذلك المنحدر المشرف على هاوية سحيقة، المليء بالأشباح، إنه الشاهد الأمين على براعة أمي في تسلق الجبال. 

الآن عثرت على ما يمكنني الكتابة عنه: القرية وقسوة الطبيعة التي لا تقهر، المكان الذي زرته في العيد الماضي حيث كانت أمي تنتظرني بفارغ الصبر على التلة المجاورة للبيت. لقد كنت مدفوعا بالذكريات والحنين والواجب. 

كنت خوفينال اوربينيو في رواية جارثيا ماركيز "الحب في زمن الكوليرا". خوفينال الطالب العائد من باريس وليس عوليس في الأوديسة، المحارب العائد إلى مسقط رأسه إيثاكا. تذكرت عودة خوفينال من باريس بشعر مفروق من وسطه و"سيطرة كافية لإخفاء عقدة الحنجرة التي لم يكن سببها الحزن، وإنما الرعب". كانت أمه وشقيقتاه وصديق قديم ينتظرونه، فوجدهم "شاحبين وبلا مستقل". إنه يشاهد أمه الآن وهي تذوي على نار هادئة وتعبق من ملابسها روائح الكافور. 

الأم التي لا تلبث أن تدرك اضطراب ابنها؛ تسارع إلى سؤاله وكأنها تدافع عن نفسها: لماذا هو عائد بهذه البشرة الشفافة كالبارفان؟ "إنها الحياة يا أماه. فالمرء يتحول أخضر في باريس"، يرد خوفينال. كل شيء بدا لخوفينال أضأل مما كان عليه عند ذهابه، وبدا أشد فقرا وكآبة. جرذان ومزابل وقصور بالية على وشك الانهيار. "حينئذ فقط أدرك إلى أي حد كان ضحية سهلة لأحابيل الحنين الخادعة، رأى نفسه مهزوما، فأدار وجهه كي لا تراه أمه، وأطلق لبكائه الصامت العنان". 

لا أجد طريقة أفضل من هذا للتعبير عن لحظة رهيبة تركت ثقبا في الذاكرة والروح، وحزناً لا يموت. كنت أعرف أن ثمة عذاباً وأن ثمة بؤساً وحرماناً، إلا أنني سمحت لنفسي بأن تنقاد لألاعيب الحنين، وربما لأنني رحت أنظر إلى الأمور بالوعي الانثروبولوجي للصحفي الذي أظن أنني أصبحت. ناهيك عن أن العام 2010 كان عاما خصبا في معظم الأرياف اليمنية، بعد سنوات من القحط والجفاف. لهذا السبب تخيلت أن الأشياء ستبدو أقل سوءا. 

لكن لا شيء أقل سوءا. المواشي فقط ترعى في المضارب، والنساء ينجبن الكثير من الأطفال، والفتيان صاروا رجالا بآباط كثة ولحى وحبال صوتية مرتخية بأكثر مما يحتاجون إليه، وتساقط شعر ومني وياقات معروقة، وحكايات مريرة من جيزان والخميس وصامطة ومعسكر الأمن المركزي ومقوات الزعبلي. 

الزمن في القرية بطيء لكنه متلاف، غول قاهر. إنه ينخر بلا هوادة: الأجساد والحيوات وكذلك الأحلام. الأشياء تبدو اصغر أو أكبر مما كانت عليه، أجساد تتشكل كيفما اتفق ثم تضمحل وتموت كيفما اتفق أيضا. وعلى عكس صديقي محمود ياسين، الكاتب الكبير، لا أتذكر أنني عشقت يوما الظهيرة ولا العطش ولا الشموس. 

تقترح الحياة هناك مصائر قاسية و"غوط" في كل مكان وآلام. مصائر تفتقر لروح الخفة لدرجة يتعذر معها تحويلها إلى نصوص أو مقالات مدهشة. ضفع وبراغيث وروائح عطنة وأوساخ. مرض جلدي يفتك بكلب عجوز لطالما عهدته ذليلا وأحمق. لا أعرف كم يزن ذلك الكلب، لكنه ضخم بقوائم مرتفعة وعيون حزينة. إنه ينام كثيرا ويحدق، يحدق بلا توقف وينسى أنه كلب! وفي مواسم السفاد تجيء إليه أجمل الكلبات البرية وعن طيب خاطر. 

عرفته منذ جراوته. كان كلب العائلة الكبير، لكنه لا يمتلك شجرة نسب، بحيث أستطيع الكتابة عنه على طريقة جاك لندن، مؤلف الرواية العظيمة "نداء البداءة"، فأقول مثلا إن هذا الكلب ذا الشعر الضارب للحمرة، يتحدر من سلالة الاسكيمو أو مليموت أو خليج هدسون أو من فصيلة السان برنار. نحن نحتفظ بأنساب البشر، الشكر لله، لكن الكلاب تتمتع بفردانية مطلقة. 

