الخميس، 24 فبراير 2011

ليس لدى ملك الملوك من يؤويه

محمد العلائي
كان هادئاً ولم يكن. ولقد راح سيف الإسلام القذافي يطأطئ رأسه ويرفعه، يقلِّب عينيه ويرمش بهما علامة الأسى وربما القلق، يرفع سبابته مهدداً بضع مرات ويخفضها، بينما كانت صلعته الملساء تومض بالاخضرار الناجم عن انعكاس الأضواء لجدارية عليها خريطة الجماهيرية العظمى معبأة بلون "ملك الملوك" العزيز على نفسه.

ظل يتحدث قرابة الساعة. تنوع صوته خلالها بين المنخفض والمنخفض جدا لرجل يتحدر من عائلة تتمتع بنزوع مسرحي ذائع الصيت. كان هذا الشاب المتجهم، الذي ولد في 1972، يريد تمرير الرسالة البسيطة جداً والفظيعة جداً في آن: إما نحن إلى الأبد، أو الخراب التام.

وقبل سيف الإسلام القذافي، كان الاستعمار الايطالي في مرحلته الفاشية، قد لجأ إلى هذه القاعدة التي قد تسمى في أدبيات الحرب بـ"السلام الروماني"، السلام الذي يستند إلى هذه المعادلة المفرطة في وحشيتها: الاستلام المطلق أو الإبادة المطلقة. وبين الخيارين المريرين، كان الليبيون قد شقوا طريقهم إلى الاستقلال والتحرر الوطني عبر سلسلة ملاحم أسطورية من الكفاح الخالد والفداء.

لكن من خلف لهجة نجل القذافي المنذرة بالشر، والتي تلائم زعيم مافيا غليظ القلب شعر فجأة بالتهديد، خلف هذه اللهجة كانت تطل غيمة من الوهن المباغت لنظام حكم استسلم كلية لإغراء الأبدية، واستسلم العالم حياله لروح الظرافة النادرة التي تضفيها غرابة أطوار القذافي الأب وعائلته على السياسة الدولية والحكم.

أظن أن سيف الإسلام كان يفكر بصوت عال. كان يقول كل ما يمكن أن يخطر على بال أسرة حاكمة تعرف كيف توظف مخاوف شعبها بشأن المستقبل، وتناقضاته، والعلل التي سهرت على تغذيتها، في سبيل دوام ملكها.

لهذا، عبثا أخذ الرجل يثير كل التناقضات الاجتماعية والجغرافية والديموغرافية لكي يشيع الهلع في نفوس الليبيين ولاستنفار بعضهم تجاه الآخر. لكن هذه ليبيا. "آخر البداية وأول النهاية". كانت ليبيا من أواخر الدول العربية التي خضعت للاستعمار الحديث، وكانت من أوائل الدول العربية التي نالت استقلالها، طبقا للمفكر المصري جمال حمدان.

صحيح ليبيا، على غرار اليمن، تمتلك تاريخ سياسي مضطرب ومجزأ. ولا بد أن الغموض الكامل يكتنف مستقبل الليبيين بعد سقوط الطاغية، إن سقط، أكثر مما هو الحال في اليمن. ومع ذلك فالليبيون تعلموا كيف ينسجون عشهم من جديد على أنقاض القوة التدميرية لطليان الخارج الفاشيين، أو مجانين الداخل الأكثر فاشية.

إن الغاضبين في كل ربوع ليبيا يكتبون الآن بلا كلل نهاية لواحدة من أعتى الديكتاتوريات العربية وأشدها دموية وفساداً. ليس مهماً كم يحتاجون من الوقت لتطهير بلادهم من حكم المغفل المتذاكي وعائلته، وليس مهماً أن كفاحهم اتخذ طابعاً عنيفاً، ما هو مهم في نهاية النهايات هو أن يحصل هذا البلد المترامي الأطراف، الغني بالنفط، على خلاصه مع الاحتفاظ بقدر من التلاحم الوطني والتماسك.

