ليست حاشد اليوم من الهشاشة بحيث يسهل الفتك بها نهائياً(أقله سياسياً، إذ ليس هناك خطر وجودي يتهددها).
لكن الراجح أنها لم تعد مرهوبة الجانب، كما كانت في أزمنة ما بعد الثورة، على وجه الدقة.
في ستينيات القرن الماضي, كان الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر يحسم مصائر جمهوريات الثورة من مقره في قلب حاشد بالذات.
ففي منتصف تلك الحقبة، وتحديداً 1/5/1965، حين كان الشيخ وحلفاؤه يحضرون لمؤتمر خمر الشهير المناوئ للسلال، هبطت طائرة في مدينة خمر، (التي تحولت من مكان قاحل إلى موئل للمعارضة المؤلفة من مشايخ ومراكز قوى محافظة آنذاك).
كانت الطائرة تقل مشايخ في طريقهم للمشاركة في المؤتمر. وعلاوة على ذلك كانت تخبئ شيئاً آخر، إضافياً: عروس للشيخ عبدالله، بحسب رواية سنان أبو لحوم في مذكراته. لقد كانت حاشد يومذاك في أوج سطوتها.
لكن الأمر كان مختلفاً تماماً السبت الفائت. فعندما دعينا، نحن الصحفيين، لحضور حفل إشهار الشيخ صادق زعيماً لقبيلة حاشد، بدا الأمر مشوقاً. على الأقل بالنسبة لي، أنا الذي يقال إن لي جذوراً حاشدية. ولسوف تكون الرحلة مناسبة لاكتشاف الطينة التي صنع منها أسلافي.
لا يوجد في البروتوكول القبلي الدارج حفل إشهار -بالمعنى الحرفي للكلمة- بيد أنه كان يجب على الأشقاء (الأحمر) أن يمتثلوا لبروتوكول أشد صرامة: إنه قانون الزمن على الأرجح. ففي ظل مشهد سياسي معقد وحساس، وغياب طري للرمز, وتغول معادلات اجتماعية طارئة، تغدو فكرة الاستكانة للصمت بمثابة الموافقة على كونك غير موجود بتاتاً.
صباح السبت اتجهنا باكراً صوب بيت الشيخ في الحصبة. فقد حدد المنسق الإعلامي الساعة السابعة موعداً للقاء.
كانت الساعة الـ7:10 حينما دلفنا، الواحد تلو الآخر إلى صالون الاستقبال، الذي هو عبارة عن ردهة أنيقة إنما متوسطة الاتساع. تبدو في الجدار المواجه للمدخل صورة مستطيلة للشيخ الراحل. على يمين الصورة شجرة منحوتة من القرميد الأخضر، على غصونها أسلاف آل الأحمر (جذرها يبدأ من علي بن قاسم الأحمر). بينما على يسار الصورة تقع شجرة نسب حاشد وفي طرف ساقها من أسفل اسم قحطان، (الجد الذي تتقاسمه أغلب القبائل اليمنية).
***
بعيد لحظة وجيزة، أمضيتها في تأمل النقشين وارتشاف القهوة، دخل الشيخ صادق: "صبحكم الله بالخير"، حيانا بصوت يشي بالاحتفاء، وأخذ يصافحنا.
"كيف حالكم يا رجال"، قال قبل أن يتجه إلى المربع المخصص له في الشق المقابل من الصالون.
ساعتها كان الشيخ جبران مجاهد أبو شوارب يجول في أرجاء المكان. ومعلوم أن مجاهد أبو شوارب كان شخصاً قوياً. فلطالما شكل، الشيخ عبدالله وهو، تكتلاً ضارباً.
ولئن بدا جبران خلال الفترة الماضية، أقرب للرئيس منه للشيخ عبدالله وأنجاله، فإن هذا لن يبدل من كون التقاليد القبلية ترجح في نهاية الأمر أواصر الدم على ما عداها.