ذباب في القرية: سوداء وخضراء ومذهبة. وتسمع حكاية دجاجة فقدت بصرها فجأة وكيف أنها لا تزال تطلق قوقأة مخنوقة وتبيض! بقرة حزينة ملدوغة في درتها وهي تحتضر الآن، قد تنجو. امرأة سقطت من علو شاهق وماتت لكن الناس يعتقدون أنها مخطوفة في مملكة الجن، وأنها تصادف الناس في الطرقات ليلا. 

رجلان متقدمان في السن ومن كبار ملاك الأراضي يقتسمان حجرة مستطيلة واحدة، احدهما أقعده الجذام، والآخر قتل الشلل نصف جسده، وكان أحدهما في ما مضى لا يطيق الآخر. امرأة كانت جبارة في ما مضى ولم يتبق منها سوى صوتها المجلجل بعد أن فقدت السيطرة على مثانتها. 

وأميل إلى التشكيك في حكاية عن فتاة مبتورة الرجل يقال إنها لا تزال تستعمل كزوجة وتنجب أطفالا بكفاءة مصنع ذخائر. لكني سمعت رجل مفتون بقبر متوف حديثا، قبر أؤكد لكم أنه قبر، قبر قال إنه متسق أنيق وخال من الصخور، ولا بد أنه كان يحلم بقبر كهذا عندما توافيه المنية. 

لا يحدث كل هذا في قريتي بالضبط، لكن لا يبدو مستبعدا أن أمورا كهذه تحدث في قرية ما. 

هناك، الألم ألم، والجهل جهل، والريف ريف، وأفواه هتماء لشيوخ يطلقون قهقهات عظيمة. تحمل الحياة هناك طابع بهائمياً ويحمل الناس بدورهم طابعا بهائميا. رغم أنني مقتنع أن الكتابة عن بهائمية الريف على هذا النحو بهائمية مضاعفة. 

لا يمكن لدنيا الله أن تكون أقسى من هذا، إنها لقاسية. وحتى لو جازفت بوضع نفسي موضع السخرية، سأجرؤ على الجزم بأن البؤس أقل في روايات أمريكا اللاتينية التي تدور أحداثها في القرن التاسع عشر، وكذلك الخرافات. حتى الحياة في الكثير من كلاسيكيات الأدب الروسي عن أرياف روسيا القرن التاسع عشر، لا تتشابه إلا في مستوى بسيط للغاية مع أنماط العيش والتفكير والشقاء والجهالة في الريف اليمني الآن. ففي روايات غوغول وتشيخوف مثلا نستطيع العثور على عربات تجرها الأحصنة، وسهوب خضراء، وموسيقى وبارات وأنهار، وملاك أراض كبار وصالات قمار، ومسرح وكتب وحفلات راقصة ومرافق حكومية. 

ليس في الأمر مبالغة من أي نوع. ولا يبدو أنني كتبت ما لم يكتب. كل ما هنالك أنني وصفت ما يفترض أنه معلوم لمعظم الحضريين المتحدرين من الأرياف، مع تفاوت في درجات البؤس والبداءة. 

على أنني لا أعرف حتى هذه اللحظة ما الذي كنت أرمي إليه من خلال سردي لما هي عليه الحياة في القرية. البؤس؟ هذه من أكثر الكلمات تداولا في الصحافة اليمنية والنقاشات العامة. الدولة إذن؟ لا أظن، فهذا استنتاج لا يقل بؤسا. ففي قريتي الصغيرة مدرسة من ثلاثة فصول تم تشييدها قبل بضع سنوات. وتقريبا كل القرى الصغيرة المجاورة باتت تمتلك مدارسها الخاصة، وهي مبان جيدة جدا، والحق يقال، تستعمل للمناسبات الاجتماعية ويتفق أن ينسى الأهالي فيها المتافل والمتاكي والأسلاك الكهربائية والبطانيات. 

لا أزعم أنني كنت انوي من البداية الخروج بخلاصات ذكية عن غياب الدولة، والتعبير عن استيائي من العزوف التام للطبقة السياسية عن كل ما هو ضروري، الطبقة السياسية التي تصوغ خطابها السياسي وبرامجها وأولوياتها طبقا لاحتياجات الحضريين وأنصاف الحضريين. 

صحيح بودي لو أولينا مسائل مثل التوزيع السكاني (130 ألف تجمع سكاني)، والتخطيط الحضري، السياسة التعليمية، الاندماج الاجتماعي، اهتماما أكبر. وأشدد هنا على فوضى التذرر السكاني التاريخية، هذه المعضلة الجوهرية التي تساهم في صناعة الفجوة الهائلة على صعيد الخدمات وأساليب الحياة والتعليم والعزلة الاجتماعية. 