لقد ولدت ليبيا الحديثة على مراحل. وكانت العلاقة التاريخية بين طرابلس (غرب ليبيا) وبرقه (شرق ليبيا) وأحيانا فزان (جنوب غرب ليبيا) تتأرجح في تناوب مستمر بين الافتراق والتلاقي. وكتب جمال حمدان عن الاقتسام الثنائي بين طرابلس وبرقة، وكيف أن هذا الانقسام هو أحد أبرز ملامح التاريخ الجيوبوليتيكي لليبيا. وأشار حمدان إلى ثمان حالات خضعت فيها برقة لقوة أجنبية في حين خضعت طرابلس لقوة أجنبية أخرى.

ومثلما هو الحال في اليمن، لا يخلو التاريخ السياسي لليبيا من حالات توحد إقليمي وإن كان تحت وصاية قوة أجنبية تركية أو رومانية أو ايطالية فيما بعد. في 1949، أعلنت "السنوسية" قيام "دولة برقه المستقلة"، بمعزل عن طرابلس وفزان، بالاتفاق مع البريطانيين. والسنوسية حركة دينية سياسية صحراوية "خلقت نمطا محددا في الجغرافيا السياسية للعالم الإسلامي، هو نمط دول شيوخ الطرق وملوك الصحراء، وكانت ابرز أمثلته هي الوهابية والمهدية إلى جانب السنوسية"، بحسب جمال حمدان.

في 1952، تم الاتفاق على الوحدة بين أجزاء ليبيا الثلاثة لكنهم اختلفوا على شكل الدولة. كانت طرابلس، وقد قبلت حكم السنوسية، تطرح الوحدة الاندماجية الكاملة، بينما كانت برقه وفزان تطرحان الدولة الاتحادية، بالنظر إلى أن برقة كانت قد أصبحت دولة مستقلة.

وبالفعل انتهى التفاوض إلى أن شكل الدولة فيدرالي يتكون من ثلاث ولايات هي: برقة وفزان وطرابلس، على أن تحظى برقة بوضع خاص. وصار الحاكم يدعى "ملك المملكة الليبية وأمير برقة".

اكتشف البترول في حوض "سرت" مطلع الستينيات، وهي منطقة تمثل حلقة وصل بين جناحي ليبيا الأساسيين. بعد سنتين من ظهور النفط، تم إعلان ليبيا دولة موحدة عام 1963، وجرى تقسيمها إداريا لتغدو الولايات الثلاث 10 محافظات. وهذه من الدلائل المهمة التي تؤكد دور النفط في وحدة ليبيا على النحو التي هي عليه الآن.

وإذا كان للبترول دورا جوهريا في وحدة ليبيا، كما يعتقد جمال حمدان، فإن البترول أيضا هو الذي زرع بذور التغيير الاجتماعي والطبقي أواخر الستينيات، التغيير الذي أطاح بالمملكة السنوسية ودفع بمعمر القذافي إلى الواجهة.

الانقلاب الذي نفذه القذافي، عام 1969، وقع في سياق تأثير المد الثوري الناصري. ومن سخرية القدر أن الملكية "التقليدية" التي أنهاها القذافي، استبدلت بملكية مجنونة لا مثيل لها في التاريخ ربما. ولسوف تغدو ليبيا بكاملها معملاً لأكثر الأفكار السياسية غرابة وانحرافاً، أفكار هجينة ومستهجنة أعادت تشكيل ليبيا على نحو سيجعل من الصعوبة بمكان محو آثارها الاجتماعية والثقافية في المستقبل.

تكمن المفارقة الصارخة في أن القذافي كان ينتهك ليبيا ثمناً، يعتبره مستحقا، لتخليصهم من الملكية، وفي نهاية المطاف يعلن نفسه بوقاحة لا تنم عن سوية إنسانية: ملك ملوك إفريقيا، وإمام المسلمين وعميد الحكام العرب. وهو قبل ذلك وبعده قائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيم.

