الثلاثاء، 29 يناير 2008

عن فوضى الأحذية التي نعيش


هناك دائما، في منطقة الكتابة، يربض ما يكفي من الاشمئزاز والتأمل. إذ، ما انفك البعض يعتقد أن الكتابة ، في الواقع، مجرد فعل تمرد خالص. وآخرون احتسبوها قيء لذيذ، فيما الأكثر شيوعا وجموحا تلفيقها كما لو كانت شطائر عجين نيئة، مازالت.
نحن والحق يقال، بلغة تالفة نكتب، ممصوصة، ومرمية هناك كحطام حيوان نافق، كما ومنهوش للغاية.
انه لا أتعس من لغة الصحافة خاصتنا، شرائح كلامية لزجة ليس إلا، متشذرة ونمازجها بقرف، لترقيع معطياتنا الخبرية" استنكر.. وأضاف.. وشدد.. ودعا... إلى كثير".
كم هي سهلة الكتابة إذا كانت هي هذه. كل من يسعه حفظ هذه اللازمات البالية، كصندوق جدتي، هو الصحافي وهو الذي سيروي معطياته وأفكاره بمكنة ودربة.. سحقاً إذا.
أيضا، أدباء ذائعو الصيت، يكتبون جملا صلعاء، قديمة، وبثياب آتية من أزمنة ما قبل الفقاريات. كأن_ وهم في صدد رسم مآلات فلسطين_ يلدون قولا كهذا:" أما فلسطين الأسيرة...". كلام كنا صغارا نتهاتف به. أو اعتساف توظيف لغة فلكلورية " شوارعية" بين أمشاج نص حداثي" أو يبنى على انه كذلك"، سحقاً أذا.
في أي حال، بناءات كتابية ممسوسة بزبالة الماضي، متخثرة مثلما برك الأتراك، المازالت على جماجم القلاع الأثرية نائمة، متقصفة أيضاً.. وشعثاء.
بالمستخدم من القول نصوغ حياتنا. هكذا بلا ولا أدنى احتراس، فقط، نرتق هذه بتلك، ذات الملفوظات نعيد تصفيفها بقليل جهد مثلا:" نبكي فلسطين الأسيرة" قالها شاعر في عجز البيت وآخر يجرها من ذيلها إلى شطر " خراباته"، فيقول:" أما فلسطين الأسيرة..."، سحقاً إذا.
مسكين أنت، على الدوام، أنت الذي تظن انه عليك استيجاد الجملة العذرية، ونقفها من جداريات الخواء المتلِف.. ثم يقال لك:" لا نع كثيرا أو كل ما تقول".
إذا، عصي على الفهم أنت، وتكتب . تكتب ما يوهمك أنه يخبئ معان جسيمة، يوهمك آن إلياذة هوميروس لا توازي ولا تفصيلة واحدة مما هو مخبأ فيما صغت.
يلزمك برودة ابو تمام، كيما تفر من جائحة الغباء الطام هذه.
أبو تمام الذي كان يستغلق نصه على مستمعيه فيصرخون:
-" لماذا لا تقول ما يفهم"
-" وانتم لماذا لا تفهمون ما يقال"... باسترخاء كان يرد.
جيء له بأوانٍ، ليسقهم من " ماء الملام" فقال لهم أعطوني ريشة من" جناح الذل". كانوا يستهجنون قفزاته العذرية: "فما أخلاقك الخضر الربى بأباعد"، وكان هو زمانئذ حداثيا بارعاً.
يغويني "سارتر"، وأوخذ. إذ اقرأ له:" إن قدرات التحرير التي تنطوي عليها الكتابة لا تتوقف على الالتزام السياسي للكاتب الذي لا يعدو أن يكون إنسانا بين البشر، كما أنها لا تتوقف على المحتوى المذهبي لعمله، وإنما على ما يقوم به من خلخلة اللغة". تماما، هي هذه: خلخلة اللغة، الانفلات من كيس التراثية قدر ما ينبغي، من لفظيات ليكت حتى صارت أكثر رثاثة من أن تستساغ.
ليس من احد، بظني، إلا وقد استبسط فكرة أن يكون شاعرا أو صحافيا أو كاتبا، إذ يعتقد انه لا يفصله عن ذلك سوى أن يرفع القلم لا أكثر.
كائنات لا تقرأ، تكتب فحسب. إننا، مهما يكن، نعيش الفوضى الأشد فداحة. ينتعلون أي شيء حتى الفراشات. يطاولون بأقلامهم، التي كمحاريث، كل شيء حتى الأدب.. سحقاً إذا.
أهي فوضى الأحذية التي تحدثت عنها الكورية" هيدارايك":
"فراشة يا فراشة
انزلي ثانية إلى الأرض السوداء
فأنا أريد أن أنتعلك
سأنتعلك
في فوضى الأحذية هذه".

ملحق الثقافية، 2006

ليست هناك تعليقات:

الأكثر مشاهدة