لا يشكو الناس في بعض الأرياف من غياب الدولة ولا من حضورها. ولقد وجدت تفسيرا جيدا في تلك العلاقة، التي ناقشها جمال حمدان، وقبله مونتسكيو وماتويتزي، بين الظروف الجغرافية والملامح الاجتماعية والسياسية. وكيف يجد الحكم المطلق والطغيان مكانه الملائم في البيئة الفيضية المعتمدة على الأنهار في الري والزراعة مثل مصر والعراق وفارس، بينما تتقلص إمكانية نشوء نظام حكم مطلق في البيئات المطرية مثل اليمن. 

في البيئة المطرية، يقول جمال حمدان، تكون الزراعة عرضة لذبذبات المناخ، وفلاحها تحت رحمته. ثم إن المطر لا يحتاج إلى تخطيط، هذا يعني أن الطبيعة هنا هي سيدة الفلاح، والفلاح بالتالي سيد نفسه، الأمر الذي يعطي الفلاح فرصة للفردية بدرجة أو بأخرى، بحسب حمدان. 

لكن لا ينطبق بالضرورة على المجتمعات الريفية في اليمن ما ينطبق على "المجتمعات البدائية"، الهمج والآباش البريين مثلا، التي تناولها عالم الإناسة الفرنسي بيار كلاستر، تلك المجتمعات المضادة للدولة "ليس نتيجة عجز أو تأخر تاريخي بقدر ما هو نتيجة قرار واع اتخذه المجتمع من أجل منعها من الظهور". 

من وجهة نظر كلاستر، فالمجتمعات البدائية هي كل ما هو صغير ومحدود ومختصَر، وهي مجتمعات الانقسام المتواصل، مجتمعات تقع في جهة المتعدّد؛ في حين تقع مجتمعات الدّولة في الجهة المعاكسة تماما، أي جهة النّموّ والاندماج، جهة التوحّد. 

بالتأكيد، غالبية الريف اليمني يتألف من وحدات اجتماعية متناثرة على مساحات جغرافية مترامية الإطراف، وهذه الوحدات تنتج قوانينها الخاصة وتقوم ذاتيا بتنظيم مصالحها وحمايتها، لكنها تاريخيا تتمتع بقابلية حقيقية لتواجد دولة، وسجل هذه المجتمعات يحتوي على بروفات ونماذج أولية تثير الإعجاب. باختصار، ليست هذه المجتمعات ضد الدولة تماما نتيجة اختيار ثقافي واعٍ، غير أنها أقل اكتراثا بالدولة عندما لا تجيء. 

عدت إلى صنعاء أغذ الخطى، (أكره الصمت والنسيان، وليل القرية الموحش، والظهيرة الميتة، وأكره أغذ الخطى). 

عدت إلى صنعاء. وفي الواقع كان يجب أن أعود على الفور. ذلك أن المقال راح يأخذ منحى تخصصي لا طائل منه، وربما لا يسعني الخوض في الجزء التخصصي أكثر دون أن أبدو رجلا غبيا يقاوم إحساسه بالمجهولية، بالجهالة غير الهيابة.

*صحيفة اليمن، 28-12-2010

الجمعة، 24 ديسمبر 2010

أعترف أنني شمالي


محمد العلائي، أبريل 2009

أعترف أنني شمالي. وهذا الانتماء عنصر ثانوي جدا، وطارئ جدا، وليس له وزن في هويتي المؤلفة لشخصيتي، الهوية التي تجعل من أحدنا غير متماثل مع أي شخص آخر. لكنه، وياللمفارقة، أحد الانتماءات التي لم أشارك في اختيارها عندما وجدت يوما على هذا الكوكب، مثل أشياء كثيرة تلتصق بالمرء لحظة ولادته دون استئذان، أشياء من قبيل النوع، اللون، العائلة، مكان الولادة. (وبوسعي أن أضيف العشيرة والطائفة الدينية أحيانا).

لذا يبدو لي، على الدوام، أن التباهي بمثل هذه الهويات، غير المكتسبة، سخيف، بقدر سخافة التنصل عنها. بكلمات أخرى: إذا كان يتعين على المرء عدم الانسلاخ عن الانتماءات التي تشكل هويته، فعليه كذلك تجنب اعتبارها مصدر فخر وتعالٍ أو مصدر خزي وعار. مثلا أستطيع الافتخار بكوني صحفي من طبقة اجتماعية فقيرة، أكثر من قدرتي على الافتخار بكوني شاب من قرية جبلية في حجة تزعم عائلته بأنها تتحدر من قبيلة حاشد.

لا أعرف معنى أن يكون المرء شماليا أو جنوبيا على حد سواء. ولقد نجحت في تحويل كلمة "دحباشي" إلى مجرد دعابة مع درجة من المكر والتخابث. تقريبا، لا أعلم ما إن كان الجنوبي مختلفاً بالفعل، وبماذا هو مختلف حقا؟ لن أجيب على هذا السؤال، وربما لا أستطيع. ثم إنني تذكرت أني لا أنوي هنا تقديم بحث في السيسيولوجيا، قدر محاولتي مخاطبة الجنوبيين ألا يكرهوا الشماليين بسبب أنهم أصبحوا شماليين ذات يوم. شخصيا، أحب الاعتقاد أن الفوارق، بيني وبين أي جنوبي، فوارق ضئيلة، وأنها ذات صبغة ثقافية غالبا، أمور تتعلق بنمط المعيشة وعادات التفكير. وربما شيء من خصوصية طفيفة وخبرة اجتماعية وسياسية، ترتبت على خضوع الجنوب للاستعمار أولا، ثم للإيديولوجية الماركسية لاحقا.