في الأخير، ما أريد قوله هنا هو أن الليبيين، أكثر من التونسيين والمصريين، يكتبون خلاصنا الآن. إنهم اختبار حقيقي لما يمكن أن يحدث في بلد منقسم جهوياً وعشائرياً وطوبوغرافياً، اختبار حاسم للكيانات السياسية حديثة النشأة الأقل تجانساً، والتي خضعت عبر التاريخ الطويل لتدخلات خارجية متعاقبة واستعمار مزدوج أو متعدد، ثم لأنظمة حكم بغيضة متخلفة جشعة طائشة، اختبار لكل البلدان التي تبحث حاليا عن التحرر والانتقال الديمقراطي وسط ركام من المشاكل والتحديات والعقد.

الليبيون يدكون حصون "ملك الملوك". ملك الملوك لن يهرب، ليس لفائض شجاعته بل لأنه لم يوفر صديقا في العالم كي يؤويه!

الخميس، 17 فبراير 2011

نهاية تليق بالرئيس

محمد العلائي 
alalaiy@yahoo.com 

أعرف أن المقارنات التي تؤكد على الحالة الصعبة والخاصة لليمن، تتصادم مع تلك الرغبة النبيلة في اقتناص الفرصة التاريخية الناجمة عن ثورتي تونس ومصر. ذلك أن المعنى النهائي لهذه المقارنات هو وضع اليمنيين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استمرار النظام الحاكم على هذا النحو، أو الذهاب إلى فوضى عارمة وحروب. 

وهذا غير عادل تماماً، وغير منطقي على الأقل في ظل الأجواء "الثورية" التي تجتاح المنطقة. 

ومع ذلك لا مناص من المقارنة، لكن بهدف تحذير الرئيس وتحفيز حساسيته الوطنية، وليس بهدف زرع الخوف في نفوس المعارضين. على سبيل المثال: حصلت تونس على استقلالها سلمياً، وانقلب بن علي على بورقيبة سلميا، وأطاح به الشعب سلميا. مصر أنجزت كل تحولاتها الكبيرة في التاريخ الحديث سلمياً: الاستقلال، وثورة يوليو، وثورة 25 يناير. 

على الإطلاق، لم تأخذ الثورات في البلدين طابع نزاع أهلي مفتوح وباهظ التكاليف. 

كل ثورات اليمن وتحولاته الكبيرة تمت بواسطة العنف: حصل شمال اليمن على استقلاله من الأتراك من خلال ثورات عنيفة وحروب أزهقت فيها الكثير من الأرواح في صفوف الأتراك واليمنيين، وحصل جنوب اليمن على استقلاله من الانجليز عن طريق الكفاح المسلح مصحوبا بنزاع أهلي طاحن، كانت الجبهة القومية وجبهة التحرير أبرز أطرافه، وثورة سبتمبر في الشمال ضد الإمامة ما لبثت أن تحولت إلى حرب أهلية دامت 8 سنوات. على أن معظم انتقالات السلطة في الشمال والجنوب قبل الوحدة كانت تنجز عبر دورات عنف وفظاعات. 

الوحدة اليمنية تحققت سلميا، بيد أنها انتهت في 1994 لكي تستمر بعد ذلك كحصيلة لحرب أهلية ضارية. 

المصريون والتونسيون، على حد سواء، كانوا يمتلكون دولة قوية ذات حضور طاغٍ وتقاليد واستمرارية تاريخية. بينما نحن على النقيض. فدولتنا ضعيفة للغاية، وتاريخنا السياسي مجزأ، والجيش لا يعدو عن كونه حرساً شخصياً للرئيس، تشكيلاته وهياكله التنظيمية كلها صممت بما يلبي الحاجة الأمنية للرئيس بالذات. وفي ظني أن الجيش بوضعيته الحالية يمثل أحد أكبر المخاطر التي تتهدد أمن البلد والمنطقة بأسرها. 

لا يوجد يمني حاليا يشكو من حضور الدولة، بل من غيابها. في حين كان المصريون قد ضاقوا ذرعا من البوليس والنظام. ربما كانت الدولة في مصر متخلفة وفاسدة، لكنها في كل الأحوال كانت تتمتع بجهاز بيروقراطي عريق، وبنية مؤسساتية متراكمة. باختصار دولة تسيطر على ربوع البلاد بقبضة أمنية محكمة. "هذا بلد مشهود له بالاستقرار السياسي"، بتعبير فؤاد عجمي. 

... 