صحيح أن أمارات اللامبالاة كانت تكسو ملامح الشيخ جبران في ذلك الصباح البهيج (بالنسبة للشيخ صادق)، لكنه قال في كلمته لاحقاً وبحماسة شديدة: "سنكون عونك ودعمك ما حييت (أي صادق) كما كان آباؤنا وأجدادنا مع آبائك وأجدادك، فسر بنا إلى كل ما يرضي الله ورسوله كما سار آباؤنا من قبلنا، وإن شاء الله سوف تجدنا أصحاب قوة وبأس شديد".
تناولنا الإفطار على عجل، ولأن الشيخ حميد وصل متأخراً فقد اكتفى ببضع لقيمات تناولهن واقفاً من نفس طبق شقيقه الأكبر ووارث عرش حاشد (العرش اللامرئي).
تأهب الموكب للانطلاق إلى خمر. كانت الساعة قد بدأت الركض على الـ8، إنما ببطء أكثر هذه المرة. لقد انتابتني مشاعر عديدة ومتفاوتة. أكثرها صخباً: التفكير إنه ليس من شيم الصحفي الجيد السير في موكب شيخ دون أن يكون دقيق الملاحظة.. وشفاف.
كان الشيء الذي يلح علي مراراً: ما هي الطريقة التي يجب أن أرى بها حاشد التي يقال أنني منتم لها (لم يتسن لي إثبات هذا الانتماء).
***
تحرك الموكب، وتحركت معه رغبتي في مشاكسة حاشد.
تستغرق المسافة التي تفصل خمر عن صنعاء، من الزمن 1:30 تقريباً، بيد أن موكب الشيخ صادق الأحمر استغرق 4 ساعات. لكأنها ترميز غير مباشر عن طول المسافة الزمنية التي يتوجب أن يقطعها من ينوي غزو حاشد في قلبها (أياً كانت هوية هذا الغازي، شخص، أو نظام، أو أفكار، أو ثقافة تحول).
لا تحمل حاشد ذهنية ماضوية مطلقة، غير أنها تتعاطى مع الجديد بحذر بالغ. كان الشيخ صادق يستقل سيارة مغايرة لبقية الموكب: مرسيدس بنز (دبل) من طراز حديث. وإذ كان الرجل الذي عليه أن يتمايز بطريقة ما، عن أشقائه اعتباراً من اليوم، يجلس في المقعد الأمامي، كان الشيخ جبران مجاهد في المقعد الخلفي على متن السيارة نفسها.
عندما وصلنا منطقة بني ميمون الواقعة بين عمران وصنعاء، كان عشرات من القبائل يصطفون بمحاذاة الخط. ترجل الشيخ وألقى عليهم التحية القبلية: "كيف كلٌ وحاله". صافحهم، والتحقوا بالموكب.
كذلك الحال عند مدخل مدينة عمران اصطف العشرات، وفي وادي حمدة أيضاً. لقد كان يكتفي بإلقاء التحية والاستماع إلى كلمات الترحيب ثم يدعوهم للحاق به إلى خمر.
ففي وادي حمدة اخترق الشيخ الدائرة التي شكلتها جموع القبائل.
"كيف حالكم يا رجال؟"، هتف فيهم.
"الله يسلمك" -ردت الجموع بصوت واحد.
وحين طلب منه متحدث باسم الكل "معالجة مشاكلهم"، قال لهم الشيخ صادق بنبرة هادئة: "إن شاء الله نلتقي في خمر ونتدارس كل الأمور".
لأول وهلة يجد المرء أن الشيخ صادق يحذو حذو أبيه، إلا أن الظروف ليست مواتية كلياً لإعادة تمثيل الأدوار ذاتها، بالطرق والأدوات ذاتها.
ما يسترعي الانتباه حقا، في أول الأمر، هو أن الحاشديين يقدمون أنفسهم للغرباء دون تحفظ. فعلى الرغم أن هيئات بعضهم تنم عن بؤس شديد الوطأة، إلا أن الشخص منهم لا يجد حرجاً في أن يطلب منك التقاط صورة، لكن بعد أن ينبهك: "راعي لوما اشتبح" (أي استعد).