من شبه المؤكد أن اليمن لم يشهد، عبر التاريخ، صراع هويات بالمعنى الصارخ للعبارة. تلك الصراعات الطويلة الأمد، التي تندلع عادة لبلورة رموز وأفكار ومفاهيم جوهرية معقدة، حول تحديد إدراك المرء لنفسه وجماعته والعالم من حوله. كل الحروب القديمة في اليمن، دارت على أسس بدائية إجمالا، للسيطرة على الأرض وبسط النفوذ وكسر هيبة الآخر، ليس أكثر وليس أقل. تاريخيا، ربما وجد من يتلفع بهذه الهوية أو تلك، لتسوية حسابات سياسة محضة.
...
على أنني، ولسبب يصعب تحديده، ما يزال تأثير الحديث عن الانفصال في نفسي ذا طابع شخصي غالبا. أشعر وكأنني منبوذ بسبب من أنا، ذلك الإحساس الغريب بالوهن والقطيعة والحزن، عندما يدرك المرء إلى أي حد هو غير مرغوب فيه، لأنه فقط أبصر النور في مكان قريب من المكان الذي نشأ فيه علي عبدالله صالح. إحساس يجعلني أنسى لبرهة حديث المظلومية والخصوصية الجنوبية والشراكة المفقودة.

لست اللواء مهدي مقولة بالطبع. وانفراط الوحدة لن يمثل موتا لمصالح 19 عاما. بالكاد أعرف عدن، وتحلقنا حول الراديو على سطح بيتنا في القرية أثناء حرب 94 بمعية قريبنا مبارك الذي نزح وعائلته من صنعاء هربا من الصواريخ، هو المشهد الوحيد الذي علق بذاكرتي الصغيرة، ذاكرتي أنا الذي ولدت قبل العام الذي تمت فيه الوحدة بـ7 سنوات.

مناهضة الظلم قيمة عالية الشأن، لكن الوحدة والصداقة قيمتان عظيمتان أيضا. كان جان مارك، وهو أحد الشخصيات المركزية في رواية "الهوية" لميلان كونديرا، يحب أن يقول لنفسه: بين الحقيقة والصديق أختار الصديق دائما. ذات يوم أخذ مارك يشرح لعشيقته كيف أن الصداقة كانت في نظره هي البرهان على وجود شي أقوى من الإيديولوجية ومن الدين ومن الأمة، مستشهدا بقصة الأصدقاء الأربعة في رواية الكسندر دوماس الشهيرة: "الفرسان الثلاثة"، الذين تقاطعت مصائرهم بين معسكرين متعارضين غالبا، ووجدوا أنفسهم مرغمين على أن يقاتلوا بعضهم بعضا، وكيف أن ذلك لم يعكر صفو صداقتهم. ولم يتوقفوا قط عن مساعدة بعضهم سرا، بدهاء، ساخرين من حقيقة معسكر كل منهم. "لقد وضعوا الصداقة، فوق الحقيقة، فوق القضية، فوق أوامر الرؤساء، فوق الملك، وفوق الملكة، وفوق كل شيء" بتعبير كونديرا على لسان جان مارك.

لدي أصدقاء كثر من الجنوب. ولطالما ظلت الوحدة في نظري شيئا يتخطى السياسة. إنها نموذج واسع للالتقاء الإنساني الخلاق، شكل أكبر للصداقة والألفة والمصير المشترك. أعترف أنني لا أحب هذا الأسلوب الوعظي الممل والساذج. ذلك أنني واقع في شراك ما بعد الحداثة، إذ تغريني فكرة موت الخطابات المهيمنة والغنائية المبتذلة، وفكرة حق كل الجماعات في التحدث عن نفسها كأمر حقيقي ومشروع، وفرص العيش خارج النظريات الكلية والحتميات التاريخية.

غير أن صمت عوض كشميم وباسم الشعبي، على سبيل المثال، عند الحديث عن الانفصال يصيبني بألم في المعدة. لا أدري لماذا، ربما لأن الوحدة بالنسبة لي أصبحت تعني شيئا بعد أن عرفتهم، وبعد أن أحببت رجالاً كباراً على غرار فيصل بن شملان، وياسين سعيد نعمان، وعبدالناصر باحبيب، وبافضل، ومقبل، وعشقت أنغام عمالقة مثل أبو بكر سالم بالفقيه، وفيصل علوي، ومحمد بن أحمد قاسم، ومحمد سعد عبدالله.