هل بمقدور اليمنيين صناعة ثورة -مع نفوري الشخصي من هذه الكلمة- تحقق التحول الديمقراطي المنشود، وتقضي على الفساد والاستبداد والتوريث، دون أن نضطر لعبور حرب أهلية يصعب السيطرة على نتائجها؟ 

وإذا كان المعلقون والخبراء قد رجحوا أن اليمن ستكون التالية بعد تونس ومصر، فإن أحدا منهم لم يضمن مسارات شبيهة بثورتي تونس ومصر ولا حتى قريبة منهما. خذوا مثلا ما قاله، الأسبوع الفائت، جيمس كلابر مدير المخابرات الوطنية الأمريكية في إفادة أمام لجنة بالكونجرس يوم الخميس عن أن التحديات السياسية والأمنية وتحديات التنمية تمثل أكبر تهديد لليمن منذ الحرب الأهلية عام 1994. 

نحن بإزاء زمن جديد، وعبثا نحاول الوقوف في وجهه. مع ما حدث في مصر وتونس تذكر بعض المعلقين ما يسمى بنظرية أحجار "الدومينو إفكت". وهي رؤية سياسية تصرفت الولايات المتحدة الأمريكية بمقتضاها بين عامي ١٩٥٠ و١٩٨٠. النظرية تؤكد على أن أي تغيير في منطقة ما، سيولد تغيرات متشابهة في المناطق المجاورة. ولقد تورطت واشنطن في فيتنام لكي تمنع المد الشيوعي الذي كان ينتشر في آسيا كالنار في الهشيم. 

... 

أظن أن رد اللقاء المشترك، يوم الأحد، كان مسؤولاً وحكيماً ويفصح عن إدراك عميق لواقع اليمن وتعقيداته. ولا بد أن الخطاب يتوجه من الآن فصاعدا إلى الرئيس بالذات. إن تجنيب البلاد شبح حرب أهلية مرهون بالطريقة التي سيتصرف بها هذا الرجل خلال الفترة القادمة. 

الضمير الوطني المفترض، وحتى الإنساني، للرئيس على المحك، وليس حذقه ولا دهائه الشخصي وطيشه. انتهى الزمن الافتراضي للألاعيب، انتهى وقت التحايل والتكتيك والترحيل والارتجال والتضليل، انتهى زمن خلط الأوراق والمراهنة على الحظ وقوة الطباع. نعرف أن لديه مؤيدين، أكثرهم مأجورين، ونستطيع أن نتفهم مخاوفه، لكن عليه أن يتيقن بأن اليمن على مشارف تحول يمكن أن يفضي إلى حالة ديمقراطية واستقرار سياسي وتماسك وطني، ويمكن أن يفضي إلى فوضى وعنف وتفكك وخراب. 

المخيمات ومجاميع القبائل لا توفر للرئيس ولا للبلد مصيراً آمناً، ما يمكن أن يوفر ذلك الآن وليس غدا، هو الاستجابة الفورية للحوار الوطني الشامل قبل فوات الأوان، والبدء الحقيقي والملموس في اتخاذ قرارات صعبة وحاسمة تتعلق بالتوريث والفساد، وإعادة صياغة الجيش على أسس وطنية ليكون حامي البلاد والقوة المحايدة الأمينة التي تملأ أي فراغ محتمل، والعمل الدؤوب مع اللقاء المشترك والقوى الوطنية من أجل التوصل لأفضل آليات انتقال السلطة. 

بالطبع، قلة جدا من يريدون خروج الرئيس من السلطة الآن على طريقة زين العابدين ومبارك. رغم أن دائرة هؤلاء قد تتسع في الأيام المقبلة لا سيما إذا تعامل الرئيس مع عقلانية اللقاء المشترك بمزيد من الاستخفاف أو الخداع والصلف. حتى هذه اللحظة لا يزال بوسع الرئيس صالح صناعة خروج مشرف وكريم في 2013 أو حتى قبل 2013، ولا يزال بوسعه منع اليمن من الانزلاق في الفوضى والعنف والتفكك. 