المؤكد أنهم أناس نقيي السرائر وخالين من العقد، ذلك أن البؤس ليس خياراً لأيٍ منهم.
على مشارف خمر اكتمل الموكب الممتد إلى وادي حمدة (على أطراف هذا الوادي تقع القرية التي يتحدر منها الرئيس إبراهيم الحمدي).
كانت مساحة مدرسة السلام تغص بالجموع الذين أطلقوا لحناجرهم العنان كي تردد الترحيب.
بعد لحظات سمعنا إطلاقاً كثيفاً للأعيرة النارية. النيران من لوازم القوة عند القبائل، وهي أيضاً من لوازم الفرح.
مبنى المدرسة التي أقيم فيها الحفل، هدية من دولة الكويت. وعلى مقربة منها منزل الشيخ عبدالله الذي بني –طبقاً لنقش على واجهته- عام 94، وفي الوسط مسجد.
بين كل حين وآخر (يلكزك) شخص من القبائل، لاسيما صغار السن، ويطلب منك التقاط صورة فقط. لا بد أنهم شغوفون جداً بالتصوير ولا يبدو أن هناك ما يمكن أن يحمرون له خجلاً (يكفي أن تصور أحدهم كي تخطب وده).
وعلي أية حال، فقد بدأ الحفل، ولئلا تفوتنا فقراته، فقد توجب علينا تسلق سور المدرسة كي نصل إلى المنصة.
حينها كان المعلق الاستهلالي يجهش بالبكاء حين أخذ يتحدث بطريقة مأتمية عن فقدان الشيخ عبدالله.
عندما صعد الشيخ صادق لإلقاء كلمته كانت القبائل كلها آذان صاغية.
تحدث صادق بطبقة صوت حزينة: "أيها الرجال الأوفياء الصامدون عند الشدائد والمحن... نلتقي اليوم بعد رحيل والد الجميع وشيخ الجميع الوالد الكبير الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وإنه لموقف يهتز له الكيان، ويتقطع فيه قلبي أسى وحسرة"، ثم دخل في نوبة من البكاء.
بعد هنيهة استأنف الكلام: "... إن حاشد كما وقفت مع الشيخ عبدالله ومع شقيقه اللواء مجاهد أبو شوارب فإنها ولا شك ستقف وقفة الوفاء والإخلاص اللذين عهدت بهما".
العبارة التي تستلفت النظر هي ما يلي: "إن لقاء اليوم يأتي بعد رحيل رموز حاشد الشيخ عبدالله والوالد مجاهد أبو شوارب". إنها تأكيد على حتمية الرمز ومحوريته في حاشد. الرمز الذي يريد الشيخ صادق أن يكونه.
وإذ عاهدهم على اقتفاء أثر أبيه، فقد شدد على وحدة حاشد، وعلى المحبة والثقة اللتين قال إنهما "سر قوة حاشد التي يضرب بوحدتها المثل داخل اليمن وخارجها".
كانت التكبيرات تتعالى بين كل فقرة وأخرى، ونادراً التصفيق.
يفترض الشيخ صادق أن القبائل تعيش حالة حزن وذهول بعد رحيل والده، لهذا دعاهم إلى تجاوز هذه الحالة "والانتقال إلى مرحلة البناء والعمل الجاد والمثمر لتعزيز دور حاشد ومكانتها".
تعزيز دور حاشد يقع في سلم أولوياته بالتأكيد، لكن القبيلي حافي القدمين الذي كان يقف إلى جواري، لم يكن يعرف كيف يعزز دور نفسه.
في الواقع كان الشيخ صادق يبايع القبائل، وليس العكس. كان يجدد لهم الولاء لأنه يستمد قوته من التفافهم حوله: "أنتم بالنسبة لنا الأسرة والسند بعد الله، وسنعمل على تحقيق ما تصبو إليه حاشد".
***
الأحزاب مظهر حداثي لا تنفي البنيات الاجتماعية التقليدية، لكنها تخفف من هيمنتها، وفوق ذلك تغذيها بمفاهيم حديثة. إلا أن مجتمع قبيلة حاشد يخشى أن تنتظم الأحزاب وحدها سياق علاقاتهم البينية.
