أفكر أنه لو كان
هناك اختبار تحديد مستوى بخصوص السياسة وفقا لمفهومها الحديث، فالحوثي والزنداني مثلاً
يمكن أن يقفا في المرتبة نفسها، ربما مع تفاوت محدود.
أقصد هنا فعالية
وتأثير وخطاب زنداني التسعينيات التي ذوت بالتدريج، وليس زنداني هذه الأيام، في حين
لا تزال فعالية الحوثي وتأثيره في طور الصعود.
وهذا ليس قدحا لأي
منهما.
أريد القول إن عبدالملك
الحوثي كان، إلى ما قبل خطابه الأخير الذي تضمن إشارة يتيمة إلى الانتخابات لأول مرة،
متأخرا، ليس قياسا إلى حزب الإصلاح، بل قياسا إلى مستوى متدنٍّ من مستوياته، أو ما
يمكن تسميته جناح الزنداني في هذا الحزب.
ومع ذلك كانت إشارة
الحوثي إلى الانتخابات جديرة بالاهتمام والتشجيع، ولو أنها وردت في معرض التشكيك المسبق
بالعملية الانتخابية، وبدا وكأنه فقط يناور مناورات لفظية لا تتسق مع واقع حال جماعته
وتحركاتها المسلحة في مناطق شمال الشمال.
"قائد المسيرة القرآنية" صفة غير معقولة
ولا تمت للسياسة بأي صلة، علاوة على أنها قد توحي بأن الرجل لم يحسم أمره بشأن التسمية
الرسمية لجماعته "أنصار الله". وعلى مستوى الشكل والتنظيم، فجماعة الحوثي
متخلفة على نحو كبير بالمقارنة مع حزب الإصلاح مثلا، فهي لا تملك بعد هياكل ومؤسسات
واضحة وفروع وتراتب تنظيمي باستثناء المكتب السياسي في صنعاء. حسن نصر الله مثلا هو
الأمين العام لحزب الله، لكن الحوثي الذي يقال أنه مأخوذ بمحاكاة تجربة حزب الله اخترع
لنفسه تعريف يتعالى على الصفات والرتب التنظيمية المدنية المتعارف عليها.
ثم إن حديثه قبل
يومين عن الغزو الفكري واختراق المخابرات الأمريكية للتعليم والإعلام في اليمن يتطابق
مع خطاب الزنداني، حتى أن الأخير كان له موقف مناهض لقانون نزع السلاح واعتبره مؤامرة
خارجية لتجريد اليمنيين من سلاحهم، بنفس الطريقة التي تناول بها الحوثي قضية نزع السلاح
قبل نحو شهر تقريبا.
بعبارة أخرى: سياسيا
ارتقى الحوثي في خطاباته الأخيرة بالكاد إلى مستوى زنداني التسعينيات، وهذا يعني أن
أمامه طريقا طويلا ومعقدا يتطلب جرأة وحسا سليما وفطنة.
...
شخصياً، ليس لديّ
مشكلة مع الطرق الالتفافية والحذلقات وضروب الاحتيال التي يلجأ إليها بعض المثقفين
والساسة المستنيرين في سبيل تأهيل الجماعات والتيارات الدينية بشقيها السني والشيعي،
وتنميتها سياسيا وتمدينها.
أشير هنا بالتحديد
إلى ذلك الجهد الذي يقوم على حزمة من الحيل الذكية وتقنيات الاستدراج والمواءمة والتغاضي
المحسوب وفتح الثغرات وإثارة أسئلة، بما يؤدي في الأخير إلى ترشيد وتحديث هذه الجماعات
والتيارات ومساعدتها على التشكل السليم وإعادة تعريف نفسها التعريف الآمن، وشرعنة وجودها
السياسي وأدواتها وتعبيراتها بما يتوافق مع روح العصر وحلمنا المشترك في حياة محترمة
وكريمة.
وهذا منهج يجمع بين
ممارسة النقد الصريح والموارب، المداهنة والهجوم، مع التظاهر في الوقت نفسه بالود والتفهم
والإعجاب، وأحيانا التظاهر بالانتماء.
وهو منهج مهم في
حالتنا الراهنة، وينطوي على إحساس بالمسؤولية، من منطلق أن هذه الجماعات حقيقة من حقائق
حياتنا، وهي من رواسب عصور من الانحطاط وأخطاء التاريخ، وبالتالي فاستراتيجية المواجهة
ليست في المتناول دائما، وجدواها محل شك، لهذا تقتضي الحكمة تجريب مسارات أخرى تعتمد
على الاحتواء والتأهيل والتنوير والعقلنة.
ليس لديّ مشكلة مع
من يمارسون هذا الدور من داخل هذه الجماعات والتيارات نفسها، سواء بوعي منهم أو بدون
وعي، وهو في ظني دور حميد، بغض النظر عن الدوافع.
إذا كان لديّ من
مشكلة فهي مع من يقول إنه غير منتمٍ لكنه يلتزم هذا المنهج إزاء جماعة أو تيار، بينما
يلتزم بموقف نقدي متشدد وجذري لا يفوت صغيرة ولا كبيرة ضد جماعة أو تيار آخر.