بحسب حنة ارندت، فإن "الثورة" كلمة تم استعارتها من قاموس علم الفلك إلى قاموس السياسة في لحظة معينة من التاريخ الأوربي. كانت الكلمة تستخدم لوصف حركة النجوم الدائرية، بمعنى تلك العملية التي لا تقاوم. أريد القول انه لا سبيل إلى مقاومة مد التاريخ الآن حتى لو كان من المحتم أنه سيجرفنا إلى هاوية سحيقة. 

الرئيس يمتلك جيشاً وسلاحاً ومالاً، فيما المعارضة لا تملك شيئاً، وبالتالي فالمسؤولية التاريخية والوطنية تقع عليه شخصياً وليس على التواقين للتغيير إذا ما سارت الأمور في اتجاه حرب أهلية شاملة وتفكك. لقد نال الرئيس من الأمجاد ما يكفيه. وهو يحتفظ بسيرة حياة مليئة بلحظات من الأبهة التي لا تستبدل، سيرة حياة مليئة بالمتاعب والملذات. الرجل حظي بكل شيء: السلطة، الفخامة، المتع، والنصر. وأظنه محتاجاً لنهاية تليق بكل هذا. 

من هذا المنطلق ليس سهلا التماس الأعذار بعد اليوم للرئيس ولا لشبكة المصالح الضيقة التي نشأت من حوله. على الرجل أن يجعل من الأشهر القادمة فرصة أخيرة يكرس فيها طاقته وحيله من أجل شق ممر خروج آمن وسلس من السلطة بعد بضع وثلاثون عاما من الحكم. بالتأكيد سيكتشف كم أن لحظة المغادرة أصعب بما لا يقاس من لحظة الوصول إلى الحكم. 

يجب أن يبدأ، ويبدأ على الفور قبل أن تضرب العاصفة. أظنها تضرب الآن! 

الأربعاء، 2 فبراير 2011

وحيد القرن

محمد العلائي 
alalaiy@yahoo.com 

الحوادث الأخيرة في تونس ومصر تفرض منطقاً لا رجوع عنه. 

قررت أن أخون خيانتي، وأن أسمح لنفسي بالانزلاق، الآمن والمسيطر عليه، في سيرك التناقض. وهو ليس ذلك التناقض الناجم عن المعرفة على طريقة شارل بودلير الذي كان يدافع عن حق الإنسان في التناقض من منطلق بسيط وهو : "أن تعرف يعني أن تتناقض". وغدا ربما أخون خيانتي لخيانتي، وهكذا. 

من جهتي، لم يحالفني الحظ لكي أعرف ما من شأنه تبديد المخاوف التي تناولتها في مقالتي الأسبوع الماضي والتي حملت عنوان "أنا خائن لكل هذا الجنون". لكن لا مفر من الانخراط بلا تحفظ في اللحظة، بكل عنفوانها، أوهامها وحقائقها، جنونها ورشدها، طفوليتها ونضجها. 

من يجرؤ على الاعتراض؟ الإصبع التي تعترض تبتر وتؤكل. أنت إما مع التغيير وفق نموذجي تونس ومصر بصرف النظر عن أي شيء وعن أي حسابات، أو أنك مع اللاتغيير، وهذا يعني أنك وضعت نفسك في مرمى قناصة الثورة القادمة المملوءين بالحماسة واليقين. فالحديث عن الوضع الخاص باليمن الذي يقتضي اجتراح آليات جديدة تمهد انتقالاً آمناً للسلطة، هو الابتذال والسقوط والانهزامية بعينها! 

لقد تلقى الكثيرون المقال بسيل من التهم والتعريض والتخوين والتظاهر بخيبة الأمل. كنت أبحث بحسن نية عن أجوبة على هواجس تتعلق بالمستقبل، فانهالوا علي بضروب من الانفعالات تعكس طاقة عنف جبارة، وخشونة ذوق وإحباطاً. انصرفوا عن الخوض في الفكرة الأساسية التي يطرحها المقال، وسخّروا جهدهم في تفتيش الضمائر. باستثناء الصديق العزيز محمد عايش ومقاربته الرائعة. على أن الخيارات التي وصفها عايش بالآمنة لم تبد لي آمنة إضافة إلى كونها غير مضمونة. 