الشيء الغريب، أنني أكره كلمة "الانفصال" كرهي لسياسات علي عبدالله صالح الخرقاء. نريد أن نبقى معا رغم كل الصعوبات. ليس خوفا على شيء، ولا طمعا وتهافتا وراء شيء، لكن غريزيا، ولأسباب لم أجد لها تفسيراً منطقياً حتى الآن، لا أزال أجد أن الوحدة تمتلك قدرة فائقة على إغوائي. صحيح أنا أؤمن بالفردانية، وأنبذ الولاءات العشائرية الحمقاء، وأتمنى أن أغمض عيني يوما وافتحها فأجد التراتبية الاجتماعية وتفاوت الفرص قد تلاشت من عالمي إلى الأبد. لكنني، مهما يكن، لا أجد الانفصال خيارا محببا، إنه أحد أكثر الأشياء التي تكدرني وتصيبني بالإحباط.

يقول باراك أوباما، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، في كتابه جرأة الأمل :"إذا كنا نحن الأمريكيين فردانيين في الصميم، فقد ارتبطت فردانيتنا على الدوام بمجموعة من القيم الجماعية. نحن نقدر قيمة المجتمع والجيرة، نقدر قيمة المشاعر الوطنية والتزامات وواجبات المواطنية، والإحساس بالواجب والتضحية في سبيل الأمة. نحن نقدر الإيمان بشيء أكبر من أنفسنا. نحن نقدر قيمة مجموعة السلوكيات التي تعبر عن احترامنا المتبادل تجاه بعضنا بعضا: الصدق الأمانة، العدل والنزاهة، والدماثة واللباقة، والتواضع واللطف، والتراحم والإحسان".
...
ولقائل أن يقول: اعطنا وطنا كأمريكا نعطيك حسا وطنيا مرهفا. والحق أنها ملاحظة ذكية وبالغة الدقة، لكنها لن تكون كذلك، حينما نعرف أن ابراهام لينكولن، الرئيس الـ14 للولايات المتحدة، حين أكد على مثل هذه القيم في خطبه، التي وصفت بأنها لا تفقد بريقها مع التكرار- في وقت كانت العبودية في ولايات، كفرجينيا وكارولينا، مرتبطة عضويا بتدين المسيحيين البيض في الجنوب- كان يواجه بمزيج من السخرية والازدراء وعدم التصديق.

حارب لينكولن ببسالة في سبيل التخلص من الرق والحفاظ على الاتحاد. بدأت الحرب الأهلية الأمريكية في 12 أبريل 1861 عندما هاجمت فرقة جنوبية موقع فورت سمتر العسكري في تشارلستون، واستمرت الحرب 4 سنوات كاملة. كسب لينكولن الحرب التي انتهت باستسلام الجيش الجنوبي بقيادة روبرت لي للقوات الشمالية..

عُرفت الحرب الأهلية باسمي الحرب بين الولايات وحرب الانفصال أيضًا. وانقسمت أمريكا حينها إلى قسمين. ففي حين كانت الولايات الجنوبية المعروفة بالجنوب، أو الكونفدرالية، تحارب لأجل المحافظة على استرقاق السود، وعلى نمط الحياة الزراعية، فقد عارضت الولايات الشمالية، المعروفة باسم الشمال أو الاتحاد، نظام الرق في الجنوب وسعت للمحافظة على اتحاد الولايات كافة داخل الولايات المتحدة الكبيرة. أزهقت هذه الحرب 620 ألف شخص، من بينهم 360 ألفًا من الشمال و260 ألفًا من الجنوب. وقد مات أكثر من نصف هؤلاء نتيجة الإصابة بالأمراض. وكلفت الحرب الأمريكيين ثمنًا باهظًا في الممتلكات والمزارع والصناعة والتجارة، وهلك الكثيرون من المدنيين من رجال ونساء وأطفال. (تصفية آثار الحرب، وإعادة الوحدة الكاملة لجميع الولايات المتحدة، احتاجتا عملاً وجهداً مضنيا، ضمن عملية عرفت بـ إعادة التأسيس).

خلفت تلك الحرب مرارة كبيرة. وشكلت لدى الجنوبيين الأمريكيين إدراكا خاصا للتاريخ والمأساة، وعززت شعور المرء بهشاشة الحياة، على حد وصف الصحفي الأمريكي جون ميشام. حتى إن الصحفي كريستوفر ديكي، هو الآخر، لاحظ، أثناء زيارته للجنوب الأمريكي في أغسطس 2008، أن الحرب الأهلية، بعد مضي أكثر من 150 عاما، كانت ما تزال تتربص، بطريقة ما، في ظلال ناطحات السحاب، ذات الواجهات المصنوعة من المرايا، وشرح ديكي كيف أن الناس هناك "لم ينسوا الماضي ولم يغفروا له، بل وضعوه جانبا ومضوا قدما في حياتهم وأعمالهم".