يقول الشيخ صادق: "العلاقات الأخوية فيما بيننا فوق الحزبية، فالقبيلة مكون أساسي في المجتمع إننا بحاجة ماسة إلى التلاحم، وإلى كل ما يجمع ولا يفرق، ما يجعل (قبيلة حاشد) مستعصية على كل محاولات إضعافها وكسر شوكتها".
***
أياً ما كان الأمر، ففي حاشد يستطيع المرء أن يشاهد –دفعة واحدة- الأشياء الأكثر تناقضاً: رجال يتسمون بقدر عالٍ من الشهامة، يرتدون قمصاناً قصيرة وبالية بعض الشيء، وينتعلون أحذية تالفة أحياناً ومعفرة بالتراب. وعلى أكتافهم تتدلى بنادق عتيقة يعلوها الصدأ. وعند كل مطب تقف متسولات من فئة الأخدام..
ويؤطر التنافر المشهدي هذا، شيخ قوي يستقل سيارة مرسيدس مميزة وفارهة ويحاول إبداء قدر جيد من الدماثة.
ولئن كان الحاشدي يسرف كثيراً في الاعتداد بهويته، فإن مرد ذلك كونه يعيش حياة متقشفة وبروحية مفرطة في الجماعية. وكأي قبيلي ملتزم يتوجب عليه دائماً تذويب ذاتيته وفردانيته في المجموع.
إن حاشد في صورتها الحالية ليست على ما يرام. وهو ما يحتم على الشيخ صادق وإخوانه إعادة صياغة شكلها ومضمونها كي لا يصبح مجرد إظهار علامات الترف مثيرا للاستفزاز, وبالتالي الانفضاض من حولهم على مهل.
على أن الأمور لو سارت على هذا النحو, فإن المؤدى واحد: شيوخ حداثيون جداً, أثرياء وبرجوازيون، يقودون رجالاً من الأزمنة الغابرة بأساليب بدائية للغاية.
لكن الراجح أنها لم تعد مرهوبة الجانب، كما كانت في أزمنة ما بعد الثورة، على وجه الدقة.
في ستينيات القرن الماضي, كان الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر يحسم مصائر جمهوريات الثورة من مقره في قلب حاشد بالذات.
ففي منتصف تلك الحقبة، وتحديداً 1/5/1965، حين كان الشيخ وحلفاؤه يحضرون لمؤتمر خمر الشهير المناوئ للسلال، هبطت طائرة في مدينة خمر، (التي تحولت من مكان قاحل إلى موئل للمعارضة المؤلفة من مشايخ ومراكز قوى محافظة آنذاك).
كانت الطائرة تقل مشايخ في طريقهم للمشاركة في المؤتمر. وعلاوة على ذلك كانت تخبئ شيئاً آخر، إضافياً: عروس للشيخ عبدالله، بحسب رواية سنان أبو لحوم في مذكراته. لقد كانت حاشد يومذاك في أوج سطوتها.
لكن الأمر كان مختلفاً تماماً السبت الفائت. فعندما دعينا، نحن الصحفيين، لحضور حفل إشهار الشيخ صادق زعيماً لقبيلة حاشد، بدا الأمر مشوقاً. على الأقل بالنسبة لي، أنا الذي يقال إن لي جذوراً حاشدية. ولسوف تكون الرحلة مناسبة لاكتشاف الطينة التي صنع منها أسلافي.
لا يوجد في البروتوكول القبلي الدارج حفل إشهار -بالمعنى الحرفي للكلمة- بيد أنه كان يجب على الأشقاء (الأحمر) أن يمتثلوا لبروتوكول أشد صرامة: إنه قانون الزمن على الأرجح. ففي ظل مشهد سياسي معقد وحساس، وغياب طري للرمز, وتغول معادلات اجتماعية طارئة، تغدو فكرة الاستكانة للصمت بمثابة الموافقة على كونك غير موجود بتاتاً.