كنت ببساطة مع ما أسماه أوباما "التحول المنظم". لكن عندما شعرت بخطورة أن تنقلني هذه الواقعية الشديدة -وما أظن أنه انحياز للعقلانية- إلى طوابير الأعداء، ها أنا أجدني مضطرا لإعلان خيانتي لما أؤمن به، خيانتي لخوفي وضعفي وشكي، خيانتي لعقلانيتي وواقعيتي، خيانتي للضمير والاستقامة والنضج. 

قرأت مؤخراً تلخيصاً لأطروحة إيان بريمر "المنحنى جي"، وهي نظرية سياسية مبتكرة تساعد على التنبؤ باللحظة التي ينقلب فيها استقرار نوع معين من الدول إلى فوضى عارمة أثناء سعيها للحصول على التحرر. وبالمناسبة، أظن أن هذه هي وجهة نظر اللقاء المشترك بشأن التغيير، إلا إن كان سيسلم قياده للشارع كليا. الأمر يتعلق بالسلطة أيضا وما إن كانت قد التقطت الإشارة التي أطلقتها انتفاضات مصر وتونس. 

كتبت مرارا عن مزايا اللاعنف، والنزول إلى الشارع لمجابهة سلطة متقلبة المزاج. المشكلة الآن أن هذا الخيار يُطرح وفي الخلفية خبرة طرية لشبان غاضبين يحتشدون في الشوارع ورؤساء يحزمون حقائبهم ويغادرون إلى جدة. هذا ما يجعل من خيار الشارع الآن مخاطرة إن لم تكن فرصة لتسريع وتيرة التفاوض. 

نحن نرى أنفسنا في كل ما يجري من حولنا: رأينا أنفسنا في انهيار الصومال، وفي احتلال العراق وسقوط صدام، ورأينا أنفسنا في احتلال أفغانستان، ونرى أنفسنا الآن فيما يجري في تونس ومصر. كتبت المقال وأنا على يقين أن ما يحدث سيتجلى بطريقة ما في ساحتنا. يتجلى مثلما يتجلى كل شيء يحدث في العالم وعلى نحو يرثى له. 

... 

قررت أن أخون خيانتي، وغدا ربما أخون خيانتي لخيانتي. 

المسألة، بالنسبة لمهووسي الثورة، لم تعد تتعلق بصوابية الحسابات والمخاوف، بل بدوافع هذه الحسابات ومحفزاتها. لقد اتفق "جيش الخلاص" على أن السيناريو مرعب في اليمن بالفعل، لكنهم اتفقوا كذلك على أن هذا الثمن مستحق وعادل. فوضى؟ نحن في خضم الفوضى الآن. مجاعة؟ الجياع في كل مكان. الموت؟ وإن يكن، فالحياة هكذا ليست جديرة بأن تعاش. التفكك؟ بسيطة، لم تكن اليمن أفضل في ظل الوحدة. الصراع الطائفي؟ النظام هو الذي زرع فتيل هذا الصرع! 

هذا المنطق التبسيطي والعدمي، الذي وصفته أيضا بالمجنون في مقالي السابق، هو السائد الآن. منطق الثورة، أو منطق روبسبير أو منطق اللا متسرولين. لا يمكن الوقوف في طريقه، يصعب المساس ببنيته الذهنية والعاطفية. موجة التاريخ تتحرك في هذا الاتجاه، ولقد أخفقت في مقاومة حاجتي الملحة للانغماس في الموجة بالكامل وتمجيدها. في قرارة نفسي، لست مؤمنا بتكرار النموذجين المصري والتونسي في اليمن، ومع ذلك فأنا لا أريد أن أتصرف بوعي المطارد من "محكمة الثورة"، الخائف من هذه الجهوزية الرهيبة لدمغك بالخيانة وبيع الضمير. هذا كل ما في الأمر. 

يقف هذا المنطق في مقابل منطق عدمي آخر، منطق السلطة، وهذه قد نالت حظها من الهجاء المستحق. 

... 