تعافى الأمريكيون من إرث الحرب الأهلية. وشيئا فشيئا أزاحوا عن كاهلهم عبء التمييز العنصري المقيت، وتمكنت حركة الحقوق المدنية، في الخمسينات والستينات، من إرساء مبادئ العدل والمواطنة والمساواة، دون أن تضطر إلى المساس بالاتحاد الفيدرالي الأسطوري، المؤلف من مزيج غير متجانس من الأقليات.
...
على الدوام للحروب عواقب مأساوية. وما من شك، فمعارك صيف 94 تركت جرحا في الذاكرة الجنوبية، غائر صحيح، لكن إمكانية أن يندمل لم تضمحل بعد، مع التسليم بأنها تزداد صعوبة مع مرور الوقت. بالتأكيد، كنا وما نزال، بحاجة إلى قائد بنصف تواضع وحكمة ودهاء لينكولن. "التواضع نفسه الذي أتاح له، حالما انقطع الحوار بين الشمال والجنوب، وأصبحت الحرب أمرا حتميا يتعذر تجنبه، مقاومة إغراء أبلسة الآباء والأبناء الذين قاتلوا في المعسكر الآخر، أو التقليل من فضائع الحرب، مهما بلغت عدالتها وضروراتها"، بحسب أوباما.
لا شيء أسوأ ولا أخطر من "السماح للتاريخ بإدارة حياتنا". ثمة طريقة دائما لتخطي شروخ الزمن، طريقة ترتكز على الشعور بالتضامن الوطني، ولا تنطوي بالضرورة على شعارات كالانفصال وتقرير المصير، والجهر بالتمايز العرقي والمذهبي. إلى جانب ما هو بديهي، هناك أيضا تشابه غير مدرك يجمعني بالجنوبيين. مثلا أحببت الأب في حيدر العطاس، وهو يحتضن ويقبل أحفاده في برنامج زيارة خاصة. لقد تذكرت جدي الذي أحبني كما لم يفعل أحد. وفي انتخابات 2006، وجدت نفسي متحمسا لمرشح الرئاسة فيصل بن شملان بجنون مستميت. وراودني شعور لذيذ بالتفاؤل، عندما تيقنت أن بن شملان حصد فوزا كبيرا في مركزي الانتخابي.

أعترف أن الجنوبيين جماعة جريحة. وأن تمثيلهم في السلطة غير عادل تماما. وأتفهم مشاعر السخط والارتياب السائدة في ربوع الجنوب. وبوسعي أن أتخيل إلى أي مدى ترعب العدنيين، ذوي المزاج المعتدل والأعصاب الباردة كقطعة ثلج، فكرة بقاء الوحدة مع قبيلة مثل بني ضبيان، أو حرف سفيان والعصيمات، وقيفة ومراد وادهم، حيث ما يزال في صفوف هذه القبائل المحاربة من يتسابق على وصف نفسه بـ"شراب الدم". لكن كيف يمكن ألا ننزلق من التعاطف إلى المحاباة، على حد تعبير أمين معلوف في "الهويات القاتلة". وكيف أنه يجب الموازنة بين التأثر لآلام الذين ذاقوا صلف التمييز والاضطهاد ورهاب الآخر، وبين عدم التسامح مع إفراطهم في كبريائهم الوطني والتمركز الشوفيني حول الذات، والأنانية، واحتقار الآخر، والشعور بالفوقية ونقاء العرق.

سأكتفي بإلقاء اللوم على نظام الرئيس صالح. إلا أنني لست على يقين ما إن كانت لهجة باعوم ستساعدني على الاحتفاظ بانحيازي لصالح الجنوبيين، أو على الأقل، الوقوف على الحياد. صحيح تصرفات الرئيس هي الأكثر خطرا على الوحدة، لكن بالمقابل نبرة باعوم العدوانية تجعل شعوري بالذنب إزاء الجنوب يستنفد زخمه وتلقائيته. وفي المحصلة، كلا الرجلان يثيران فيَّ القرف والاشمئزاز واليأس.
 لا أريد أن أبدو كواعظ عجوز لأقول إنه علينا الانخراط في حلم مشترك، يضع نصب عينيه أمرين متلازمين: الأول، التحلي بالصبر ريثما تمتلك الأدوات الديمقراطية السلمية القدرة الكافية للإطاحة بنظام الرئيس صالح، دون تكرار دورات العنف، التي لن تفعل سوى مراكمة مزيد من الصدوع الاجتماعية والأحقاد التاريخية، وانبعاث قاتل للانتماءات العتيقة. الثاني، ادخار ما تبقى من الوحدة ليغدو في صلب الصيغة التي سيكون شأنها إدارة حياتنا مستقبلا، بحيث تستحيل معها الهويات الصغيرة إلى مصدر ثراء وتنوع وقوة.

الأربعاء، 1 ديسمبر 2010

ما ينبغي لليمن أن تستفيده من نجاح خليجي 20

السياسة قبل وبعد البطولة كانت حاضرة بقوة ومعها التاريخ سواء داخل الغرف المغلقة أو على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة 

اليمن: 
ترك خليجي 20 بصمته على أمور كثيرة. لقد كان أكثر من مجرد حدث رياضي اعتيادي.