صباح السبت اتجهنا باكراً صوب بيت الشيخ في الحصبة. فقد حدد المنسق الإعلامي الساعة السابعة موعداً للقاء.
كانت الساعة الـ7:10 حينما دلفنا، الواحد تلو الآخر إلى صالون الاستقبال، الذي هو عبارة عن ردهة أنيقة إنما متوسطة الاتساع. تبدو في الجدار المواجه للمدخل صورة مستطيلة للشيخ الراحل. على يمين الصورة شجرة منحوتة من القرميد الأخضر، على غصونها أسلاف آل الأحمر (جذرها يبدأ من علي بن قاسم الأحمر). بينما على يسار الصورة تقع شجرة نسب حاشد وفي طرف ساقها من أسفل اسم قحطان، (الجد الذي تتقاسمه أغلب القبائل اليمنية).
***
بعيد لحظة وجيزة، أمضيتها في تأمل النقشين وارتشاف القهوة، دخل الشيخ صادق: "صبحكم الله بالخير"، حيانا بصوت يشي بالاحتفاء، وأخذ يصافحنا.
"كيف حالكم يا رجال"، قال قبل أن يتجه إلى المربع المخصص له في الشق المقابل من الصالون.
ساعتها كان الشيخ جبران مجاهد أبو شوارب يجول في أرجاء المكان. ومعلوم أن مجاهد أبو شوارب كان شخصاً قوياً. فلطالما شكل، الشيخ عبدالله وهو، تكتلاً ضارباً.
ولئن بدا جبران خلال الفترة الماضية، أقرب للرئيس منه للشيخ عبدالله وأنجاله، فإن هذا لن يبدل من كون التقاليد القبلية ترجح في نهاية الأمر أواصر الدم على ما عداها.
صحيح أن أمارات اللامبالاة كانت تكسو ملامح الشيخ جبران في ذلك الصباح البهيج (بالنسبة للشيخ صادق)، لكنه قال في كلمته لاحقاً وبحماسة شديدة: "سنكون عونك ودعمك ما حييت (أي صادق) كما كان آباؤنا وأجدادنا مع آبائك وأجدادك، فسر بنا إلى كل ما يرضي الله ورسوله كما سار آباؤنا من قبلنا، وإن شاء الله سوف تجدنا أصحاب قوة وبأس شديد".
تناولنا الإفطار على عجل، ولأن الشيخ حميد وصل متأخراً فقد اكتفى ببضع لقيمات تناولهن واقفاً من نفس طبق شقيقه الأكبر ووارث عرش حاشد (العرش اللامرئي).
تأهب الموكب للانطلاق إلى خمر. كانت الساعة قد بدأت الركض على الـ8، إنما ببطء أكثر هذه المرة. لقد انتابتني مشاعر عديدة ومتفاوتة. أكثرها صخباً: التفكير إنه ليس من شيم الصحفي الجيد السير في موكب شيخ دون أن يكون دقيق الملاحظة.. وشفاف.
كان الشيء الذي يلح علي مراراً: ما هي الطريقة التي يجب أن أرى بها حاشد التي يقال أنني منتم لها (لم يتسن لي إثبات هذا الانتماء).
***
تحرك الموكب، وتحركت معه رغبتي في مشاكسة حاشد.
تستغرق المسافة التي تفصل خمر عن صنعاء، من الزمن 1:30 تقريباً، بيد أن موكب الشيخ صادق الأحمر استغرق 4 ساعات. لكأنها ترميز غير مباشر عن طول المسافة الزمنية التي يتوجب أن يقطعها من ينوي غزو حاشد في قلبها (أياً كانت هوية هذا الغازي، شخص، أو نظام، أو أفكار، أو ثقافة تحول).