ينبه محمد الحداد في مقالة نشرتها جريدة الحياة، الأحد الفائت، الثوريين الجدد إلى الفارق الدقيق للغاية بين منطق الثورة ومنطق الدولة. يقول: "منطق الثورة قائم على الرغبة والحلم والجرأة، ومنطق الدولة قائم على التحوّط والواقعية والامتناع عن المغامرة". 

ويشير الحداد إلى المنعطف الحاد الذي ينتهي فيه الحلم: "وتبدأ عملية التغيير الحقيقي في علاقة بواقع معقد تتعدّد فيه الرؤى والمصالح والرغبات والأحلام ويرتطم بأنواع من الصعاب منها ما لم يكن متوقعاً". ويضيف: "ثم يكتشف الجميع أن الثورة كانت ثورات وأن لكل ثورته التي يريد. لحظة قاسية هذه الاستفاقة على الحقيقة، هذا الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة، يوم يدرك الحالمون أن الحكام السابقين قد سقطوا لكن لم تسقط الحاجة إلى الدولة، وأن الحكام الجدد لا بدّ أن يستعيدوا بعض وظائف سابقيهم: توفير الخبز للعائلات، فتح المدارس للطلاب، نشر الشرطة في الشوارع، استقبال مبعوث أميركي جاء ليبارك الثورة، وهكذا دواليك". 

لم أحلم يوما بأن أكون ثورياً ولا مناضلاً. المجد المباشر السهل لا يغريني. المجد الذي لا يتطلب سوى الاحتكاك بشرطي في الشارع للحصول على الإحساس المهيب بالفخر والامتلاء. "أنا واحدٌ من مئات ألوف الضعفاء الذين يعتبرون ضعفهم نوراً من الله على جباههم ويرفضون العبور إلى شيء على الجماجم، لا إلى السلطة ولا إلى التحرير"، بتعبير انسي الحاج، في الأخبار اللبنانية. 

نعرف الكثير من الأشخاص عاشوا حيوات مفعمة بالاعتزاز والمجد من خلال مواقفهم الجريئة حيال النظام الحاكم، سياسيين عارضوا وانتقدوا، وكانت الشجاعة هي رأسمالهم الوحيد، صحفيين كان وجودهم يرتكز على مدى الجرأة في انتقاد الرئيس. أمضوا لحظات جيدة، لحظات امتلاء تاريخية ونشوات لا تنسى. مؤخرا فقدوا هذا الامتياز بعد أن قفز إلى واجهة التاريخ رجال أكثر إقداما وجرأة. 

لم يترك حميد الأحمر، مثلا، ما يمكن لهؤلاء قوله. لهذا السبب يلاقي حميد رفضاً وانتقاداً واسعاً في أوساط مثقفين وساسة يشاطرونه العداء الشديد للرئيس. حميد سرق منهم الميدان الذي برعوا فيه يوماً. (شخصيا أنظر إلى جرأة حميد الأحمر ضمن امتيازات الحالة الاستثنائية المتراكمة لعائلة الأحمر. هذا لا يعني انه يقوم بدور ما، لكن ذهابه إلى الأقاصي في خصومته، وقول كل ما يمكن لمنشق قوله، المنشق المدفوع بسماخة القبيلي واطمئنان الشهيد الذي كسبه من علاقته ربما بحزب الإصلاح- بقدر ما يعني أنه يبدد امتيازات وضعه الاستثنائي في تصريحات نارية تفقد تأثيرها مع مرور الوقت حيال سلطة تعيش حالة انكشاف دائم وقدرة لا متناهية على التكيف مع الظروف والظواهر والتحديات). 

... 

المجد المتداول حاليا لم يعد في ما يمكن قوله أو كتابته ضد الرئيس، بل في ما يمكن فعله. من الآن فصاعداً، سيتألق على شاشة التاريخ أناس عابسو الوجوه، ناقمون، يحفزهم مزيج من الإحباط والكبت والرغبة الجامحة في صناعة المجد من خلال إعادة تمثيل المشهد المصري والتونسي أيا تكن النتيجة. 