على سبيل المثال، فالمشهد السياسي اليمني أصبح يختلف بعد خليجي 20 عنه قبل خليجي 20. ثم إن نظرة خاطفة فقط على عناوين الصحف قد تساعدنا في معرفة كيف أن اليمن أخذ يسجل حضورا مختلفا في الإعلام الخارجي وفي أذهان العالم بعد هذا الحدث الكبير. ناهيك عن أن المزاج العام في الداخل يبدو الآن اقل حدة واعتلالا عما كان عليه قبل 22 نوفمبر الفائت.

ولا بد أن تقييمات مراكز البحوث العالمية لليمن كدولة، ستغدو أقل تشاؤما وقتامة من الآن فصاعدا.

هذا ليس استنتاجا ساذجا أو سابقا لأوانه، بقدر ما هو امتثال طبيعي لمنطق الأشياء بالنسبة لبلد بلغ به القنوط مبلغا عظيما. بلد كان قد بدأ يواظب على الحضور في وسائل الإعلام جنبا إلى جنب مع أفغانستان والعراق والصومال. وكان الأكثر تفاؤلا من المحللين والمهتمين بالشأن اليمني يبذلون جهدا مضنيا في سبيل الحصول على أسباب معقولة من شأنها إبقاء اليمن في خانات أقل سوداوية.

حتى إن السفير الأمريكي السابق لم يجد ما يجادل به، في مقال كتبه قبل شهر تقريبا، لإثبات أن اليمن لم تصبح دولة فاشلة بعد، سوى مؤشرات بسيطة من قبيل أن الأطفال لا يزالون يذهبون إلى المدارس كل صباح، وسيارات الأجرة تجوب الشوارع والمحلات مشرعة أبوابها.

يجدر بنا أن نتذكر الأشهر التي سبقت البطولة، عندما راهن الكثير من المراقبين، وبدأب منقطع النظير، على عدم أهلية اليمن لاستضافة حدث رياضي يضم ممالك النفط والعراق. وكانت الحوادث الأمنية اليومية تدعم ما يذهبون إليه، إلى اللحظات الأخيرة قبل انطلاق البطولة.

كانت الخيارات المطروحة تتراوح بين التأجيل والنقل والإلغاء. ولم تكن تتوقف الشائعات إلا لتبدأ من جديد. ومع كل حادثة تفجير أو أعمال عنف يخرج المراهنون ليذكروا الناس بعدم أهلية اليمن لاستضافة خليجي 20. وأثيرت سجالات وخلافات لا حصر لها بين ممثلي الدول المشاركة في البطولة. وتأرجحت مواقفهم بين تأييد اليمن في استضافة الفعالية وبين المعارضة، ولكل طرف أسبابه.

والسياسة، على أية حال، لم تكن بمنأى عن كل ما يجري، سواء داخل الغرف المغلقة أو على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة. كانت حاضرة بقوة ومعها التاريخ.

كان موعد البطولة يقترب فيزداد خفقان قلوب المسؤلين في الحكومة اليمنية. وكانت الثقة التي يظهرونها لوسائل الإعلام تخفي مزيجا من الخوف والشك. كانوا مثل تلاميذ شعروا أنهم قاموا بما عليهم لكن المعلم لم يقل كلمته بعد. اللجان الخليجية تروح وتجيء، فحص وتدقيق وأسئلة. تسجل العلامات وتمضي.

كانت العلامات جيدة فيما يخص المنشئات الرياضية والفنادق، لكن بقي أمر واحد يصعب التنبؤ به سلفا أو قياسه: الجانب الأمني. دفعت السلطات اليمنية بحوالي 30 ألف جندي لتأمين البطولة، وطمأنت الأشقاء أنها تتخذ تدابير أمنية استثنائية. ورغم ذلك بقي الأمل يراود المراهنون على الفشل، وبقي شيء من الخوف يعتمل في نفوس الخليجيين.

في الداخل، كانت المعارضة أكثر ميلا للتشاؤم والتشكيك. وراحت الصحف الحزبية تطارد الهفوات والأخطاء، وتتتبع بلا كلل الحوادث والمواقف بخليط من الشماتة والتشهير وأحيانا اللامبالاة. كانت تريد أن تقول باختصار: اليمن ليست جاهزة لحدث كهذا. من ناحية لأن المؤشرات بالفعل كانت تؤكد وجهات نظرهم، ومن ناحية لأنها كانت تخشى ولا تزال، من أن يحسب أي نجاح للسلطة التي ربما ستقوم بتوظيفه سياسيا فيما بعد.