لا تحمل حاشد ذهنية ماضوية مطلقة، غير أنها تتعاطى مع الجديد بحذر بالغ. كان الشيخ صادق يستقل سيارة مغايرة لبقية الموكب: مرسيدس بنز (دبل) من طراز حديث. وإذ كان الرجل الذي عليه أن يتمايز بطريقة ما، عن أشقائه اعتباراً من اليوم، يجلس في المقعد الأمامي، كان الشيخ جبران مجاهد في المقعد الخلفي على متن السيارة نفسها.
عندما وصلنا منطقة بني ميمون الواقعة بين عمران وصنعاء، كان عشرات من القبائل يصطفون بمحاذاة الخط. ترجل الشيخ وألقى عليهم التحية القبلية: "كيف كلٌ وحاله". صافحهم، والتحقوا بالموكب.
كذلك الحال عند مدخل مدينة عمران اصطف العشرات، وفي وادي حمدة أيضاً. لقد كان يكتفي بإلقاء التحية والاستماع إلى كلمات الترحيب ثم يدعوهم للحاق به إلى خمر.
ففي وادي حمدة اخترق الشيخ الدائرة التي شكلتها جموع القبائل.
"كيف حالكم يا رجال؟"، هتف فيهم.
"الله يسلمك" -ردت الجموع بصوت واحد.
وحين طلب منه متحدث باسم الكل "معالجة مشاكلهم"، قال لهم الشيخ صادق بنبرة هادئة: "إن شاء الله نلتقي في خمر ونتدارس كل الأمور".
لأول وهلة يجد المرء أن الشيخ صادق يحذو حذو أبيه، إلا أن الظروف ليست مواتية كلياً لإعادة تمثيل الأدوار ذاتها، بالطرق والأدوات ذاتها.
ما يسترعي الانتباه حقا، في أول الأمر، هو أن الحاشديين يقدمون أنفسهم للغرباء دون تحفظ. فعلى الرغم أن هيئات بعضهم تنم عن بؤس شديد الوطأة، إلا أن الشخص منهم لا يجد حرجاً في أن يطلب منك التقاط صورة، لكن بعد أن ينبهك: "راعي لوما اشتبح" (أي استعد).
المؤكد أنهم أناس نقيي السرائر وخالين من العقد، ذلك أن البؤس ليس خياراً لأيٍ منهم.
على مشارف خمر اكتمل الموكب الممتد إلى وادي حمدة (على أطراف هذا الوادي تقع القرية التي يتحدر منها الرئيس إبراهيم الحمدي).
كانت مساحة مدرسة السلام تغص بالجموع الذين أطلقوا لحناجرهم العنان كي تردد الترحيب.
بعد لحظات سمعنا إطلاقاً كثيفاً للأعيرة النارية. النيران من لوازم القوة عند القبائل، وهي أيضاً من لوازم الفرح.
مبنى المدرسة التي أقيم فيها الحفل، هدية من دولة الكويت. وعلى مقربة منها منزل الشيخ عبدالله الذي بني –طبقاً لنقش على واجهته- عام 94، وفي الوسط مسجد.
بين كل حين وآخر (يلكزك) شخص من القبائل، لاسيما صغار السن، ويطلب منك التقاط صورة فقط. لا بد أنهم شغوفون جداً بالتصوير ولا يبدو أن هناك ما يمكن أن يحمرون له خجلاً (يكفي أن تصور أحدهم كي تخطب وده).
وعلي أية حال، فقد بدأ الحفل، ولئلا تفوتنا فقراته، فقد توجب علينا تسلق سور المدرسة كي نصل إلى المنصة.
حينها كان المعلق الاستهلالي يجهش بالبكاء حين أخذ يتحدث بطريقة مأتمية عن فقدان الشيخ عبدالله.
عندما صعد الشيخ صادق لإلقاء كلمته كانت القبائل كلها آذان صاغية.
تحدث صادق بطبقة صوت حزينة: "أيها الرجال الأوفياء الصامدون عند الشدائد والمحن... نلتقي اليوم بعد رحيل والد الجميع وشيخ الجميع الوالد الكبير الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وإنه لموقف يهتز له الكيان، ويتقطع فيه قلبي أسى وحسرة"، ثم دخل في نوبة من البكاء.