احتفظت بمفهومي الخاص للمجد والشرف وحتى للتغيير. أحسبني من أكثر التواقين للتغيير، (كيف أبرهن على ذلك؟)، وأتذكر أنني عشت على وهم المجد المصنوع من الجرأة إزاء النظام، والحق أنه كان مجدا حقيقياً في لحظة معينة من العقد الفائت. وقبل أن أعلن خيانتي في هذه السطور، كنت أرى أن المجد الحقيقي يتمثل في الموازنة الذكية بين سعينا الحثيث للتغيير والحفاظ على الهياكل البسيطة لدولة لم يكتب لها النمو بشكل طبيعي. 

بيد أنني أفهم جيدا النزعات والغرائز التي تنتاب الجموع في لحظات التحول التاريخي. وأعرف أنني كنت بصدد السير في الطريق المعاكس، الذي يشبه تلك الطريق التي سلكتها ذات يوم جبهة التحرير في جنوب اليمن والرابطة، وسلكتها قوى ورموز أخرى كان لها وجهة نظر معاكسة في شمال اليمن إبان ثورة سبتمبر. طريق المهزومين، إن صح التعبير، والمنبوذين من الثورة والوطن فيما بعد. مع الأخذ في الاعتبار اختلاف الظروف والأحوال: كانت تلك الأحداث أحداثا تأسيسية بالنسبة لليمن بأسره، لكن العنف الذي قد يصاحب التحول القادم سيكون عنفاً تخريبياً يهيمن عليه نزوع مشترك نحو التفكك والانقسام. (أدعو الله أن تخيب ظنوني). 

أثارت مسرحية "وحيد القرن" لأوجين ايونسكو، في داخلي مشاعر متضاربة. تندرج هذه المسرحية ضمن ما يعرف بمسرح العبث. ويقال إنها كانت انعكاساً للهلع العنيف الذي كان يعتري ايونسكو حيال "كل الهستيريات الجماعية".‏ 

"قضي الأمر! لم تعد المدينة بأكملها سوى حشد فوضوي لحيوانات "وحيد القرن"... وحدهما "ديزي"، و"بيرانجيه"، بَقِيا سليمين"، هكذا يكتب ايونيسكو معلقا بعد حوار تهكمي فاتن بين جان وصديقه بيرانجيه. خسر الأخير صديقه الذي نبت له قرن فجأة وأصبح جلده يميل للاخضرار. بقيت ديزي، لكنها لا تلبث أن تقع فريسة الافتتان بـ"النشاط والطاقة الخارقة التي تصدرها جميع هذه الكائنات التي تحيط بنا". 

ألفى بيرانجيه نفسه وحيداً. يدخل مع نفسه في مونولوج حزين ومضحك في آن. لوهلة يظن أنه صار الوحش وسط مدينة من الكائنات الغريبة، وحيدو القرن يصأون، لكن ديزي تقرر أنهم يغنون وأن غناءهم شجياً، قبل أن تلتحق بهم! 

"إن غناءهم ساحر، أجش قليلاً، لكن سحره أكيد! لو كنت أستطيع أن أفعل مثلهم"، يحدث بيرانجيه نفسه. "واحسرتاه! لن أصبح أبداً، "وحيد قرن"، أبداً، أبداً! لم أعد أستطيع التغيُّر، أودُّ من كل قلبي، أودُّ إلى درجةٍ عالية، لكني لا أستطيع"، يقول بيرانجيه. 

ولما كان عاجزا تماما عن أن يصبح وحيد قرن، اتخذ قراره البائس: "سأدافع عن نفسي، ضد الجميع! إنني الرجل الأخير، وسأبقى كذلك حتى النهاية! لن أستسلم!".‏ 

هذا بيرانجيه بالطبع وليس أنا. لا يزال هناك متسع من الوقت كي يصبح محمد العلائي "وحيد قرن"! 
خاص بمحاكم تفتيش الثورة: لا أمتلك مصالح قد تتضرر بانهيار النظام. لتحترق البلاد حتى يصل رمادها إلى الأطلنطي. أسكن في الضواحي، "مستأجر بيت غرفتين" واستقل الباص أغلب الوقت. المجد والخلود لما لا ادري من الأشياء التي لا يعرفها سوى الثوار! 

*بالتزامن مع صحيفة "اليمن" 

الأكثر مشاهدة