في الأسبوع الذي سبق تدشين البطولة، أصدر التجمع اليمني للإصلاح بيانا رحب فيه بضيوف اليمن، ودعا أنصاره للمساهمة في إنجاح الفعالية. قبل ذلك، كان فرع الإصلاح في عدن قد أصدر بيانا يحمل مضمونا مشابها. كان هذا الموقف مفاجئا للبعض، وطبيعيا لآخرين. لكن اللقاء المشترك، والإصلاح يقف على رأس هذا التحالف، لم يصدر أي موقف موحد لأسباب غير معروفة.

بعد هذا الموقف، تغير أداء وسائل إعلام الإصلاح أو المقربة منه جذريا. ومن شبه المؤكد أن الرئيس علي عبدالله صالح كان يشير إلى الإصلاح بالذات، في كلمته التي ألقها بمناسبة 30 نوفمبر، حينما قال: "كما احيي كثير من القوى السياسية في المعارضة التي تعاونت مع جميع أبناء شعبنا ومع أجهزته الأمنية وقدمت لوحة جميلة ولم تقاطع أو تحرض أو تخرب كما كان مطلوب منها، بل قدمت هي الأخرى لوحة جميلة إلى جانب أمن واستقرار الوطن وأظهرت عدن العاصمة الاقتصادية والتجارية بمظهر حضاري".

وإذ اتخذ حزب رابطة أبناء اليمن "رأي" موقفا مشابها لموقف الإصلاح، فقد لاذت بقية أحزاب المعارضة بالصمت. والصمت حيال حدث كهذا هو موقف سلبي جدا بكل المعايير.

ومع ذلك، فقواعد الأحزاب التي فضلت الصمت، وحتى القيادات، تفاعلت بصدق مع أحداث البطولة، وتحمست للمنتخب الوطني، وأصيبت بخيبة أمل حينما خسر. وفي قرارة نفسها كانت فخورة بالانجاز، وإن حالت السياسة دون ظهور هذه المشاعر إلى العلن، سياسة النخب، العميقون والحانقون، الذين وصل بهم الحنق حدا لا يستطيعون معه التمييزـ أو لا يريدون معه التمييزـ بين السلطة والدولة. لكن، والحق يقال، حتى السلطة كانت تتصرف بطريقة تساعد على استشراء نزعة اللا تمييز هذه.

على أن السؤال المطروح الآن هو: إلى أي مدى سيؤثر نجاح خليجي عشرين على سير الحوار الوطني؟ لا يزال اللقاء المشترك يخشى أن تأخذ الحزب الحاكم نشوة خليجي عشرين فيذهب إلى الانتخابات منفردا. والمعارضة تراقب عن كثب تصرفات المؤتمر مؤخرا.

وإذا كان التكهن بالطريقة التي يفكر بها المؤتمر حاليا يتسم بالصعوبة، فإن ما من شك أن بطولة خليجي عشرين قد عززت موقعه التفاوضي وصار خيار الذهاب للانتخابات أقل خطرا مما كان يبدو عليه. هذا إذا أردا المؤتمر التفكير بروح براجماتية بسيطة وآنية وضيقة الأفق، لأن خليجي عشرين لم ينهي التحديات والمشكلات شديدة التعقيد المحدقة باليمن، بل غير نسبيا ومؤقتا من إحساسنا بها وإحساس العالم، وخلق مناخا ملائما لولادة انفراج سياسي ومصالحة وطنية.

الأرجح أن اليمنيون يفضلون أن يساهم نجاح خليجي عشرين في وضع حد للاحتقانات والأزمات، وأن يكون دافعا جيدا للتوافق السياسي الذي من شأنه نقل اليمن إلى مستويات أفضل. لكن على المعارضة أن تكون أقل تصلبا وأكثر واقعية. إذ لا يمكن أن تحدث التحولات دفعة واحدة.

في الواقع، يكتسب نجاح البطولة رمزية خاصة من كون عدن هي التي احتضنتها، إضافة إلى أبين. والأخيرة كانت مسرحا لمواجهات شرسة بين قوات الأمن اليمنية وخلايا تنظيم القاعدة، وقبل ذلك شهدت اضطرابات كان للحراك الجنوبي دور في ازدهارها. ولقد قوبل قرار بناء ملعب في أبين بمواصفات أوربية لإقامة نصف مباريات خليجي عشرين، قوبل بالاستغراب والسخرية أحيانا. غير أن المباريات في أبين مضت بسلام مثلما هو الحال في عدن بالطبع. وبدا ملعب الوحدة في أبين أكثر ضخامة وجمالا، وشهد حضورا جماهيريا نادرا.

في المحصلة، أحرزت اليمن نجاحا مشهودا، وكانت عدن بحق مدينة البدايات الجديدة لليمنيين.

هذا مكسب وطني نفيس لا ينبغي التفريط فيه. يجب أن تستفيد منه اليمن في المدى البعيد على صعيد ترسيخ الوحدة الوطنية والاندماج الاجتماعي والتوافق السياسي. رفرفت الأعلام الوطنية وتردد اسم اليمن على الألسن وانتعشت آمال الشعب اليمني بعد سنوات من اليأس والفزع والضياع.

الأكثر مشاهدة