بعد هنيهة استأنف الكلام: "... إن حاشد كما وقفت مع الشيخ عبدالله ومع شقيقه اللواء مجاهد أبو شوارب فإنها ولا شك ستقف وقفة الوفاء والإخلاص اللذين عهدت بهما".
العبارة التي تستلفت النظر هي ما يلي: "إن لقاء اليوم يأتي بعد رحيل رموز حاشد الشيخ عبدالله والوالد مجاهد أبو شوارب". إنها تأكيد على حتمية الرمز ومحوريته في حاشد. الرمز الذي يريد الشيخ صادق أن يكونه.
وإذ عاهدهم على اقتفاء أثر أبيه، فقد شدد على وحدة حاشد، وعلى المحبة والثقة اللتين قال إنهما "سر قوة حاشد التي يضرب بوحدتها المثل داخل اليمن وخارجها".
كانت التكبيرات تتعالى بين كل فقرة وأخرى، ونادراً التصفيق.
يفترض الشيخ صادق أن القبائل تعيش حالة حزن وذهول بعد رحيل والده، لهذا دعاهم إلى تجاوز هذه الحالة "والانتقال إلى مرحلة البناء والعمل الجاد والمثمر لتعزيز دور حاشد ومكانتها".
تعزيز دور حاشد يقع في سلم أولوياته بالتأكيد، لكن القبيلي حافي القدمين الذي كان يقف إلى جواري، لم يكن يعرف كيف يعزز دور نفسه.
في الواقع كان الشيخ صادق يبايع القبائل، وليس العكس. كان يجدد لهم الولاء لأنه يستمد قوته من التفافهم حوله: "أنتم بالنسبة لنا الأسرة والسند بعد الله، وسنعمل على تحقيق ما تصبو إليه حاشد".
***
الأحزاب مظهر حداثي لا تنفي البنيات الاجتماعية التقليدية، لكنها تخفف من هيمنتها، وفوق ذلك تغذيها بمفاهيم حديثة. إلا أن مجتمع قبيلة حاشد يخشى أن تنتظم الأحزاب وحدها سياق علاقاتهم البينية.
يقول الشيخ صادق: "العلاقات الأخوية فيما بيننا فوق الحزبية، فالقبيلة مكون أساسي في المجتمع إننا بحاجة ماسة إلى التلاحم، وإلى كل ما يجمع ولا يفرق، ما يجعل (قبيلة حاشد) مستعصية على كل محاولات إضعافها وكسر شوكتها".
***
أياً ما كان الأمر، ففي حاشد يستطيع المرء أن يشاهد –دفعة واحدة- الأشياء الأكثر تناقضاً: رجال يتسمون بقدر عالٍ من الشهامة، يرتدون قمصاناً قصيرة وبالية بعض الشيء، وينتعلون أحذية تالفة أحياناً ومعفرة بالتراب. وعلى أكتافهم تتدلى بنادق عتيقة يعلوها الصدأ. وعند كل مطب تقف متسولات من فئة الأخدام..
ويؤطر التنافر المشهدي هذا، شيخ قوي يستقل سيارة مرسيدس مميزة وفارهة ويحاول إبداء قدر جيد من الدماثة.
ولئن كان الحاشدي يسرف كثيراً في الاعتداد بهويته، فإن مرد ذلك كونه يعيش حياة متقشفة وبروحية مفرطة في الجماعية. وكأي قبيلي ملتزم يتوجب عليه دائماً تذويب ذاتيته وفردانيته في المجموع.
إن حاشد في صورتها الحالية ليست على ما يرام. وهو ما يحتم على الشيخ صادق وإخوانه إعادة صياغة شكلها ومضمونها كي لا يصبح مجرد إظهار علامات الترف مثيرا للاستفزاز, وبالتالي الانفضاض من حولهم على مهل.
على أن الأمور لو سارت على هذا النحو, فإن المؤدى واحد: شيوخ حداثيون جداً, أثرياء وبرجوازيون، يقودون رجالاً من الأزمنة الغابرة بأساليب بدائية للغاية.